|
ـ نظرة على الأنقاض
الأطفال يهيمون بين أنقاض بيوتهم في رفح وغزة وطولكرم ونابلس والقدس، والموظفون الفلسطينيون يقفون على أنقاض مقرات عملهم ويتحسرون، وأهل إذاعة فلسطين وتلفازها يبحثون عن حماية الإعلام وحرية الصحافة بين أنقاض مبنى الإذاعة والتلفاز الفلسطيني وأكوام ملفاتهم المدمرة، ورجال شرطة السلطة الوطنية الفلسطينية وأهلها ينظرون بعيون ممتلئة بالغضب والدموع إلى ما كان بنى تحتية لسلطتهم حلماً بدولتهم، وكثير من الرجال والنساء في أنحاء مختلفة من فلسطين والوطن العربي والعالم ينظرون إلى الدبابات الصهيونية التي تحاصر مدن الضفة وغزة وقراهما ومنزل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الذي يتربع على أنقاض أوسلو في رام الله، ويسألون ما الذي بقي لحصان " السلام" هذا من تلك الصفقة الخاسرة التي حمل وزرها وحمَّله آخرين معه، وما الذي دفعه الشعب الفلسطيني وما الذي جناه بعد سنوات من اللهاث وراء السراب الأميركي الخداع والعنصرية الصهيونية المتأصلة في العقيدة والتربية اليهوديتين؟!
أنقاض الخراب وأنقاض السلام مثلها مثل فُتات الرعب تملأ أرجاء كثيرة من العالم ونفوساً أكثر فيه ويكاد غبارها الكثيف يحجب كوى الأمل في النفوس ويجعل العالم يرتجف وهو في قفص السيد الأميركي وقبضته بفعل ذلك السيد المتورم الذي يتربع على عرش الإرهاب مع الصهيوني الملطخة يداه بالدماء ويزعم أنه يكافح الإرهاب وأنه ضحيته وهو خالقه وراعيه وممارسه الأول!؟
ولا تتراكم تلك الأنقاض الدمار والسلام والاطمئنان والأمل في نيويورك وواشنطن وأفغانستان وكشمير فقط بل في المواقع العزيزة على نفوسنا نحن العرب في وطن في فلسطين، وتكتسح مساحات أخرى غير محدودة في النفوس.. إنها بالدرجة الأولى أنقاض العمل العربي المشترك، وبقايا داحس والغبراء المبثوثة في المضارب المنتشرة بين المحيط والخليج، وبقايا الأنظمة العربية العاجزة عن رد الموت عن طفل فلسطيني أعزل وعن انتفاضة تحاول أن تحفظ بالحجر واللحم المدمَّى حق شعب في الدفاع عما تبقى من وجوده ومقدساته وأرضه وبيوته، وحق أمة في أن تحافظ على عقيدتها من الاتهام والتشويه، وعن هويتها من التمزيق، وعن مصالحها من الخراب وعن ملامح وجودها وحضارتها من الاندثار !؟
مشهد الأنقاض العربية مثير وربما أصبحت القمة العربية الأمل أنقاضاًً هي الأخرى في بيروت في التاسع والعشرين من آذار القادم لأن تراشق المسؤولين بالكلام والاتهام أخذ يعلو على تزاحمهم حول موائد اتخاذ القرارات المسؤولة في اللحظات الحاسمة التي يمر بها تاريخ أمتهم وتنهصر فيها أضلاع أقطارهم " العملاقة" في تورمها الهزيلة في قدرتها على حماية شيء مما تبقى لها أو للأمة؟!
عرب تحت الأنقاض في كل مكان : قطرياً وقومياً وعالمياً، وحتى ملامح العرب وأزياؤهم وكلماتهم وصورهم ملاحقة من بين جنسيات البشر في القارات الخمس، لا سيما الأميركية والأوربية والآسيوية منها.
تضيق بنا الدروب وتضيق منا الرؤى وتصبح صدورنا حرجة كمن يصَّعد في السماء ويتخطفه الرعب مما يراه وينتظره وينتظر سواه إن هو بقي مكتوف اليد معصوب العين مكمم الفم وهدفاً للعدوان والاتهام والتشويه؟!في بيوتنا يداس أبناؤنا وفي عواصمنا يرتع الفرسان الذين يدوسون أولئك الأبناء ويصدرون فتاواهم السياسية والدينية مستكملين طعن قلوبنا وعقولنا وإراداتنا.
