|
ـ قمة بيروت
حين أكتب هذا الكلام تكون القمة العربية على أبواب افتتاح دورتها العادية في بيروت وحين تقرأ هذا الكلام عزيزي القارئ تكون القمة قد أنهت أعمالها، وقد يبدو هذا من المفارقات التي تدعو إلى إلقاء أسئلة حول الجدوى من مثل هذا القول أصلاً، ولكن قمماً عربية كثيرة، منذ قمة أنشاص عام 1946 وحتى اليوم ما زالت تطرح سؤال قضية فلسطين ولا تصل إلى حلول شافية لها، بَلْهَ قرارات عربية تستقطب رأي القادة وإرادتهم وترضي الشعب العربي وتعبر عن تطلعاته، ولا أظن قمة بيروت 27-29/آذار مارس 2002 ستخرج عن القاعدة لتصبح استثناء في هذا المجال، كما لا أظن أنها ستجترح المعجزات بشأن ما كان وما هو آت من شأن العرب فيما بينهم وشأنهم مع القضايا المصيرية والأمم والتحديات، ولذا فإن الكلام يبقى لـه ما يسوِّغه.
وما مقاربتي اليوم لموضوع القمة إلا ضرب من العزف النشاز على أوتار رخوة مضطربة أو مقطَّعة لا يمكن أن تقدم، قبل ربطها وشدها وضبطها، لحناً مقبولاً في الحدود الدنيا من القبول.
قمة بيروت ستقف عند أمور من أهمها ما سمي بـ "بمبادرة" الأمير عبد الله ولي عهد المملكة العربية السعودية والتهديد الذي يتعرض لـه العراق في سياق تهديد للأمة العربية واتهامها بالإرهاب وهو يقود لبحث علاقة العراق بالكويت والسعودية وما يتعلق بذلك الشأن من متون وهوامش.
ويأتي طرح "المبادرة" وشأنها وشجنها في مقدمة الأمور التي تستقطب الموقف السياسي العربي والدولي لأن النار التي تريد أن تطفئها ما زالت تلتهم الشارع الفلسطيني وتحرق الوجدان العربي.
وأخطر ما في هذه "المبادرة" أنها تأتي لتقدم بدائل للعجز العربي على حساب الحق العربي وصحوة الإرادة ومد المقاومة والانتفاضة، وأنها تلائم نفسها مع "قرارات دولية" أصبحت تعرف بمرجعية الشرعية الدولية في قضية فلسطين: 242 و 338 و425 ومبدأ الأرض مقابل السلام وهي مرجعية غدت محكومة بسقف أدنى بكثير جداً كرسته أوسلو وما نبت على جذعها من اتفاقيات تلك التي أصبحت آخر تطلعات أهلها تطبيق ميتشل وتينيت وإخراج الرئيس عرفات من حصار المجرم شارون لـه في رام الله!!
و"المبادرة" التي تحولت، بعد جهد سياسي عربي، من انسحاب صهيوني شامل حتى حدود الرابع من حزيران 1967 في مقابل تطبيع عربي شامل مع الكيان الصهيوني يتضمن الاعتراف طبعاً إلى انسحاب شامل مقابل سلام شامل وتأكيد حق العودة هي في جوهرها مطلب صهيوني بالاعتراف والتطبيع سرِّب أميركياً عبر جهات عربية نادت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر /أيلول/ 2001 بأن يعلن العرب متضامنين الاعتراف بحق "إسرائيل" بالبقاء وضمان أمنها بوصف ذلك مدخلاً لحل قضية "يتذرع بها الإرهاب" تمهيداً لتفرغ المتحالفين ضد "الإرهاب" بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لاستكمال برنامج حربهم/حربها/ ضد من تتهمهم بالإرهاب أو رعايته وفي نطاق تعريف أميركي –غربي- صهيوني للإرهاب بأنه في النتيجة: أية مقاومة من أي نوع لمد الهيمنة والعولمة الأميركيتين، ولاحتلال الكيان الصهيوني لفلسطين وممارساته ضد الشعب الفلسطيني والعرب الواقعين تحت الاحتلال ومن ينادون بتحرير أرضهم وعودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه تنفيذاً للقرار 194 وتحرير القدس.
وأخذ الإخراج لهذا المطلب الصهيوني الأميركي صيغة إخراج سياسية "بمبادرة" سعودية للحل؛ أتت بعد عمل سياسي لإنضاجها منذ زيارة الملك عبد الله الثاني إلى واشنطن أيلول/ سبتمبر 2001، وتركز العمل على إنجازها وتقديمها بعد أن فشل شارون في قمع الانتفاضة والمقاومة في مرحلة اختفاء زيني من المشهد السياسي ـ وهي المهلة والضوء الأميركي الأخضر لـه بالتحرك التدميري النازي الذي تابعناه خلال الأسابيع القليلة الماضية ـ ودخول اليمين الصهيوني في مأزق الخسائر البشرية والدموية النازية التي كشفته أمام العالم بوصفه نظاماً نازياً وحشياً؛ وبعد أن أصبح عجز الأنظمة العربية عن تقديم أي نوع من الدعم للشعب الفلسطيني الذي تجتاح قوى الاحتلال مخيماته ومدنه وقراه أجلى من أن يحجبه ستار وأقوى من أي تفسير لـه أو تعبير عنه.
أردت بهذا التقديم المطول أن أنفي عن "المبادرة" كونها عربية خالصة، وكونها قادرة على تقديم حل يرضي الجماهير العربية ويقدم بديلاً ملائماً للعجز الرسمي العربي حيال قضية فلسطين، وحقيقة أن " المبادرة" ستؤدي في حال نجاحها إلى وأد الانتفاضة، وإتاحة المجال أمام ملاحقة المقاومة بوصفها إرهاباً، وتفرغ الأميركيين إلى حشد تحالفهم وتوجيه ضربات إلى أنظمة وقوى وأقطار عربية بهدف إخضاعها، أو إخراجها من دائرة الصراع ابتداء من العراق.
إن تبني قمة بيروت "للمبادرة" لا يعني حلاً لقضية فلسطين يؤمن مصلحة عربية، بل يعني حلاً لمشكلات الكيان الصهيوني وفي مقدمتها الاعتراف به وتطبيع العلاقات معه وجعله وكيلاً أمنياً واقتصادياً في المنطقة لقوى لا تريد بها وبأهلها خيراً وفي مقدمتها الحركة الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية.
ولن تقنع القمة العربية الشعب العربي بإمكانية التعايش مع العدو الصهيوني، أو بإمكانية قيام سلام في المنطقة، لأن جوهر الصراع من جهة وطبيعة العدو الصهيوني ومشروعه الاستيطاني والحروب والتجارب السابقة معه ومع حماته وحلفائه من جهة ثانية، تشير إلى استحالة التعايش وحتمية تجدد الصراع الذي لن يحسمه إلا تحرير للأرض وانتصار مبين للأمة العربية.
قد تتباهى القمة العربية في بيروت باتفاقها على تبني "المبادرة" وقد تنجح في إدخال الوطن العربي في متاهة مفاوضات وأوهام جديدة لا يلبث أن ينغلق أمامها المدى، ولكنها لن تصل إلى القدس عاصمة عربية، وإعادة الفلسطينيين إلى وطنهم وفق القرار 194 لعام 1948، ولا لإقامة دولة فلسطينية بالمعنى الشامل والكامل والدقيق لدولة ذات سيادة مفتوحة الحدود على شقيقاتها العربيات ولها جيش واستقلال وسياسة وإرادة، لأن ذلك لا يرضي الكيان الصهيوني ولا يتلاءم مع الاتفاقيات الموقعة معه: كامب ديفيد و وادي عربة وأوسلو، ولا يقنع أحداً من العرب الذين وقعوا تلك الاتفاقيات ويتمسكون بها، بل يدافعون عنها، ولا الذين قبلوها على مضض، بأن يتراجعوا عن مواقفهم المؤيدة والداعمة لأنهم لن يغضبوا السيد الأميركي ولن يتراجعوا عن علاقات خفية مع الكيان الصهيوني الذي وصلت تجارته مع أقطار عربية إلى 128 مليون دولار خلال عام 2001 عام الانتفاضة والإرهاب الصهيوني –الشاروني المتصاعد والدم العربي المقاوِم؟!
ما يمكن أن أقتنع به وبعدالته وبضرورة استمراره وما أدعو إليه هو تجدد روح المقاومة والانتفاضة وشمولهما لتكونا عملاً عربياً ضد الاحتلال ونضالاً حتى التحرير، وحقيقة أن الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع وجود، وأن المبادرات نحوه لن تقدم إلا الخسران للأمة والغطرسة للعدو، وما أصدع بتأكيده وتجديد تأكيده هو رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، ورفض كل شكل من أشكال التطبيع معه، وشد الجماهير العربية إلى رفض حلول صهيونية –أميركية لقضية العرب الأولى على حساب الشعب والحق والتاريخ والجغرافية والكرامة في وطن العرب وأمة العرب.
أما الوقفة الثانية مع الموضوع الثاني من مواضيع قمة العرب في بيروت فهي مع موضوع العراق والمصالحة العربية –العربية والموقف العربي من التهديد الأميركي- البريطاني الذي هو مطلب صهيوني متجدد.
وما أظن أن القمة العربية خارجة من ذلك المأزق من دون تغيير جدي وجذري في الأمور الآتية:
1- قضية الولاء السياسي أو التبعية السياسية للغرب ولاسيما للولايات المتحدة الأميركية، واعتماد أنظمة عربية اعتماداً كلياً على حماية غربية للنظام، ولا أقوال على تعاون واسع النطاق مع الغرب اقتصادياً وصناعياً وعلمياً وتقنياً، فذلك مطلوب وهو مدفوع القيمة بأضعاف القيمة أحياناً، ولكن ما أعنيه تماماً هو التبعية الشاملة والولاء الأعمى.
2- تغيير في الخطاب السياسي يستند إلى تغيير حقيقي في الموقف السياسي لكل من: العراق والكويت والسعودية: كل تجاه الآخر، وتجاه القضايا العربية والإسلامية والدولية المشتركة.
- إن من حق الكويت أن تطمئن على مستقبلها وأن تأمن جوارها، وأن تمارس سيادتها.. وأن تكون حلقة في سلسلة أقطار أمتها، ولكن.. ليس من حقها أن تطلب رأس العراق من أجل أن يتحقق لها ذلك، ولا أن تكفر بأمتها وبانتمائها وتفخر بالأميركي وتحقِّر العربي على حد ما يعبر عنه بعض أصحاب الرأي هناك ولا أظنهم يرضون كويتيين كثيرين.
وعلى العرب أن يقدموا للكويت مضمون دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث: "انصر أخاك ظالماً أومظلوماً..." بالمعنى الدقيق والسليم لفهم ذلك الحديث ومرماه في الحالتين. وللسعودية وعليها مثل ما للكويت وعليها في هذا المجال وفوق ذلك درجة، والدرجة تتصل بكونها مركزاً عربياً وإسلامياً ذا مسؤولية عن الأمة وفيها وذا دور رئيس في جمع رأي الأمة والدفاع عن الحق والعدل والكرامة فيها.
-ومن حق العراق أن يأمن ويطمئن ويخرج من حالة الحرب ومن حالة الحصار وآلامه ونتائجه المدمرة التي كلفته حتى الآن ما يقرب من مليون ونصف مليون ضحية ومئتي مليار دولار خسائر الحصار فقط وليس خسائر الحرب ودمارها التي بلغت مئات المليارات، بصرف النظر عن المسؤولية إذ إننا نناقش النتائج ونواجهها، ومن حقه أن يطالب أخوته وجواره قبل أن يطالب العالم بأن يكونوا معه لوقف العدوان الأميركي – البريطاني المستمر عليه، ووضع حد للتهديد بالعدوان والحشد للعدوان ومحاولات التدمير المستمرة لمقومات الصمود والتقدم والوجود تلك التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية مع أقرب حلفائها وأشدهم عداء للأمتين العربية والإسلامية.
وعلى العراق أن يراجع الكثير مما يتصل بخطابه السياسي ومواقفه من الكويت تحديداً، ومن السعودية ودول مجلس التعاون بشكل عام، وأن يقدم لها ما يجعلها تطمئن إليه وتثق كلياً بعلاقات الأخوة وحسن الجوار ووحدة المصير، إلى أن يغير الله في العرب، ويغير العرب في نفوسهم ومواقفهم ما يجعلهم أمة واحدة وإرادة واحدة وقلباً واحداً.
-ويبقى من الأهمية بمكان: لينشأ مناخ ملائم للتغيير القطري والقومي، وليبدأ حوار على أرضية الثقة والاطمئنان والرغبة في الوصول إلى حلول عادلة على أرضية استشعار الخطر وإدراك شرور مخططات الأعداء وأدوارها فيما هم فيه من أحوال وأهوال، وأخطارها في الحاضر والمستقبل عليهم جميعاً، أن تقوم السياسة العربية بدور بناء ومخلص في مجمله فلا تلعب أقطار وسياسات في السر ما تنقضه أو تخفيه في العلن، ولا تكون سياسات وأقطار مطية أو ستاراً لدول أجنبية معادية أو ذات مصالح ويهمها أن يبقى العداء مستشرياً بين العرب وأن تضطرم ناره وتحرق ما تحرق.
والدور العربي البناء في هذا المجال خصوصاً وفي العلاقات العربية –العربية عموماً هو حجر الزاوية في بناء ثقة عربية وإرادة عربية خيرة وقيام مناخ ملائم للمصارحة والمصالحة.
ولا نستطيع أن نجد تفسيراً لاستمرار الكلام العربي الذي يعبر عن نوايا حسنة واستمرار تردي العلاقات العربية –العربية وضعف الموقف العربي عموماً وعدم التقدم في حل مشكلات أو تنفيذ قرارات عمرها عقود من الزمن.
إن تجنيب العراق مأساة جديدة، حتى لا نقول كارثة، يسببها عدوان أميركي- بريطاني يتم الإعداد لـه والتهديد به، مسؤولية ذات بعد عربي ودولي ولكنها مسؤولية قومية بالدرجة الأولى، ويقع شق منها على العراق ولكن الشق الأعظم يقع على من يملكون قدرة على درء العدوان وتحميل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها مسؤولية هذا الخطر وتبعاته إن وقع وجعلها تدرك أنها ستدفع ثمناً ملموساً لذلك. وإذا عرفنا أن ضرب العراق بعد أفغانستان والمخيمات الفلسطينية خطوة ثالثة في مسلسل العدوان الأميركي بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 تليها خطوات تستهدف بلداناً عربية وإسلامية سمّتها الإدارة الأميركية بالاسم وتنطوي على تهديد حتى باستخدام أسلحة نووية، وحتى على تحريض على استخدام تلك القنبلة لتدمير مكة المكرمة رمز الإسلام والرسالة السماوية والعالم الإسلامي والعروبة.. الخ أدركنا أبعاد الاستهداف وأخطاره ووحشيته من جهة ومسؤوليات الجميع في مواجهة العدوان وإحباط المسعى الصهيوني –الأميركي الشرير الذي يمهد لـه تشيني ويهدد به بوش الابن وتصرخ به أجهزة صهيونية وغربية، وتهيئ من أجله الرأي العام في مساحات واسعة من العالم من جهة أخرى.
إن القمة مسؤولية تاريخية، وقمة بيروت في مرتكزي: العمل والاهتمام حول فلسطين والعراق تكتسب أهمية قصوى في هذه الظروف، وقد اعتدنا على أن نسمع من القمة كلاماً يمسِّد فوق الجراح ولا يعالجها، وقرارات ترمي إلى امتصاص الغضب ولا تشفي القلب أو تدفع الأذى أو ترفع الضيم أو تعلي الهمة.
كما اعتدنا على أن تبقى تلك الأقوال الضعيفة والقرارات الأضعف، التي هي دون الحد الأدنى المطلوب جماهيرياً، من دون تنفيذ كلياً أو جزئياً.
فهل يحق لنا أن نتطلع إلى وضع أفضل بعد قمة عربية احتملت الكثير من الجذب والنبذ في مواضع عدة تخصها من الحضور إلى الغياب، ومن التغييب إلى الاستحضار؟!
إننا نستشعر الحاجة إلى ذلك والأمل فيه.
والله ولي التوفيق
|