|
ـ القوة الشريرة تردعها قوة خيّرة
من أشد ما في الحياة من مقت أن تصبح الأكاذيب حقائق وأن تتوارى الحقائق وأصحابها خوفاً من بطش الأكاذيب وأصحابها أو خجلاً من الظهور مع العري الوقح في ساحة واحدة تقدم مشهد الحياة.
وحين تصبح الأكاذيب سجل الوقائع اليومية الذي يدخل التاريخ ويصنعه… يزحف الزيف والتلوث معاً على مواقع وعلوم إنسانية كثيرة، ويقبل الإنسان النقي والملوث على صحن واحد يتناولان منه ما يفسد الحياة بوصفه الزاد الذي يقيم أودهما في الحياة ويفتح أمامهما أبوابها ومسالكها.
ومن الطبيعي، والحالة هذه أن تصبح القيم السليمة ضحية الواقع الفاسد أو غريبة فيه… ثم لا يلبث الواقع المشار إليه أن يفرز قيمه وسلم معاييره… فيغدو كل قول أو عمل يغاير تلك القيم وذلك السلم مرذولاً أو مرفوضاً حتى لو كان صحيحاً وسليماً… لأنه يستند إلى جدار منهار… هو جدار القيم المنتهكة حتى التفكك والتبدد.
وإذا كان إصلاح البنية الاجتماعية والتربوية الفاسدة يحتاج إلى زمن طويل فإن إعادة الاعتبار للقيم السليمة والمعايير الصحيحة تحتاج إلى زمن أطول ونضال أشد.
في عالمنا اليوم وصل فساد القيم والمعايير وإفسادها إلى درجة مثيرة جداً لاهتمام الراغبين في التتبع والرصد.. بل ومرهقة لهم.. إلى الحد الذي يبدون معه عاجزين عن المتابعة والتحليل والتفسير والربط. فهذا التورم السرطاني الذي يصيب روح الفرد وروح الجماعة وكيان الدول ينتشر بسرعة انتشار العولمة وقيمها.. ويترك اللاهثين في حقول الرصد والبحث حيارى ومحبطين.
وحين تقوم بحركة تلمّس لتلك الظاهرة تجد نفسك مشدوداً كالوتر الدقيق بين الفرد في أي مجتمع وبين أعلى مؤسسة دولية تمثل البشرية أو "المجتمع الدولي"، مروراً بالمجتمعات التي تشكل قوام الدول.
وإذا كانت مجاوزة الأفراد للقوانين والأنظمة والأعراف والتقاليد والعقائد الدينية عناوين للشطارة ومدخلاً للوصول والظهور في مجتمعات ودول.. ومجاوزة الأنظمة في دول للدساتير والقوانين والحقوق العامة من عناوين "الفهلوة"، فإن مجاوزة بعض الدول لسيادات الكثير من الدول وللقانون الدولي وللمؤسسات التابعة للمنظمات الدولية.. ولكل القرارات التي تمثل التجمع الدولي في الكرة الأرضية هي سمة القوة الشاملة: عسكرياً واقتصادياً وعلمياً وتقنياً في هذا العصر، وهو ما تقوم به دولة تنتهك العدل والحق والحرية وحقوق الإنسان تحت مظلة الدفاع عن العدل والحق والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان!! وأنموذجها في عصرنا هو الولايات المتحدة الأميركية التي تحركها –أو تتحرك بانسجام تام وتبادل للمصالح مع –الحركة الصهيونية، ويبدو أنهما تلتقيان على نوع من الجرائم المسكوت عنها فتذهبان إلى المدى الأبعد في ارتكاب جرائم يراد لها أن تضم إلى دائرة المسكوت عنه بقوة الإعلام والمال والعسكرتاريا. فكل من الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية، قام على إبادة شعب أصلي وحضارته وكوّن دولة على حساب ذلك الشعب وتلك الحضارة: الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأميركية والشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة. وإذا كانت الجريمة الأولى قد اكتملت فإن الجريمة الثانية في مراحل الاكتمال، وقد أصبح السابق معلّماً للاحق وحامياً له، ويبدو أن هذا من الأمور الطبيعية في مجال الجرائم الدولية الكبير؟!
فالولايات المتحدة الأميركية:
ـ تشهر "سلاح" النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي بوجه أي مشروع قرار يتضمن إدانة للاحتلال الصهيوني وللممارسات العنصرية التي يقوم بها في فلسطين. وتشهر السلاح ذاته لتمنع وجود أي نوع من الحماية للشعب الفلسطيني من مسلسل التصفيات الجسدية وتدمير البنى التحتية، مما يشكل مراحل مسلسل إبادة بطيء ومنتظم ومدبر، تقوم به النازية الصهيونية الجديدة ضد شعب ما زالت بقاياه في أرضه التي اقتلعته منها.
- وتمارس الضغط الكاسح على أية دولة أو منظمة دولية، بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لمنع مناقشة قضايا تتصل بالحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وبالممارسات الإجرامية وإرهاب الدولة الذي ينظم ضد بني الإنسان.. حين يتصل الأمر بالكيان الصهيوني، والحركة الصهيونية حصراً.. وبحلفائها الأقربين. وتجد أن من الطبيعي والمنطقي أن تقوم بإثارة هذه القضايا المسكوت عنها ذاتها ضد دول ومجتمعات أخرى في وسائل الإعلام وفي المحافل والمنظمات الدولية حين يتوافق ذلك مع مصالحها ومصالح الحركة الصهيونية في ازدواجية معايير رخيصة ومكشوفة ووقحة. ومثل هذا حدث في الماضي بكثرة لا تحدد، ويحدث اليوم في مؤتمر "دربن" في جنوب إفريقيا حيث تعترض الولايات المتحدة الأميركية على:
1-إدراج موضوع الصهيونية بوصفها حركة عنصرية على جدول أعمال المؤتمر.. وهو أمر ثابت كان قد صدر بشأنه قرار من الأمم المتحدة عام 1975 تحت رقم 3379 اغتالته الولايات المتحدة الأميركية بعد مؤتمر مدريد في أوائل التسعينيات بسكوت بعض العرب وتواطؤهم للأسف.
2-إدراج موضوع الرق والعبودية والتجارة برقيق أفريقيا السوداء على الجدول ذاته.. حيث تريد دول ومنظمات وشخصيات من كل أنحاء العالم أن يُدرج موضوع مناقشة وإقرار هذا الفعل بوصفه جريمة ضد البشرية تقتضي التعويض عنها والاعتذار لمن ارتكبت بحقهم.. وهم ملايين من البشر تعرضوا للعذاب والموت ولأقسى أنواع الاحتقار والعبودية على مدى قرون من الزمن.
وهذه الدولة المشوّهة الروح والقيم والمشوّهة للروح والقيم والعدالة… ناصرت في الماضي جنوب إفريقيا في عهود التمييز العنصري والتحالف المدنس الذي كان بينها وبين الكيان الصهيوني العنصري على أسس إقرار التمييز العنصري وإرهاب الدولة والإبادة الجماعية، والتعاون على إجراء التجارب النووية وإنتاج السلاح النووي.
وهي تناصر اليوم الكيان الصهيوني في هذا المجال وفي تنفيذ مسلسل الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وفرض حصار على العراق استمر أكثر من عشر سنوات وراح ضحيته عشرات آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ.. فضلاً عن تدمير تطلعات أجيال بكاملها وإلحاق أنواع التشوه بها.
وتقوم بفرض أنواع من الحصار المنظور وغير المنظور على البلدان العربية التي لا تخضع لإرادتها ولإرادة الكيان الصهيوني العنصري وشروطه.. وتقوم بتحريك آلتها الإعلامية والسياسية والاقتصادية وحتى العسكرية للضغط على بلدان ترفض أن تتنازل عن سيادتها وأراضيها وحقوقها التاريخية ومبادئها ومصالحها.
وهي لا تتورع أبداً عن القيام ببرمجة الأزمات للدول والجماعات التي تطالب بإنصاف الشعب الفلسطيني وبإعادة حقوقه إليه ومنها حق العودة إلى وطنه موضوع قرار دولي برقم 194 لعام 1948 وإقامة دولة لـه في أرضه /موضوع القرار الدولي رقم 181 لعام 1947 / كما لا تتورع عن عقد صفقات المقايضة مع دول دائمة العضوية في مجلس الأمن على حساب الشعوب وقضاياها، ولا تكف عن ممارسة الضغط الكريه على دول أخرى لكي تتخذ مواقف وتصوت على قرارات، تنسجم مع الرغبات الصهيونية –الأميركية أو العكس، وتتناقض مع كل ما هو عادل وإنساني.
إن هذا الداء الأميركي – الصهيوني الذي أصاب العالم.. لا يتوقف عند حدود الفتك بالبطون والأجساد.. بل يتعدى ذلك إلى الفتك بالعقول والإرادات والضمائر.. لأنه يشيع في العالم سياسة الفساد والإفساد من جهة وسياسة القهر والحصار والضغط والاستلاب من جهة أخرى، وينشر في السياسة الدولية والعلاقات الدولية أوبئة أشد فتكاً من السرطان والأيدز والنفايات النووية. ولم تكن السياسة الأميركية على هذه الصورة الشديدة من التشوه –لا سيما فيما يتعلق بمواقفها من قضايا المنطقة العربية- إلا بعد أن استفحل النفوذ الصهيوني في الإدارة ومجلسي الكونغرس وانتشر بسرعة فائقة في أوساط عدة بعد حرب حزيران عام 1967.
ونحن الآن أمام مرض خطر يفترس السياسة الدولية والعدالة والقيم الخلُقية والإنسانية في مناطق، وأمام قهر واستلاب واستعمار جديد يفترس مناطق أخرى.. كما أننا أمام برمجة أزمات من كل نوع، تقوم به الإدارة الأميركية وحلفاؤها ضد آخرين.. لتحقق ما تريد من مصالح وأهداف: اقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية.. وأمام تجارة عالمية بسلع مقدسة مثل الحريات العامة وحقوق الإنسان والمفاهيم الصحيحة للديمقراطية والمجتمع المدني تقوم به آلة إعلامية –سياسية تستند إلى تفكير ووجدان عنصري- مادي يبيح الوسائل والأدوات والأساليب كلها للوصول إلى أهدافه، ويعمل تحت راية حماية الحقوق والحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.. والقضاء على الإرهاب وحفظ الأمن والاستقرار!؟.
إن هذا النوع من التجارة بالقيم والتشويه المدروس والموظف الذي يلحق بها.. وتسخير كل ما هو متاح وممكن ليكون من أسلحة الفتك بمن لا ينصاع ولا يستسلم للإرادة الأميركية والعنصرية الصهيونية ومفاهيمها وممارساتها النازية وتطلعاتها التوسعية.. هو أسوأ ما وصلت إليه البشرية في عصرنا، وأشد فتكاً بقيم الأفراد والمجتمعات والدول من أي داء آخر.
ومما يجعل هذا الداء أشد فتكاً بقيم الأفراد والمجتمعات والدول من أي داء آخر. ومما يجعل هذا الداء أشد فتكاً وانتشاراً استسلام ليس الدول والقوى لـه وإنما سعيها الحثيث منفردة.. بشكل مكشوف أو مستور، لكسب ود الشرير الأكبر وضمان رضاه.. أو دفع بلاه.. وهذا يخلق مناخاً دولياً مفتتاً لا يحقق توازناً من أي نوع، بَلْهَ أملاً من أي نوع، بين مصير الجلاد ومصير الضحية.
وحين نعرض في هذه المرآة صورة الوضع العربي والدول العربية جراء ذلك وسواه.. نجد الصورة أكثر قتامة وتشوهاً.. وحتى المرآة ذاتها قد تكون صدئة ومهشمة لا تبين، جراء التدخل الكثيف أميركياً وصهيونياً في شؤون عربية والتشويه المستمر لقيم وحقوق ونضال ومبدئية خلقية وقومية.
وعلى الرغم من أن هذا الوضع البائس، ذا المنعكسات السلبية على الأفراد والمجتمعات والدول معاً، يدفعنا إلى ما يشبه الإحباط بسبب وجود مناخ دولي مشكوم "بالرّسن" الأميركي المتصهين.. واستعداد دول دائمة العضوية لتبادل المنافع والمصالح على حساب العدالة الإنسانية وسلامة المنظمات الدولية والقوانين التي تحكم العلاقات بين الدول.. إلا أن هذا لا يدفعنا إلى اليأس.. بل يدفعنا إلى البحث عن مخرج من المأزق الذي يضيق ويتسع بضيق النظرة واتساعها، وضعف الإرادة وقوتها.
إن خلاص المجتمعات يبدأ بخلاص الأفراد من التشوه أياً كانت صورته وأياً كان مصدره.. ولكن خلاص الأفراد مرتبط بعلاقة جدلية مع المجتمع.. والمعادلة ذاتها تقوم بين المجتمع والدولة من جهة وبين الدولة والدول الأخرى الأقرب فالأبعد من جهة ثانية.. لتصل امتدادات العلاقة إلى مناخ العالم الذي تجمعه مؤسسات وتحكمه ظروف وشروط ومعطيات متداخلة ومتواصلة، وتتحكم به قوى على رأسها الشر الصهيوني المطلق المتحالف مع قوى أميركية شريرة تسيء إلى شرائح واسعة في المجتمع الأميركي ذاته.
فمن أين نبدأ يا ترى والمداخل متشابكة إلى هذا الحد؟!
من الفرد؟! نعم فتلك ضرورة وذلك مدخل.
-من المجتمع؟! نعم فتلك ضرورة أيضاً وذلك مدخل.
-من الدولة.. نعم.. ولا، فتلك خلاصة أفراد ومجتمع من جهة ونتيجة تفاعل إقليمي ودولي من جهة أخرى.
-من المنظمات الدولية، وما يسمى المجتمع الدولي والعلاقات الدولية.. والتجمعات السياسية الدولية مثل مجموعة عدم الانحياز.. ومؤتمر القمة الإسلامي.. إلخ!؟! نعم.. ولا.. فتلك قد تساهم في خلق مناخ.. ولكنها لا تملك قوة تملي شروط الصحة أو المرض.. فهي منفعلة أكثر منها فاعلة، في ظل قوة شريرة منتشية على أرض البشر؟!
وفي مداخل أخرى للبدايات المؤثرة في الأفراد والمجتمعات والدول نتساءل:
-هل نبدأ من الدين؟! أم من الثقافة والمعرفة الإنسانية والعلمية ومعطياتها!! أم من القوانين والأنظمة وعلاقات الأفراد بعضهم ببعض من جهة وبالمجتمع والدولة من جهة أخرى؟!
إن كل تلك الأمور مداخل مطلوبة وضرورية، ولكن تآلف الخيرين لإعلاء قيمة الخير على أي مستوى وصعيد هو من أشد ما ينبغي توفره على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول، لكي يوضع حد لتفشي الفساد والإفساد والقهر والاضطهاد وتشويه العلاقات وصور النضال المشروع والحقوق والحريات في كل المستويات بدءاً من الأسرة وانتهاء بالأمم. فتكاتف الخيرين من الناس مطلب ملح.. والقوة الشريرة تردعها قوة خيرة.. فالحياة صراع مستمر.. فليكن هذا صراعاً من أجل الحق والخير والعدل والحرية والكرامة في الحياة، تقع مسؤولية حسمه لصالح القيم الخيرة على الناس كافة.
إنها دعوة في زمن صعب...
والله من وراء القصد
|