صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ هل نفوت على أعدائنا الفرص؟

أعلن الرئيس الأميركي جورج Wبوش أن الإدارة الأميركية سوف تعترف بدولة فلسطينية من دون أن يحدد حدودها أو عاصمتها أو ظروف الإعلان عنها وشروط ذلك الإعلان، ولم يربط ذلك- كما فعل رؤساء سابقون- بموافقة الكيان الصهيوني على قيام تلك الدولة. وفي تصريحات صحفية توضيحية لاحقة تتعلق بوضع القدس جاء إن وضع المدينة سوف يتقرر من خلال مفاوضات حل عربي نهائي وأن المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها سوف تكون تحت الإدارة الفلسطينية.‏

وإذا كان هذا الإعلان يستحق التوقف عنده من وجوه فإن الإدارات الأميركية عودتنا أن نبحث عن الفخ المنصوب لنا في كل تصريح أو خطوة تتخذها على طريق قضية فلسطين وقضايا العرب المصيرية.‏

وعلى الرغم من أن تصريحات المسؤولين في السلطة الفلسطينية قالت بأن هذا القرار الأميركي قرار سابق لتفجيرات 11 أيلول وأن الأميركيين قد تداولوا فيه مع السعوديين إلا أن الأمر لا يبدو كذلك وإنما هو موقف جاء بعد التفجير تفكيراً وتدبيراً وإعلاناً صريحاً. وهو من حيث توقيته وضبابيته يقودنا إلى التساؤل: هل هو فخ أميركي لكسب بعض العرب وإسكات بعضهم في أثناء إقامة تحالف دولي ضد ما يسمى محاربة الإرهاب؟ أم أنه نضج سياسي أميركي متأخر في فهم قضية فلسطين وموقف العرب منها وتأثيرها على كثير من الأوضاع العربية والإسلامية والدولية ساهمت التفجيرات الأخيرة في حدوثه؟ وهل هذه الورقة الأميركية من أوراق التداول السياسي المزورة التي سيُعلَن عن سحبها بعد الانتهاء من توظيف مدلولها وتأثيرها خلال زمن محدد، أم أنها عملة سياسية صحيحة؟ وإذا كانت صحيحة ونتيجة نضج سياسي فما هي الدولة الفلسطينية التي يوافق الأميركيون على الاعتراف بها: هل هي دولة متصلة الحدود بالدول العربية المجاورة، أو متصل بعض حدودها ببعض الدول العربية المجاورة؟!‏

إن الغموض والتوقيت الأميركيان والسكوت الصهيوني النسبي على ذلك التصريح، كل ذلك يشير إلى فخ جديد يفضي الوقوع فيه إلى الاعتراف بدولة فلسطينية في حدود ميتشل- تينيت لا يمكن أن يصل أفقها إلى سقف أوسلو المتدني جداً لقاء قيام حرب أهلية فلسطينية- فلسطينية أساسها الراسخ وقوف دولة "الشرعية" الفلسطينية في وجه "الإرهاب" الفلسطيني: أي ملاحقة المقاومة والانتفاضة والفصائل الفلسطينية التي ترفض أوسلو وتلك التي تدعو إلى تحرير فلسطين، كل فلسطين، من الاحتلال الصهيوني.‏

وسيكون عدم إقبال سلطة الحكم الذاتي على هذا العرض الأميركي "السخي" الذي سيباركه "المجتمع الدولي" ممثلاً بحلف الأطلسي الذي أعلن وقوفه رسمياً إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية وقبوله المسوِّغات والأدلة التي قدمتها على أن تفجيرات نيويورك وواشنطن كانت عدواناً من الخارج الأمر الذي يقتضي تنفيذ المادة الخامسة من اتفاق الحلف المعدل الذي تم بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين على تأسيسه؛ سيكون ذلك إيذاناً بسحب الوعد وملاحقة الحلم الفلسطيني بدولة بوصفه حلماً إرهابياً.‏

إن الكيان الصهيوني يطالب بوضع حماس والجهاد وحزب الله على لائحة الإرهاب. وسورية ولبنان وبعض الدول العربية الأخرى تطالب بوضع الكيان الصهيوني على قائمة الإرهاب، والمؤتمر الدولي الذي يدعو بعض الزعماء العرب والمسلمين لعقده لمناقشة موضوع الإرهاب سوف يصطدم بتعريفه وستكون هناك مواجهة بين من يرى مقاومة الاحتلال الصهيوني حقاً شرعياً وقانونياً تقره الأعراف والمواثيق الدولية ومن يريد أن يصنفه إرهاباً.. ولذا فإن مثل هذا المؤتمر لن يعقد مثلما تم التغاضي عن الدعوة لعقده سابقاً، وهي دعوة كان قد أطلقها القطر العربي السوري في الثمانينيات على لسان الرئيس حافظ الأسد وتجاهلتها الإدارة الأميركية ومجتمعُها الدولي، ووضع الكيان الصهيوني على لائحة الإرهاب لن يتم؛ وإدراج حماس والجهاد وحزب الله في قائمة الإرهاب الأميركية ـ الأطلسية قائم كما ذكرت مصادر عدة نقلاً عن أميركية. ولذلك فإن مواجهة الإرهاب سوف تكون بالجملة من جهة وبالمفرق من جهة أخرى، وعلى الدول والمنظمات والأفراد أن تختار الصف الذي تقف فيه والموقع الذي تتمترس فيه أيضاً. ولا يمكن أن تكون المنظمات والدول التي ترى في الاحتلال الصهيوني وممارساته ورعاته إرهاباً بمنجى من المساءلة بوصفها منظمات "إرهابية ودولاً ترعى الإرهاب" بالمفهوم الأميركي- الصهيوني للإرهاب، حتى إذا شجبت العدوان على واشنطن ونيويورك وأدانت الإرهاب جملة وتفصيلاً وجرّمت مرتكبي تلك الحوادث وسواها.‏

ومن هذا الباب بالتحديد سيدخل منطق اهتبال الفرصة السانحة التي يقدمها رئيس أميركي للمرة الأولى بوضوح تام بوصفها عظيمة ولن تتكرر.. وسيتم تسويغ كل ما يقدم من أجل قبولها وتسويقها على أنه فعل عقلاني مسؤول.. حتى لو استدعى ذلك مواجهة كل من يرفض أوسلو وينادي باستمرار الانتفاضة والمقاومة والتصدي للاحتلال الصهيوني أينما وكيفما وجد. وسوف ينقلب هذا المنطق شيئاً فشيئاً، بمساعدة صهيونية- أميركية- أوربية وأطلسية إلى منطق وطني عقلاني موضوعي جداً ومقبول جداً في هذه الظروف ويسوِّغ مواجهة معارضيه بوصفهم متشددين وغير واقعيين في المرحلة الأولى، ثم خارجين على المصلحة الفلسطينية وموالين لدول وقوى ليست في إطارها ولا في إطار "الدولة" التي تمثلها في المرحلة الثانية، ثم بوصفهم أعداء لها "وإرهابيين" فعلاً لا يقبلون أي منطق ولا يراعون الظروف والأوضاع ولا يقدرون المعطيات، ويريدون "رمي إسرائيل في البحر" وهذا منطق غير مقبول. وعليه فإنهم- من وجهة النظر تلك- يخرجون من دائرة الوطنية والوعي السياسي إلى دائرة العداء والإرهاب والانغلاق السياسي.. وهذا يبيح دمهم على نحو ما.. ويجعلهم عرضة، هم ومن يساندهم، لغضبة الولايات المتحدة وحلفائها جميعاً، الذين يشنون حرب "الخير" على "الشر" وحرب "العدالة المطلقة" على "الظلم"، و"الحرب الصليبية" المقدسة على حد تعبير الرئيس الأميركي جورج W بوش في تصريحاته.‏

وتأسيساً على هذا أنظر إلى إعلان الرئيس الأميركي بشأن إبداء الاستعداد الأميركي للاعتراف بدولة فلسطينية على أنه فخ أميركي- صهيوني و"تكتيك" مرحلي الهدف منه التأسيس لحرب أهلية فلسطينية بين من يقبلون دولة ما على أرضية أدنى من سقف أوسلو المتدني جداً جداً جداً وبين من يرفضون ذلك.. ليكون هناك منطق يتم بموجبه إخراج المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني من الدائرة المشروعة إلى الدائرة الممنوعة والمدانة. وبذلك يصبح كل من يدخل حلف القضاء على الإرهاب طرفاً في الكفاح ضد من يقاوم الاحتلال الصهيوني لفلسطين ومن يقاتل "إسرائيل" من أجل حق في فلسطين وعودة إليها وسيادة فلسطينية فيها، وسيجد العرب أنفسهم منقسمين إلى قسمين: قسم مع دولة فلسطينية بأي شكل وضد الخارجين عليها لأي سبب، وقسم مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني وضد الرافضين لها والمتهمين لرموزها والواصفين لها بالإرهاب والداعين إلى ملاحقتها. وهذا يسهل على الإدارة الأميركية وحلف الأطلسي والكيان الصهيوني إيجاد الذرائع لضرب من تخطط الحركة الصهيونية لضربهم منذ زمن تحت ذريعة رعاية الإرهاب وباسم رفض "سلام" في المنطقة ـ الشرق الأوسط ـ هو استسلام يفرض على دولها وعلى أهلها الأصليين.‏

ومما يلفت النظر أن الإدارة الأميركية لم تلتفت للأمور الآتية منذ الحادي عشر من أيلول الماضي، ولم تأخذ بالاعتبار:‏

1- مناداة بعض الدول العربية والإسلامية بوضع الكيان الصهيوني على لائحة الإرهاب الذي ينبغي أن يُقاوم من خلال الحلف الدولي. ولا سيما أن ممارسات هذا الكيان العنصرية والإرهابية التي تتجلى بقتل المدنيين وتدمير البيوت وتخريب البيئة الفلسطينية واقتلاع الأشجار وفرض الحصار، لا تترك مجالاً للشك في تحديد هويته الإرهابية وعنصريته الصهيونية- النازية واستمراره في تنفيذ مخطط إبادة جماعية منظمة ضد الشعب الفلسطيني مما يستدعي تطبيق القوانين والأنظمة الدولية عليه ومقاومته بوصفه قوة عنصرية ترتكب جرائم ضد الإنسانية بشكل مستمر منذ أكثر من خمسين سنة.‏

2- استمرار الكيان الصهيوني بشن هجمات وحشية ضد الشعب الفلسطيني في ظل الانشغال الأميركي والدولي بالإعداد لتحالف دولي ضد الإرهاب، وقيام هذا الكيان العنصري بقتل العشرات وجرح المئات من الفلسطينيين وتدمير القرى والمزارع والأحياء السكنية والبنى التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية.‏

3- ضرورة مناقشة دعوة الداعين لعقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب يكون من مهامه تعريف الإرهاب والتفريق بينه وبين المقاومة المشروعة.‏

وإذا كان لهذا من تفسير فهو على الأقل عدم الاكتراث بهذا النوع من الدعوات والأفعال استناداً إلى منطق آخر هو منطق القوة وغطرستها الذي يجري حساباته بعيداً عن الأوضاع الإنسانية والحقوق والقوانين الدولية إلا عندما يكون في استخدام تلك الأوضاع والحقوق والقوانين مصلحة لأصحاب القوة. والنظر إلى الدول العربية والإسلامية على أنها قوى تطالب وتصرخ للاستهلاك المحلي ولكنها تلتزم بما يطلبه الأميركيون في النهاية.‏

وهذا الوضع الذي يتكرر منذ عقود من الزمن يلقي على المعنيين به والمتضررين منه سؤالاً يقول: إلى متى تقبلون بهذا المنطق وتخضعون لـه وتُخضِعون شعوبكم لنتائجه المدمرة؟! وإلى متى تضعون رؤوسكم تحت الخيمة الأميركية- تستظلون بها وهي تكشفكم عندما تشاء، وتهددكم بالكشف عند كل همسة أو حركة أو إشارة لا ترضيها؟! وإلى متى يبقى صوتكم دوائر في الفضاء لا تصل إلى دوائر القرار التي تساندونها أو تمشون في ركابها؟!‏

إن وقوف العالم مع منطق الأقوى لا يعني أملاً في وضع حد لبطش الأقوى بالأضعف في أي يوم من الأيام.. بل يعني تجدد طمع الأقوى بخضوع الأضعف لـه في كل مرة يطلب فيها إليه الخضوع له. وعندما يكون الأمر متعلقاً بحقوق مشروعة أقرتها الشرائع والأعراف والقوانين الدولية ومنها الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال.. فإن الذي يتنازل عن مثل هذا الحق وينضم إلى القوي والمحتل في ضرب ذي الحقوق المشروعة واستخدام القوة المشروعة إنما يقوم عملياً بالانتحار المجاني مرتين: مرة عندما تنازل عن حقه ومرة عندما شهر سلاحه ليخوض مع عدوه معركة ضد نفسه.‏

وحين تراودني فكرة أن يقوم عرب من العرب وفلسطينيون من الفلسطينيين بشن حرب ضد المقاومة أو شن حرب لإطفاء النار المقدسة للانتفاضة بحجة أنهما تشكلان نوعاً من الإرهاب الذي يريد السيد الأميركي أن يحاربه ويقضي عليه، فإنني أرتعش فَرَقَاً من إعادة توظيفنا للقيام بحرب بالوكالة ولكنها ضد أنفسنا هذه المرة ومن أجل حماية العدو الصهيوني المحتل والأميركي المتغطرس الذي يريد أن يشن علينا حرباً صليبية للوصول إلى "عدالة مطلقة" لا تتم إلا بالقضاء علينا بوصفنا "إرهابيين" وعلى عقيدتنا بوصفها "تعلِّم الإرهاب"؟ وهي حرب يخوضها بعضنا ضد بعضنا.. وتتجه فيها سيوفنا إلى نحورنا، إذا ما استجبنا للرغبة الأميركية المهلكة .. بينما العدو ينتظر ليجهز على من يبقى حياً أو من يخرج منتصراً، كما فعل الأميركي- الصهيوني بالعراق وإيران وبجملة من العرب والمسلمين من قبل في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.‏

إنني لا أكتفي بالدعوة إلى الحذر مما يدبر لنا سواء أكان ذاك الذي يدبر لنا يتوسل لذلك بالإغراء أم بالتخويف، ولكنني أدعو إلى أن نكون صفاً واحداً واعياً يقظاً في وجه الإغراء والتخويف، وأن نتبيَّن مصالحنا جيداً وندافع عنها جيداً، ونتبيَّن أهداف أعدائنا ونفضحها، ونحصن أنفسنا ضد دعاواه ودعاوى عملائه والموالين لـه ممن يعملون بين ظهرانينا لتحقيق فراغ وخوف واختراقات تخدمه، حتى لا يتحقق للعدو القضاء علينا بوسائله أو وسائلنا.‏

إن مراجعة للتاريخ القريب، ولما جرى في القرن العشرين فقط من التاريخ القريب، تجعلنا ندرك أن الصهيوني عدو ولا يمكن أن يكون شريكاً في السلم أو حليفاً في الحرب، وأنه الشر المطلق والخطر المطلق على أمن المنطقة كلها. وأن تحالف الصهاينة والاستعماريين السابقين لا يمكن أن يكون محايداً ونزيهاً في مشروع أنشأه وهو يدرك جيداً وظائفه ودوره الاستراتيجي، كما لا يمكن أن يكونوا حلفاء لنا أو حريصين على حقوقنا ومصالحنا وحيواتنا؛ وأنه ما لم نملك قوة، وما لم يشعر أولئك بأننا خارج قبضتهم وأن قبضتنا قد تقلقهم.. فإنهم لن يلتفتوا لأي حق لنا ولن يمنحونا أي اعتبار.‏

فهل نفوت على العدو وحلفائه بعض الفرص؟!‏

وهل نفوت على الأميركي والصهيوني مشروع الحرب الأهلية الفلسطينية التي يخطط لها، تلك التي إن وقعت، لا سمح الله.. لن تكون لصالح أحد ولن يسلم من شرها أحد، وستدخل العرب على الخصوص في دوامة لا نعرف نتائجها ولا آفاق الخلاص منها؟!‏

إنا مدعوون لذلك‏

وإنا لقادرون عليه.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |