|
ـ زنابق الدم المقاوم
لم يكد يستنفد الصهاينة أغراضهم الوحشية في مخيمي بلاطة وجنين حتى استأنفوا هجماتهم الوحشية على بقية المخيمات والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبقوات برية وبحرية وجوية يهاجمون المدنيين ويدخلون البيوت بيتاً بيتاً ويقتلون ويعتقلون ويدمرون دون وازع أو رادع من أي نوع، وإذا كانت قواتهم قد انسحبت من قلب بعض المواقع فما زالت تحاصرها بالنيران والدبابات والهمجية والعنصرية المعهودتين فيهم، وهم يرسلون الطائرات إلى أماكن من الضفة الغربية وقطاع غزة لتدمر ما تدمر ولتزرع الرعب في رام الله ونابلس وطولكرم وجنين وغزة وقراها.
حقد أسود ينصب على الشعب الفلسطيني وإعلان لحرب إبادة مغطى بالكذب الصهيوني المقيت وبتشويه الحقائق، وبعد أن كانت الملاحقة تنصب على المقاتلين أخذت تنتشر الآن لتشمل حتى محلات الحدادة والتفكير بإبداع وسيلة قتالية غير الحجر يرد بها الفلسطيني الموت عن نفسه وبيته وبنيه.
لقد أصبحت المواجهة اليوم دموية بلا حدود وشاملة للمواقع والبيوت ومساحات الأرض والنفوس، وهي تتم في ظل صمت دولي غريب، وتغاضٍ من مجلس الأمن الدولي مقيت ومدان، ورطانة أميركية عن ملاحظات على سياسة شارون وضغط على عرفات ليتمتع بالنفوذ الذي يمنحه إياه الهاتف ما دام قيد الحصار والإقامة الجبرية!؟ ويتم هذا في ظل فرجة عربية على ما يجري من عدوان ودمار وحصار وقتل لا يخترق حدودها سوى زيارات يطلب إلى أصحابها أن يحجوا إلى القدس ليقابلوا شارون ويفوزوا بجائزة نوبل للسلام و"مبادرات" تصفوية للحق العربي ليس للعرب منها سوى الاسم والظاهر البراق، وهي في جوهرها مطالب صهيونية تتحول عن طريق واشنطن إلى إملاءات تأخذ طريقها إلى السياسة والإعلام على شكل مبادرات مبهرة يهرول المعنيون للتطبيل لها والدعوة لتطبيقها والإشادة بجرأتها.
شيء واحد في هذا الفضاء العربي البائس ينهض ليشكل نوعاً من التوازن في المعادلة المعنوية ليجعل ثقل المأساة التي تجثم على القلب الفلسطيني خاصة والعربي عامة ذات نافذة يطل منها قمير محجب بالغيوم يتحرك بطيئاً في سماء قاتمة.. وذاك الشيء هو الدم الفلسطيني المقاتل الذي تتفتح زنابقه في مساحات من أرض فلسطين ويتأطر ضمن أطر الشهادة النوعية التي أصبحت المرأة الفلسطينية أحد نجومها بعد أن قدمت كل من وفاء إدريس ودارين أبو عيشة مثلاً يحتذى في التضحية، فقد استطاع هذا الدم الفلسطيني المقاتل أن يلحق بالعدو الصهيوني، الذي قتل ستة وعشرين فلسطينياً وجرح أكثر من مئتين وثلاثين آخرين عدا ما ألحقه من دمار في مخيمي بلاطة وجنين فقط قبل أيام، استطاع أن يلحق به واحداً وعشرين قتيلاً وأكثر من سبعين جريحاً في عمليات يوم الأحد الثالث من شهر آذار الجاري فقط، وهو رقم من الخسائر البشرية التي ألحقت بالعدو لا يستهان به قياساً لنسب الخسائر السابقة المختل لمصلحة العدو الصهيوني بشكل كبير.
وهذا الحد الذي بلغته المواجهات في ساحات فلسطين لا يملي علينا قراءة جديدة للوضع الذي سئمنا قراءته وإعادة قراءته، ولا معرفة مستجدة لطبيعة العدو العنصرية وممارساته النازية وتحالفاته العنصرية، ولا استجلاء لمعطيات جديدة أو انتظاراً لها من الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تعد تحفل بأي كلام أو موقف يشير إلى انحيازها إلى الكيان الصهيوني وتواطئها مع شارون وسياسته الدموية فهي ترى ذلك مديحاً يصَّاعد إلى السماء ويقدمها مخلصة ومخلِّصة " للشعب المختار"!؟؛ بل يملي علينا ذلك الوضع:
1- أن نسأل عن الكيفية التي ندعم بها أشقاءنا الفلسطينيين في مواجهتهم الوحشية مع الصهيونية، إذ لم يعد السؤال هو تأمين الحماية لمدنيين عزل، لأن هذا المطلب سقط ويسقط وسوف يسقط كل يوم في الاجتماعات العربية وفي مداولات مجلس الأمن الدولي وفي اجتماعات الاتحاد الأوربي... وفي اللقاءات الثنائية الغربية مع دول أخرى... ويبدو أن ما هو مقبول ومسموح به و " واقعي "؟ لدى معظم تلك المرجعيات هو ما يقبل به الكيان الصهيوني ورموز الإجرام والإرهاب لديه فقط وأولئك لا يقبلون بأقل من استمرار مسلسل إبادة الشعب الفلسطيني مادياً ومعنوياً حتى ينهزم في المرحلة الأولى و" يتفاوض" من خلال موقع الهزيمة فيُملى عليه ما تبقى من تنازل، وليأخذ درساً في الوقائع والمعطيات والاستراتيجيات: عربياً ودولياً يجعله لا يقدم على انتفاضة أو اعتراض أو رفض من أي نوع لأي مطلب صهيوني من أي نوع. وسؤالنا عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن ندعم كفاح أهلنا هناك لا ينصرف نحو احتمالات تحرك الجيوش العربية فذاك دخل في رابع المستحيلات لأسباب قطرية وقومية ودولية، ولكنه ينصرف إلى توفير حد أدنى من المشاركة الفاعلة لتقديم شيء ملموس يساهم في دعم مواقف المقاتلين وفي تمكينهم من امتلاك الحد الأدنى من القدرة على الدفاع عن النفس بانتظار تغير يساهم الحدث ويساهم الشعب في إحداثه على نحو ما.
2- أن نسأل عن جدوى تقديم مبادرات لإنقاذ شارون والكيان النازي من المآزق السياسية، أو لإنقاذ "الشعب الفلسطيني" من الإبادة كما يقال، وهي مبادرات تزيد الصهيوني غطرسة وتجعله يوظفها لفتح حوار مع بلد عربي بهدف توسيع الثغرة في الصف العربي ويقدمها على أنها اختراقٌ حققته سياسته الدموية إذ " لا يفهم العرب " سوى لغة القوة كما يحب أن يقول، وهي مبادرات تأتي على حساب حق العودة –أساس الصراع العربي الصهيوني –وعلى حساب كل صيغة من صيغ الأمن والاستقلال والكرامة للفلسطينيين والعرب في آن معاً.
وهذه المبادرات، ولاسيما المبادرة الأخيرة التي نسبت للأمير عبد الله، ما هي في حقيقة أمرها سوى صيغة من صيغ إخراج مطلب كانت قد أوحت به الإدارة الأميركية في أثناء زيارة الملك عبد الله الثاني إلى واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول /سبتمبر 2001 وقد قال الملك في حينها ما معناه: "إن على العرب مجتمعين أن يتخذوا موقفاً موحداً يعترفون فيه بإسرائيل ويضمنون أمنها" وكان ذلك مجرد تبشير أولي بالموضوع الذي ورد لاحقاً بصيغة سياسية تلميحية في خطاب الرئيس بوش أمام مجلسي الكونغرس، ثم تم توضيحه وتأكيده وجلاؤه في خطاب كولن باول الذي قدم ما سُمي "رؤية أميركية" حول الحل وإقامة دولة فلسطينية.
وعندما لم يتح لزيني أن يصل إلى بداية: ميتشل، تينيت ـ ولم يكن مخلصاً في الوصول إليهما أصلاً في تقديري لأنه عبر عن انحياز مكشوف لوجهة النظر الصهيونية ورأى مع شارون أن القوة سوف تخضع الفلسطينيين ولذلك تركهم لقوة الجيش الصهيوني وغادرـ، جاء إخراج الصيغة، أو الخروج من مأزق ميتشل –تينيت إلى مبادرة عريضة يقوم العرب بموجبها بالاعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، وهو أمر لافت للنظر ومطلب صهيوني مستمر، إذا انسحب لحدود ما قبل الرابع من حزيران 1967 وهي صيغة يقبل بها الكيان الصهيوني لأنها تهمل حق العودة، أي حق عودة أكثر من نصف الشعب الفلسطيني إلى وطنه، وهو موضوع القرار 194 لعام 1948 وإهمال هذا الحق أو جعله خارج معادلة الاتفاق المستعجلة يجعل هذا الحق عرضة للضياع، ومما يزيد في خطورة هذا الاحتمال أن اتفاق أوسلو أغفل الإشارة إلى أي حق من حقوق الفلسطينيين الذين شردوا عام 1948 وحقوق بعض من شردوا عام 1967 وبهذا المعنى فإن اعترافاً وتطبيعاً ينشدهما الكيان الصهيوني سوف يتحققان من دون أن يتحقق طرف المعادلة الآخر الأهم وهو عودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه، وتلك العودة يراها الكيان الصهيوني الخطر الأشد على ما يسميه أمنه الدائم. وتأتي "المبادرة" لتحقق له: الاعتراف والتطبيع والأمن الدائم، وربما تضيف حسب ما أشار إليه الملك عبد الله الثاني بعد زيارته المشار إليها إلى واشنطن التزام العرب جميعاً بضمان أمن "إسرائيل"، وهذه الخطوة الاجهاضية تذكر بخطوة عام 1981 التي أقر فيها العرب في قمة فاس 1982 خيار السلام الاستراتيجي الذي جردهم عملياً من كل استعداد لامتلاك قوة واختيار المقاومة والتوجه نحو التحرير.
وقد تم توضيح مرجعيات " المبادرة " السعودية بعد زيارة الرئيس بشار الأسد لجدة الأربعاء 6/3/2002 حيث أشير إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومنها القرار 194 الأمر الذي جعل الرئيس الأسد يؤيد "المبادرة " ولكن ذلك بحد ذاته فتح النار عليها بعد التوضيح من بعض الجهات الصهيونية وسعى ملياردير يهودي ليحولها إلى لقاءات ثنائية واعتراف ثنائي بين المسؤولين السعوديين والصهاينة الأمر الذي رفضته السعودية وسترفضه بتقديري. ومصير هذه الأفكار التي تعكف الجهات السعودية المعنية على تقديمها في صيغة مكتوبة إلى الولايات المتحدة الأميركية ومن ثم للقمة العربية سوف يتحدد في قمة بيروت نهاية آذار /مارس الجاري. ولكن أياً كان الأمر فإن كل تطبيع واعتراف بالكيان الصهيوني يخل خللا مستقبلياً كبيراً بأمن المنطقة مستقبلاً فلا يمكن أن يقوم فيها سلام شامل ودائم وعادل مع بقاء سيادة صهيونية في فلسطين وشعب فلسطيني خارج أرضه ومشروع عنصري صهيوني هو مشروع نقيض لأي مشروع نهضوي عربي، فالصراع في جوهره صراع وجود وأي حرف لـه عن حقيقته تلك ستجعلنا ندفع ثمناً أكبر ونخسر أكثر ونبقى قيد الفخ الصهيوني ـ الأميركي لعقود أطول.
3- التفكير في كيفية الخروج من القبضة الأميركية التي تستمر في الضغط على من هم في داخلها لكي يهرولوا أكثر على طريق خدمة المصالح الأميركية وتأمين تلك المصالح التي يأتي الكيان الصهيوني على رأسها.
ومن البدهي أن تأمين شروط وظروف ومقومات الخروج من القبضة الأميركية ليس سهلاً في ظل معطيات الواقع العربي وتناقضاته، وفي ظل غياب بدائل سند دولي ملائم حتى في الاتحاد الأوربي وسواه من القوى التي لا تستطيع أن تخرج عن الاستراتيجية الأميركية إن لم تكن داعمة لها وعاملة في هوامشها على نحو ما، ولكن هذا الواقع المأساوي الضاغط يجب ألا يمنعنا من البحث عن مخارج وألا يفقدنا الأمل لأن البدائل المعروضة غير مقبولة على الإطلاق ولا تحقق أمناً أو استقلالاً أو كرامة لنا فضلاً عن أنها تبقي طريق التنازل والخنوع مفتوحة إلى أعماق أرضنا وأبعاد مصالحنا ومقومات شخصيتنا وثقافتنا وحضارتنا، وتبقي شخصيتنا وإرادتنا قيد التآكل.
إن المطلوب هو موقف عربي متماسك على رؤية قومية سليمة لا تؤدي إلى التفريط بالحق ولا إلى الترامي على أعتاب العدو وحليفه الأميركي وتضع القضية في نصابها وموقعها القوميين... ولا يكون ذلك بالهرب إلى الأمام شأن أولئك الذين يعطون ظهرهم للأمة وقضاياها ويهددون بالانسحاب من الجامعة العربية كرد على سلبيات عربية أو مواقف لا ترضيهم، كما لا يكون ذلك بالاستجابة الإيجابية لكل ما تمليه الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية من آراء ومقترحات وحلول على عرب من العرب ومسلمين من المسلمين ثم يعمم الإملاء على العرب والمسلمين جميعاً.
فهل نستطيع أن ندعم دماً مقاتلاً يدفع الموت عن نفسه، وكرامة تسترخص حياة الذل لتحافظ على معنى الحق ومعنى الكرامة في الحياة، وأن نوجد طرقاً للقوة منها العلم والعمل به والإيمان والعمل به حيث تصبح الشهادة النوعية وورش الحدادين وحجارة الأطفال وزنابق الدم الطهور مقدمة لأعظم إبداع للسلاح ولأعظم سلاح للحرية نشهره بوجه الصهيونية النازية والوحشية الأميركية المؤيدة لها.؟!
إنه سؤال ملقى على العرب والمؤمنين بالله والشعب والحق والوطن والحرية في أرض الله الواسعة ومنها أرض العرب.
|