نحن في عالم مزدوج المعايير والوجوه والضمائر والإرادات والسياسات والكلمات.. نحن في العصر الكريه .. العصر الصهيوني ـ الأميركي المقيت الذي يزيَّف فيه حتى وجه الله بَلْهَ وجه الحقيقة، ويطيِّب فيه راعي كنيسة كانتربري، المسؤول تاريخياً ووجدانياً عن مأساة الشعب الفلسطيني التي خلقتها بريطانيا الاستعمارية، يُطَيِّبُ فعل الحاخام الصهيوني العنصري المحتل الذي يمارس تشويه الدين والوقائع والأحداث صباح مساء ويبيح دماء العرب ويعتبرهم " صراصير " في زجاجة ويعلن " ندم الرب على أن خلقَهم؟!" ويدافع عن البراءة الصهيونية المنتهَكة بفعل الأشرار: أي أولئك الفلسطينيبن الذين يدافعون عن بيوتهم وأطفالهم ومقدساتهم بالحجر واللحم الحي ويقفون بوجه دبابات الاحتلال الصهيوني البغيض!؟ومن الإسكندرية يؤكد رجال دين في بيانهم على "وقف إطلاق النار " بين قاذف الحجر وقاذفة الصاروخ ؟! وعلى أن وقف إطلاق النار ذاك "يراقب من الجانبين"، أي الفلسطيني المحاصر بدمه ودبابات شارون والصهيوني الذي يستخدم الـf16 لتدمير البيوت والأباتشي لملاحقة المدنيين الفلسطينيين وتصفيتهم جسدياً؟! وهو بيان يأتي باسم الأديان في ظرف عامر بالعدوان الصهيوني الفظيع المكشوف ليحمِّل الضحية وزر الجلاد ولينسف الفكرة المطروحة دوليا؛ً فكرة وضع مراقبين دوليين لحماية المدنيين الفلسطينيين من مسلسل الإبادة الصهيوني المبارك أميركياً.
ويقوم فيه شيخ الأزهر السيد طنطاوي ناطقاً باسم الإسلام ليدين الشهادة والشهداء في فلسطين ويعتبرهم قتلة وإرهابيين لأنهم يقتلون "مدنيين يهود أبرياء" ولا ندري من مِن اليهود المحتلين لفلسطين والقدس هو مدني وبريء ولا يحمل السلاح ويقتل ويحتل بيوت الغير حتى يدين شيخ الأزهر من يدافعون عن أنفسهم وعن عيالهم ضد المحتل الصهيوني الذي أصبح بنظره بريئاً حتى من دم أطفال غزة وبحر البقر الأقرب إلى ذاكرته أو المفترض فيها أن تكون أقرب إلى ذاكرته ورؤيته من سواها إذا كان لا يريد أن ينظر إلى الأمور من منظار قومي يشمل الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والأردنيين والعراقيين ..إلخ ولا من منظور إسلامي شامل وإنساني أعم وأشمل؟!
نحن في عالم لم يعد يفهم سوى لغة القوي وغابت فيه قوة الحق، وأصبحت القوة النافذة الكلمة فيه قوة مادية عمياء ذات مصالح، تتكلم باسم العدل والحقيقة والحرية وحقوق الإنسان وهي تقيم معايير مزدوجة لذلك كله وتنطلق من كراهية للغير واستهتار بهم مضفية على حالتها المرضية الاستعلائية تلك صبغة حقَّانيَّة وحضارية مشهرة سيف القوة على من لا يأخذ بما تفرضه قوتها، تقوم بإفساد الضمائر وشراء الأنظمة والحكام وتوظيفهم ضد شعوبهم وضد الحق والعدل .. نحن أمام قوة شر تحتكر الخير وتدافع عن شرورها باسمه.. إنها قوة الإرهاب والعنصرية المتمثلة في الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأقربين وعلى رأسهم الكيان الصهيوني.
في ظل هذه الظروف التي يتواطأ فيها السياسي العربي ضد السياسي العربي ويشمت به ويبيعه في السوق منتشياً " بنصر مؤقت مقيت" تدفع الأمة ثمنه كرامتها وأملها في آن معاً، ويتراكم فيها الإحباط في النفوس، وتكثر السكاكين على البقرة الواقعة، ويتم توعّد هنا وعدوان هناك وترتيب لحرب مدمرة في مكان ثالث من وطننا .. ويبيع ويشتري بنا وبمصيرنا كثيرون! كيف السبيل إلى خلاص من جهة وبناء جسر ثقة بين الساسة والأنظمة والأقطار والناس من جهة أخرى، وتأمين مقومات القوة للدفاع عن النفوس والمصالح والقضايا العادلة من جهة ثالثة؟! هل نؤسس للتضامن العربي ولما هو أبعد منه قليلاً على أسس من العدل والأمن والاطمئنان والثقة واستقلال القرار والإرادة؟!
هل ينتهي العراق من جهة والكويت والسعودية من جهة أخرى إلى تجاوز سنوات المأساة التي دفعت الأمة ثمنها غالياً مدة عقد ونيف من الزمن فيتم تقارب تبنى في ظله جسور ثقة ويؤدي إلى موقف قوي نقول معه للأميركي الذي يحتل جزءاً من أرض الخليج والسعودية ويستنزف ثرواتنا ويضرب هويتنا وعقيدتنا وأبناء شعبنا وإرادتنا في الصميم ويتدخل في التربية والتعليم والمناهج وما يقرأ وما لا يقرأ من القرآن الكريم: كفى .. إرحل عنا أيها "اليانكي" البغيض فقد كشفناك ونريد أن نكشف غمتك عن أمتنا!؟
هل يتم تقارب على أساس من الثقة والتفكير المنطقي والرؤية العلمية العملية المضمخة بمعطى الإيمان ومعطى التجربة واستقراء التاريخ معاً لعلاقات عربية إسلامية جديدة في ضوء التحالف الذي يتم ضد عالم العرب والمسلمين سواء أعرف العرب والمسلمون ذلك واعترفوا به أم تغاضوا عنه وأغضوا وأغمضوا عيونهم حتى لا يروا .. فعل النعام في الصحراء المكشوفة .. هل يتم طي صفحة العداء بين إيران والعراق .. بين إيران والإمارات بانسحاب إيران من جزر الإمارات ويتم التمهيد لمحور مقاوم طالما طالبنا به بين " دمشق وبيروت وبغداد وإيران" ثم يأخذ بالتوسع.. محور يدفع الموت والاستعمار والعدوان الصهيوني ـ الغربي القادم مع مهمات حلف الأطلسي الأميركية بعد دورة الاجتماعات القادمة في نيسان 2002 ؟هل تتم مصالحة بين المغرب والبوليزاريو ليسود وفاق بين المغرب والجزائر وتزداد جبهة المغرب العربي تماسكاً وقوة؟! هل يقوم تفاهم عميق على أرضية من الاحترام والوضوح والمسؤولية القومية بين الجماهيرية وأقطار عربية أخرى منها بعض لبنان الذي لا يمكن فصله عن لبنان، وتعود الجماهيرية إلى مسؤولياتها العربية المبدَّاة على أية التزامات ومسؤوليات أخرى، بما لا يلغي دوراً إفريقياً مطلوباً تقوم به ؟!
هل تسود داخل القطر العربي الواحد رؤية وسياسة تجعل الشرائح الاجتماعية المختلفة الرؤى والمشارب تلتزم بالسقف الوطني والقومي والدستوري ـ القانوني وتأمن من جوع وخوف، وتشعر بالمساواة وبمعنى الحرية العميق وتشارك بالفعل السليم والمسؤولية الموضوعية التامة في صنع القرار وصنع السياسة والحشد للدفاع عن الأرض والحق والقرار والوجود، ومن أجل التقدم والازدهار وحل المشكلات الكبيرة : اقتصادية وغير اقتصادية، مما تعاني منه الأنظمة ويعاني منه الناس!؟
هل يسود الصومال أمن، وتسود العلاقات بين مصر والسودان ثقة متبادلة لتعزيز الأمن المتبادل لوادي النيل وضمان عدم تقسيم السودان أو زحف الأميركي عليه من خلال ما يسمى المعارضة ذات المشروع الاستعماري ـ الديني المعلن؟ ولا يخلي أحد منا ظهر الآخر أو يسلمه في أي ظرف وتحت أي إغراء أو ضغط؟
إننا نعول على الوعي العربي المسؤول وعلى القمم العربية ومنها قمة بيروت الآتية، ونعول على شعور العرب المجروح من جراء ما لحق بهم وبهيبتهم وكرامتهم ومواقفهم لا سيما منذ أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 حتى الآن وما يلحق بهم يومياً في فلسطين ويكشف عجزهم حتى لا نقول تواطؤ البعض منهم؟!
ولا مندوحة لنا من أن نذكِّر بقدراتنا المشتتة ومواردنا الضائعة ومواقفنا الممزقة التي لو اجتمعت أو جمِّعت وأُحسِن توظيفها لخدمة هدف قومي عام لتحقق من ذلك الشيء العظيم.
تعالوا أيها العرب الجارحون المجروحون .. القاطنون شغاف القلب وثنايا الروح .. تعالوا إلى كلمة سواء تجمعنا على الحق وتنقذ لنا شيئأ من الهيبة وتمتعنا بشيء من القوة التي تزجر مجرماً ملطخة يداه بدمائنا منذ نيف وخمسين سنة حتى اليوم وهو ما ينفك يفتك بنا وبعمراننا ويذبحنا على أبواب مساجدنا وكنائسنا ومدننا وقرانا وبيوتنا؟!
الكيان الصهيوني يهدف إلى : تدمير السلطة وتغيير الرموز وتركيع الشعب وسد منافذ الأمل أمامه وأمام المقاومة والانتفاضة والتأسيس للفتنة الفلسطينية ـ الفلسطينية وكشف الأنظمة العربية جميعها وما يمكن أن يعول عليها في هذا المجال. أهرون فركش زئيفي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الكيان الصهيوني قال في الكنيست : عرفات بنظر الأميركيين قضية خاسرة ومشكل من دون حل. وشارون يواصل ما يسميه هو وأميركا: " الحملة ضد البنى التحتية للإرهاب " في نطاق المفهوم الأميركي ـ الدولي للإرهاب. وسيبقى سؤال الكيان الصهيوني المعلق : " هل السلطة الفلسطينية ـ بعد أن اعتبرت رئيسها غير ذي شأن ـ عدو أم شريك في عملية السلام؟! يبقى إلى أن تسقط بقية فلسطين ثمرة ناضجة في حضن الإرهابي شارون وأمثاله. و" الحرب هي الطريقة الصهيونية الوحيدة لتحقيق السلام" وفق منطقهم وتصريحاتهم، وهذا يعني ببساطة قهر العرب وإبادة أكبر قدر منهم حتى ينتفي وجودهم الحيوي بانتفاء إرادتهم وبذلك يتحقق السلام الصهيوني؟.
فهل نقبل ذلك ونسلم بأنه " قدر لا راد له"؟ أم أن لدينا الكثير مما نفعل ولكن ينبغي أن نبدأ الفعل؟ إن مرحلة ما بعد أفغانستان قد بدأت عملياً في فلسطين وسوف تتوسع إلى العراق، والعرب يحاولون أن يبدوا كأنهم استيقظوا متأخرين هذه المرة بدلاًً من أن يستيقظوا متأخرين فعلاً، حتى لا يسمعوا بالخبر ويبقوا كما يقول المثل: "لا عين رأت ولا أذن سمعت".
لا نسمع صوتاً في برية العرب.. لا ريح ندية قادمة ولا حتى نسيم الصبا، وقد نسينا حتى شميم عرار نجد بعد أن نسينا كل ما يربطنا بالأرض ومنها الصحراء وأخلاقها العالية، لا شيء في بلاد العرب يشفي الروح أو يُطِبّ للجروح.. لا شيء .. لا نأمة طيبة في صروحهم مما يخترق سجف البؤس ويضيء شمعة في ليل اليأس لا شيء سوى العويل الطويل المكتوم وما يشبه هسيس الرعب مما هو قادم. فالسيد الأميركي يهدد ويتوعد ويحدد المواقيت ويغري بالالتحاق بصفوفه قبل فوات الأوان : من ليس معنا فهو ضدنا"، ويدفع الأفعى الصهيونية لتنفث سمومها وتلف ذنبها حول أعناق الأبرياء لتقتل الحلم الفلسطيني والأمل الفلسطيني مع قتل الانتفاضة والمقاومة إن هي استطاعت إلى ذلك سبيلاً وفي وقت قياسي قبل أن يجد كثيرون أنفسهم محاصرين بنوع من الذنوب لا يمكن غفرانها أو الاعتذار عنها.
إننا لن نفقد الأمل بأمتنا ونحن في كل فجر على موعد، وبعد كل حدث فاجع على نار الانتظار؟ لا نريد حماسة فارغة وتهييجاً مكلفاً للناس ندفع ثمنه غالياً من دمنا وكرامتنا ومستقبلنا .. ولكننا نريد بكل تأكيد موقفاً يخفف من وقع المأساة وخطوات تمهد لعمل منقذ فيه: وحدة الموقف قوة، ووحدة الهدف قوة، وقوة العلم والعمل به قوة، وقوة الإيمان والعمل به قوة .
فهل ذلك على أمة العرب بعزيز؟؟
|