|
ـ إلى متى ...!؟
مع قدوم المبعوث الأميركي أنطوني زيني A.ZINNIقال ريتشارد باوتشر الناطق باسم الخارجية الأميركية في 2 كانون الثاني 2002 " سيواصل الجنرال زيني مساعدة السلطة الفلسطينية على التركيز على اتخاذ خطوات أمنية لمكافحة الإرهاب وتفكيك البنية التحتية للإرهاب وتعزيز خفض مستوى العنف وسيبحث مع إسرائيل الإجراءات الاقتصادية التي يمكن أن تتخذها لتخفيف الضغط على السكان الفلسطينيين." وركز زيني في تصريحاته على بعد تكتيكي جديد بعد أن استنفدت مدة التهدئة الشارونية / سبعة أيام /أشهراً طويلة وأصبحت بضاعة قديمة ومكررة العرض ومزعجة إلى حد ما، ركز زيني على: "جهد مئة بالمئة لمكافحة الإرهاب وهو سيتكفل بأسبوع الهدوء " الأبدي " الذي يطالب به شارون.
وفي اللحظة المناسبة تم الإعلان عن توقيف السفينة "كارين أ" في مداخل البحر الأحمر بين مصر والسودان وقيل إنها تحمل شحنة أسلحة تقدر بخمسين طناً وتتجه إلى فلسطين، وأن وراءها تعاون بين عرفات وإيران من خلال حزب الله.
وهذا الحادث الذي افتعله شارون بالتنسيق مع الجانب الأميركي وبإرشاده صُنِّع خصيصاً لجعل زيارة المبعوث الأميركي الثانية إلى فلسطين المحتلة في إطار مهمته تؤدي الغرض المطلوب منها وفق ما أشار إليه باوتشر فتنصب بالدرجة الأولى على:
1 ـ تكثيف الضغط على عرفات وحشره في زاوية الاتهام لجعله يقوم بعمليات ملاحقة واعتقال لفلسطينيين ومنظمات ومؤسسات فلسطينية تتصدى للاحتلال الصهيوني.
2 ـ التلويح لعرفات والسلطة ورموزها ولبعض المسؤولين العرب القريبين منها بأنه يمكن إعطاء الضوء الأخضر لتصفية ما تبقى من سلطة الحكم الذاتي وطرد عرفات ومن معه خارج فلسطين والعودة إلى ما قبل أوسلو.
3 ـ تقديم مسوِّغات وتهيئة مناخ ملائم لمهاجمة جبهة جديدة واسعة تُتَّهَم صهيونياً وأميركياً بممارسة الإرهاب أو حمايته، وتتكون من إيران وحزب الله والمنظمات التي تؤويها دمشق : حماس والجهاد الإسلامي والشعبية وفتح الانتفاضة .. إلخ وسلطة الحكم الذاتي وعرفات..إلخ في تشكيلة جديدة من التحالفات تجمع بين أهل أوسلو ومن يقاومونها في قَرَن واحد..!؟ وهذا أمر عجيب غريب ولكنه على غرابته لا يُعجِز ملك الإرهاب والافتراء شارون ولا خليفته في هذا المجال أو حلفائه الذين يقبلون كل شيء منه ويرفعونه على دم الضحايا درجات، كما أنه لن يزعج الرئيس الأميركي بوش الذي يصنع المعجزات هو الآخر على طريقته حتى أنه يعرف كيف يمضغ البسكويت من دون أن يختنق به؟!
ولم تكن تلك الشراكة الأميركية الصهيونية في موضوع تصنيع حادث السفينة " كارين أ" مجرد تخرّصات لأن التعاون كان تاماً فالأميركيون وجهوا القوات الإسرائيلية منذ البداية إلى " الهدف" وبقوا على مسافة من الموضوع وكأنهم غير مصدقين ويحتاجون إلى إثباتات أدق ليتخذوا موقفاً؟ وقد قام بتقديم تلك الإثباتات ـ على حد زعمهم اللاحق ـ الجنرال "يوسي كوبر فاسر" رئيس وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الصهيونية الذي قدم تقريراً لواشنطن عن السفينة " كارين أ " أعلنت بعده وزارة الدفاع الأميركية اقتناعها بالموضوع ونوه الرئيس بخطورته؟ وقد وجه شارون الشكر إلى دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي على ذلك حيث جاء في إذاعة العدو يوم 9/1/2002 الآتي: " شكر رئيس الحكومة أرئيل شارون وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد يوم أمس. وجاء هذا الشكر بعد أن قام وزير الدفاع الأميركي بتبرير عملية سيطرة القوات الإسرائيلية على السفينة "كارين أ" في البحر الأحمر". وأُبقيَ هذا الموضوع رصيداً أميركياً مسجلاً في حيز المعرفة المعلوماتية المحسوبة بدقة لاستخدامه للضغط على عرفات والعرب في الوقت الملائم.
وصعَّدت قوات الاحتلال من عملها العدواني ومن مطالباتها للسلطة بتسليم من تطالب بتسليمهم ومنهم حمدي قرعان وبسام الأسمر وباعتقال سعدات وتسليمه بوصفهم مسؤولين عن قتل الإرهابي المجرم المقتول بشروره وعنصريته صاحب دعوة تسفير "ترانسفير" الفلسطينيين وطردهم من فلسطين: رحبعام زئيفي، فقتلت من قتلت من المدنيين العزل ومن رموز المقاومة والانتفاضة كان آخرهم الشهيد رائد الكرمي وهدمت بيوتاً كان آخرها ما يزيد على سبعين بيتاً في رفح وتسعة في القدس وسواها في أماكن أخرى، ودمرت سفينتين للسلطة في ميناء غزة إحداهما " أجنادين" التي كان عرفات قد استخدمها مرة، وجرَّفت مطار غزة وفعلت كل ما يخطر على بال مجرم أن يفعله بضحية لا حول لها ولا قوة تحت نظر المتفرجين الأبديين من عرب وأجانب ومنظمات دولية على رأسها من حمل جائزة نوبل لأنه سكت على العدوان على أفغانستان وعلى كل عدوان قامت به الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية؟! وقال أفضل "المعتدلين" في حكومة الإرهابي شارون حول تدمير البيوت في رفح، قال شمعون بيريس الذي اعترض على العملية : " لم نمس أي منزل يملكه شخص بريء.. " ؟! وأرجو أن يتم التدقيق في العبارة جيداً لمعرفة " وجاهتها ودقتها وربما صحتها ".. فبيريس الذي يراهن عليه بعض العرب صادق تماماً فيما ذهب إليه من افتراء هو عمدته العقلاني والوجداني في حكومة شارون لأن المؤسسة الصهيونية التي هو أحد أعمدتها القديمة ترى كل فلسطيني إرهابياً، وكل نطفة في صلب فلسطيني أو عربي عدواً يجب أن تشن عليه حرب وقائية قبل أن يولد، وهي حرب عادلة.. حرب دفاع عن النفس بنظرهم ونظر الأميركيين حماتهم؟! ولم لا يقول هذا الكذاب الأشر ذلك الشيء ونقيضه وهو محمي عملياً من دولة الإرهاب الأولى في العالم: الولايات المتحدة الأميركية شأنه في ذلك شأن كل المجرمين الصهاينة وأولئك الذين يخدمون المصالح الأميركية من غير الصهاينة ويخوضون حروبهما بالوكالة وينادون بأن تبسط الولايات المتحدة الأميركية ومعها الغرب الاستعماري إن هي أرادت، أن تبسط هيمنتها وتمارس استعمارها الجديد لبلدانهم وكل بلدان العالم على ألا تسمى إمبريالية جديدة لأنها لا تريد التسمية بل تريد نتائج الفعل بالتأكيد؟!
عندما سئل السيد كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية عن رأيه في قيام الكيان الصهيوني بهدم أكثر من سبعين منزلاً للفلسطينيين في رفح جنوب قطاع غزة وترْك سكانها في العراء تحت الثلج والمطر تضمهم بعض الخيام التي تشهد على وجودهم وعلى كذب الصهاينة التاريخي المستمر، الذين ادعوا أن البيوت في رفح لا يسكنها أحد، فنبت سكانها من تحت الخيام يكذبون الادعاء الوقح، ويعيدون إلى الأذهان القول الصهيوني في السابق عن فلسطين بكاملها : إنها أرض بلا شعب حيث انبجست الأرض عن الشعب الفلسطيني الذي يقلع وجوده الحي عين العالم من دون أن يحس بمأساته العالم للأسف الشديد ـ وخيام رفح ينبغي أن تعيد إلى ذاكرة من يحب أن يتذكر مشهد الخيام الممتدة من عام 1948 حتى مرج الزهور ورفح في مواسم الثلج والمطر لتشهد على مأساة بشرية قاسية مستمرة في ظل الافتراء الصهيوني والتغطية الأميركية المستمرة للافتراء والإرهاب وصور العدوان البشع وغياب العدالة والحس القومي العربي ـ قال باول عن هدم البيوت بنزوعه المعبر عن " الحضارة " وفق المفهوم الأميركي لها معلقاً على هدم البيوت: " لقد اطلعنا على التقارير .. أعتقد بأننا أوضحنا أنه علينا أن نتفهم حاجة إسرائيل إلى أن تتخذ خطوات لضمان دفاعها عن النفس، كما أوضحنا بجلاء الحاجة لإجراء فلسطيني ضد العنف والإرهاب." ومن الملاحظ أن التصريح ينصب في جزئيه على تشجيع الجلاد وتجريم الضحية.
وحين نعود بالذاكرة إلى المواقف الأميركية جميعاً في إطار الصراع العربي الصهيوني نجدها تندرج في هذا الإطار الذي ينم عن تحالف شرير بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة لتصفية قضية العرب المركزية، قضية فلسطين، على حساب العرب وجعلهم من ثم يزحفون على الركب ورموش العيون طالبين العفو عن جرائم لم يرتكبوها ومستمدين العون من عدو لا يرحم، ومعتذرين عن تهمة التفكير بالدفاع عن النفس، والسعي لامتلاك سلاح لمواجهة ترسانة الكيان الصهيوني النووية وغير النووية، فلا يجوز للفلسطيني خاصة والعربي والمسلم عامة أن يواجه قاتله حتى بالحجر أو بالصوت المرتفع؟! لماذا.. لا يجوز لنا نحن العرب والمسلمين حتى أن نقول: لماذا؟ لأن ذلك شأنٌ حضاريٌ لا نفهمه ولا يحق لنا أن نفكر فيه أو أن نطرحه مجرد سؤال لكي نفهمه فنزداد علماً؟!.
والسؤال المر الذي يحاصرنا في خضم الدم والموت والحصار والدمار : دمار الظاهر والباطن معاً، وفي ظل الملاحقة المستمرة للمقاومة والانتفاضة وعناصرهما ورموزهما، وفي المدى المفتوح للعدو للقيام بتصفيات جسدية واعتقالات واقتحام للمدن والقرى والمخيمات وتدمير للبيوت على رؤوس ساكنيها، السؤال المطروح هو : إلى متى تستمر الممارسات الإرهابية الصهيونية ـ الأميركية بكل ألوانها ضد أمتنا !؟ وإلى متى يحتمل الشعب الفلسطيني وحده العبء الأكبر في المواجهة والتصدي للظلم الأميركي ولقهر قوات الاحتلال الصهيوني ؟! وإلى متى يبقى العرب: رسمياً وشعبياً متفرجين على دمهم يراق ولحمهم يسحق وبيوتهم تدمر ومقدساتهم تهوَّد وتنتهك وعلى الوضع المأساوي الذي يزداد تفاقماً وشدة وينذر بما هو أدهى وأشمل وأمرّ وبكوارث لا تحتمل، وإلى متى يستمرون في السير منوَّمين أو خانعين في الركب الاحتفائي بكل مسؤول أو تصريح أو تهديد أميركي يتناول شؤون المنطقة ودولها وثقافتها وعقيدتها ومكونات هويتها!؟ وإلى متى يراهنون على هذا المسؤول أو ذاك سواء أكان غربياً أو صهيونياً ولا يراهنون على أنفسهم وعلى تغيير مواقفهم وتوظيف وعيهم وثرواتهم وطاقاتهم واستنطاق التاريخ قديمه وحديثه وتجاربهم القريبة والبعيدة لكي يضعوا في الاعتبار جهداً قومياً بناء يغير من علاقاتهم ومواجهاتهم وأساليبهم وأحوالهم وقوتهم.؟! متى نرى دمنا ونشعر أنه دم ذو قيمة .. ذو ثمن .. ذو قداسة إنسانية من نوع ما لا يحق لليهودي ولا للأميركي و لا لأي كان أن يلغ فيه ببساطة ومن دون ثأر لـه أو مسؤولية تلاحقه حتى في قبره؟! متى تقوم في البعد الاجتماعي العربي مسؤولية خلقية وسياسية وقومية عن قضية هي في الأساس قضية عامة وعادلة ومسؤولية أمة قبل أن تكون مسؤولية مجموعة أو قطر أو مجموعة من الأقطار في وطن العرب ؟!
لقد أصبح من الجرائم التي ندان بها في هذا العصر الذي ترابط فيه الغواصات النووية في مياهنا الإقليمية، والطائرات الحربية العملاقة في مطاراتنا، والأسلحة النووية وغير النووية على بعد عشرات الكيلومترات من عواصمنا، والدبابات الصهيونية على أبواب بيوتنا.. أصبح من الجرائم التي ندان بها ونلقن دروساً قاسية جداً حتى لا نكررها أن نفكر في شراء بندقية أو رشاش أو قنبلة يدوية أو حتى سكين لندافع بها عن أنفسنا؟! هل أصبح مجرد وجودنا عبئاً على أنفسنا وعلى العالم؟ هل هُنََّّا بنظر أنفسنا وبنظر الغير إلى الحد الذي نتراكض معه لتقديم الاعتذار وطلب الصفح عن التفكير بالدفاع عن النفس أو بامتلاك سلاح للدفاع عن النفس في حين يكرس عدونا السلاح في كل شبر من الأرض ويهاجمنا هو وحليفه وقتما يشاء؟! باختصار شديد جداً : إلى متى الثقة بالأميركي والخوف منه والانهزام أمام الصهيوني والركض وراءه من أجل مفاوضات نعطيه فيها حقنا ونقبل فيها بأن يكبلنا ويغل أعناقنا ولا يقبل هو بذلك ولا يُقبِل عليه؟! هل هانت علينا أنفسنا إلى هذا الحد وفقدنا الصلة بكل ما يحركنا ويحرضنا ويدفعنا إلى فعل منقذِ من أي نوع، وأصبح ينطبق علينا قول شاعرنا الذي فقدنا حتى الإحساس بمعاني وأبعاد ما يقول هو وسواه ممن كانوا ذاكرتنا ومحركي وجداننا؟!
مـن يهن يسـهل الهـوان عليه
مـا لجـرحِ بمـيّت إيــلام
اللهم لا تكل أمرنا إلى من لا يقدِّر قيمة نفسه ولا يعرف تاريخ أمته ومكانتها بين الأمم ولا يحترم دم أبنائه وأخوته وأخواته بَلْهَ حقوقهم وكرامتهم وأرضهم والمكانة الحضارية التي لأمته. إنك سميع مجيب.
|