صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ بعد هزيمة الصهيونية في مؤتمر دربان

انهزم الكيان الصهيوني وحليفه الأميركي في دربان أمام مد الأمم التي تلاقى جمعها الممثل لمنظماتها ومؤسساتها غير الرسمية على إعادة تأكيد "أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية"، ثم انسحب الكيان الصهيوني وحليفه الأميركي من المؤتمر عندما سقط مشروع الترويج الذي يسل الصهيونية من العنصرية كما تُسل الشعرة من العجين، ولا يدين الكيان الصهيوني وممارساته العنصرية؛ وكان سقوط ذلك المشروع أمام إصرار الدول العربية والإسلامية الشعرة التي قصمت ظهر البعير الأميركي.‏‏

وعلى الرغم من أن الدول العربية تراجعت تراجعاً غير مقبول عن تصميمها الأول على النص في بيان المؤتمر الثالث لمكافحة العنصرية على وصف الصهيونية بالعنصرية واكتفت بالعمل على إدانة ممارسات الكيان الصهيوني العنصرية إلا أنها صمدت في وجه الضغوط الغربية الرامية إلى سحب هذا الوصف أيضاً وتصدت للمنطق الصهيوني الكريه وللعنجهية الأميركية البغيضة التي حشرت نفسها في دائرة العنصرية وانتهاك حقوق الإنسان، والتهرب من حقيقة ممارساتها للرق ولنوع من التمييز العنصري ضد الأفارقة السود، والتهرب أيضاً من الاعتراف بهذه الجريمة والاعتذار عنها ودفع التعويضات لمن يستحقونها من الأفارقة الذين تعرضوا للتعذيب والتمييز وذل الرق على مدى عقود طويلة من الزمن على يد الأمريكيين البيض.‏‏

ولم يخجل الناطقون باسم الإدارة الأميركية من مواجهة العالم بوقوفهم إلى جانب القتل والتدمير الصهيونيين للبشر ولكل مقومات الحياة في فلسطين المحتلة، ذاك الذي يمارسه الكيان الصهيوني يومياً، ولا من تأييد عنصرية بغيضة تنص عليها القوانين في مجالات التربية والتعليم، والصحة، والخدمات، والسكن والإقامة وحق العودة إلى الوطن المكفول للفلسطينيين بقرار مجلس الأمن رقم 194 لعام 1948 بل انحدر أولئك إلى كلام ومواقف أقل ما يقال فيها إنها تجافي الحقيقة، وتؤيد العدوان العنصري وتسوغ إجرامه، وتتنافى مع حقوق الإنسان التي تتخذها الولايات المتحدة الأميركية سلعة سياسية توظفها لخدمة مصالحها. والولايات المتحدة بفعلها ذاك توجه احتقاراً لشعوب وحقوقها، ولحياة مواطنين ولكفاحهم المشروع ضد الاحتلال ودفاعهم المشروع أيضاً عن النفس والممتلكات والمقدسات والهوية والحضارة، كما توجه احتقاراً غير مسبوق لشرائح من الشعب الأميركي ذاته جاء إلى مؤتمر عالمي، ومن حقه على هذا المؤتمر أن ينصفه وأن يرفع صوته عالياً مطالباً بحقوقه.‏‏

ويجيء انسحاب الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني على هذه الأرضية تأكيداً على عنصريتهما من جهة وعلى غطرستهما وتعاليهما على الآخرين، دولاً وشعوباً، من جهة أخرى. وإذا أضفنا إلى هذا الموقف ما رافقه من تصريحات وكلمات وقحة صدرت عن ناطقين رسميين أميركيين، وعن مسؤولين صهاينة على رأسهم أرئيل شارون وشمعون بيريز، ندرك كم هي متأصلة مشاعر الكراهية للآخرين وكم هي مسيطرة نزعة القوة الغاشمة والتفوق الفاشي، وسياسة فرض الأمر الواقع بكل الوسائل.‏‏

لقد كانت وقفة المشاركين في دربان وقفة إيجابية لقسم كبير من الرأي العام مع الشعب الفلسطيني، وصيحة أطلقت في فضاء عالمي واسع ضد الممارسات الإجرامية للصهيونية العنصرية وحليفها الأميركي، ودليلاً ساطعاً على بداية تحول في العمل العربي والإسلامي، لا سيما على صعيد المنظمات غير الرسمية، لجهة الاقناع والفاعلية والتأثير واستقطاب الآخرين حول موقف واضح من قضية عادلة بأبعادها القومية والإنسانية.‏‏

لقد قال الصهاينة بتفجّع: "إن العرب خطفوا مؤتمر دربان منا" واتهموا إعلامهم بالتقصير، واتهموا العرب والمسلمين بشتى التهم السيئة على عادتهم، وكانوا قد عقدوا ندوات مكثفة في مناطق من العالم منها ما ركّز على "عنصرية" العرب و"عنصرية الإسلام" ذاته!؟! وإذا كان في هذا من الوقاحة النادرة ما فيه فإنه يشير بوضوح إلى إخفاق صهيوني ـ أميركي متعدد الوجوه، وإفلاس أخلاقي وسياسي، وبداية أزمة عميقة في المشروع الصهيوني من الناحية الفكرية والروحية والسياسية.‏‏

وعلينا أن نستثمر هذه الفرصة خير استثمار وأن نركّز بالحجج والأدلة والوثائق على الطبيعة العنصرية للصهيونية، وليس على ممارسات الكيان الصهيوني العنصرية فقط.‏‏

ولا تنقصنا المعطيات التي تثبت ذلك بل على العكس نجد أنفسنا مقصرين في توظيف ما لدينا من وقائع ومعطيات ووثائق وممارسات لتأكيد هذه الطبيعة العنصرية المتجلية في امتداد واسع من الاعتقاد التلمودي إلى التربية المدرسية والاجتماعية والممارسة العسكرية والسياسية والإعلامية.. إلى ما يفوح من الفكر والكتابة اليهودية بأنواعها من تعصب مقيت واستعلاء كريه، وتجارة بعذاب الآخرين، وتشويه لتاريخ البشر ووقائع التاريخ، وسرقة للمعاناة الإنسانية ذاتها وتحويلها إلى سلع سياسية يهودية لابتزاز الآخرين أو لنهب أموالهم، كما هو شأن الهولوكوست /الشواة أو المحرقة/ ؟؟ التي تحولت إلى مأساة يهودية يتوجب على العرب أن يدفعوا ثمنها وحدهم، في حين أنها مأساة الذين كانوا ضحاياها جميعاً من كل الأمم التي عانت من الهولوكوست، ومأساة البشرية كلها المكتوية بالنزوع العنصري والممارسة الفاشية التي جسدتها النازية والحركة الصهيونية حين شاركت النازية ببعض جرائمها خدمة للمشروع الصهيوني العنصري، الذي بدأ التخطيط لـه وتنفيذ مراحله قبل ولادة الحركة النازية بكثير، منذ مؤتمر بال/ 1898 / وإطلاق وعد بلفور المشؤوم‏

/1917 /.‏‏

إن ممارسات الوحش العنصري ضد الفلسطينيين المستمرة وفق منهجية إبادة جماعية لشعب منذ أكثر من خمسين سنة، وهي مدة تزيد على خمسة عشر مِثلاً حتى الآن قياساً لزمن معاناة البشر على يدي النازية، تدعونا إلى العمل الجاد، والمنظم والسريع، بكل الوسائل وعلى أسس علمية وعملية ثابتة، على إجراء محاكمة للحركة الصهيونية بوصفها عنصرية أسوأ من النازية، محاكمة لها على ما ارتكبته وارتكبه رموزها من جرائم بحق الشعب الفلسطيني وأبناء الأمة العربية، بوصفها تمثل أبشع عدوان وأعتى أنواع الاستعمار الاستيطاني وأكثرها همجية، وصاحبة برنامج تصفية جماعية منظمة لشعب أعزل في وطنه الأصلي.‏‏

من أجل هذا ندعو كل الجهات المعنية والأدباء والكتاب والإعلاميين والمثقفين.. إلى تقديم المساعدة في إعداد ملفات هذه المحاكمة والإضافة إليها والتعاون معنا في مجال الإعداد الجيد لها والإنجاز السريع لكل ما تتطلبه، حتى نتابع نضالاً عادلاً، وقضية قصرنا كثيراً في مجال من أهم مجالات خدمتها، وهو إيصال وقائعها وحقائقها للرأي العام، وفضح مرتكبيها وملاحقتهم وملاحقة شركائهم في الجريمة المستمرة ضد أبناء شعبنا وحضارة أمتنا.‏‏

والملفات التي تحتاج إلى تعاون القادرين هي:‏‏

أ‌- ملف المذابح والمجازر التي ارتكبها العدو الصهيوني ضد الفلسطينيين واللبنانيين وبقية أبناء الأمة العربية، في أثناء احتلاله واجتياحه وعدوانه المستمر.‏‏

ب‌- ملف القرى والمدن العربية المدمرة.‏‏

ت‌- ملف الأسرى والمعتقلين ومعسكرات الاعتقال والتعذيب.‏‏

ث‌- ملف الأسلحة المحرمة دولياً.‏‏

ج‌- ملف القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن: القرارات التي لم تنفذ، ومشاريع القرارات المحبطة بالفيتو.‏‏

د‌- ملف الصهيونية وعلاقتها بالنازية.‏‏

ه‌- ملف الطبيعة العنصرية للصهيونية من واقع التوراة والتلمود والفكر اليهودي.‏‏

و‌- العنصرية الصهيونية في التكوين التربوي والتثقيفي والسلوكي للتجمعات اليهودية.‏‏

ز‌- المحرقة "الهولوكوست": حقائق ووقائع وأرقام.‏‏

ح‌- تدمير البيئة الفلسطينية: البيوت المدمرة والمزارع المجرفة والأشجار المقتلعة وتشريد السكان والتضييق عليهم.‏‏

ط‌- ملف اللاجئين : حق العودة.‏‏

ي‌- ملف القدس والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، ومعاملة السكان المقدسيين.‏‏

إننا نشعر اليوم بشيء من الارتياح لنجاح بعض الجهود ولهزيمة الصهيونية وحليفها الأميركي في محفل دولي كبير بحجم المؤتمر الثالث لمكافحة الصهيونية في دربان /جنوب أفريقيا/، ولكن علينا أن نستشعر الخطر القادم في ردة الفعل الصهيو- أميركية المتوقعة، التي يمكن أن تشارك فيها كندا ودول غربية أو أخرى موالية للغرب بشكل من الأشكال.‏‏

وإذا كان تحرك أرئيل شارون باتجاه موسكو يحمل دلالة ما.. فإن التصريحات المرافقة لـه تطلق إشارات غير مشجعة، وقد لا ينحصر تأثيرها في أسئلة حول مستقبل التعاون الروسي - العربي والإسلامي في مجالات عدة ولكن في الضغط الذي قد تمارسه روسيا على من ارتبط بعلاقات تاريخية معها من العرب والمسلمين، وفي تسهيل استقدام مليون مستعمر يهودي إلى فلسطين المحتلة من روسيا ودول الاتحاد الروسي؛ وهو ما يعمل عليه شارون في إطار مشروعه لاستكمال استقدام يهود العالم إلى فلسطين حتى عام 2020.‏

صحيح أن الأوهام كبيرة ولكن دروس الماضي علمتنا أن ما هو في إطار الأوهام والأساطير والاحتمالات البعيدة مما ينطوي عليه التخطيط الصهيوني - الاستعماري يغدو حقائق حين نسهم فيه نحن بعدم الاهتمام به وعدم التصدي لـه وأخذه على محمل الاحتمالات البعيدة وعدم النظر إليه بوصفه الخطر والتهديد الجديين.‏‏

