صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ حمق شارون فخٌ له

"دولة فلسطينية" على نار حامية، سارعت في إنضاج الموافقة عليها في الدوائر الغربية تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 سواء أقر بذلك المسؤولون الأميركيون والبريطانيون والعرب أم تنكروا لـه وأنكروه؛ فتلك الأحداث التي دفعت الولايات المتحدة للبحث عن تحالفات طرحت عليها بقوة قضية تهم المتحالفين المحتملين من جهة وتدخل في عوامل واحتمالات مسببات فعل التدمير ذاك.‏

ولكي يلتحق شارون بالقطار الذي أخذ بالتحرك في هذا الاتجاه سارع إلى إعلان، هو أشبه ما يكون بوضع العصي في العجلات، حيث وافق باسم حكومته على دولة فلسطينية وفق منظور ومواصفات خاصة، ليست جديدة كلياً ولا هي قديمة كلياً:‏

دولة منزوعة السلاح، لا يجوز لها تكوين جيش، ولا أن تعقد اتفاقيات مع دول تعادي الكيان الصهيوني، مكشوفة الأجواء أمام الطيران الصهيوني في كل حين، وتقف على حدودها مع البلدان العربية المجاورة لها قوات صهيونية بشكل مستمر، لا سيما في وادي الأردن، ولا يسمح لأي لاجئ فلسطيني أن يعود إليها، فحق العودة مصادر كلياً.. وينسحب جيش الاحتلال من الأراضي التي تخصص لتلك الدولة فيما عدا الحدود، ويتم سحب المستوطنين وإلغاء المستوطنات من قطاع غزة كله وتبقى مراكز استيطانية في بعض مواقع من الضفة الغربية. أما القدس فهي –من منظور شارون وخطة حكومته- "عاصمة أبدية لإسرائيل" موحدة وتحت سيادة صهيونية كاملة. وأضاف شارون في تكملته لصورة الاقتراح أنه لن ينسحب من الجولان ولن يتنازل عنها فهي مهمة لأمن "إسرائيل" كما قال. وكأنه يعطي لعرفات مساحة من الأرض يقتطعها من سورية، وهو منطق أكثر غباء من عقوبات الإدارة الأميركية " الذكية"؟ على العراق.‏

وهذه المناورة التي كُتب الإعلان عنها بحبر الخداع الصهيوني العريق مُسحت كلياً بدم الإرهابي المتشدد رحبعام زئيفي الذي سقط بثلاث رصاصات في فندق " الحياة ريجنسي " في القدس المحتلة، حيث يقيم، صباح الأربعاء 17/10/2001 وترك حقيبة السياحة والأماكن السياحية لآخرين، وترك لشارون فرصة أن يقول إنه يبدأ من تلك الحادثة، التي نُسبت للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تاريخٌ آخر في المنطقة ،مثلما قال الرئيس جورج w بوش إنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يبدأ تاريخ آخر، فحافر التابع على حافر المتبوع.‏

وبعد هذه التطورات نحن أمام مستجدات لها تأثيرها الخاص ولكنها تندرج في إطار ما بعد أيلول / سبتمبر، نحن العرب الفلسطينيين ومن يحملون هم قضية فلسطين وينتمون إليها، أمام تهديدات مكشوفة بحرب من المستويين العسكري والسياسي في الكيان العنصري الصهيوني، وعلينا ألا نستبعد أبداً قيام شارون بحماقة من حماقاته الكثيرة تسوِّغ لـه إعطاء ظهره للفلسطينيين والعرب والدخول بقوة الذراع إلى معسكر المحاربين "للإرهاب" الدولي بشن حرب على المقاومة الفلسطينية واللبنانية وكل من يدعمها معلناً أنه مثيل سيده الأميركي "يحارب الإرهاب".. ذاك في أرض الأفغان وهذا في أرض العرب؟!.‏

وقد ظهر للعالم كله أن الكيان الصهيوني يقتنص الفرص ويستغل انشغال العالم بانهيارات واشنطن ونيوريوك ليصفي الانتفاضة والمقاومة، فيقتل من يقتل ويدمر ما يدمر في لحظة انتعاش إرهابي مدروس، يسميه انفعالاً بالحدث الإرهابي ورداً عليه.‏

