|
ـ وإن غداً لناظره....
يقولون إن المجرم شارون تراجع عن شرط "الأيام السبعة" من الهدوء التام وعن شرط ما سمي "وقف إطلاق النار" ليبدأ المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، ولا أرى ذلك كذلك لأن قلب الشر شارون قلب المعادلة التي كان طرحها على كولن باول معادلة الأيام السبعة وهو لا يريدها أن تتحقق أصلاً لأنه كان يمارس العدوان بقصد تصعيد الرد، وهي معادلة مثلها مثل قول إسحاق شامير بعد مؤتمر مدريد: مفاوضات تمتد عشر سنوات وأكثر ولا تسفر عن شيء. وما قام به شارون عملياً هو تصعيد دموي للعدوان ليصل إلى حرب شاملة على المخيمات والمدن والشعب الفلسطيني كله حيث يدمر ما يدمر ويقتل من يقتل ويعتقل من يعتقل ويعيد احتلال الضفة والقطاع بعد أن ينهي البنية التحتية للسلطة والمقاومة معاً وبذلك يصل إلى "وقف إطلاق نار" نهائي بما ينشده من قضاء نهائي على الانتفاضة والمقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني كله، بعد أن قيدت الإدارة الأميركية إرادة الشعب العربي كله ومنعته من خلال سلطاته من الحضور في المواجهة. وبعد أن يصل إلى هذه النتيجة سوف يقوم بالتفاوض مع من يضربهم كما قال حيث يصل –إن هو استطاع- إلى محاورين طيبين، وخير الفلسطينيين الطيبين هم الفلسطينيون الميتون، وفق التعبير الصهيوني الشائع.
فتوجه شارون وخياره هو فرض استسلام بالاحتلال ينهي المقاومة إلى المدى الذي يتوقعه، ومن ثم فرض شروطه على الرئيس عرفات الذي سمح لـه بالتنقل داخل قفص أوسع من القفص الذي كان يحتجزه فيه.
هل نكتفي بالقول: إن هذه وقاحة غير مقبولة، أو بلعن الزمن الذي جعل إرهابياً مجرماً مثل شارون وأمثاله ينفذون بأهلنا ما يريدون.. من دون أن نتحرك لنقلب المعادلة التي يضعها؟! أو نخفف من ضريبة الدم التي ندفعها؟!
ويقولون إنهم لا يعرفون السبب الذي من أجله أرجأ أنطوني زيني قدومه المقرر يومين اثنين، وإذا تذكرنا أنه تم خلال اليومين المشار إليهما اجتياح رام الله ومخيم الأمعري وهدم منزل الشهيدة وفاء إدريس فيه ومهاجمة مواقع في غزة وقراها ومخيماتها واستشهاد أكثر من ثلاثين شهيداً في يوم واحد: الثلاثاء/ الأربعاء 12-13/آذار/2002 إضافة إلى الشهداء الخمسين الذين قضوا في الهجوم على المخيمات في اليوم السابق عليهما واعتقال مئات الفلسطينيين أدركنا أن التأخر كان مدروساً ولتحقيق أغراض.
إن التأخير نوع من تمديد مهلة القتل والإبادة الممنوحة لشارون لكي ينفذ ما يشاء قبل أن يستجيب لما هو اتفاق بينه وبين الإدارة الأميركية، قبل إرسال زيني وفيما يتصل بمهمة زيني.
ويقولون إن "المبادرة" السعودية التي أحرجت شارون بمباركة العرب لها وتجمعهم تحت لوائها ووعدهم بنصرها في قمة بيروت ستؤدي إلى وقف القتل والتدمير الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، ونقول إنها فرصة أخرى يستفيد منها العدو وحليفه الأميركي لكي يستنزفا من دمنا ما يشاؤون ولكي يحصلا على تنازلات بحجم ذلك الدم.
إن الذين يراهنون على شارون أو على سواه من زعامات الحركة الصهيونية، ويتفاءلون بتغييرات في توجهات إدارة بوش نحو معالجة منصفة لموضوع الصراع العربي- الصهيوني يغرقون ويغرقوننا معهم في الوهم ويستمرون في السير بنا وراء السراب الخداع في صحراء غريبة أكثر خداعاً.
فالأميركي أنطوني زيني، الذي سيعمل على أن يعيد المنطقة إلى "تنيت وميتشل"، وهما أبأس ما في محطات أوسلو البائسة التي أوصلتنا هي ورفيقاتها إلى هذا الدرك الأسفل من التخاذل والتنازل، يسبقه إلى المنطقة أميركي آخر أعلى مرتبة وأشد حقداً على العرب والمسلمين هو "ديك تشيني" نائب الرئيس الأميركي الذي يعمل على حشد التأييد العربي لضرب العراق فيما سمي المرحلة الثانية من "حرب الولايات المتحدة الأميركية على الإرهاب"، وكأن ضرب العراق يستهدف "إرهاباً" أو يستهدف حاكماً أو يستهدف نظاماً... ولا يستهدف الشعب الذي عاش المحن وذاق الأمرِّين من العدوان الأميركي –البريطاني ومن الحصار، ومن الموت والدمار اللذين حصدا أكثر من مليون ونصف المليون عراقي بين طفل وامرأة وشيخ، ودمر ما بناه العراق خلال عقود من الزمن وأعاد العراق سنوات وسنوات إلى الوراء.
إن حملة بوش الثانية لا تستهدف العراق حصراً وإن أرادت أن تبدأ به.. إنها تستهدف المنطقة وقضية فلسطين والمقاومة والأقطار العربية التي تدعم المقاومة والانتفاضة وترفض الانصياع للإرادة الأميركية –الصهيونية، ولن يتوقف العدوان عند حد لأنه سيشمل من تخطط الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" لضربهم وهم مشمولون بالتوعد الأميركي باستخدام القنابل النووية ضدهم بحجة أنهم يملكون أسلحة كيماوية أو سواها مما يسمى أسلحة التدمير الشامل، وفي القائمة: سورية وإيران ومن يمدهما بتأييد من أي نوع كما يشمل منظمات وأحزاباً تؤمن بحقها في الدفاع عن نفسها وفي مقاومة العنصرية الصهيونية واحتلالها واستعمارها القذر للشعوب.
إن تشيني يمهد لحرب هيمنة شاملة على المنطقة ودولها تشنها الإدارة الأميركية بالتعاون مع حليفها الأول: "إسرائيل" وتابعها الأول: بريطانيا بلير وتاتشر من قبل وقد لا يعود خاوي الوفاض من وعود يمليها الخوف أو يمليها النفاق.
وإذا كان رأس الشر ومركزه في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وبعض البؤر المتعصبة في أوربا لا يرتاح إلا بعد القضاء على كل نَفَس مقاوم أو ممانع في بلاد العرب والمسلمين، وبعد إخضاع المنطقة كلياً وتفكيك بلاد الإسلام والدين والهوية والإسلام ذاته إن هو استطاع... فإن ذريعة مقاومة الإرهاب هي القناع الذي يحاول أن يستر الوجه البشع والحقد الدفين لصليبية جديدة تستهدف الاقتصاد كما تستهدف الثقافة والعقيدة والشخصية المتمايزة للأمة وتستهدف المسلمين والمسيحية المشرقية التي تمحض إخلاصاً لوطنها ولأمتها وبيئتها الحضارية، وهي حرب يشنها من يستخدمون الدين غطاء لعنصريتهم وماديتهم ووحشيتهم الإمبريالية والدين منهم براء فلا المسيحية ترضى بشن حرب على الإسلام أو على ثقافات الشعوب ولا الإسلام يقبل بشن حرب على المسيحية أو على ثقافات الشعوب.. إنهم أبناء الأفاعي والصيارفة الذين طردهم المسيح من الهيكل ومازالوا يعبدون الذهب والفضة والدولار ويتقنعون بأقنعة الرب وبقيم أخلاقية يفسدون بتشويهها وتوظيفها لخدمة حقدهم وإمبرياليتهم كل القيم والعقائد والأخلاق.
اليوم نحن أمام حقائق الدمار والموت والعدوان والشره للدم والسيطرة ونهب ما تبقى من ثروات الآخرين والقضاء على ما تبقى من هوياتهم وخصوصياتهم وحضارتهم، وأمام هدم للحضارة يتم اليوم باسم الدفاع عن "الحضارة"؟! إننا أمام جيش من المزيفين للحقائق ولوجه الله وقيم الإنسان في أرض البشر، فما الذي نستطيع أن نقبله أو نرفضه أمام قوة تريد أن تحتكر القوة وتستخدمها استخداماً تعسفياً قهرياً، وأمام إرهاب يلاحق الآخرين باسم مقاومة الإرهاب، وأمام دول تملك ترسانات أسلحة التدمير الشامل التي تهدد الأرض ومن عليها وتلاحق الآخرين بذريعة امتلاكهم "لأسلحة دمار شامل" تهدد الآخرين وتهددهم هم؟!
إننا أمام وقاحة بلغت مداها، وأمام سخف ما بعد درجته الدنيا درجة للسخف، وأمام استخفاف بالعقول والوعي والمنطق وبحقوق الآخرين وحيواتهم ومصالحهم يستدعي منا أن نسأل: ما الذي يبقى لنا في عالم نعيش فيه حياة كلها زيف وتزييف وخداع وعدوانية دموية وعنصرية تريد أن تبتلع الآخرين وتخضعهم لمنطقها!!
من المؤلم أننا لا نملك قوة ندفع بها عن أنفسنا عدوان القوة وسطوة إرهابها، ولكن المؤلم بشكل أكثر وأعمق وأكبر أن يتقدم بعضنا الصفوف ليبيعنا للقوة الغاشمة بحجة حمايتنا منها، وليقدمنا باسم الحكمة والمسؤولية ضحابا وسبايا للأعداء!!
هل فقدنا الأمل فعلاً بجدوى أية مقاومة أو أي استخدام لما نملكه من إمكانيات وقوى ضد من يهددنا صباح مساء ويفتك بنا في كل دقيقة من الوقت؟! هل فقدنا الأمل بفعل يشكل حداً أدنى من التهديد لمصالح من يريد أن يقتلنا ويستنزف ثرواتنا ويقضي على إرادتنا ومصالحنا وعقائدنا معاً؟!
هل سلمنا بأن شارون وما يملك من قوة يستعصي على أية قوة يشكلها العرب ولو للضغط عليه وعلى حلفائه وعلى قوى الشر التي يقودها ويمثلها؟!
هل أيقنا –أم يراد لنا أن نوقن- بأن أية مقاومة هي نوع من العبث أو الانتحار، وأن أية انتفاضة مصيرها إلى تسليم بأمر قوه الاحتلال، وأن أمة العرب صوت في بريّة لا يقدم ولا يؤخر لا في الحياة ولا في المواجهات ؟!.
أكفر بذلك كفراً ما بعده كفر، وأومن بانتفاضة شعبي وبجدوى مقاومته وبأن زنابق الدم المقاوم وأبطال المقاومة وعديد شباب الانتفاضة وعناصرها ألحقت بالعدو الصهيوني هزيمة في الأعماق استفزته ليقتل دفاعاً عن السيف ونبذاً للخوف فيما السيف يثلم بيده والخوف يعشش في قلبه وعناصره المحتلة المعتدية العنصرية تحتشد لتغادر وتحشد لتقتل حتى يحين موعد المغادرة.
لا أقول إن العدو انهزم ولكنني أقول إن إرادتنا منتصرة وإننا قادرون بالتضحية والمقاومة والجهاد والصبر واستنفار طاقة الأمة على هزيمته. لا أقول إن الانتفاضة انتصرت وحررت الأرض وحققت حسماً مشرفاً للصراع العربي- الصهيوني لمصلحة الأمة العربية واستعادت القدس، ولكنني أقول إنها شقت طريقاً إلى ذلك كله، وإنها رفعت البديل المجدي لخيار الحل السلمي الذي رفعته قمة فاس قبل سنوات ولم يقدنا إلى أي سلام مشرف بل إلى صنوف من الاستسلام، لأن العدو الذي نقابله وينبغي أن نقاتله لا يفهم من السلام إلا فرض مراحل استسلام على العرب يخرجونها في ثوب سلام يزركشه ويزينه الذين يبيعون عرباً في أسواق السياسة لقاء مساعدات تفتك بهم كما تفتك بأمتهم.
إنني أومن بنصر للأمة على المحتل وعلى العدو الذي يعلن عداءه لوجودها وهويتها وعقيدتها وحضارتها.. ولكن هذا النصر لا بد من أن يبدأ بانتصار على الذات المتآكلة المتواكلة وعلى من يقتل الأمة والأمل في أجيالها بالولاء للعدو الصهيوني المحتل وحليفه الأميركي.
وإن غداً لناظره لقريب.
|