صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ مرحليات العدوان الأميركي

"إذا عطس أميركي فإن "الإرهاب" العربي الإسلامي المتمثل في "بن لادن" وتنظيم القاعدة مسؤول عن ذلك".‏

هذا ما تريد أن توصله للعالم آخر الرسائل الأميركية الإسرائيلية التي اتخذت من وفاة مواطن أميركي في فلوريدا، ومرض آخر بالجمرة الخبيثة: "أنثراكس" موضوعاً وذريعة للقول بأن حرباً جرثومية قد تكون شُنت عليها بواسطة رسائل بريدية تحمل تلك الجرثومة.‏

ومما تجدر ملاحظته أن الإدارة الأميركية أعلمت مجلس الأمن الدولي بأن عملياتها ضد "الإرهاب" سوف تطال بلداناً أخرى غير أفغانستان، وأنها وجهت إنذاراً استفزازياً شديد اللهجة للعراق مهددة بالويل والثبور وعظائم الأمور، فيما إذا استغل هذه الأوضاع ليوجه تهديداً لجيرانه؟! والغريب أن يأتي مثل هذا في وقت يتم فيه عمل عربي- عربي لرأب الصدوع العربية، ولمعالجة آثار الجرائم والمخططات الأميركية التي كان من ضحاياها: (العراق، وإيران، والكويت، ومنطقة الخليج بأكملها) في حروب العقدين الأخيرين من القرن الماضي.‏

لقد اعتدنا على قيام الإدارة الأميركية بالتلويح لدول الخليج بالفزَّاعة العراقية، كلما أرادت أن تبتزها بصفقات للسلاح، أو تجبرها على ضخ كميات إضافية من النفط للتحكم بأسعاره، أو تريد منها الالتحاق بتحالف تقيمه أو ضغط تمارسه أو حصار تفرضه، أو ذخيرة تخزنها في أرضها، وقواعد تنطلق منها للعدوان على الآخرين في عالم غدا مسرحاً لعربدة الشر الأميركي الذي تغذيه عنصرية صهيونية كريهة تتحكم بالقرار الأميركي، أو تؤثر فيه بنسب كبيرة. ولكن مالم نعتد عليه بعد، هو أن تستفيد الدول العربية خصوصاً، والإسلامية عموماً من دروس الخداع (الأميركي ـ البريطاني) المتكررة.‏

إن العدوان على أفغانستان بدأ مساء الأحد (7/تشرين الأول(أكتوبر)/2001) وقد دمرَ وشلَّ حتى صباح العاشر منه (80%) من المطارات والقواعد والأهداف الأفغانية، ودفع جبهة الشمال الأفغاني المعارضة لطالبان لتشن هجوماً تدعمه بكل الوسائل، ليقتل الشعب الأفغاني بعضه بعضاً، ولتأكل الصحارى والفلوات وأنواع المعاناة بقية ذلك الشعب الذي انتشر على مسافات من حدود بلاده مع بلدان أخرى، لاسيما الباكستان، لأنه لا يجد أماناً في أي مكان من وطنه، ويلاحقه الفقر، وموسم الشتاء القادم، والحرب التي تستمر منذ عقدين من الزمن... وقد خرج من تحت قصف السوفييت واحتلالهم، إلى حرب أهلية طحنته، ثم إلى عدوان (أميركي ـ بريطاني) هو رأس تحالفات أميركية متعددة مع قوى في العالم ليدفع ثمن "الإرهاب" أو ثمن كره معظم العالم للغطرسة الأميركية التي تكتسح العالم.‏