لقد قال أحد وزراء شارون إن اغتيال قنصل "إسرائيل" في لندن أدى إلى شن حرب عام 1982 فكيف يكون الحال وقد اغتيل وزير وجنرال سابق؟؟. ومثلما كان العدوان مدبراً آنذاك ومخططاً لـه بإحكام وشمول تامين يبدو أن التخطيط العدواني الصهيوني الذي كان يعلن عن نفسه حتى الأمس بأشكال من التهديد والوعيد للمقاومة ولكل من سورية ولبنان وجد فرصة سانحة ليتحرك على أرضية يراها "مشروعة" ويقلب الطاولة على مرتبيها في المنطقة ودوائر التحالف الأميركي الجديد.‏

ويبدو أن شارون الذي تباكى على "كيانه العنصري" منذ أيام ونبش الذاكرة الغربية ليستفيد من وضع تشيكوسلوفاكيا أيام التفاوض مع ألمانيا الهتلرية، وهاجم بوش ثم اعتذر له... يريد توظيف قتل رحبعام زئيفي " إرهابي الوحدة 101 في القرن الماضي لتقديم مسوّغ لتحرك يعيده إلى دائرة الاهتمام الأولى من جهة ويلغي كل ما حققه حدث واشنطن وسعيُها إلى تحالفات جديدة من أثر على قضية فلسطين وتحريك لها باتجاه فهم جزئي أعمق أو تخطيط جهنمي أرهب من جهة أخرى.‏

وعلى الرغم من إدانة الرئيس عرفات لقتل زئيفي إلا أن شارون يطالبه بتسليم الذين قتلوه.. وهذا سيجعل السلطة تبذل جهوداً استثنائية لإلقاء القبض على أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وربما تفكر بتسليمهم لشارون لأنها، تحرص على "دولة فلسطينية" بأية مواصفات أو في حدود قريبة من تلك المواصفات التي حددها شارون. وقد أصدر الرئيس عرفات أوامر صريحة بالبحث عن قاتلي زئيفي وشدد على ملاحقة كل من يخرق "وقف إطلاق النار"؟! وكأن ما بين الكيان الصهيوني المدجج بأعتى أنواع السلاح وقاذفي الحجر هو نوع من تبادل إطلاق النار!؟.‏

ولا يهم أن يقول عرب وفلسطينيون إن زئيفي مسؤول عن مخططات إرهابية منها الدعوة إلى ترحيل الفلسطينيين من وطنهم : " الترنسفير"، وأنه قُتل في وضح النهار لأنه خطط ويخطط لعمليات ضد الفلسطينيين ويدعو إلى إبادتهم بملء الصوت وفي وضح النهار، وأنه استقال من حكومة قائده السابق الإرهابي شارون لأن الأخير سحب قوات الاحتلال من حي "أبو سنينة" وحارة الشيخ في الخليل.. وهي حجج أكبر وأوجه بكثير من تلك التي ساقها الكيان الصهيوني عندما اغتال رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيد أبو علي مصطفى.. لكن الكيان الصهيوني لا يمكن أن يفهم هذه اللغة أو أن يقبلها لأن عنصريته تطغى على كل منطق وتفكير، ولأن استشعاره القوة مما يملكه من السلاح الأميركي والدعم الغربي غير المحدود لـه يجعله يرى باطله حقاً وحق الآخرين باطلاً.. ويرى احتلاله وقتله العرب مشروعاً ودفاعاً عن "الحرية الدائمة" والعدالة المطلقة" وحرباً "يهودية" على الإسلام والعروبة مثلما رأى الرئيس بوش أن حربه على الإرهاب حربٌ صليبية مقدسة في بداية انطلاق حقده على دول وشعوب في العالم، ومثلما قدمت كونداليزا رايس منطقاً معوجاً حين قالت : " إن سورية تطالبنا بالتفريق بين إرهاب قذر وآخر أقل قذارة ؟!" وكأن منطق رايس ومنطق رئيسها وحليفها الصهيوني لا يفقه معنى المطالبة بالتفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدان، لسبب بسيط هو أن المقاومة يقوم بها عرب ومسلمون ـ وهم إرهابيون بالولادة؟! ـ وتوجه ضد احتلال صهيوني لبلدهم فلسطين، الذي هو بلد الصهاينة بالأسطورة والقوة والإرهاب.. فالصهيوني المحتل مثل الأميركي المعتدي كل منهما فوق القانون والعدالة والمعايير السليمة، ومن طينة عنصرية فوق طينة بني البشر!؟.‏

