|
ـ قبل فوات الأوان
خمسة مواقف أو محطات هامة متداخلة الأسباب والنتائج وذات انعكاس وتأثير لا يستهان بهما على قضية فلسطين ومستقبل المقاومة وحاضرها، تستدعي منا التوقف عندها بدقة لما لها من أهمية في قراءة الوضع الراهن والتحديات القائمة والاحتمالات المتوقعة في ضوء ذلك، ومن أجل استجلاء ما يمكن الخلوص إليه من إمكانية تحرك مما يترتب على المعنيين بالقضية في أطرِها: الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي القيام به والتعامل معه؛ وما تقدمه تلك المواقف أيضاً من إمكانية لاستنتاجات مفيدة في ضوء التجربة للتعرف على ملامح المسيرة المطلوبة في طريق زَلِقة ومعتمة ومحفوفة بالمخاطر وغير واضحة النهايات هي طريق التسليم بوقف الانتفاضة والمقاومة وتحويلهما إلى "عراضات" بذريعة أنهما تضران بـ " العملية السلمية" وتعطلانها وتهددان آمال الشعب الفلسطيني في قطف ثمرة النضال بالوصول إلى " إعلان الدولة الفلسطينية العتيدة"؛ تلك المسيرة ـ الطريق التي نجد أنفسنا مدفوعين إلى سلوكها بالإغراء أو بالإكراه. وتلك المحطَّات ـ المواقف هي:
1 ـ اجتماع وزراء خارجية دول مؤتمر القمة الإسلامية في الدوحة والبيان الذي صدر عنه والتحرك الذي قرر القيام به من خلال لجنة شكَّلها لهذه الغاية تضم عدداً من الدول الأعضاء.
2 ـ اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوربي والبيان الذي صدر عنه وسمى منظمتي حماس والجهاد الإسلامي، أول مرة : منظمات إرهابية وطالب بتفكيكهما، استجابة للرغبة الأميركية ـ الإسرائيلية التي غدت قراراً يُفرض على الآخرين حتى على الاتحاد الأوربي ذاته الذي اشتكى بعض ممثليه من ذلك أو ألمح إليه في محاولة لتسويغ موقف الاتحاد الذي واجهه العرب باستنكار وخيبة أمل.
3 ـ خطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في صباح عيد الفطر المبارك / الأحد 16 /12 / 2001 وهو الخطاب الذي طُلِب: إسرائيلياً وأميركياً وأوربياً وربما من بعض الأطراف العربية خفية، أي من تحت الطاولة، ونفِّذ اقتناعاً من جهة واستجابة لتلك الرغبات ـ الضغوط من جهة أخرى، ولا سيما قراره الخطير في إغلاق مكاتب ومؤسسات ومدارس منظمتي حماس والجهاد الإسلامي وملاحقتهما بوصفهما منظمتين "إرهابيتين"، وتوجهه نحو إعلان الاستعداد لمواجهة دموية فلسطينية ـ فلسطينية، في إرهاصات بداية أو أسطر من رسالة راح ضحيتها شهداء وجرحى في غزة، وهي مواجهة يطلبها ويدفع باتجاهها الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية بشكل ملح ومكشوف منذ زمن من دون أن يثير طلبهما القذر ذاك اشمئزاز أحد أو اعتراضه على النهج الدموي الأميركي الذي أخذ يرتكز على إشعال الفتن والحروب الأهلية وقطف ثمارها.
4 ـ الفيتو " حق النقض " الذي استخدمته الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن في 14 ـ 15 / 12 / 2001 ضد مشروع قرار لإرسال مراقبين لحماية المدنيين الفلسطينيين من الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والممارسات الوحشية لجيش الاحتلال العنصري الصهيوني، وهو قرار لا يشير إلى تمتع الولايات المتحدة الأميركية بأدنى حد من المسؤولية الدولية والخلقية والإنسانية ..
5 ـ اجتماع وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة / 20 / 12/ 2001 والبيان الذي صدر عنه بـ "إجماع" لا يخلو من امتعاض واحتجاج وابتلاع لشوك الصبار في حلوق مليئة بالعلقم. وهو بيان شف عن تمزق وضعف وتهافت، ولم يجرؤ على اتخاذ موقف ذي معنى من الكيان الصهيوني على الرغم من برنامج الإبادة الذي ينفذه ضد الشعب الفلسطيني وبرنامج تدمير السلطة الفلسطينية وهي ثمرة أوسلو التي كفلها بعض العرب وساندوها بكثير من التهليل والتطبيل.
وأول ما ينبغي أن نشير إليه في هذا المجال أن الوضع الذي استدعى هذه المواقف ليس جديداً ولكن استمراره وتصاعده وتزامنه مع العدوان الأميركي على الشعب الأفغاني هو الذي يقدمه من منظور جديد لا سيما حين يأتي ضمن خطة مكشوفة بنيت على أحداث الحادي عشر من سبتمبر وواكبتها واختارت خطاً موازياً لها لتضفي تشابهاً على فعل في حالتين: الانتفاضة في فلسطين وتنظيم القاعدة المتهم بالهجوم على نيويورك وواشنطن، وجمع عرفات، بوصفه رمزاً لقضية فلسطين وليس لسلطة أوسلو، مع أسامة بن لادن في قَرَن " الإرهاب", ولتضع الكيان الصهيوني في موقع وموقف مشابهين للموقع والموقف الأميركي ذاته الذي تعرض لعمليات ضد مدنيين استنكرتها دول العالم وأقام تحالفات ضد الإرهاب وباشر تنفيذ القصاص بالعدوان من دون حاجة للتثبت من شخصية المجرم أو انتظار لثبوت التهمة بحكم، وليضع ذلك الكيان الانتفاضة والمقاومة الفلسطينيتين في دائرة " الإرهاب " الذي ينبغي أن يستهدفه التحالف أو يسكت حين يستهدفه الكيان الصهيوني مصنفاً الفعل الصهيوني على أنه في إطار تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1383 ويأتي في إطار حالة الدفاع المشروع عن النفس ضد "إرهاب" يدينه العالم ويلاحق تنظيماته وعناصره. وتلك عملية تزوير بشعة إلى أبعد الحدود ومحاولة شريرة متفق عليها مع واشنطن، التي ثابرت على تشجيع شارون وتغطية جرائمه وإدانة كل فعل فلسطيني يتصدى للعمليات العسكرية الصهيونية ووصمه بالإرهاب، ومطالبة عرفات والدول العربية بضرورة ملاحقة المقاومة والانتفاضة بوصفهما إرهاباً ومحاصرة عرفات لإرغامه على الخوض في الفتنة الداخلية، لاوية عنق القانون والمنطق والحقيقة مغيِّبة الضمير والقيم والمعايير السليمة في أثناء ترديدها لحجج متهافتة تسوِّغ شرورها وتكاد تنحصر في القول: " انه لا يوجد إرهاب سيئ وآخر أقل سوءاً .. وانه لا يمكن أن تحارب الإرهاب في أفغانستان وتدعمه أو تمارسه في " إسرائيل"!؟، رافضة بشكل مطلق وبِعَمَهٍ تام النظر إلى الاختلاف الجذري والجوهري بين الموقعين والقضيتين والهدفين وبين المقاومة المشروعة للاحتلال وفق القوانين والأعراف الدولية والشرائع السماوية وبين الإرهاب المرفوض شرعاً وقانوناً، غاضَّةً النظر وبشكل مخجل عن إرهاب الدولة الذي يمارسه الكيان الصهيوني وتدعمه هي بغطرسة سمجة وحجج واهية وازدواجية معايير لا يمكن أن تفهم إلا في ضوء هيمنة القوة الأميركية الغاشمة على العالم وانطلاقها من اعتماد فعل القوة لإخضاع الآخرين لإرادتها وإرادة حليفها الأول : الكيان الصهيوني.
إن المخطط الصغير لفلسطين وقضيتها، الذي أخذ يتنفس من خلال وثيقة بيريس ـ أبو العلاء بمعرفة شارون وعرفات يقدم في المحصِّلة :
1 ـ وقفاً للمقاومة والانتفاضة مع إقرار بوصمهما بالإرهاب وضرورة ملاحقتهما باستمرار بـ " مشروعية " : فلسطينية وعربية ودولية!؟.
2 ـ سلطة حكم ذاتي فلسطيني في حدود أدنى من أي حد أدنى عرض سابقاً، لـه قناع الدولة الذي وعد به الرئيس الأميركي ووزيره باول، وليس لها من مقومات الدولة أي شيء باستثناء تفويضها بتمثيل الشعب الفلسطيني كله لتقبل باسمه وتفرض عليه الحلول التي لا يرضاها وهي لا تقدم إليه أكثر من فسيفساء جغرافية ممزقة على ما يقرب من 20% من فلسطين.
3 ـ التخلص من كل تبعة أو كلام فيما يتعلق بحق العودة وبالقدس عن طريق إرجاء ذلك إلى وقت لاحق، وهو عملياً إرجاء النعي المعلن لهذين الحقين الأساسيين من حقوق الشعب والركنين الركينين في بنيان قضيته: حق العودة والقدس. وعلى الرغم من الأهمية القصوى للأقصى وقبة الصخرة فإن القدس ليست ذلك الحرم المنقوص فقط.
4 ـ تخليص الكيان الصهيوني من بعض المآزق المهلكة، وتخليص بعض الدول العربية المتآلفة معه من الحرج الذي قد يكون فاقعاً إذا ما استمر الاجتياح والقتل والتدمير والتنكر لأي حق أو حل في ظل سكوتها وتخليها عملياً عن الشعب الفلسطيني والمسؤولية القومية عن فلسطين ما عدا حق إطلاق كلام في الهواء عن الحل والعدل والسلام لا يصل إلى حد طرد السفير الصهيوني من بعض العواصم العربية وحد قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني والاكتفاء " بما عد أقصى العقوبات العربية : مقاطعة شارون، وليس الكيان الصهيوني، إلى أن يعود شارون عن مقاطعة عرفات " واعتباره غير ذي شأن أو غير موجود. وربما يهلل عرب ٌ من العرب هذه الأيام لاتصال عمري شارون نيابة عن أبيه بعرفات ليقدم لـه قوائم جديدة للمطلوبين الذي يقوم جيش الاحتلال بملاحقتهم وقتلهم في القرى والمدن من دون استئذان أو استنكار، فذاك جزء من التنسيق الأمني المطلوب.. تنسيق ضد المجاهدين والمقاومة والانتفاضة حماية لمن !؟
5 ـ إتاحة الفرصة أمام الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة تنفيذ مخططها بضرب دول وقوى عربية وإسلامية تحت شعار ملاحقة الإرهاب وتصفيته لخلق مناخ دولي وعربي وإسلامي مهزوم كلياً ومأزوم دورياً، يجعل يد الولايات المتحدة الأميركية وحليفها الصهيوني والعرب طليقة في عملية إعادة ترتيب المنطقة كما يشاؤون وفي استثمار السيطرة والهيمنة وتعزيزهما وفق البرنامج الذي سيتابعه حلف الأطلسي بعد مؤتمره القادم في الربع الأول من عام 2002 بقيادة أميركية ـ صهيونية تحت مظلة دولية يدخل في نسيجها مجلس الأمن الدولي.
نحن فيما يبدو أمام خيارات مرة، وأبرز هذه الخيارات المرة :
أ ـ القبول بما يقدم لنا من حَشَفِ القول وفتات القضية والرضا عن جعلنا عملاء بمظهر "مقبول".
ب ـ تبني مواقف المقاومة : أي ما يسمونها مواقف الإرهاب " ومناصرة الدفاع عن النفس والشعب والقضية ومن ثم التعرض للـ B52 والقنابل زنة سبعة أطنان وطائرات الـ F16 والصواريخ العابرة للقارات ولاجتياح جيش الاحتلال الصهيوني لمواقع عربية وممارساته الهمجية...إلخ
ج ـ الهرب من الواجهة ومن المواجهة والتستر بالصمت الكئيب والبسملة والحوقلة، واللجوء إلى الدروشة السياسية أو السقوط السياسي في التبعية المعلنة أو المستورة، بنوع من رضا المحظيات المدللات.
وحتى نفهم ما ينتظرنا سواء أدخلنا في الثوب الأميركي ـ الصهيوني أم رفضنا الدخول فيه علينا أن نقرأ ما جرى في أفغانستان بعيون مذعورة وعقول مثقلة بالتوقعات وقلوب مسكونة بالإيمان وبالرعب من الشر المنطلق من عقاله، أو أن نقرأ جيداً ما سيجري بين الهند وباكستان : أي المرحلة التالية من حرب " الإرهاب " على أكبر دولة إسلامية بتعاون رأس حربة أحد تحالفات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر : الولايات المتحدة مع الهند بما تمثله من قوة بشرية وقنابل نووية وموقع حضاري وديني قريب منا تجنده ضدنا .. ضد المسلمين حيث تضعفهم أو تفنيهم أو تلهيهم بمعارك مع حضارات وشعوب جارة عبر التاريخ، لأنها تريد إضعاف الإسلام وإفنائه إن هي استطاعت ولكن بإثارة حروب بالوكالة والدخول على خطها بانحياز تام ومشاركة عملية من أعلى .. إنها تريد إضعاف الإسلام وإفنائه في المحصلة حيث نواجه مع الزمن حقيقة أنه لا يوجد إسلام حي فاعل ومتحرك من دون وجود مسلمين بهذه الصفات السليمة والتمثيل الصحيح لعقيدتهم في الحياة؛ إنه تحالف في رأس حربته أيضاً الكيان الصهيوني الذي قدم للهند صواريخ حيتس بمباركة أميركية وكان لـه تعاون نووي مع الهند منذ عقود من الزمن؟
العرب والمسلمون وبلدان العالم الأخرى والشعوب المتضررة من الشر والعدوان الأميركيين يمكن أن يشكلا كتلة يستعصي على التنين الغربي ـ الصهيوني ابتلاعها، ولكنها حين تؤخذ جزءاً جزءاً ويشمت كل جزء بالآخر حين يؤكل فإن التنين سيأكل الكتلة كلها في الزمن الذي حدده أو الذي يحدده في ضوء حاجته وقدرته على الهضم، أما إذا تماسكت وفردَت شوكها واستنفرت قواها وطاقاتها الروحية فإنها تلجمه وتحجِّمه وتحمي نفسها منه أو شيئاً من نفسها وحقوقها بانتظار تغير الأحوال. لقد فتح العالم العربي والإسلامي الأبواب أمام الشر الأميركي تحت وطأة " شعور لا مسوغ لـه من الشعور بحربة الاتهام إليهم والخوف من أن تلبسهم التهمة " بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ولم يزدهم ركضهم في الزفة الأميركية وشجبهم للحدث وتبرع بعضهم بدمه إلا اتهاماً وملاحقة على نحو ما؛ فالأميركي ذو موقف مسبق مشبع بالعدائية والشر ولا تتوقف شهوة ذلك الشرير ومعلِّمه وقدوته الصهيوني مصدر الشر، لا تتوقف عند حدود، ونحن الآن أمام بعض النتائج الأولية والاحتمالات القائمة، فهل هناك من إمكانية لتدارك موقف يمكِّن من تدارك أمر سقوط رؤوس ودول ومقدسات.. أم أن السهم نفذ والأمر انقضى ووقت التدارك انتهى، وأن فلسطين بعد أفغانستان وعلى نهج تصفيتها وباكستان والصومال واليمن والعراق ...إلخ على اللائحة وفي المحطة القادمة من محطات التصفية باسم مكافحة الإرهاب؟
إن الإمكانية الإيجابية من وجهة نظري ما زالت قائمة لكي لا نُبتلع بسهولة ولكي لا نموت من دون قيمة وحتى لا تفسد المعايير والقيم والمقدسات وتصبح الحقوق عبئاً على أصحابها والمقاومة المشروعة هوساً بالقتل أو الموت وإرهاباً مداناً، والصهيوني العنصري الشرير أستاذاً في الفضيلة، والأميركي المجرم ممثلاً للعدالة المطلقة والحرية المفتوحة يضرب الشعوب والحضارات والقيم والعقائد والمصالح.. إن الإمكانية لمواجهة ذلك قائمة وعلينا أن نبادر إلى ذلك حتى لا يسقط عالمنا في الشر العنصري والموت المجاني والفتن الدينية التي تشنها قوى عظمى باسم التكليف " الرباني والدين" متبرقعة بمحاربة التطرف والتعصب ومقاومة الحروب الدينية وهي تقوم بفعلها البغيض على أسس من ذلك ولكنها تحسن التظاهر بغير ما هي عليه. تعالوا نكون كتلة واحدة ذات حَسَك وشوك وأنياب تستعصي على الابتلاع أو تمزِّق حلق الوحش المفترس: الصهيونية صاحبة القرار والنفوذ في البيت الأبيض والأميركي الشرير الذي يرى موت الآخرين وتدميرهم منة منه عليهم .. تعالوا إلى ذلك وإلى كلمة سواء تجمعنا على الخير بإرادة قوية ورؤية نافذة وشجاعة محمودة ورغبة مؤكدة في نصرة الخير والدفاع عن حقنا في البقاء والحرية، فإن الوقت لم يفُت.. وحتى الجريح وهو في النزع يمكن أن يطلق على قاتله رصاصة قد ترديه قتيلاً.
|