|
ـ احذروا راعي البقر
لم أتعرف بعد على مصدر الارتياح الذي يبديه سياسيون عرب بشكل عام وفلسطينيون بشكل خاص لما جاء في خطاب كولن باول وزير الخارجية الأميركية/ جامعة لويفيل- ولاية كنتاكي – الاثنين 20/11/2001 / ولم أجد ذلك التوازن الذي أشار إليه معلق في السلطة الوطنية الفلسطينية في ثنايا ذلك الخطاب، ومِلْت إلى القول بأننا نقع بشكل شبه مستمر تحت وطأة التبشير الإعلامي والضغط السياسي فنخفض سقف ما نتطلع إلى تحققه في كل مرحلة تصعيد من مراحل الصراع حتى ليغدو السقف المنخفض في كل درجة تناقص مكسباً من مكاسب العجز الذي يلفنا على نحو ما منذ عقود من الزمن.
إن رؤية كولن باول للمنطقة في مقدمة خطابه تبدو مغرية، ولكن الدخول في تفاصيل تلك الرؤية المبثوثة في الخطاب لا تقدم إغراء من أي نوع وتكرِّس المنطق الأميركي – الإسرائيلي القديم بألفاظ ووسائل جديدة، وهو يدرك ذلك جيداً وربما يرمي إلى تكريس هذا النوع من التعامل ولكنه يسوِّغ الدخول في ضرب من التحرك على هذه الجبهة فرضته أحداث 11 أيلول/سبتمبر وما بعدها، يسمح بنجاح بتحرك آخر على جبهات أخرى من جهة ويعطي مسوغات لتحركات قادمة في المنطقة وعلى الجبهة ذاتها، وهي تحركات قد تكون دموية، بذرائع مستنبَتة في بيئة التحرك العقيم ذاته من جهة ثانية.
والوزير باول يقرر شيئاً من النتائج مسبقاً حين يقول بوضوح: ".. وإلى أن تعيش إسرائيل مع جميع جيرانها في سلام، فإن رؤيتنا لشرق أوسط في حالة سلام سوف تبقى حلماً بعيداً".
وقد عجبت للراضين وشنئت رضاهم حين لم يتذكر أحد منهم تعارض موقفين في حالتين منذ زمن بعيد:
1-موقف يرى في المقاومة العربية عامة والفلسطينية خاصة للاحتلال الصهيوني إرهاباً، ويدعو إلى تطبيق كل ما يتصل بفعل الإرهاب ومقاومته على تلك المقاومة، وموقف يرى أنها فعل وطني مشروع لا صلة لـه بالإرهاب.
2-موقف يرى في الأفعال الصهيونية التي يمارسها الكيان الصهيوني منذ إقامته بالإرهاب إلى ممارساته الإرهابية اليومية البشعة في ظل الاحتلال: إرهاب دولة مدعوماً من دول، وموقف يرى أن هذا النوع من فعل القوة مشروع ولا يصفه بالإرهاب على الإطلاق.
لقد وصف كولن باول نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب ست مرات في فقرة واحدة، ولم يصف الكيان الصهيوني ولا ممارساته ضد المدنيين مطلقاً بالإرهاب ولو مرة واحدة، فقد قال في سلسلة من فعل يجب على الفلسطينيين:
"أن يقبلوا أنه لكي يتحقق السلام الحقيقي، يجب أن يستطيع الإسرائيليون أن يعيشوا حياتهم دون خوف من الإرهاب وكذلك من الحرب. وعلى القيادة الفلسطينية أن تبذل جهوداً بنسبة مئة في المئة لإنهاء العنف وإنهاء الإرهاب. يجب أن تكون هناك نتائج حقيقية، وليس فقط كلمات وتصريحات. ويجب وقف الإرهابيين قبل أن يتحركوا. وعلى القيادة الفلسطينية أن تعتقل وتحاكم وتعاقب الذين يقومون بأعمال الإرهاب، على الفلسطينيين أن ينفذوا الاتفاقات التي وقعوها لتحقيق ذلك.. ويجب محاسبتهم إذا أخفقوا في ذلك".
وحين ندقق في الفقرة السابقة من كلام باول نجد أن مجمل التأكيد على الإرهاب فيها وخلو الفقرات المتعلقة بالكيان الصهيوني من ذكر الكلمة يهدف إلى شحن الرأي العام العالمي المستفَز والمستنفَر ضد الإرهاب، شحنه بحقد وموقف من الفلسطينيين والانتفاضة يسحب منهم ومنها كل حق لهم فيها ومسوِّغ لها من جانبهم، ويقدم الكيان الصهيوني الذي يلغ يومياً في دم الأبرياء الفلسطينيين منذ سنوات وسنوات، يقدمه: "خائفاً وضحية من ضحايا الإرهاب" ومن ثم يسوغ لـه نفسياً وسياسياً ما يقوم به من جرائم إبادة تحت إدعاء الدفاع عن النفس. وهو خلط عجيب للأمور يُدرَس بدقة لإحداث تأثير اجتماعي ونفسي ومن ثم سياسي –دولي، يكرس في النتيجة أسساً لعدم التعاطف مع الفلسطينيين أو لتسويغ عدوان الاحتلال عليهم وتحميلهم مسؤولية النتائج التي يسفر عنها ذلك العدوان واستمراره في ظل "حلم السلام البعيد المنال".
وحين يتحدث باول عن الكيان الصهيوني في الفقرة التي يفترض أنها توازي وتوازن الفقرة التي خص بها الفلسطينيين يذكر العبارات الآتية التي يمكن أن نرى فيها ظلالاً إيجابية جديدة لموقف حكومة جمهورية جديدة في الولايات المتحدة الأميركية.
يقول: "وفي غياب السلام فإن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة هو الواقع الذي يميز حياة الفلسطينيين هناك لأكثر من ثلاثة عقود... أي لفترة أطول من حياة معظم الفلسطينيين الذين يعيشون هناك، والأكثرية الساحقة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة قد ترعرعوا مع الحواجز العسكرية والغارات والإهانات وفي أوقات كثيرة رأوا مدارسهم مغلقة وأهلهم يذلون. الفلسطينيون يحتاجون الأمن أيضاً. مدنيون فلسطينيون عديدون بمن فيهم الأطفال، قتلوا وجرحوا هذا أيضاً يجب أن يتوقف. الاحتلال يضر بالفلسطينيين (تصفيق) ولكنه يؤثر أيضاً على الإسرائيليين. "
ونحن نلاحظ هنا أنه لم يسوغ للواقعين تحت الاحتلال مقاومة المحتل، مخالفاً بذلك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، المنظمة التي تسخرها الولايات المتحدة لأغراضها ولخدمة مصالحها عندما تريد، وتضعها في الأدراج عندما تريد، بل إنه ذهب بشأن الاحتلال إلى أبعد من السماح أو عدم السماح به حين أغلق باب اللجوء إليه بوصفه فعلاً حقَّانياً يفضي إلى التحرير والحرية وتحقيق الاستقلال، وأكد على أن الاحتلال يمكن "أن ينتهي فقط من خلال المفاوضات". ومعنى هذا أن الاحتلال الذي دام ثلاثة عقود، والوضع الذي أوجده للفلسطينيين لا يمكن أن يزول إلا بموافقة المحتل وشروطه، وأن الإدارة الأميركية المنحازة لحليفها الصهيوني المحتل بشكل فاضح ومستمر لا تقف مع مقاومة من أي نوع لكل ما يفعله ذلك المحتل من قتل للمدنيين الواقعين تحت الاحتلال وتدمير لبيوتهم وتخريب للبيئة التي تكفل حياتهم المادية والمعنوية والروحية، ولا تناصر أي منطق لأي حلول تنهي الاحتلال سوى تلك التي يوافق عليها المحتل عبر مفاوضات رأينا أنها غير متوازنة، ولا تهدف إلا إلى تركيع الخصم وابتزازه مرحلة بعد مرحلة من خلال التيئيس والضغط والحصار وفرض شروط غير إنسانية عليه.
وكولن باول لم يكن أول مسؤول أميركي يسمي الوجود الصهيوني في الضفة والقطاع احتلالاً، حتى يفرح بذلك من يفرح ويتفاءل به من يتفاءل، إذ منذ صدور القرارين 242 و338 اللذين تقول الإدارات الأميركية المتعاقبة بتطبيقهما، ويشير بوش الابن وباول إليهما بوصفهما مرجعية مدريد التي تدخل من وجهة نظرهما في مرجعيات الحل النهائي مع الاتفاقيات المعقودة: أوسلو والاتفاقية الأردنية – الإسرائيلية، منذ ذلك التاريخ عام 1967 أشير إلى هذه الأرض بأنها أرض محتلة وأن سكانها واقعون تحت الاحتلال، ولا توجد أرض محتلة من دون محتل ولا يحتل هذه الأرض سوى الكيان الصهيوني، فأين الجديد الذي يجعل من كولن باول صاحب فتح سياسي في الموقف الأميركي، ومن خطابه فيل الخطابات الأبيض؟!
وحين عرّج باول على آفة الاستيطان الصهيوني في فلسطين وأكد موقف بلاده المعارض لـه -ولكن الذي يموله عملياً بالمال ويحميه بالسلاح وبالموقف السياسي والدبلوماسي ويغطيه بالتعتيم الإعلامي عليه- لم يطلب من الكيان الصهيوني صراحة وقف الاستيطان بوصف ذلك مطلباً أميركياً واجب التنفيذ من دون قيد أو شرط، كما فعل بإملاءات "يجب على الفلسطينيين" السابقة، وإنما ربط ذلك باتفاق ميتشل وعلق كل شيء على تنفيذه، وعلق تنفيذ الاتفاق على تنفيذ مطلب شارون بالتهدئة سبعة أيام كما سأبين لاحقاً، قال باول في هذا الشأن: "إن نشاطات الاستيطان الإسرائيلي تقوّض وبشكل جذري الثقة والأمل لدى الفلسطينيين" ولم يقل تقوض عملية السلام أو جهود السلام، وتابع "وانسجاماً مع تقرير اللجنة التي ترأسها السناتور جورج ميتشل، يجب وقف نشاطات الاستيطان" ومعنى ذكر الكلمة "يجب" في هذا السياق أنها تتوقف على تنفيذ اتفاق ميتشل وخطة "تنيت"، وكل تأخر في تطبيق تلك الخطة يعني استمراراً في الاستيطان، وهو عامل ضغط وابتزاز للفلسطينيين والعرب معاً.
لم يطلب باول من شارون بذل جهد مئة بالمئة لوقف الاستيطان، ولم يطلب وقف الاستيطان مئة بالمئة، ولم يشر إلى أن الاستيطان عدوان على ما تبقى من مدنيين فلسطينيين تحت الاحتلال وعلى ما تبقى لهم من مقومات الحياة والوجود في وطنهم المحتل.. في حين طالب هو وطالب رئيسه وطالبت أوربا وروسيا وبعض العرب طالبوا السلطة الفلسطينية وعرفات بوقف العنف و"الإرهاب" بنسبة مئة بالمئة ثم ببذل جهد مئة بالمئة لوقفهما.
إن تعليق وقف الاستيطان على تنفيذ خطة ميتشل وفي إطارها سمح لشارون ليل 21/11/2001 باجتياح رفح وهدم ثمانية عشر منزلاً فيها وتهشيم منزلين آخرين وترك السكان في العراء تماماً، والشروع ببناء مستوطنة بالبيتون المسلح بدلاً من "براكيات" الخشب والتنك التي يزحف بها المحتلون على الأراضي الفلسطينية بوصفها مستوطنات ليقضموا ما تبقى للناس من أرض وما تبقى من حياة الناس وآمالهم هناك.
إن باول لم يعِد بالتدخل وإنما وعد بالتحرك "السلام الدائم الوحيد سوف يكون السلام الذي يحققه الأطراف أنفسهم" أي هو الذي يحققه الحجر في ظل الحصار والعزل والعجز العربي الذي يقابل الـ 16 F والدبابة والصاروخ مع الدعم الأميركي غير المحدود للعدوان وإرهاب الدولة ومسلسل الإبادة الجماعية الذي ينفذ ببطء واستمرار منذ عقود من الزمن تحت سمع العالم "المتحضر" وبصره وبتواطؤ مدان منه.