نحن الآن أمام منطق منفلت من عقال كل منطق وعقل، وحيال قوة شريرة عمياء تقف وراء مشاريع عدوانية وتوسعية قديمة متجددة في أرض العرب والمسلمين. وإذا ما قرر شارون أن يخوض" حربه المقدسة ضد الإرهاب"، أي ضد المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي يسميها إرهاباً، وضد ومن يحميهما ويدعم حقهما المشروع في تحرير الأرض والمقدسات من الاحتلال، فإنه سيجبر بوش على الترحيب به شريكاً في الحملة التي يقودها أو على إعادة التفكير في الطعم الذي قدمه لعرب ومسلمين من أجل كسبهم في التحالف ضد "الإرهاب"، أعني الدولة الفلسطينية الكسيحة. كما سيجبر السلطة الوطنية الفلسطينية على الخيار بين التنازل عن الحلم بدولة بلا سيادة أو قبولها مقابل الانضمام إليه في حملة الشعب الفلسطيني، ضد الانتفاضة والمقاومة، حملة تؤدي إلى ما يشبه الحرب الأهلية الفلسطينية أو الانقسام المأساوي في صفوف الشعب الفلسطيني الذي وحَّدته الانتفاضة والمقاومة ومزقت ما تبقى من صفقة اتفاقية أوسلو ومشتقاتها وتوابعها.‏

والسؤال الآن: هل ينجح بوش في لجم شارون وجعل عرفات يركض بعصاه الغليظة أمامه في شوارع المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية وتلك التي تضم فلسطينيين في بلدان عربية ليساهم في التطويع والتركيع، أم أنه سيخفق في ذلك ويضطر إلى خوض "حربه المقدسة" ضد العرب والمسلمين مع الكيان الصهيوني بشكل مكشوف منذ بدايتها؟!‏

إن مرحليات العدوان الأميركي المدروسة قد لا تنجح مئة في المئة في إدخال "إسرائيل" في الوقت الملائم إلى ميدان الغنائم.. لأن حمق شارون من جهة وحرصه على السلطة وخوفه من أن يحل بديل لـه في كرسي الحكم يستوعب اللعب الأميركي بشكل أفضل قد يجره إلى "لخبطة" أوراق بوش ومن والاه.. ومن ثم الاضطرار إلى خوض حربين في آن معاً.. وهو ما كان بوش يعد لـه جيوشه منذ زمن، ويعد لـه حلف الأطلسي أيضاً.. وما يبدو أنه يهيئ لـه منذ بداية العدوان على أفغانستان وإقامة التحالفات المتعددة تحت ذريعة مقاومة الإرهاب.. من دون أن يحدد ما هو الإرهاب، ومن دون أن يكترث بتقديم أدلة دامغة ضد بن لادن وطالبان ومن ثم ضد أفغانستان. إن القوات التي يحشدها، وتلك التي يحث الدول الحليفة على حشدها وزجها في المواجهة.. تجعلنا نسأل، وقد دمر أفغانستان وألحق بشعبها الويلات- هل كل هذه القوى من أجل احتلال أفغانستان وتغيير حكومة طالبان والقبض على بن لادن حياً أو ميتاً؟!‏

لقد بدأ الإنزال العسكري في مناطق قريبة من قندهار، وبدأ زحف المعارضة الشمالية على طالبان.. ودعمها وحده كفيل بخلق فتنة أو باستمرار فتنة مدمرة لتلك البلاد المنكوبة بالحرب منذ عقود من الزمن، وأن حصاراً على أفغانستان يضرب إلى جانب الانقسام والفتنة الداخلية والقصف الهمجي كفيل بأن يدمر كل شيء في بلد لا يوجد فيه من مقومات القوة سوى إرادة بشر حصروا بين الموت والموت.. وجرتهم اختياراتهم إلى ما يرونه العدالة التي يستحقونها أو الموت الذي يشرفهم شرب كأسه بدلاً من شرب كأس الذل. ولا يحتاج أولئك إلى كل هذا الحشد الدولي الضخم.. وهو ما يستدعي طرح السؤال: لمن الحشد وعلى من وضد من، وما هو البرنامج القادم أو المرحلة القادمة من البرنامج الدموي الأميركي ـ الصهيوني ـ الأطلسي ضد بعض شعوب العالم ودوله؟!‏

إن القوائم الأميركية التي تفرخ كل يوم أسماء، وتلوح كل يوم لبلدان وفئات وتنظيمات بتهمة الإرهاب أو رعايته وإيواء عناصره، تجعل كل الاحتمالات مفتوحة من جهة، وتجعل كل من يصفهم الكيان الصهيوني بالإرهاب ويهددهم بالموت، لأنهم يهددونه بالعودة إلى وطنهم وتحرير أرضهم من دنس احتلاله، عرضة لأن يُدرجوا في قوائمه: من بلدان وتنظيمات وشخصيات طالما اتفق الأميركيون والصهاينة على اتهامها بالإرهاب، وكثيراً ما اعتدوا عليها وهددوها وحاولوا إخضاعها لإرادتهم.‏

إننا اليوم أمام مرحلة تحريض شريرة وشديدة التأثير قد تجعل الإرهاب الصهيوني يقف على رأس من يتهمهم بممارسة "الإرهاب" ليكون على رأس الحرب التي يشعلها ضد الأمم ليكسبها هو مع حلفائه في النهاية ويقطف معظم ثمارها، وفي مقدمة ما يقطف من تلك الثمار مشروعه الاستيطاني العنصري الناجز باعتراف وتطبيع وتركيع لعرب ومسلمين.‏

إن الغرب الذي تجيّشه الولايات المتحدة الأميركية، وتجيّش معه عالماً يرتجف أمامها وأمامه، أو تندلق ألسنة زعمائه طمعاً.. يخوض حرب حقد شريرة على قوميات وعقائد ومفاهيم وثقافات وقيم، كما يخوض حرب مصالح وصراع حضارات.. وهو يُعْمِل اليوم، مثلما أعمل بالأمس، قول مارغريت تاتشر لجورج بوش الأب: "ما فائدة أكبر جيش في العالم إذا لم يُستعمل"؟‏

ومصالح الغرب وأحقاده التاريخية ومعاركه ضد الشعوب، وضد شعبنا العربي ومنطقتنا العربية والإسلامية، لاسيما منذ بداية انحسار الاستعمار المباشر، ترقى إلى مرتبة الاستراتيجية الثابتة. ويأتي المشروع الصهيوني حلقة رئيسة في تلك الاستراتيجية.. وهي حلقة أخذت تتمحور حولها حلقات لتكون عقدة حيوية في مشروع أخذت تسخر قوته وطاقته وتركز زخمه منذ عقود لخدمة ما تمثله من مصالح وأهداف بعيدة وما تتطلع إلى تنفيذه من برامج وخطط تمليها الأحقاد التاريخية والطبيعة العنصرية للصهيونية.‏

فهل ترانا نقترب بسرعة من فوهة البركان التي عمل بوش الابن ورموز الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية وأضرابُهم في أوربا على تمويهها منذ بداية حشده ضد "الإرهاب" بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001؟‏

وهل ننجو من السقوط في تلك الفوهة ونجعل الحقد الصهيوني الشرير يرتد إلى نحور حامليه وموظِّفيه ضد شعوب ودول تكاد تنحصر في أنها عربية وإسلامية؟!‏

إننا لا شك قادرون على العمل، وإذا وظفنا قدراتنا توظيفاً حسناً وتجرأنا على رفع الصوت من صف متماسك قادر على الأداء بوعي ومسؤولية.. فإننا نستطيع أن نجعل حمق شارون فخاً مميتاً لـه.. ونجعل فخ الغرب مكشوفاً لنا كلياً فلا نقع فيه على الأقل إذا عجزنا عن جعله يقع هو فيه.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |