صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ الصهيونية العنصرية والنازية

نسبح اليوم في خضم الأحداث حيث يكتب شهداء الانتفاضة بالدم الفصل الأخير والنهائي من رواية أوسلو البائسة معلنين أن صراع الوجود مع العدو الصهيوني لا يحسمه إلا القتال وأن ما أخِذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة، وأن هذا العدو العنصري لا يعنيه السلام ولا يفهم منطقه ولا يريده سوى فعل مرحلي في إطار إنجاز مشروعه الاستيطاني- الاستعماري الكبير.‏

والشهداء ينسجون لوحة الوعي العربي الجديد بخيوط الدم.. ويدعوننا بوضوح تام إلى أن نساهم، نحن الأدباء والكتاب العرب في صنع ذلك الوعي بخطوط حبرنا القاتم… ولا أظن إلا أننا فاعلون.‏

إننا نواجه عقلية يهودية مبنية على أسس التمييز العنصري والتعصب والاقتناع "المقدس" بالتفوق والفرادة، عقلية يغذيها "إيمان"، وأياً كان فهو لديها "إيمان"، بأنها من طينة غير طينة الآخرين وأن الآخرين في خدمتها: يقول الحاخام "اباربانيل" :"خلق الله الأجنبي على هيئة الإنسان ليكون لائقاً لخدمة اليهود الذين خُلقت الدنيا لأجلهم، لأنه لا يناسب لأمير أن يخدمه ليلاً نهاراً حيوان وهو على صورته الحيوانية، فإذا مات خادم اليهودي أو خادمته، وكانا من المسيحيين فلا يتوجب عليك أن تقدم لـه التعازي بصفة كونه فقد إنساناً، ولكن بصفة كونه فقد حيواناً من الحيوانات المسخَّرة له".‏

وفئة هذه نظرتها للآخرين لا يُستغرب منها أي فعل أو منطق أو سلوك يسخر من منطق الآخرين وعقلهم وحقهم ورؤيتهم للأمور. لقد رأى اليهود أنفسهم دائماً على هذه الصورة، وربما كان هذا تمثلاً منهم لعقيدة صنَّعوها، فرأوا "يهوه" من منظورها يشجعهم على أن يكون كل حقد وطمع وتعصب وعنصرية ضد الآخرين، جزءاً من تكوين مقدس ومشروع متفوق لليهودي. وقد ثبَّت مؤرخوهم ومفكروهم وكتابهم ذلك دون حياء، فها هو سيمون دفنون المؤرخ اليهودي (1860-1941) يقول: "اليهودي إنه مخلوق فريد لـه طبيعة أزلية، وتراث حضاري مستقل عن التراث الإنساني".. فلندقق في كل كلمة مرت في هذا المقتبس ونحن واجدون فيها نتن التعصب والعنصرية ووهم التفوق الخَلْقي وسقوط القيم السليمة.‏

وقد ابتلينا نحن العرب بهذا النوع من العنصرية، ولذا فنحن مطالبون بمعرفة عدونا، وبالتعرف على مقومات تفكيره العنصري وخلفيات الأعمال الإرهابية التي يمارسها، وبرنامج الإبادة المنظم الذي يقوم به، وهو برنامج يهدف إلى إلغاء وجودنا ومحوه، بدءً من إرادتنا، ليثبت اليهودي وجوده على حساب وجودنا.‏

إن ذلك البرنامج ينفذه الكيان الصهيوني والمنظمات الصهيونية بدقة ودون رحمة وبانتهازية دولية لا مثيل لها، ويحشد لذلك مالاً وعقولاً وسلاحاً وأنصاراً في المستويات الدولية للمسؤولية وفي دول ذات قوة ونفوذ على رأسها الولايات المتحدة الأميركية؛ والكيان الصهيوني يعمل بدأب وبنفَس طويل على برنامجه الثابت ذاك بوصفه برنامجاً يستند إلى شرعية أخلاقية.!؟‏

ويكاد قول جاكوب كاتز يلخص جوهر الموقف "الأخلاقي اليهودي" وجوهر المشكلة العملية أمام "إسرائيل" العنصرية في فلسطين وبقية الأرض العربية المحتلة إذ يقول:‏

"إن الصعوبة الرئيسة بالنسبة للمجتمع اليهودي في هذا الإطار تكمن في الحقيقة التي مؤداها أن شرائع التلمود وتقاليده الأخلاقية كانت تفترض وجود مستوطن يهودي أصلي وجهاً لوجه أمام غرباء وثنيين غير مرغوب فيهم ويقيمون بين ظهراني اليهود، كما أن إقامة الاتصال مع هؤلاء قد تجر إلى الخطيئة والإثم، لذا جرى اعتبار الإقدام على طرد هؤلاء وحتى القضاء عليهم بمثابة "واجب مقدس.".‏

ومراعاة لظروف واعتبارات عابرة يناور الصهاينة ويداورون، ويلوِّحون بالسلام، ويلعبون على تفسيره، ويمارسون الخبث التقليدي والتزييف التاريخي اللذين يبرعون فيهما، لمجاوزة صعوبات ولتوفير مناخ ملائم لتنفيذ أغراضهم وثوابتهم "المقدسة" التي تنصب على ضرورة الحصول على أرض نظيفة من الغوييم، وهنا ينحصر الغوييم بالعرب. ولا بد من أن يذكرنا ذلك بمصطلح الحل النهائي النازي ـ الذي طالما استخدمه الصهاينة وفق تفسيرهم لـه - لتحقيق الحلم الصهيوني الذي صيغ على أنه "وعد الرب لمن أحب". كما يذكرنا بأن الهدف اليهودي المعلن في فلسطين يرمي إلى اعتبارها ركيزة تنطلق منها الدولة العبرية إلى استيطان أراض عربية أخرى تمتد بين النيل والفرات في مشروع شعاره من النيل إلى الفرات، وبسط السلطة والنفوذ على المنطقة بكاملها، والقضاء على سكان الأرض الأصليين وثقافتهم، بدءاً من إرادتهم، دون رحمة، تحقيقاً لمخطط وبرنامج ينفذان ببرود وحزم عملية وشريرة، ويقومان على قاعدة "أخلاقية" هي ذاتها القاعدة التي قام عليها فعل الغربيين التصفوي في العالم الجديد، وهي قاعدة بسيطة تقول: :"الهندي الطيب هو الهندي الميت" وهو ما يعادل ويساوي: "العربي الطيب هو العربي الميت". وقد صدرت مثل هذه التعابير بصراحة ووضوح من قادة صهاينة في فلسطين المحتلة.‏

فاضطهاد اليهودي للآخرين ونهبه لأرضهم وخيراتهم، وقتله لهم، مؤسس على اعتقاد "ديني" يرى أن دم "الغوييم" -أبناء الشعوب من غير اليهود- وأموالَهم وأعراضَهم وأراضيهم حلال له، ويرى أن رضا "يهوه" مرتبط بإقدام جنوده على سحق الآخرين وإبادتهم، ويرى أن كل ما تطؤه أقدام جنود " يهوة"هو ملك تام لصهيون، وكل ما يمارسه اليهودي في سبيل الوصول إلى أغراضه وأهدافه، ولو كان في منتهى القذارة والخسة، هو عمل مشروع يبيحه "الدين" وتبيحه الشريعة وتحض عليه "الأخلاق" اليهودية. ويجد أن الكذب على الآخرين والتزييف والتزوير.. إلخ.. كلها أفعال مشروعة جداً ومنطقية ومطلوب القيام بها، بل مباركة، ما دامت تؤدي إلى وصول اليهودي إلى امتلاك الغير وإبادتهم وتحقيق نصر وتفوق لـه عليهم. وكل ذلك مؤسس، كما أسلفت، على اعتقاد راسخ بالحق والشرع، كما يفهم الشرع والحق يهود - صهيون، أو الصهاينة اليهود.‏

وحين تجتمع في دمشق إرادة سورية –فلسطينية- لبنانية- مقاومة، نأمل للقائها أن يكون مبدئياً واستراتيجياً وليس ورقة من أوراق اللعب السياسي؛ كما أنه لقاء لا ينفصل عن مستجدات سياسية عربية نأمل أن تؤتي أُكلها الطيب ومنها اللقاء بين سورية والعراق، الذي يؤسس عمقُه ونجاحه وتوطُّده لنهاية أوسلو ولإعلان السلطة عن موت تلك المهزلة وولادة الخيار الآخر .. خيار المقاومة وتكوين جبهتها على أسس متينة وراسخة تضم في من تضم الجمهورية الإسلامية في إيران؛ فإننا نجد هذا الخيار خياراً أخلاقياً وحيداً يمكن أن يحمينا بالقوة التي نأمل أن يحققها من الإبادة الجماعية البطيئة التي يخطط الصهاينة لتنفيذها ضدنا إن هم استطاعوا ذلك.‏

نحن في دمشق، وربما كانت هذه المرحلة هي مرحلة خيار دمشق المقاوم بامتياز؛ وإنه لمن المشروع أن نسأل أنفسنا سؤال العارف الذي يريد أن يزداد وعياً بما يعرف: لماذا نحن هنا..؟! ولماذا نطرح هذا الموضوع بالذات، موضوع العنصرية الصهيونية والنازية الآن؟!‏

ببساطة نحن هنا ِلأننا أبناء أمة تعاني من الممارسات العنصرية للصهيونية النازية منذ قرن من الزمان، تعاني من "الهولوكوست" الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني ومن تصل إليهم الصهيونية من أبناء الأمة العربية، ونحن هنا لأننا منتمون لأمتنا في واقعها الراهن، ولأننا ضد العنصرية أياً كان نوعها وشكلها ومصدرها، وضد أي شكل من أشكال الشوفينية والنازية و"الهولوكوست" الذي ندينه بقوة.. ونحن ندين العنصرية النازية والصهيونية والصربية معاً لأنها بغيضة وضد الأخلاق والقيم والسلامة البشرية، وكل عنصرية مدانة وبغيضة، وكل من يرتكب جرائم بحق الإنسانية ويفتك بالشعوب مادياً ومعنوياً بكل أنواع الفتك سواء أكان على طريقة الولايات المتحدة الأميركية في هيروشيما وكوريا وفيتنام أو على طريقتها ضد العراق بالقصف والحصار والتجويع والترويع ومحاولات التركيع، هو مجرم بحق البشرية.‏

ونحن نطرح هذا الموضوع: عنصرية الصهيونية والنازية، تعميقاً للوعي بمخاطر الصهيونية وطبيعتها العنصرية وممارساتها الإجرامية، وإرهابها المنظم: إرهاب الدولة، ونطرحه دفاعاً عن حرية الرأي والتفكير والتعبير.. فموضوع يتناوله اليهود ليس محرماً تناوله وليس فعل اليهود فوق الشك، ولا ينبغي أن يبقى البحث فيه محرماً ومداناً لأن هناك قوة إرهاب فكري كاسحة تسيطر على سياسات وأجهزة إعلام وأجهزة مخابرات تحركها وتتدخل لفرض هذا التحريم. والبحث والتصحيح وإزالة أشكال التزوير والتهويل والابتزاز من الأمور المشروعة والمصانة بموجب الشرائع والقوانين والأنظمة العادلة، وهو مما يهمنا ويعنينا جداً نحن الكتاب والمفكرين والأدباء.‏

ونحن هنا ونطرح هذا الموضوع لأننا ضد الإرهاب الفكري الذي تمارسه الصهيونية في كل أنحاء العالم، وتفرضه قوانين على دول تحت اسم العداء للسامية كما فعلت في فرنسا / قانون غايسور ـ فابيوس/ وفي سويسرا وسواهما من بلدان الغرب، التي أصبحت على نحوٍ ما ضحايا العقد النفسية التي فرضتها الصهيونية من خلال الإعلام والإرهاب السياسي والثقافي والمادي.‏

إننا في هذه العجالة عن افتتاح ملف الصهيونية العنصرية وممارساتها النازية وعلاقتها بالعنصرية النازية ولا نعلن عن افتتاح ندوة عادية أو بداية كتابة حول موضوع "عنصرية الصهيونية والنازية" فقط، وهذا يعني أن الجهد والبحث والعمل.. كل ذلك سوف يستمر في هذا المجال بموضوعية ومنهجية وعقل نقدي ومسؤولية خُلُقيَّة وإنسانية.‏

وسوف ندعو إلى / ونعمل على/ عقد ندوات وطباعة كتب وإقامة حوار واسع ونشر مادة علمية من مصادر عدة وسوف نبدأ مرحلة العمل في اتجاهين:‏

1-إنشاء مركز توثيق قومي لجرائم الصهيونية ضد أبناء الشعب الفلسطيني والأمة العربية.‏

2-والإعداد لمحاكمة الحركة الصهيونية ورموزها في إطار محكمة ضمير على غرار محكمة برتراند راسل.‏

وإذا كان شارون يُحاكم اليوم في بروكسل على جرائمه في صبرا وشاتيلا فإن هرتزل وبيغن وشامير ورابين وشارون.. وبقية رموز الإجرام الصهيوني سوف يحاكمون في يومٍ ما بوصفهم عناصر مارست الإرهاب والمذابح الجماعية وارتكبت جرائم ضد الإنسانية في فلسطين والوطن العربي.‏

يقول إيلي فيزل، مروِّج بضاعة "الهولوكوست" في الولايات المتحدة الأميركية:‏

"معاقب دائماً وبريء دائماً" ذلك هو عبء أن يكون المرء يهودياً". وإذا كان من المستهجن أن يقول يهودي مدلل في الولايات المتحدة هذا الكلام ويروّج لـه في أنحاء تلك الدولة .. فمن المستهجن ألا نقول نحن العرب ما ينصفنا من الظلم الواقع علينا جراء ما لحق وما يلحق بنا من عدوان وقهر وتدمير وموت واقتلاع جذور من أرضنا التاريخية، وما نتعرض لـه من إزدواجية مكاييل يقود تطبيقها علينا تحالفٌ تقف على رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التي استخدمت حق النقض ضد توفير الحماية للفلسطينيين قبل أشهر من هذا العام 2001 ولوَّحت باستخدامه قبل أيام، كما استخدمته أبشع استخدام في أثناء حصار بيروت عام 1982 لمنع وصول الماء والغذاء والدواء والكهرباء عمن كان يحاصرهم الكيان الصهيوني في عاصمة بلد عربي عضو في الأمم المتحدة.‏

-لم يسرق اليهود الصهاينة وطن الفلسطينيين فقط ولكنهم سرقوا أيضاً "الهولوكوست" من الشعوب التي تعرضت لها فأصبحت "هولوكوست اليهود على يد الغوييم"، وسقط من القائمة كل الذين تعرضوا للتعذيب والإبادة على يد النازيين وبتعاون الصهيونية والنازية، وكل الذين سقطوا في حرب الغرب على الأمم في الحرب العالمية الأخيرة وعددهم يربو على الخمسين مليوناً من البشر؛ ثم حل العبء الصهيوني على العرب من بين الأمم ونُسي حتى هتلر في الزفة، وأصبح الهولوكوست دجاجة تبيض ذهباً لليهود / حتى اليوم دفعت ألمانيا وحدها /60/ مليار دولار تعويضات ثمناً لدم اليهود، عدا المساعدات المنظورة وغير المنظورة./ وتشكل صناعة ناجحة تسوِّغ قهر الآخرين واستلاب أوطانهم وإبادتهم، في ظل تفهم وتواطؤ غربيين تسوغهما الهولوكوست أخلاقياً؟! أليس هذا عار الحضارة الغربية في القرن العشرين وهذا القرن أيضاً الذي يهل بائساً ودموياً!؟.‏

يقول دعاة الصهاينة: "الهولوكوست متعذرة على التفسير لأنها فريدة، وهي فريدة لأنها متعذرة على التفسير."، فانظروا إلى عبقرية هذا المنطق.. الذي لا يفسره إلا النزوع العنصري البغيض، وينم عن عقلية تعيش خارج التاريخ.‏

نحن ندين كل مذبحة .. كل هولوكوست.. وفي المقدمة من ذلك الهولوكوست النازي، ونقول: كل مذبحة هي هولوكوست.. من أوشفيتز إلى دير ياسين.. إلى صبرا وشاتيلا .. إلى قانا إلى سربرينيتسا، والدم اليهودي من حيث قدرة الخالق وعدالته ليس أقذر الدماء ولا هو أفضلها.. إنه دم بشري فقط والبشر يتساوون أمام الموت والقهر والعذاب والممارسات العنصرية ونتائجها القذرة، ولكن التربية الصهيونية العنصرية هي أقذر التربيات وتسفر عن أبشع المواقف والممارسات.. ولذلك فهي إجرامية ومدانة ومرفوضة وينبغي أن تقاوَم.‏

أما من يريد أن يكون مهووساً بالفرادة العنصرية .. فهو فريد في الجنون فعلاً.‏

قال الصحفي الصهيوني آري شافيت بعد مذبحة قانا: عام 1996‏

"إن بإمكان "إسرائيل" التصرف متمتعة بالحصانة لأن لدينا اللجنة المعادية للتشهير ومتحف ياد فاشيم، ومتحف الهولوكوست." وحين يقدم واحد من أهل البيت اليهودي مثل هذه الشهادة على البيت اليهودي ذاته فإنما يقدم عينة من نتاج المنطق العنصري.‏

وإذا كان من حق اليهود أن يجددوا الذاكرة اليهودية وغير اليهودية بالهولوكوست، فلماذا لا نكون نحن مع تجديد ذاكرتنا العربية للهولوكوست الذي ارتكبته وما زالت ترتكبه الصهيونية ضدنا!؟ ولماذا لا نكون مع أنفسنا في هذا المجال؟! وإننا نتساءل لماذا لا يكون من حق الأفارقة السود أن يقيموا متاحف تذكر بالمذابح التي ارتكبت ضدهم وبمعاناتهم من ظلم الرق الأميركي؟! ولم لا نكون مع حق الأفارقة السود الأميركيين في إقامة متحف قومي لهم يذكر بأصولهم ومعاناتهم واسترقاق الأميركيين البيض لهم؟!‏

ولماذا لا نكون مع إقامة مثل ذلك المتحف للأميركيين الأصليين / الهنود الحمر / يبين جرائم الإبادة التي ارتكبت بحقهم؟!‏

ولماذا يكون هناك أكثر من مئة متحف للهولوكوست النازي ضد اليهود في الولايات المتحدة الأميركية، وأعظمها في "واشنطن مول"، وتكون تلك الذكرى عيداً قومياً أميركياً في كل عام؛ ولا يكون للأميركيين أنفسهم حق في تذكر معاناة نصف شعبهم في الرق والجوع والحروب؟! ولماذا يبتز اليهود العالم باسم دمهم وعذابهم على أرضية من التزوير والتهويل الأسطوريين والكذب الصُّراح، ولا يتاح للعرب : فلسطينيين ولبنانيين وسوريين ومصريين وأردنيين، أن يطالبوا الحركة الصهيونية وحليفها الأميركي بتعويضات عن كل ما لحق بهم من دمار وموت ونهب ومعاناة جراء الهولوكوست الصهيوني المحمي أميركياً!؟ هل لأن المعاناة اليهودية تلغي كل معاناة سواها وتسوِّغ لليهود أن يجعلوا الآخرين يعانون على أيديهم، أم لأن الدم اليهودي أعلى منزلة من دم الآخرين من بني البشر؟! إذا كان ذلك كذلك فهذه هي العنصرية بعينها. وللأسف فإن كل هذه المطالب العادلة والمعطيات الإنسانية والمنطقية وسواها مما تقاومه الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية في مؤتمر دربن: جنوب إفريقيا، ومما ترفضان مجرد إدراجه على جدول أعمال المؤتمر للمناقشة.‏

إنها أسئلة لا يستنكرها إلا المصابون بعقدة التمييز العنصري ولا يحاربها إلا العنصريون الصهاينة والمتصهينون فقط.‏

إننا مدعوون للدفاع عن الحقيقة وعن القيم الإنسانية المنتهكة وعن العدالة، وعن شعبنا الفلسطيني الذي اقتلع من معظم أرضه وما زال مهدداً بالاقتلاع، وعن مقدساتنا وثقافتنا وقيمنا وعقيدتنا.‏

فالعنصرية شر مطلق، والصهيونية هي ممثل هذا الشر المطلق بامتياز مطلق أيضاً، وفضحها ومقاومتها واجب مقدس ... ومن أجل هذا نحن هنا.. ومن أجل هذا نتنادى اليوم لنتابع مشروعاً معرفياً يخدم الإنسانية كلها وليس قضيتنا العربية العادلة فقط.‏

إن فلسطين التي نتطلع إليها ونسعى إلى تحريرها، ونؤمن بإمكانية تحقيق النصر في معركتنا من أجلها.. هي تلك التي يروي كل شبر من أرضها دم الفلسطينيين الأبطال الذين يقدمون الشهادة النوعية والقنبلة البشرية، حين يعوزهم السلاح والدعم السياسي العربي من حكومات والت العدو أو حليفه الأميركي.. ويرفعون في كل موقع من أرض العرب بطولتهم وتضحيتهم ودعوة دمهم البريء لنصرة الحرية والقدس والقضية.‏

ونحن الأدباء والكتاب العرب .. مدعوون إلى تقديم ما يثبت مسؤوليتنا عن قضية قومية يضحي أشقاء لنا على طريقها، ومدعوون إلى فعل كل ما من شأنه أن يجعل تلك القضية قضية قومية بالمعنى الكامل والشامل للكلمة، ومدعوون أيضاً إلى عمل يمكِّننا من تحصين الوعي والإرادة العربيين في وجه التدمير الصهيوني-الأميركي لكل من الوعي والإرادة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |