|
ـ الإرهاب الصهيوني المتجدد
العملية الإجرامية التي قامت بها عناصر من جماعة "كاخ" اليمينية الصهيونية في ليل يوم الخميس 19 تموز/يوليو 2001 ضد أسرة فلسطينية قرب حاجز ترقوميا ـ منطقة الخليل، وذهب ضحيتها ثلاثة أشخاص بينهم رضيع في الشهر الثالث من عمره، استشهد بين يدي أمه مع والده، وجرح فيها أربعة فلسطينيين آخرين بينهم والدة الطفلة الرضيع؛ تشكل حادثة مفصلية في هذه المرحلة من مراحل الصراع مع العدو الصهيوني، لأنها كشفت بما لا يقبل التغطية والتمويه الخلايا الإرهابية التي شكلها شارون وحكومته في الجناح "المدني" من اليهود، الذين يساهمون في تنفيذ خطته الرامية إلى :
1 ـ تصفية العناصر القيادية والناشطة في الانتفاضة والمقاومة بعمليات عسكرية مباشرة، منها ما يقوم به جيش الاحتلال باستخدام الدبابات أو المروحيات واقتحام مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية بالقوة المكشوفة والقبض على الأشخاص أو تصفيتهم أو تدمير بيوتهم وممتلكاتهم وحقولهم وأشجارهم ثم العودة إلى مواقع الاحتلال؛ ومنها ما تقوم به عناصر الموساد والشين بيت والشاباك ومن يرتبط بهم من العملاء، بطرق مختلفة وفي أماكن عدة من الضفة وغزة، وعُرفت نماذج من عملياتهم باسم عمليات المستعربين، أي الذين يتزيُّون بالزي العربي ويقومون بأنشطتهم التخريبية والإرهابية في داخل الوسط العربي وكأنهم من الفلسطينيين. وقد نفذت هذه المجموعات عدة عمليات ضد عناصر ناشطة من حماس والجهاد الإسلامي وفتح، لا سيما بعد محاولة القيام بعملية في حيفا من عنصر من عناصر الجهاد الإسلامي.
2 ـ تصفية المواطنين الفلسطينيين على الطرقات وفي المواقع التي تصل إليهم فيها أيدٍ يهودية من تلك العناصر المنظمة والمدربة على العمليات الإرهابية، التي أطلقت تحت غطاء "الدفاع عن أمن المستوطنين"، ومنها الجماعة التي انطلقت في توقيت غير ملائم للكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية ليل الخميس 19 تموز، وهي جماعة تطلق على نفسها: " لجنة حماية الطرق " ومعظمها من أتباع الإرهابي مئير كاهانا.
وتأتي هذه العملية في توقيت ضاق به الأميركيون ولم تضبطه القيادة الصهيونية جيداً، فقد حدثت هذه العملية عشية انعقاد مؤتمر قمة الدول الصناعية / قمة الثمانيةG 8 / في جنوة، وعشية المطالبة العربية، من خلال لجنة المتابعة الوزارية في الجامعة العربية، والمطالبة الفلسطينية؛ بوضع قوة مراقبة دولية إن لم يكن قوة حماية دولية، لرصد العمليات العدوانية التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني يومياً ضد الفلسطينيين، لبدء توقيت تنفيذ مبادرة تينيت وخطة ميتشل.
ولن يستطيع الأميركيون الدفاع عن الكيان الصهيوني كما ينبغي في مناخ تنفيذ هذه العملية البشعة التي نفذها إرهابيو " كاخ " .. واضطرت الإدارة الأميركية إلى القول: " إنها عملية بربرية"، واضطر شارون وموشيه كساب/ قصاب رئيس الكيان الصهيوني إلى إدانة العملية للتخفيف من وطأة الضغط الدولي عليهم وعلى حليفهم الأميركي في قمة جنوة، التي اتخذت قراراً بوضع مراقبين لما يسمى " وقف إطلاق النار "، على طريق تطبيق خطة ميتشل، تشرف عليه الـ C.I.A أو يكون لها الدور الأكبر فيه.
وإذا كان التوجه نحو اتخاذ قرار من هذا النوع يعد مقدمة لخطوة إيجابية نحو تنفيذ المطلب الفلسطيني والعربي منذ بدأت انتفاضة الأقصى بوضع قوة حماية دولية للشعب الفلسطيني من جهة، فإنه يضع على كاهل الشعب الفلسطيني وعناصر الانتفاضة عبئاً جديداً ثقيلاً جداً يتمثل في انتشار كمائن قطعان المستعمرين في الضفة وغزة مزودين بأسلحتهم ومعداتهم، تغطيهم قوات الاحتلال وتساندهم، وتنسب إليهم حكومة العدو أعمالاً يقومون بها رداً على أعمال المقاومة وعلى مقاومة الانتفاضة للاحتلال في إطار ما يسمونه الدفاع عن النفس. وهذا النوع من العمليات، التي أرجِّح أن العدو سوف يركز عليها في المستقبل .. أي بعد وجود قوة مراقبين دولية بقيادة أميركية، سوف يستخدمه العدو بديلاً للتدخل المباشر لقواته في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وسوف يعمل على تقديم تلك العمليات على أنها رد فعل على المقاومة والانتفاضة .. فيدين ما ندر منها، ويدعي أنه يقاومها ويلاحق العناصر التي تقوم بها ليطلقهم بعد ساعة، أو ليحكم عليهم بدفع غرامة مقدارها" شيكل" واحد، يحصله عبر موجات احتجاج يهود العالم على الظلم الذي تلحقه حكومتهم " بالمدافعين عن حق إسرائيل في الوجود؟؟؟".. ولكنه لن يوقف تلك العمليات ولن يكف عن ممارستها بتخطيط أمني ومساندة عسكرية تامين واعتماد استراتيجي لذلك التوجه.
إن هذه النقلة تضعنا أمام استحقاقات نقلة أخرى في العمل الفلسطيني والعمل العربي، إذ السؤال الذي يطرح في هذه الظروف والتطورات : ما هو الرد الملائم، وما الذي يمكن أن تسلكه المقاومة والسلطة والفعل العربي المناصر للانتفاضة والمقاومة لوضع حد لأسلوب جديد في تنفيذ برنامج قديم، هو برنامج تصفية المقاومة والانتفاضة، ومن ثم تصفية الإرادة الفلسطينية المقاوِمة وعزلها عن روح الأمة ومناخها وعن الرأي العام العالمي وتأثيراته وتأثيره، وعن الجماهير العربية كلها؟!
هل يكون ذلك باستمرار دعم الانتفاضة والمقاومة وتسويغ الفعل المشروع الذي تقومان به ضد الاحتلال والدفاع عنهما ومواكبة نشاطهما.. وهو أمر مطلوب، لكنه لا يقدم دفعاً حقيقياً للعمل ضد الاحتلال يترك مرتسماً واقعياً على الأرض من خلال المواجهة وأدواتها وعدتها وعددها وفعاليتها، ولا يدفع شراً محدقاً بالمقاومة والانتفاضة والمدنيين الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني من أمثال الرضيع ضياء طميزة الذي استشهد وانضم لركب محمد الدرة وإيمان حجو من الأطفال الأبرياء، الذين تستهدفهم قوة الاحتلال الصهيوني ؟؟ أم يكون ذلك بالتركيز على عمل عربي منشود ومطلوب يغاير كل ما رأيناه من عمل عربي حتى الآن!؟.. عمل يجعل للقرارات العربية الضعيفة أو المقبولة مرحلياً قوة حضور من خلال الالتزام بها ومراعاة تنفيذها بعد انتهاء الاجتماعات " القومية " والعودة إلى الأقطار الـ" ما فوق قومية"، حيث تُمارس السياسة القطرية العربية في ظل تفعيل السيادة القطرية العربية، التي كثيراً ما تتعارض مع القرارات القومية، الصادرة عن مؤسسة الجامعة ومؤسسة القمة
العربيتين ؟؟
إن استمرار التوجه للرأي العام العالمي، والرأي العام الأميركي على وجه التخصيص، وكذلك التوجه إلى مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها، ضروري جداً؛ وهو يستدعي اهتماماً خاصاً في هذه الظروف التي بدأ فيها العدو حملة ديبلوماسية دولية حتى ضد وجود مراقبين لإطلاق النار. إنها حملة ضرورية لا سيما مع وجود قوة مراقبة دولية ينتظر منها العالم أن تحقق شيئاً ملموساً. ومن المهم أن نجعل الرأي العام متيقظاً لكل حدث يتم، وإلقاء ضوء كاف على ذلك الحدث من وجهة نظر عربية تكشف خطط العدو وممارساته وبرامجه العنصرية وعلى رأسها الاستيطان. وتلك مهام حيوية مما يمكن أن يقوم به المثقفون والإعلاميون العرب، ومما يمكن أن تركز عليه المنظمات القومية في الوطن العربي مع نظيراتها الإقليمية والدولية، وكذلك مما يمكن أن تركز عليه الديبلوماسية العربية والفعل السياسي العربي العام. ولكن هل نضمن تنسيقاً عربياً وفق خطة متكاملة تمكِّن من اختراق الجدار الناري الذي يفرضه الإعلام الأميركي والصهيوني على الإعلام والعمل العربيين فضلاً عما يفرضه الإعلام والعمل السياسي ـ الثقافي أو الثقافي ـ السياسي العربيان على نفسيهما من جُدُرٍ نارية فتاكة منها: الفرقة والتناحر والتقصير وعدم التمكُّن من استخدام أدوات العصر وتقنياته، والاستمرار في استخدام أسلوب خطاب تجاوزه الزمن ويرفضه منطق الكثيرين من أبناء عصرنا؟؟.
إننا على أعتاب مرحلة مفصلية جديدة من مراحل الصراع العربي الصهيوني .. مرحلة لها خطورتها الكبيرة وحساباتها العسيرة، وهي تستدعي وعياً فلسطينياً عاماً يمنع السقوط في حوادث مواجهة بين شرطة السلطة والمقاومة كتلك التي حدثت قبل أيام في غزة، وتستدعي عملاً فلسطينياً وعربياً عاماً يحقق قدرة على الصمود والمواجهة في اتجاهات:
ـ عملياتية / أو عمليانية حسب مصطلحات البعض/ تخص الانتفاضة والمقاومة وما يستجد في ساحتهما من معطيات وما يرتبه عليهما عدوان الصهاينة وحلفائهم وتطوير أساليبهم من استحقاقات في ساحة المواجهة الساخنة؛ وما يلحق بالأطفال الفلسطينيين، المستهدفين مثل الشباب والقادة من أبناء شعبنا الواقعين تحت الاحتلال، من خطر وتهديد وضائقات ومحن.
ـ وضوح رؤية في الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية العربية لكيفية التعامل مع المستجدات السياسية الدولية والمعطيات العملياتية في الأرض المحتلة، وما يتعرض لـه الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته من خطط تصفية ومؤامرات قد تضلع فيها عناصر سبق لها أن لاحقت المقاومين وساهمت في تصفيتهم. وهي معطيات قد تفرض عودة إلى خطة ميتشل المُجْمَع عليها دولياً الآن ـ وهي خطة غير مقبولة قياساً لأوسلو الكارثية ـ التي غدت في السلم التراجعي لمرجعيات " عملية السلام ؟؟ "، غدت بديلاً لمرجعية أوسلو البائسة، التي غدت بدورها بديلاً لمرجعية مدريد، التي أتت بديلاً بدورها أيضاً لمرجعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن وقراراتهما التي كانت مجحفة إلى حد كبير أصلاً بالفلسطينيين وبالقضية العربية العادلة.
ـ برمجة أساليب الأداء العربي في كل مجالاته، حيث يحقق ما يمكن تحقيقه من نجاح في تقديم وجهة النظر العربية بقوة، ومناصرة للانتفاضة والمقاومة في فلسطين وجنوب لبنان، من دون أدنى تفريط بحقهما المشروع في العمل ضد الاحتلال، ودعم هذا العمل بكل الوسائل، في كل المجالات والظروف والاحتمالات؛ كما يحقق أدنى حماية ممكنة للشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال وتمكينه من الصمود والبقاء على مبدئيته وقدرته البطولية على العمل ضد قوة الاحتلال حتى التحرير .
ـ العمل على إحداث تغيير في الأداء العربي : الرسمي والشعبي، تجاه الانتفاضة والمقاومة، من شأنه أن يشعر الشعب الفلسطيني ومقاومته أنهم ليسو وحدهم في المعركة؛ ويشعر الجهات العربية بأن ما تقدمه وما تعد نفسها لـه في إطار ما نراه وما نتابعه من قرارات وتنفيذ سقيم لتلك القرارات .. ومن مرجعيات مستجدة سِمَتها العامة التراجع المستمر عن الثوابت والمرجعيات التي كانت راسخة في الذاكرة والوجدان العربيين على الأقل؛ من شأنه أن يشعر أولئك جميعاً بضرورة التغيير الجذري في أساليب الإعداد والاستعداد والمواجهة واستحقاقاتها، لكي يعرف الجميع ما الذي نعد أنفسنا وشعبنا لـه ـ وما الذي ينبغي أن نعد شعبنا لـه ـ بعد كل ما رأيناه وما نراه من تطوير لأساليب العدوان والإبادة والنزوع العنصري الصهيوني ضد شعبنا وقضيتنا وأمتنا العربية وعقيدتنا الدينية .
ويأتي على رأس كل ما ذكرت في الأهمية والضرورة أن نبادر بتصميم إلى العمل المتكامل أو المنسق بسرعة تتلاءم وتطور الأحداث وخطورة الإرهاب الصهيوني المستمر والمتجدد: إرهاب الدولة وإرهاب المستعمرين ـ " المستوطنين " ـ الذين تنظمهم الدولة العنصرية برعاية أميركية لكل هذا النوع القذر من الإرهاب؛ آخذين بعين الاعتبار القول الذي يستحق قدراً كبيراً من العناية والتفكير والتأمل في هذا العصر : الزمن سيف إن لم تقطعه قطعك.
والله من وراء القصد
|