واتفاق ميتشل المشار إليه لن ينفذ إلا بعد "وقف إطلاق النار" الذي كلف الجنرال زيني بمتابعة موضوعه وبعد مرور مدة التهدئة: سبعة أيام على الأقل كما طلب شارون، تبدأ بعدها المفاوضات، ذكر ذلك باول لكن من دون تصريح علني بل بتضمين يساوي التصريح العلني إذ قال: ".. ودون وقف إطلاق النار فإننا سنبقى أسرى الرمال المتحركة للكراهية.".
إضافة إلى كل هذا طلب باول طلباً لم يشر إليه سياسيون كثر ممن رحبوا بإيجابيات خطابه وبتوازن ذلك الخطاب، إنه مطلب عام من الفلسطينيين ومن العرب مجتمعين، سبق أن تم التبشير به والترويج له، مطلب لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل هزيمة جديدة للتضامن العربي ولإرادة الصمود في كل الأقطار، ولكل صور المقاومة العربية للاعتراف بالعدوان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه على الصعيد الرسمي على الأقل، لأن المطلب الأميركي ينطوي على مصادرة المستقبل فضلاً عن مصادرة الضمائر والعقول والإرادات الفردية والجمعية، الشعبية والرسمية، في الحاضر والمستقبل معاً.
والمطلب المشار إليه جاء بنص الفقرة المقبوسة من خطاب باول: حيث قال: "الفلسطينيون يجب أن ينهوا أي شك وبشكل نهائي، بأنهم سوف يقبلون بشرعية إسرائيل كدولة يهودية، وعليهم أن يوضحوا بأن هدفهم هو دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وليس في مكان إسرائيل، تأخذ بالاعتبار وبشكل كامل احتياجات إسرائيل الأمنية.... والجميع في العالم العربي يجب أن يوضحوا بشكل لا لبس فيه ومن خلال أعمالهم قبولهم بإسرائيل والتزامهم بالتسوية المبنية على المفاوضات". وهذا يعني بتراً مستقبلياً شاملاً لأي تطلع للتحرير من أي نوع.. مما قد تُربى عليه الأجيال المقبلة.
لم تقدم الرؤية الأميركية التي حملها باول أي جديد إيجابي يتعلق بالقضايا الجوهرية وموضوع الصراع لا سيما: القدس وحق العودة، بل تركت هذا لاتفاق الطرفين متجاوزة قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بهذا الشأن لا سيما القرار 194 والقرارات المتعلقة بالقدس وهي كثيرة والقرار 242 الذي يتضمن موضوع القدس الشرقية بوصفها أرضاً محتلة، بل قدمت زجراً مضمراً وتصريحاً ينطوي على التهديد.
ولنا أن نتساءل من بعد : أية دعوة يطلقها السيد الأميركي بعد هذا الخطاب " الرؤية" على قضية فلسطين؟ وأية أهداف ينشدها جورج W بوش بعد الفظائع التي ارتكبها وما زال يرتكبها ضد المدنيين في أفغانستان والفظائع التي يسكت على ارتكاب شارون لها ضد المدنيين في فلسطين المحتلة؟! ففي خطابه المشبع بشمولية استبدادية وأحكام مسبقة، في خطابه تهديد من موقع متعال في غطرسته وتورّمه "الحضاري" لكل من يريد أن يفرق بين المقاومة المشروعة ضد الاحتلال وبين الإرهاب المدان ويقدم بحذلقة سفسطائية عقيمة مفهوماً مغلوطاً حين يقول: "هناك في العالم قضايا صالحة وقضايا فاسدة، وقد نختلف على الخط الفاصل بينها، ومع ذلك ليس هناك ما يسمى إرهابياً صالحاً. لا يمكن لأي مطمح قومي أو أي ظلم محفوظ في الذاكرة أن يبرر قتل الأبرياء عمداً، وأي حكومة ترفض المبدأ أو تحاول اختيار أصدقائها من بين الإرهابيين ستدرك العواقب."
ولا يمكننا أن نفهم مدلول كلام الرئيس بوش من دون أن نضع في الاعتبار قوائم الإرهاب التي تضعها وزارته والأحكام التي يطلقها هو ووزراؤه ومستشاروه على بلدان ومواقف ومنظمات تختلف معه في الرأي والرؤية والتفسير لما هو إرهابي مدان ومرفوض وتنبغي مقاومته بكل الوسائل ولما هو مقاومة مشروعة وهدف نبيل ينبغي تحقيقه ودعمه بكل الوسائل. وفي ضوء هذا نفهم حين نقرأ قولـه: لا يمكن لأي مطمح قومي... الخ. إنه يقصد المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني لتحرير الأراضي المحتلة ومطمح الشعب الفلسطيني والأمة العربية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس يعود إليها شعب فلسطين ليحيا فيها بحرية وكرامة وأمن. إنه يقف ضد كل طموح قومي في التحرير أو دفع الظلم ولا يقف ضد "طموح قومي" في الذاكرة اليهودية المريضة لإنشاء وطن قومي بالإرهاب على حساب الشعب الفلسطيني ووجوده وآلام أطفاله ومعاناته المديدة.
وحين يقول مستشاروه عن دول إنها تمارس "مهنة رعاية الإرهاب" لأنها تدعم المقاومة ولا تعترف بأن حزب الله الذي يناضل لتحرير وطنه من الاحتلال الصهيوني منظمة إرهابية، وبأن حماس والجهاد الإسلامي والانتفاضة بكاملها التي تدافع عن نفسها ضد الإرهاب الصهيوني المدعوم أميركياً ليست منظمات إرهابية إنما هي منظمات مقاومة مشروعة تقوم بعمل مشروع هو مقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس ضد الإبادة الجماعية والعدوان العنصري.
إننا من خلال قراءة هذه الآراء والتعرف على هذه المواقف، في قضية تستقطب اهتمام العالم وتعني الأمتين العربية والإسلامية بشكل مباشر، نستشعر كم هي متأصلة نزعة سيطرة القوة على العقل، وكم هي مشوهة نظرة الأميركي للآخرين، وكم هي سطحية القشرة "الرؤية" الحضارية القائمة على معياري التقدم التقني والقوة العمياء وعلى التعصب العنصري والادعاء بالتكليف الإلهي لها بأن تسود العالم وتهيمن عليه. وهي بالتحديد الرؤية الأميركية المشبعة بالعصموية-العنصرية التي يبدو أنها لم تتغير كثيراً منذ رواد إبادة الهنود الحمر حتى اليوم. ففي القديم قال المؤرخ الأميركي دانييل بروستين: "ما من شعب يفوق الشعب الأميركي إيماناً بأنه يسلك الطريق القويم." وفي العاشر من تشرين الثاني- نوفمبر 2001 قال الرئيس جورج بوش:
"... نحن واثقون من أن للتاريخ مؤلفاً يملأ الزمن والأبدية بغرض من لدنه (...) إننا لم نطلب تلك المهمة، ولكن دعوة التاريخ أمر مشرّف. أمامنا الآن فرصة كتابة حكاية أزمنتنا، حكاية الشجاعة التي تدحر القسوة، والنور الذي يمحو الظلام.".
إنه كلام يملأ الفم ويفتح الأشرعة أمام الغزاة الذين يستبيحون دم البشر وثقافاتهم من أجل التجارة الحرة والأسواق المفتوحة والربح المثقل بالدم والحقد والقنابل زنة سبعة أطنان والوجبات الغذائية المغلفة بأوراق صفراء شأنها شأن القنابل العنقودية المغلفة بالأغلفة الصفراء ذاتها التي يتفاخر الرئيس الأميركي بأنه يلقيها على شعب أفغانستان البائس.. على مدنييه في بيوت الطين.. ويتوعد سواهم بما هو أدهى وأمر.
بعد قراءتي خطاب باول لم أقف على جديد إيجابي بل على فخ كلامي مغلف بالأصفر أيضاً.. فاحذروا.. احذروا راعي البقر.. فإنه لم يتغير أبداً.. وتذكروا هيروشيما وناغازاكي وكوريا وفييتنام والعراق وأفغانستان .. وأن الحبل الأميركي على الجرار.
|