وإذا كانت تجمعات اليهود في روسيا والاتحاد الذي تشكل ثقله الرئيس، ستعمل على هذا البرنامج، فإن كل التجمعات اليهودية والإمكانيات الصهيونية والأميركية سوف تُسخّر لخدمة برامج العدوان والاستيطان والإرهاب ومعاداة حق العرب المشروع في العيش في أوطانهم بأمان، وفي الدفاع عن أنفسهم واستعادة أرضهم المحتلة ووطنهم المسروق.‏‏

من أجل هذا نجد أن الإمبريالية الأميركية المجروحة والصهيونية العالمية المهزومة والمدانة بعنصريتها الأسوأ من النازية سوف تقومان بجهد كبير لتعويض الهزيمة التي منيتا بها في دربان.. وهما لا تتورعان عن القيام بأي شكل من أشكال العدوان والتزييف والتشويه والضغط والإرهاب. وكل هذا يدعونا إلى العمل من أجل:‏‏

ـ تعميق التضامن العربي واستعادته على أسس متينة من الثقة والمسؤولية.‏‏

-توسيع دائرة الأصدقاء في العالم على صعيد العمل مع المؤسسات الدولية غير الرسمية والمؤسسات الدولية الأخرى، وعلى صعيد العمل الرسمي.‏‏

-السعي لامتلاك قوة بالمعنى الشامل والمتكامل للقوة، لنحمي أنفسنا وندافع عن وجودنا. وهذا يحتاج إلى اعتماد على الذات وتفعيل للإمكانيات العلمية والتقنية والمادية من جهة وإلى إقامة شبكة من العلاقات والمصالح مع القادرين على مدنا بتقنية متقدمة وسلاح وتجهيزات مدنية وعسكرية ضرورية للتنمية والمواجهة واستحقاقات التقدم والتعامل مع معطيات العصر وتحدياته.‏‏

-العودة إلى فتح دائرة الخيار العربي على الاحتمالات والتطورات بما في ذلك احتمال المواجهة المسلحة مع العدو، الذي قد يفرض علينا حرباً بنزوعه العدواني ومشروعه الاستيطاني قبل أن نفرض عليه معركة تحرير أرضنا المحتلة وشعبنا الموضوع في قفص الاستنزاف ومعسكر الاعتقال الكبير.‏‏

وكل ما أشرت إليه يحتاج من الرسميين العرب وسواهم من المعنيين بشأن الأمة وبشأن المقاومة والانتفاضة والشخصية القومية والمقدسات والكرامة ومعركة المصير.. يحتاج إلى مراجعة عميقة للذات والمستقرات النظرية أو العملية، التي فرضتها عقود الجفاف والنكوص القوميين، لا سيما منذ كامب ديفد 1978 حتى الآن؛ لكي نشعل فتيل انتفاضة روحية في أعماق كل فرد، وكل قطر، وكل "عرش" رسمي في وطن العرب الكبير. فنغير ما ينبغي تغييره وعلى رأس ذلك الخطاب والسلوك والعلاقات، واستراتيجية العمل العربي المشترك، وخيار "السلام الاستراتيجي"؛ لأننا قد نعرّض للذبح ولا نكون مستعدين لرفع السكين عن عنقنا.. ونحن نستنزف عملياً منذ عقود تحت مظلة العطالة حيث نعيش أحلام السلام الذي لا نحصل عليه، والحرب التي لا نستعد لها، والاستنزاف القاتل الذي يفتك بأبنائنا وإرادتنا وطاقتنا، والتهالك الكلامي والشعاراتي بين منطق مسؤول وعمل لا يمت إلى ذلك المنطق بصلة.‏‏

إننا مدعوون -بعد هزيمة العدو وحليفه في دربان- إلى عمل متميز ومتابعة معركة متميزة.. إلى عمل ليس هو الهجوم المطلوب ..وإنما الاستعداد للتصدي إلى هجوم عنصري صهيوني معزز بقوة دولة متغطرسة لم تعد ترى العالم إلا من زاوية صهيونية.‏‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |