|
ـ نحو مواقع للإرادة على الأرض
مجلس الوزراء المصغر في الكيان الصهيوني قرر توسيع دائرة التصفيات المنظمة لقادة الانتفاضة وناشطيها، بعد نجاح قواته في عدة عمليات مؤثرة من هذا النوع كان آخرها تصفية ثلاثة عناصر معظمهم من الجهاد الإسلامي. وقد أوعز بتنفيذ عمليات جديدة مكثفة تحت ذرائع مفتوحة الأفق منها: الاشتباه بقيام شخص بالتخطيط لتنفيذ عملية مستقبلاً ضد عناصره ومستوطنيه وقواته الاستعمارية.
ولا يتوقف توجه العدو إلى تصفية عناصر بشرية ناشطة و يمكن أن تنشط ضد الاحتلال عند هذا الحد، بل يمضي إلى القيام بعمل منظم وفق استراتيجية ثابتة لتدمير الشعب الفلسطيني وإبادته بدءاً بتدمير البيئة الصالحة للحياة من حولـه بتجريف التربة المعدّة للزراعة واقتلاع الأشجار والمزروعات وانتهاءً بتدمير كل مقومات الإرادة والهوية والبقاء الروحي لشعب في أرض ومقدسات وتاريخ.
وإذا كان العدو بدأ بترويج كذبة عند بدء مشروعه الاستيطاني في بداية القرن الماضي: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وافتضحت كذبته بعد نجاح مشروعه، فإنه اليوم يريد أن يعطي للكذبة مصداقية الواقع بتدمير شعب ومقومات الحياة في أرض ليتابع مرحلة جديدة من مشروعه العنصري. وتصعيده للأحداث، سواء في فلسطين المحتلة، أم في جنوب لبنان، وتهديده لسورية بعد توجيه ضربة لموقع رادار في البقاع، واتهامه لسورية بتغطية وصول أسلحة كثيرة لحزب الله من إيران..
كل ذلك يرشح المنطقة لحالة حرب.. لا يهم كيف تبدأ ولا من أين تبدأ.. ولكن المهم أنها إذا بدأت لا يمكن التكهن بنتائجها ولا التحكم بها وبتوقيت توقفها.
وما يرشح المنطقة لهذا الوضع ليس نزوع شارون العدواني – العنصري وحمقه غير المحدود وكونه يذهب إلى المدى الأبعد بتنفيذ تكتيك قد يكون ناجحاً ولكنه لا يستند إلى استراتيجية بعيدة النظر من أي نوع. فرجل المذابح والإرهاب والاستيطان والقتل الأعمى هذا يستند إلى منطق القوة العمياء المتحركة آلياً من دون ضابط عقلاني أو خلقي أو إنساني من أي نوع.. ومن ثم من دون تفكير بالهدف النهائي للعدوان.. غير سحق أمة العرب.. وهو تفكير مدمر لصاحبه ولمن يمشون وراء هذا النوع من التفكير والتخطيط والاختيار على المدى البعيد.
إن سؤال توجه المنطقة إلى حالة حرب؛ أو ترشيحها لهذه الحالة لـه ما يسوِّغه من وجوه عدة، وله معطياته التي يقدمها العدو الصهيوني ليروجها داخلياً ودولياً.
1- فهو يجمع في حزمة واحدة: سورية ولبنان بمقاومته الوطنية والإسلامية الباسلة، وإيران، ويوجه إلى هذه الحزمة تهمة "التشجيع على الإرهاب وممارساته" -ومن المعروف أن العدو وحلفاءه يسمون المقاومة إرهاباً والاحتلال استيطاناً مشروعاً.. ومن يدعم المقاومة ضد الاحتلال راعياً للارهاب ـ ويريد منها أن توقف كل مقاومة لوجوده في أراضيها، وكل دعم للانتفاضة وللشعب الفلسطيني من أجل تحقيق أهدافه المشروعة.
2- ويضع الكيان الصهيوني في اعتباره أن يضطر إلى تدمير سلطة الرئيس عرفات، الذي بدأ يوجه إليه اتهامات من نوع: إرهابي.. ومصاص دماء، إذا لم يمكنه من تنفيذ خطة تصفية" المطلوبين" الذين قدم تينت قائمة بهم ليتم القبض عليهم ومحاكمتهم… وهم لا يقلون عن مئة وخمس وعشرين شخصية فلسطينية من وجوه المقاومة والانتفاضة ومن القيادات الفكرية والروحية والنضالية. وهذا النوع من توجيه الضغط لإعادة السلطة الوطنية الفلسطينية لموقع الشرطي والمخفر الذي ينفذ أوامر ضد شعبه ويتابع تصفية ما تبقى من حقوق ذلك الشعب، سوف يقود إلى أحد احتمالين من وجهة نظر العدو وحلفائه:
أ-إما الانصياع للطلب ومن ثم جعل الفلسطيني يلاحق الفلسطيني ويصفيه.. وفي ذلك عودة لسنوات أوسلو الأولى، وما تجدد من ذلك النمط في مراحل منها بعد ذلك. وبهذا يغسل صهاينة اليوم أيديهم من دم الفلسطينيين الذين يأمرون بتصفيتهم، مرددين العبارة القديمة التي قيلت في أثناء مذبحة صبرا وشاتيلا: "غوييم يقتلون الغوييم" فما شأننا نحن؟!
ومن ثم ينفذون مخططهم بيد غيرهم، كما كان يفعل أسلافهم.. وهذا توجه بيريس الأدهى والأذكى من شارون.
ب-وإما الانقضاض على ما تبقى من البيت الفلسطيني بحجة أن "سلطته" تخلت عن "السلام" وما زالت تشجع على ممارسة "الإرهاب"، ومن ثم فليس أمام اليهود إلا أن يدافعوا عن أنفسهم بتوجيه ضربات استباقية لأعدائهم.. الذين منهم رجال السلطة أو الذين لم يستطع رجال السلطة ضبطهم.!؟
وسواء أتم تفجير الوضع بتوجيه ضربة إلى لبنان أم إلى سورية في لبنان للقضاء على آخر قلاع الصمود بوجه التصفية النهائية لقضية فلسطين، أم إلى الشعب الفلسطيني في الداخل بصورة تفوق ما يوجه لـه يومياً في هذه الأيام، فإن النتيجة هي وضع المنطقة في حالة حرب، قد نعرف كيف تبدأ ولكن لا يمكن التكهن بكيفية انتهائها.
ولكن الحديث عن احتمال الحرب ليس بهذه البساطة، وإذا كنت استقرئ التصرفات الخرقاء للكيان الصهيوني وأقرأ نواياه الإجرامية، وأستنتج أنه وصل إلى حالة من القلق والارتباك، بل من الخوف والفزع الداخليين، جراء العمليات النوعية في جنوب لبنان وداخل فلسطين المحتلة إلا أنني لا أرجح أن يقدم على اجتياح في لبنان وإنما على تصعيد نوعي في فلسطين المحتلة الأمر الذي يجعله يقوم بعمل عسكري مدروس يعطي نتائج الحرب من دون أن يخوضها بأبعادها ونتائجها.
|