إننا ونحن نتابع موجات القصف والتدمير على أفغانستان، نستذكر موجات القصف والتدمير التي شُنّت على العراق، مع اختلاف الأسباب والأهداف، ولكن النتائج كانت وسوف تكون في خدمة المصالح الأميركية أولاً وأخيراً، وفي خدمة حليفها الأول وشريكها الأول في العنصرية والعدوان وهو "إسرائيل". إن السيطرة على بحر قزوين، واحتلال أفغانستان، ـ إن استطاعت الولايات المتحدة وبريطانيا ذلك ـ وإقامة قواعد عسكرية متقدمة بمواجهة قوى منها (روسيا والصين)، تستخدم عند الحاجة إليها، والتحكم في الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في آسيا الوسطى، وتهديد إيران تهديداً مباشراً، ومحاصرتها تمهيداً للقضاء على كل قواها وما تتطلع إليه من قوة ومنعها من مناصرة حزب الله، والمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني، وشل دورها في الصحوة الإسلامية.. وتشديد القبضة على العرب وإدخال عرب جدد إلى حيّز القبضة الأميركية... إن كل ذلك يشكل قمة جبل الجليد للأهداف الاستعمارية والعدوانية للولايات المتحدة وبريطانيا في المنطقة، وعلينا أن ننتظر المزيد من المخططات والمؤامرات والجرائم فالشر المنطلق من ساسة ذينك البلدين يبدو بلا حدود، ويشفّ عن نزوع عدواني مقيت يثير مواجع وذكريات رسيس حروب تعود إلى قرون مضت ويبدو أنها ما زالت في عمق التكوين التربوي والثقافي والسياسي للغرب "المتحضر".‏

لقد تدرج بوش الابن في اختيار شعار لحربه التي كان حدث /11/أيلول/ باعثاً لها، ومناسبة لتنفيذ مخططات وتنفيذ ملفات معدة منذ أكثر من عقد من الزمان، لقد تدرج من حرب "صليبية" مقدسة إلى حرب "العدالة المطلقة"، إلى حرب "الحرية الدائمة" وهذه الأقنعة التي تتراكم فوق بعضها بعضاً، تهدف إلى البحث عن قناع مقبول لإخفاء وجه قبيح.. وهو وجه يخفي باطناً أقبح بكثير من الظاهر.‏

وكم كنا نتمنى أن تكون أحداث الحادي عشر من أيلول(سبتمبر)/2001 مناسبة ليوجه الأميركي سواء أكان سياسياً أم إعلامياً أم رجل أعمال أم مواطناً بسيطاً، أن يوجه سؤالاً لنفسه ولساسته: لماذا نحن مكروهون من شعوب كثيرة في العالم، ولماذا تشن هذه الحروب عليه: (الحروب الاقتصادية والسياسية والإعلامية والعسكرية)، قبل كل شيء.؟!..‏

هل صحيح أننا حماة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية أم أننا نبحث عن استخدام بضائع وسلع منها هذه السلع الإنسانية لنجد الذرائع التي نتدخل تحتها في شؤون الآخرين، ونسيطر عليهم أو نبتزهم أو نهددهم على نحو ما؟! هل نشن الآن حرباً عادلة، أم حرباً من أجل الحرية الدائمة، أم أننا نقوم بكل مايمكننا القيام به من أجل امتلاك حرية دائمة في شن الحرب على الآخرين والتدخل في شؤونهم، وحماية مصالحنا في بلدانهم على حساب مصالحهم وأوطانهم، ونقوم بكل مايمكن القيام به لإبقائهم في ربقة التخلف لنحافظ على تقدمنا وتفوقنا؟!..‏

لكن المؤسف أن الأميركي لم يسأل نفسه، أو أن أميركيين كُثر لم تتح لهم فرصة أن يسألوا أنفسهم، أو أن يوجهوا تلك الأسئلة لمسؤوليهم.‏

فأميركا لا تقبل الآخر إلا ملحقاً أو عبداً أو ميتاً... وتاريخها... كل تاريخها يؤكد ذلك منذ إبادة الهنود الحمر وحضارتهم، إلى استعباد الأفارقة السود وقتل الملايين منهم، إلى حروبها العدوانية على الشعوب من كوريا وفيتنام إلى العراق وأفغانستان مروراً بالحرب ضد العرب مع الكيان الصهيوني ورعاية إرهاب تلك الدولة العنصرية واحتلالها وجرائمها، بما يجعل الولايات المتحدة الأميركية الراعي الأول في العالم لإرهاب "الدولة" الأولى في جرائم العنصرية والإرهاب، "دولة الكيان الصهيوني".‏

وحيال هذا الواقع الذي يتفاقم نجد أنفسنا بمواجهة وقائع واستنتاجات وأسئلة من جهة، وأمام احتمالات ومخاطر كبيرة قادمة، وهذا يستدعي منا التفكير والتدبير في أمور كثيرة، كما يستدعي اتخاذ مواقف واختيار بدائل حتى لا تُحجب عنا الرؤية أو ندخل في نفق لا يبقي لنا حتى ضوءاً في نهايته إلا ما يطلقه (الأميركي ـ الصهيوني) من لُمعِ منافذ خُلَّبية يوزعها في متاهات النفق المصطنع أو المصنوع.‏

إننا فيما يبدو لنا:‏

1 ـ أمام احتمال انقسام (عربي ـ عربي) بعد الانقسام الذي بدا في الشارع الإسلامي، وهو أوضح بما لا يقاس عندما نلتمسه بين الجماهير والحكومات منه بين الحكومات أنفسها مما يجري لأفغانستان، وما ينتظر سواها من الدول والقوى، لاسيما تلك التي تقاوم الاحتلال الصهيوني والغربي وتتصدى لـه بأشكال مختلفة.‏

وبوادر ذلك الانقسام بدأت في أهم شارع يعنينا أمره، وأهم مفصل للأحداث الأخيرة وفيها، وأعني به الشارع الفلسطيني. إذ يبدو أن "طعم الدولة الفلسطينية" التي يمكن أن تعترف بها إدارة بوش الابن قد أدى إلى بداية المواجهة بين السلطة الوطنية الفلسطينية، والشارع الشعبي في فلسطين، فكان قبل أيام ثلاثة قتلى في غزة برصاص السلطة، وعشرات الجرحى وهو أمر باركته الولايات المتحدة، وقرأ فيه الكيان الصهيوني بداية تحرك من الرئيس عرفات نحو مقاومة "الإرهاب" ولكنه تحرك غير كاف. واللافت للنظر أن السلطة طلبت العون من "الكيان الصهيوني" لتقديم أدوات ومعدات لقمع المظاهرات والاحتجاجات فاستجاب العدو بعد رفض أو تمنّع أولي...‏

وهذه البادرة تضعنا أمام إمكانية تطور العلاقة الأمنية بين السلطة وحكومة شارون لقمع الانتفاضة وملاحقة المقاومة ضد الاحتلال تحت ذرائع وشعارات وطنية. وإذا أضفنا إلى هذه البادرة ـ المؤشر: تصريح وزير الإعلام و الثقافة في السلطة رداً على ما جاء في كلمة "أسامة بن لادن" بعد العدوان على أفغانستان وهو ما معناه: "إن أميركا لن تنعم بالأمن مالم ننعم به في فلسطين"، حيث تبرأ الوزير من "بن لادن" وطلب إليه ألا يتكلم عن فلسطين... الخ. إذا فعلنا ذلك وتلمسنا ما ينتظره العرب من فعل أميركي تنفيذاً لإعلان الرئيس الأميركي بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية: "عائمة وغامضة وغائمة" نجد أنفسنا أمام حقيقة أن العرب ابتلعوا "الطعم الأميركي"، وأنهم سقطوا في فخ الوعد الذي سيقودهم إلى الانقسام والتفسخ، عندما يتطور العدوان الأميركي وينتقل إلى مرحلة أخرى في مقاومة ما يسميه "الإرهاب" والدول الراعية لـه في الشرق الأوسط.‏

2 ـ أمام تغيرات جذرية في علاقة الشعوب بحكامها وأنظمتها في معظم الدول الإسلامية، وسوف يزداد وضوح ذلك وتفاقمه مع تطور العدوان الأميركي واتساعه.‏

وسيؤدي هذا إلى مزيد من اعتماد الحكام والأنظمة على الدعم الغربي، ومن ثم إلى تغلغل الهيمنة (الأميركية ـ الصهيونية ـ الغربية) أكثر فأكثر في بلدان عربية وإسلامية، وتحركها من الداخل وتحت غطاء الأنظمة الأقنعة لتحقيق أهداف ومآرب لن تتوقف عند الأبعاد السياسية والاقتصادية وإنما ستتعداها إلى أبعاد ثقافية وعقائدية تحت ذرائع شتى وبالتلويح بفزاعات، والتهديد بإجراءات... ليأتي المد (الغربي ـ الصهيوني) على مقومات الهوية والشخصية والعقيدة الإسلامية... وهذا جزء رئيس من المخطط (القديم ـ الجديد ـ المتجدد) الذي يستهدف فيه الأميركيون والصهاينة ثقافات وحضارات من خلال استهداف أنظمة ودول وشعوب.‏

ونحن فعلياً في خضم بداية صراع الحضارات الدموي الذي نادى به مفكرون وساسة أميركيون بدلاً من أن نكون في السنة الأولى من سنوات حوار الحضارات الذي أقرته الأمم المتحدة.‏

3 ـ أمام حملة منظمة هي الأشرس من كل الحملات التي شهدناها منذ عقدين من الزمن، ضد توجهات وتيارات وشخصيات ورموز ثقافية تأخذ بمبدئية التحرير، ومواجهة المشروع الصهيوني، ومقاومة أشكال التبعية وأنواع الاختراق الثقافي. وعلى رأسها تيارات الفكر القومي، و(القومي ـ الإسلامي)، والإسلامي... حتى لو لم يكن في أي من تلك التيارات والتوجهات تشدد من أي نوع.. لأن المقصود: غربياً وصهيونياً هو القضاء على الوعي بالذات ومقوماته لدينا، وإعادة التكوين الفكري والثقافي والتربوي والعقائدي بما يضمن نشوء أجيال ترحب بالكيان الصهيوني، والأنموذج الأميركي وتتهم ماضيها وتراثها ولغتها وعقيدتها وكل ما يمت إلى ذلك بصلة...‏

وهذا المشروع، الذي بدأ مع حملات الاستعمار والاستشراق الاستعماري الأولى، لاسيما منذ عام 1840 في بلاد الشام ومنذ عام 1882 في مصر، ومنذ احتلال الجزائر وتونس وليبيا في القرن التاسع عشر، هذا المشروع ما زال مستمر الأهداف، وما الحملة الشرسة على اللغة العربية، واستنبات لغات وإحياء قوميات والدعاوى المتكررة للكتابة بالحرف اللاتيني، أو باللهجة العامية لكل قطر، والحملات على "اللغة التي تعلم الإرهاب"، يعنون اللغة العربية إلا مظاهر لذلك المد الاستعماري الذي يستهدف الشخصية الثقافية والهوية القومية واللغة العربية والإسلام.‏

وسوف يكون لإعلام عربي وإسلامي، ولمنابر ثقافية عربية، ولشخصيات عربية هنا وهناك دور مؤثر جداً في تحقيق هذه الأهداف.. كما كان ذلك منذ عقود وعقود وعقود من الزمن..‏

فكثيراً ما نؤتى من بين ظهرانينا، ولطالما صنّعنا العصي التي نُضرب بها، وأعلينا "الرموز" التي خرّبت وتخرّب قيمنا ومقومات أدائنا الفكري والإبداعي الأصيل.‏

إن الخشية هي من ثقوب الثوب العربي الممزق، حتى لا نقول المهلهل، الذي تلتصق به الرّقع فتصبح مع الزمن هي الثوب ويغيب الأصل أو يغيّب.‏

إننا بحاجة إلى موقف متماسك، إن لم نقل موحّد، يقوم على أسس من الوعي واستشعار الخطر واستقراء التاريخ، واستنتاج ما يصح ويصدق ويصمد لمنطق ومنهج وعلم ينفع الناس ويقنعهم.. حتى لا نذهب "فر ق عملة" في حرب التحالفات وتراكم الولاءات، وزحف السواقي العكرة إلى النهر الأميركي الملوث.‏

فهل ترانا نُحسِن التدبير والتصرف، بعد إعمال الرأي والوعي، على أرضية من الانتماء الصّراح لأمة وعقيدة وقضية، ومن ثم الدفاع عما ننتمي إليه مع تبيّن سعة الجبهة المستهدفة وسعة الهجوم وشرور التحالفات وأهدافها البعيدة التي لا تتوقف عند حدود ابتلاع فلسطين، وانتزاع الاعتراف بدولة الصهاينة؛ وقتل الحلم الفلسطيني بالعودة، بَلْه قتل الحلم العربي بالوحدة والنهضة؟!‏

إننا مدعوون لذلك قبل فوات الأوان، ومدعوون قبل ذلك لئلا يقتلنا الخوف من الانتماء لأمتنا في واقعنا وللجبهة التي تقاتل من أجل تحرير فلسطين ـ كل فلسطين، من الاحتلال الصهيوني، وتحرير أرض العرب والمسلمين من أنواع الاستعمار والتبعية، وتحرير العالم من الهيمنة الأميركية وشرور العنصرية والاستعباد وإرهاب الدولة الذي تمثله الإدارة الأميركية والحركة الصهيونية والغرب الذي يسير في ركاب الاستعمار الأميركي، وحلم بريطانيا بالعودة إلى ممارسة دورها الاستعماري البغيض.‏

والله من وراء القصد‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |