ـ
وكنت كذئب السوء…
بعد توعّده بحرب
"صليبية" تمتد سنوات عدة، وإعلانه حملة عالمية باسم "العدالة
المطلقة"، قدم الرئيس جورج بوش الابن للدول والشعوب في العالم اختياراً من
اثنين: إمّا معنا وإمّا ضدنا، ولا مجال لهامش آخر أو موقع آخر أو رأي آخر. ولم يقف
الكرَم الأميركي عند حد حينما أعلن لمن كانت صفحتهم سوداء أو رمادية في سجلاته
السياسية أنه يبدأ معهم صفحة جديدة إذا ما التحقوا به وكانوا معه في حربه على
الإرهاب، إنه بكل بساطة ينسى "ماضيهم" ويقبلهم في خدمة حربه ومشروعه
ومصالحه عملاء على نحو نظيف أو مقاتلين في "صف شريف"؟!!
لم أعجب كثيراً من
الفرصة التي يعطيها الرئيس الأميركي لمعظم دول العالم وشعوبه بأن يكونوا
"عملاء" على نحو ما للولايات المتحدة الأميركية التي تتولى تنقية
صحائفهم ووجوههم كلما أوغلوا في خدمتها وولغوا في دم الآخرين خدمة لحربها
"المقدسة" ومجهودها الحربي، الذي يشمل بقاعاً متعددة من العالم وينذر
دولاً وأحزاباً وتنظيمات ومؤسسات وشخصيات يتسع هامشها الإعلامي ليشمل الإرهاب
العالمي ويضيق منظورها العسكري- الدموي ليتركز في شريحة عربية- إسلامية تمتد من ابن
لادن إلى أبي سيَّاف وما بينهما من مقاتلين ضد الصهيونية والاحتلال العنصري في
فلسطين ومصالح الولايات المتحدة الأميركية المحمية بالقواعد العسكرية والتحالفات
والتهديد وأنواع الحصار والتشويه والتآمر والضغط المشروع إذا كان صادراً عن قوة
قطب وحيد الطرف يحكم فيمن يحكم مجلس الأمن الدولي، ويفرض هيمنته على الجميع!.
كنت أتوقع من دولة بهذا
الحجم من الانتفاخ والنفوذ السياسي والغطرسة التاريخية أن تفتح أمام نفسها وأمام
العالم أكثر من طريق للرؤية والرأي والموقف والقرار، وأن تأخذ التعددية التي كانت
تطالب بها وتدعو لاحترامها قبل الحادي عشر من أيلول- سبتمبر 2001 بشيء من الاعتبار
والاحترام، وترى في الآخر- أدولة كان هذا الآخر أم شخصية اعتبارية أم شخصاً
عادياً- كياناً مستقلاً ومحترماً وذا سيادة، يستطيع أن يكون خارج التحالف الأميركي
المطلوب من دون أن يكون عدواً للولايات المتحدة الأميركية، ورافضاً للإرهاب ومطالباً
في الوقت ذاته أن تُقدَّم الأدلة والبراهين والقرائن، ليثبت على جهة أو شخص أنه
مارس الإرهاب وأنه شريك أو ضالع في العدوان على رموز الهيبة الأميركية في واشنطن
ونيويورك، ومرتكب جريمة بحق أبرياء سقطوا هناك، لكي يكون ضد المجرم والإجرام بعد
أن يتبين الأمر ويقطع الشك باليقين.. ولكن يبدو أن هذا النوع من
"الأوهام" والمطالب المترفة لعدالة بشرية غير مطلقة وليست أميركية، مما
لا يُسمح به في زمن، ومما يصبح هو مطلب العالم في زمن: وكل من الزمنين تحدده
الإدارة الأميركية المحكومة برؤية وإرادة صهيونيتين.
وهذا الأمر، وفق ما
لمست من مجرياته خلال الأيام القليلة التي تفصلنا عن بداية تاريخ جديد أو قرن
جديد، كما قرر البعض، وتدبّر هذا الأمر يجعلني أطرح على نفسي وعلى سواي سؤال القوة
العمياء، أو العنصرية المرهقَة بتورمها "الأخلاقي- الديمقراطي- الحضاري"
حين تملك قوة تجعلها عمياء، وتبيح لها أن تصدر أحكاماً قاطعة في أمور خلافية وأن
تطلق أوصافاً وتقويمات شاملة ونهائية تجعلها أبعد ما تكون عن الموضوعية، في قضايا
تاريخية وحضارية وقومية تهم شعوباً وحضارات عبر التاريخ، وتطال ثقافات وهويات
قومية تدخل في تكوينها عوامل ومقومات دينية والسؤال: هل هي على حق أم تسوّغ امتلاك
الحق وإعادة صوغ المعايير بشكل نهائي.. أم أنها سوف تواجه قوة الحق، لتنال
آمالها؟.
قالت الولايات المتحدة
الأميركية إن الحرب التي تشنها هي حرب المتحضرين على المتخلفين، وحرب العادلين على
الظالمين، وحرب البنائين على المخربين، وحرب الحرية على العبودية بأنواعها: لاسيما
العقلية والروحية منها؟! ونحن مع المبدأ، ونشكّ في مبدئية من يطلقه لأننا نعرف
حقيقة الإدارات الأميركية وممارستها القمعية المنحازة المزدوجة المكاييل التي قامت
وتقوم بها، وهي تضع قناعاً وجهاً وتخفي وحشاً تحت القناع، ونعرف الوجه البشع
والعمق المظلم والبعد العنصري الشرير لمن يقولون بشيء ويفعلون عكس ما يقولون، ولمن
ينادون بشعار ويوظفون كل ما يكوّنه ويتصل به لخدمة أغراض ومصالح لا تكشف سوى عن
ماديتهم المتوحشة ومعيارهم "الحضاري" المتدني المستوى إنسانياً وقيمياً.
لقد كنا نتوقع، في جملة
ما نتوقع، أن تقوم الإدارة الأميركية بعد الحادي عشر من أيلول/2001.بتوجيه بعض
الأسئلة لنفسها في العمق المنطقي والخلقي…من مثل:
لماذا حدث هذا ضدنا؟! ولماذا يقف جزء لا بأس به من سكان العالم ضدنا؟! ولماذا
يرتاح أناس عندما تُضْرَب رموز هيبتنا؟… باختصار: لمَ نحن ضد العالم، ولمَ العالم ضدنا على نحو ما؟! ولكن
شيئاً من ذلك لم يحدث، ولن يحدث فيما يبدو… لأن الأصوات القليلة التي ارتفعت بمثل هذا التساؤل لم تترك أثراً
يذكر، ولأن السؤال عندما وجّه بصراحة ووضوح لبعض المسؤولين الأميركيين ـ(ديفيد ماك
مثلاً )ـ جاء الرد: "العالم ضدنا نحن الأميركيين لأنه يحسدنا على ما نحن فيه
من تفوّق وغنى وتقدم ومكانة، ولأننا نقدم للشباب في العالم ما يحتاجون إليه مما
يجعلهم يتطلعون إلينا بالدرجة الأولى، ولما نملك من قوة ونفوذ بحكم قدراتنا، ولأننا
نطل على العالم من فوق والذي هو تحت يحسد ذاك الذي هو فوق وقد يكرهه ويعمل على
النيل منه.".. الخ"
إنه منطق أميركي قحّ،
وكلام أميركي يعبر عن أنموذج أميركي خاص في التفكير والتدبير والتفسير.. ولكن: هل
هو منطق صحيح وسليم وعادل ومنسجم مع ما يطرحه الأميركيون الرسميون وأشباههم من رأي
وما يتشدقون به من كلام عن المساواة والحقوق والحريات، وما يصدرونه من حكم على
الآخرين وقرارات بحقهم؟! أنا لا أشك بذلك فقط، بل أمضي إلى القول بأنه منطق مريض،
ورؤية مصابة بجنون العظمة، وموقف يعبر عن تورّم مرضي ناتج عن سرطان روحي ـ نفسي خبيث
ينتشر في الكيان السياسي- الإعلامي- الاقتصادي- الثقافي الأميركي منذ عقود طويلة،
ويزداد فتكاً بالحقائق والأخلاق والقيم كلما أوغل في وهم الدفاع عن حقائقه وأخلاقه
وقيمه. ولو أن الأميركي المسؤول عن استراتيجية وسياسة ينتفع بأميركي مسؤول عن قيم
إنسانية وخُلُقية بالمعنى الشامل وليس عن قيم أميركية بالمعنى الضيق لكانت الأسئلة
التي من ذاك النوع الذي طرحناه قد أخذت طريقها إلى العقل والوجدان والتربية
بأنواعها والمنظمات والمؤسسات المختلفة بأغراضها المتعددة وإلى الرأي العام. ولكن
الحصار المنفعي- المادي- السياسي- العنصري يحيط بالروحي والثقافي والإنساني في الولايات
المتحدة الأميركية ويجعله يضع المسؤولين عن القرار في موقف لا يرون في الآخر- حتى
الأميركي الفقير أو الجاهل أو الضعيف- إلا البضاعة والمصلحة والهدف الذي يحقق لهم
منفعة ونفوذاً وسيطرة أعظم على الآخر حتى في داخل المجتمع الأميركي ذاته.
ونحن الآن حيال قوة هذه
معاييرها وهذه نظرتها للآخر وهذا تفسيرها للإنساني والعادل والحضاري، لقد فسد
معيارنا من وجهة نظرها وفسد معيارها من وجهة نظرنا.. ومن ثم أخذ كل قول أو فعل أو
رأي يصنف في قائمة لدى كل من الطرفين تختلف كلياً عن الأخرى: حتى الإرهاب الذي
يقول العالم كله بضرورة مقاومته والقضاء عليه يختلف تفسيره ومدلوله وتوصيفه لدى كل
من الأميركيين ومن استجابوا لدعوتهم لمحاربة الإرهاب والدخول في تحالف لهذه الغاية،
ومن الطبيعي أنه يختلف لدى من رفضوا الالتحاق بالتحالف الأميركي.
الإرهاب عند الأميركي،
لـه مفهوم ومذاق صهيونيان عنصريان، وهو ذو نزوع استعلائي:
-إن المقاومة المشروعة
للاحتلال الصهيوني في فلسطين أو أية أرض يحتلها الكيان الصهيوني ويسيطر عليها
ويخضع أهلها، إن تلك المقاومة هي إرهاب.. وهو منظور يختلف عما عرفته البشرية
وأقرته القوانين الدولية والشرائع السماوية والتشريعات البشرية والرؤية الإنسانية
للإرهاب.. ولا يوجد تفسير لهذا النوع من التعميم على هذا النوع من التعريف
والتفسير سوى الطبيعة العنصرية والفوقية المرَضيَّة التي تجعل دولة وسياسة وقوة
فوق القانون والعدالة والقيم الإنسانية وأخرى، و"آخرين"، تحت نير القوة
وغطرسة التفوق العنصري.
لا يوجد منطق ولا تفسير
ولا مسوِّغ يجعل النظرة إلى الأميركي الذي يموّل إرهاب الدولة الصهيونية
والاستيطان الاستعماري، الذي هو اقتلاع لشعب لإحلال شعب في مكانه بكل أشكال القوة
والنظر إلى ذلك على أنه عدالة مقدسة ترقى إلى مستوى العدالة الإلهية والمسؤولية
الأخلاقية.. لا يوجد سوى المنطق العنصري الذي أعمته القوة عن الرؤية السليمة
وجعلته يشوّه مفهوم العدل والحق والديمقراطية والحرية، ويعطي لضميره إجازة مفتوحة.
الإرهاب عدوان على
الأشخاص والممتلكات والحياة والاستقرار والاطمئنان والأمن تمارسه قوة (دولة أو
منظمة أو عصابة أو شريحة من البشر أو أشخاص) لتحقيق أهداف سياسية أو غير سياسية
وينطوي على ظلم وشر وقهر للآخرين وابتزاز لهم بوسائل مدانة خُلُقياً وقانونياً.
وإذا عرضنا الفعل
الأميركي الذي تمّ بموجبه، ويتمّ حتى الآن- تقديم عشرة مليارات دولار لمساعدة
اليهود الروس المجلوبين إلى فلسطين المحتلة بعد عام 1991 على الاستيطان والاستقرار
في فلسطين العربية سواء المحتلة منها عام 1948 أم المحتلة عام 1967 على حساب
سكانها الأصليين الذين سيشرَّدون أو يقتلون.. ألا يشكل ذلك إرهاباً فظيعاً يوجه ضد
بشر / فلسطينيين/ في وطنهم التاريخي وضد ممتلكاتهم وحيواتهم وأمنهم واستقرارهم وآمالهم
ووجودهم التاريخي في أرضهم التاريخية وضد حضارتهم وثقافتهم ومقدساتهم وهويتهم وكل
ذلك الذي يجوز لأي إنسان أن يدافع عنه بوجه العدوان والقوة الغاشمة المعتدية التي
تكوّن جوهر الإرهاب؟! ألا يشكل الاحتلال نوعاً كريهاً من الإرهاب؟! ألم تقم
الإدارات الأميركية في هذه الحالة برعاية للإرهاب الذي يجسده الاستيطان، وبتقديم
كل أنواع الحماية والدعم: المادي والمعنوي، العسكري والسياسي، والديبلوماسي
والإعلامي، لإرهاب الدولة وإرهاب العصابات الإرهابية التي كونت "الدولة"
الصهيونية العنصرية في فلسطين المحتلة؟! لماذا يكون هذا النوع من الإرهاب حضارياً
وأخلاقياً ومسوّغاً ومحميّاً بالقوة، وخلفه "المجتمع الدولي" الذي تمثله
الولايات المتحدة الأميركية وتشكّله وتوظّفه كما تشاء.. ويكون دفاع الفلسطيني عن
روحه وبيته وطفله ومقدساته ووطنه إرهاباً، ويكون كل من يناصره أو يدعمه أو يتعاطف
معه أو يوفر لـه مأوىً وهو المشرد عن وطنه منذ عقود من الزمن، راعياً للإرهاب؟!
أليس هذا المنطق الأميركي- الصهيوني منطقاً مشوهاً ممسوخاً في أحسن حالات حسن
الظن.. هذا إذا لم نذهب إلى القول بأنه منطق عنصري- استعماري مراوغ يخادع ليصل إلى
تحقيق أهدافه، ويصنع حقائق عدوانية على الأرض ثم يقدم صورة إنسانية لها ليثبّتها
ويمضي بعد ذلك إلى خطوة أخرى في برنامجه الاستعماري الذي يستهدف الشعوب ولا يسأل
عن الإنساني والعادل والنظيف؟!
لماذا كانت دول ومنظمات
وقوى في العالم مستهدفة أميركياً باسم حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية.. الخ ثم
أصبحت بعد إقبالها على التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية ما بعد الحادي عشر
من أيلول 2001 بريئة من كل التهم الأميركية المتصلة بتلك القضايا والحقوق، في
الوقت الذي لم تغير شيئاً من مواقفها وقوانينها وممارساتها؟! هل يكفي أن تكون مع
بوش" لتكون عادلاً ونظيفاً وحضارياً، وأن تقف بعيداً عنه وليس ضده.. خارج
قبضته وليس خنجراً في جبهته لكي تكون إرهابياً وقذراً ومتخلفاً، على العالم كله أن
يحاربك وعلى كل يد أن تسفح دمك لأنه أبيح بأمر بوش ودُفع ثمن إراقته من مال بوش؟!
إن هذا المنطق الأعوج
الأعرج بل الكسيح الخبيث هو ما يقبله ويقبل عليه العالم اليوم.. أو معظم العالم
اليوم، برسمييه وسياسييه وإعلامييه ومثقفيه.. بلصوصه ونصوصه.. وهو ما يجعل المرء
يسأل: هل كان العالم عادلاً ومنطقياً وأخلاقياً في يوم من الأيام؟! وهل هناك أمل
في أن يكون كذلك في يوم من الأيام؟!
إن حرب
"الخير" على الشر التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على الإرهاب،
وتحشد لها العالم وتصنع لها تحالف "الخير بين الأقوياء" تحتاج إلى معيار
سليم، وإلى أن تكون حرب العدالة على الظلم بكل أشكاله وعلى العنصرية بكل تلاوينها
ومواقعها وبؤرها، وعلى الإرهاب بكل صوره وأشكاله، وفي المقدمة من ذلك إرهاب الدولة
الذي يمثله الكيان الصهيوني وترعاه الولايات المتحدة الأميركية: الراعي الأول
للإرهاب في العالم والمفسد الأول لمعايير وقيم ومفاهيم وضمائر في العالم.. فهل
يتحقق ذلك يا ترى؟! لا أظن ذلك.. لا أظن ذلك، وأكاد أرى كل المنافقين والضعفاء
والأبرياء والمظلومين والمستضعفين يمشون في موكب فرعون العصر وهم يرتجفون خوفاً في
الأعماق ويهتفون ويبتسمون ويشهرون سيوفهم وعصيهم ويرقصون أمامه.. حتى إذا سقط واحد
منهم أو اغتال هو واحداً منهم.. أو فتك بمن يعتقدون أنه الخصم.. وهو بنظره منهم..
هللوا وصاحوا، وإذا المنية والذل في صياحهم ذاك الذي يقومون به وهم يأكلون لحم
أخيهم حياً وميتاً، ويفعلون فعل الذئب بأخيه ذاك الذي جسده قول شاعرنا العربي:
|
وكنت كذئب السوء لما
رأى دماً
|
|
بصاحبه يوماً أحال
على الدّم
|
فضاء مابين أرض وسماء
في