صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ احتمالات بمواجهة برنامج التصفية الصهيوني

العملية الإرهابية الأخيرة /31 تموز 2001/ التي قام بها جيش الاحتلال الصهيوني ضد مدنيين بينهم بعض قياديي حماس في نابلس، وراح ضحيتها سبعة شهداء، بينهم طفلان شقيقان في العاشرة والثامنة من العمر؛ عملية "نظيفة" وتمت في إطار "الدفاع عن النفس"، حسب وصف السياسيين والعسكريين والإعلاميين الصهاينة لها، وهي مما ارتاح إليه المستعمرون في فلسطين المحتلة، ومما سيتابع تنفيذه الكيان الصهيوني من عمليات لاغتيال قيادات وعناصر ناشطة في الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، حسب المصادر الصهيونية.‏‏

وإذا كنا أمام منطق معاد بالغ الوقاحة ومثير للسخط والغضب، مثلما العمليات التي يقوم بها بالغة الخطورة ومثيرة لما هو أبعد من السخط والغضب بكثير؛ فإن الوقوف عند تصاعد سلسلة الاغتيالات المدروسة لقيادات الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية وناشطيها، منذ تسليم قوائم للسلطة الفلسطينية، بأسماء من يجب القبض عليهم بعد أول اجتماعات أمنية لتنفيذ مبادرة "تينيت" الممهدة لتنفيذ تعزيز لجنة ميتشل، أصبح أكثر من ضرورة ملحة، وأكثر من قضية تثير أسئلة كثيرة وتضع إشارات استفهام في مداخل المسارات واللقاءات الأمنية والسياسية التي تتم مع العدو الصهيوني بإشراف الـ C.i.A أو بواسطة الوسطاء المتجولين.‏‏

ومن المؤكد أن هذه السلسلة من العمليات الإجرامية سوف تستمر لأنها خطة اعتمدت من حكومة الاحتلال، وأوكل تنفيذها إلى الجيش وأجهزة المخابرات والشرطة والمستوطنين في توزيع منسق ومعلن. ولا يخفي الإرهابي شارون وعناصر حكومته هذا الاختيار، الذي يجتهد بيريس ووزارته بتغطيته وتسويقه سياسياً وديبلوماسياً وإعلامياً تحت ذرائع الدفاع عن النفس وملاحقة "الإرهاب". وإذا كنا قد سمعنا يوم الثلاثاء والأربعاء 31 تموز و/1/ آب بعض كلمات الإدانة الأميركية للعملية الأخيرة التي نفذتها طائرات الإباتشي الأميركية الصنع، من مثل "استفزازية" وغير مبررة، وغير مقبولة، ولا يمكن الدفاع عنها.".‏‏

فإن مثل هذه الإعلانات الصحفية لا تنصرف إلى إدانة الاستراتيجية ولا الخطة اللتين بموجبهما تتم هذه العمليات.. بل إن تينك الخطة والاستراتيجية الصهيونيتين مباركتان أميركياً وبريطانياً.. وما الموقف من عملية نابلس إلا امتصاص لنقمة الشارع العربي واستجابة لتحرك بعض القادة العرب الأميركيين بالتبعية"، الذين بادروا إلى لاتصال بالمسؤولين الغربيين خوفاً من تحرك الشارع العربي في أقطارهم، ومحافظة منهم على دور يسوغ "صمودهم" على مواقف وعلاقات واتفاقيات وطيدة مع الكيان الصهيوني لا يزعزعها الدم المراق ولا تهديد المقدسات وتهويدها.‏‏

إن مقاربتنا لموضوع مخطط تصفية القيادات والناشطين الفلسطينيين في صفوف الانتفاضة والمقاومة تأخذ بالاعتبار المعطيات والوقائع والدلالات الآتية:‏‏

1- أن تلك التصفية الجسدية للعناصر الفلسطينية الناشطة بواسطة عمليات صهيونية إرهابية من أي نوع كان هي:‏‏

أ-خطة معتمدة، مستمرة، مباركة أو مسوّغة من حليف الكيان الصهيوني الأول الولايات المتحدة الأميركية، ومعروضة فكرتها في الاجتماعات الأمنية التي تتم بإشراف الـ C.i.A ضمن خيار: تقومون أنتم أو نقوم نحن بذلك.. ولما كنتم تعجزون أو لا تريدون فنحن أولى بالتنفيذ وأقدر عليه.. ولكم أن تصرخوا بالاحتجاج. فذلك أمر مبرر ومفهوم وله ضروراته.‏‏

ب: عمليات تقوم على معلومات دقيقة لا يستطيع العدو الصهيوني الحصول عليها من دون أعوان واختراق أمني.‏‏

جـ-أن من يقوم به هو: جيش الاحتلال، وقوات الأمن والشرطة: الموساد والشين بيت والشاباك، وكذلك المجموعات الإرهابية في ثياب "المستعربين" ومجموعات المستوطنين المشكلة بإشراف جيش الاحتلال وأجهزة الأمن الصهيونية تحت مسميات ومسوغات مختلفة، وهي على غرار الهاغانا وزفاي ليومي- وشتيرين من التنظيمات الإرهابية التي كانت تعمل ضد شعبنا الفلسطيني في النصف الأول من القرن الماضي.‏‏

2- أن هذه العمليات هي المظهر الفاقع لخطة تستهدف الشعب الفلسطيني كله، وتستهدف إرادته بالدرجة لأولى. وتأتي في سلسلة أعمال مواكبة مكملة منها: هدم البيوت- تجريف التربة الزراعية والمزروعات- اقتلاع الأشجار- حصار المدن والقرى- الاستيلاء على الأراضي- توسيع دائرة الاستيطان- تهديد المسجد الأقصى..الخ.‏‏

من دون أن يكون على تلك الأعمال رد فعل عربي أو دولي يؤدي إلى وضع حد لها، وتوفير حماية للشعب الفلسطيني، ومن دون أن يتمكن ذلك الشعب ومقاومته من الخروج خارج دائرة الإحباط والتيئيس التي يراد زجه فيها. والعمل على قطع كل أمل لـه بمناصرة عربية أو استجابة دولية مجديتين.‏‏

3- أن هذه العمليات ستؤدي أهدافها بحصد عناصر المقاومة ونشطاء الانتفاضة، وتسهل فرض شروط الكيان الصهيوني على المفاوض الفلسطيني أو تسوغ قبوله لتلك الشروط، ومن ثم تفضي إلى جعل خطة ميتشل هي نهاية الحلم والمطاف والأمل في مسار التفاوض الفلسطيني- الإسرائيلي، ومن ثم تصبح مرجعية نهائية للقضية تجبّ مرجعية أوسلو التي جبَّت ما قبلها من مرجعيات.‏‏

ومن الطبيعي أن يستدعي هذا النهج التصفوي- الإرهابي الصهيوني رداً تقوم به الانتفاضة والمقاومة.. ولكن ما طبيعة هذا الرد، وما الذي يمكن أن يحققه.. وما هي أهدافه النهائية؟! وهل يقع ضمن خطة أو استراتيجية فلسطينية شاملة أو عربية متكاملة؟!‏‏

في مقاربة لهذا التساؤل نجد أن:‏‏

1- من حق الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية أن تردا على عمليات الاحتلال الإرهابية- الإجرامية! ومن حقهما المشروع أن تقاوما الاحتلال بوصفه تهديداً مباشراً للشعب والحياة والهوية.. وما يمكن أن تقوما به ضمن في أقدس ما تكرسه حقوق الإنسان في الدفاع عن النفس وعن الوطن وعن المقدسات.‏‏

وحين تجد الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية نفسيهما محاصرتين بالقتل والاغتيال والإرهاب الصهيوني بأنواعه من جهة وبالصمت العربي والدولي من جهة أخرى يصبح أمامهما أحد خيارين:‏‏

أ- إما الدفاع المستميت عن النفس والحق بالحياة بكل الوسائل والأدوات والإمكانيات المتاحة.‏‏

ب- أو اختيار الصمت والحلول الانهزامية. والاختيار المؤكد مما نتابعه ونستقرؤه من عمليات ومواقف وتصريحات هو الاختيار الأول الذي يقع في خلفية الاختيار المشروع، خيار مقاومة الاحتلال بكل الوسائل.‏‏

ومعنى هذا أن الانتفاضة والمقاومة المرشحتين للاستمرار وللقيام بعمليات موجعة ضد العدو وثأراً لأرواح الشهداء ولمن دمرت مقومات حياتهم من المواطنين سوف تحتاجان إلى:‏‏

-إمكانيات مادية ومعنوية، تساعدهما على القيام بأعمال الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال.‏‏

-عمليات ومواقف مساندة: عربية وإسلامية، تجعلهما تشعران بأن الفلسطينيين ليسوا وحدهم! وتجعل العدو يعرف أن هناك من يناصرهم، أو يمكن أن يناصرهم، بغير الكلام.‏‏

-تغطية إعلامية وسياسية وديبلوماسية، ومساندة ثقافية تضع حداً للتشويه الذي تقوم به الأجهزة الصهيونية والأميركية لنضال صفوة الشعب الفلسطيني الذي عانى الكثير وتعرض لظلم لا مثيل لـه وصمت مدان لا مثيل لـه أيضاً من جهات عربية وإسلامية ودولية.‏‏

ومن الطبيعي أن يكون استمرار فعل المقاومة والانتفاضة ودعمهما مؤثراً في مجالات عدة وجالباً لاحتمالات عدة أيضاً، فالعدو الصهيوني سوف يقابل كل عملية بردود عدوانية واسعة، وسوف يستمر في عدوانه لتنفيذ برنامجه الموضوع لتصفية الانتفاضة والمقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني بشكل عام. فهل يأخذ الصراع في هذه المرحلة صفة: انتفاضة فلسطينية من دون بعد عربي فاعل بمواجهة الاحتلال بقواه وتحالفاته، أم أن الصيغة سوف تتغير ليكون العرب طرفاً مع الانتفاضة بمواجهة العدو؟! إن بقاء العرب متفرجين أو على الحياد، أو وسطاء كما تفعل بعض الأقطار سيؤدي إلى تصفية متصاعدة للشعب الفلسطيني وغطرسة متصاعدة للعنصرية الصهيونية وقوى الاحتلال. وتدخل عربي فاعل إلى جانب الانتفاضة دفاعاً عنها سوف يقود إلى مواجهة واسعة في المنطقة، بين الكيان الصهيوني وحلفائه والعرب المناصرين للانتفاضة. لا يعرف ما ستؤدي إليه من نتائج وخسائر. وهنا يدخل في عوامل الحدث ومعطياته عامل مؤثر في المناقشة المنطقية والتحليل والنتائج هو عامل القوة العربية المستعدة لخوض معركة دفاعاً عن الانتفاضة وحماية للشعب الفلسطيني.. ومدى اتساعها وقدراتها ودقة حساباتها؟!‏‏

إن الدخول في هذه الحسابات سيجعل الحكم على مواجهة عربية أمراً ضئيل الحدوث واحتمالاً مستبعداً.. لأن الأقطار المستعدة للمواجهة قليلة، ولكل قطر ظروفه وحساباته الضيقة التي تجعله شديد الحساسية في التعاطي مع الحدث ونتائجه. ومن ثم قد تحجم الأقطار عن التدخل إلا إذا قام العدو بعدوان مباشر على أقطار معينة وأجبرها ذلك على خوض معركة للدفاع عن النفس ورد العدوان المباشر عليها.‏‏

وهذا إن حدث سوف يضع الأقطار العربية في حالة حرج أمام جماهيرها وأمام مسؤوليات قومية ترفعها شعاراً وتعطيها ظهرها باستمرار. والخلاصة: هل يكون الاختيار مواجهة محدودة بين الانتفاضة والعدو قد تكون لمصلحة العدو ويستمر فيها حتى يحقق أهدافه المعلنة منها وغير المعلنة..‏‏

أم يكون الاحتمال وارداً لاختيار تدخل محدود لبعض الأقطار العربية يرجح احتمالات مواجهة واسعة تجعل العدو يعيد النظر ببعض حساباته وخططه وبرامج التصفية التي ينفذها؟! فهل لنا أن نطمح إلى شيء من ذلك في ظل بوارق أمل ضعيفة منها انعقاد مكتب المقاطعة العربية للكيان الصهيوني للمرة الأولى منذ عام 1993 بصرف النظر عن النتائج التي يسفر عنها؟!‏‏

إن الانتفاضة والمقاومة في فلسطين ومواجهة أهلنا هناك للمحتل دفاعاً عن الأرض والقدس والأقصى الشريف تفرض علينا أن نبادر إلى عمل فعال، وأن ندعو إلى القيام بعمل فعال، قد لا يكون هو انعقاد قمة عربية مصغرة أو موسعة تسفر عن بيانات وإعلانات تمتص الغضب بينما يستمر نزيف الدم.‏‏

إنه في أبسط حدوده تنفيذ للقرارات التي اتخذتها قمم عربية سابقة، عادية واستثنائية، منذ قمة القاهرة حتى الآن. وهو في أبسط حدوده القيام بكل ما من شأنه تمكين المقاومة من إلحاق خسائر مباشرة بالعدو، وتهديد مصالح العدو وحليفه الأمريكي المنتشرة في كل أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي.‏‏

وتشكيل مجموعات عمل عربية للقيام بعمليات مساندة للمقاومة في كل مكان يكون فيه مثل ذلك العمل مجدياً. والتحرك العربي لمواجهة احتمال الاضطرار للرد على عدوان صهيوني محتمل على أقطار عربية منها سورية ولبنان تحديداً، أو الاضطرار لتدخل من نوع ما لحماية ما تبقى من الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته الباسلة في ظل العجز /أو التواطؤ/ الدولي عن تحقيق هذه الحماية.‏‏

وعمل من هذا النوع يستدعي حملة سياسية وديبلوماسية وإعلامية تقدم للعالم مدى الإجرام والإرهاب الصهيونيين، والخطة التي وضعها العدو لتصفية الشعب الفلسطيني والقضاء على مقومات الصمود لديه، وقتل أطفاله وتخريب البيئة التي تمكنه من الاستمرار في العيش والمقاومة.‏‏

كما يستدعي التحرك نحو مواجهة الاستحقاق القادم الذي تفرضه روح العدوان العنصري المتصاعد.. بالتوصل إلى حد أدنى من التنسيق والتعاون العربيين في مجال توفير قوة عسكرية تتدخل عند الضرورة للدفاع عن الشعب الفلسطيني والتصدي للقوة الصهيونية الغازية التي ستفرض عدوانها بأشكال مختلفة.‏‏

قد يكون مثل هذا التوجه مستبعداً في ظل الأوضاع العربية والدولية الراهنة.. ولكن ماذا نفعل إذا استغل العدو وحليفه الأميركي الأوضاع العربية والدولية الراهنة حتى النهاية وفرضوا علينا حرباً أو استساغوا تصفية المقاومة والانتفاضة كلياً لفرض ما يشاؤون من أوضاع وشروط على الشعب الفلسطيني والأمة العربية؟!‏‏

هل لدينا نحن العرب استعداد لقبول هزيمة ساحقة من هذا النوع.. أم لدينا استعداد للوقوف بوجه العدو لمنع وقوع هزيمة من هذا النوع؟!‏‏

إنه القرار أو التوجه الذي ينبغي أن نفكر فيه جيداً، وأن ندرس احتمالاته جيداً، ومن ثم نعمل على أن يكون لنا موقف واختيار ورأي قبل فوات الأوان.‏‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |