|
ـ أيام فلسطينية
1
نترجَّح بين منطق العقل وثورة القلب وفورة الدم في هذه الأيام الفلسطينية المرة التي هزت القلوب والشوارع في وطن العرب ولم تهز أركان سفارات العدو الراسخة في بعض العواصم العربية.
وتلفّنا نيرانُ تلك الأيام الفلسطينية بأثواب من الفَخَار والعار: الفخار بالعمليات الاستشهادية والمقاومة والصمود البطوليين للشعب الفلسطيني، والعار من العجز العربي العتيد الذي يفرِّخ مقتاً وإحباطاً في كل ثانية من ثواني الوقت، ويملأ النفوس ثورة وغضباً يسيلان في الشوارع ويصبان في الصحراء.
نترجَّح هذه الأيام بين الجليد واللهب، بين موت التآكل الاجتماعي وبؤس التدبير السياسي وشدة التدمير المعادي من جهة، والاستشهاد المحيي للأمل والروح والإرادة من جهة أخرى، وما بين الجليد واللهب توجد منزلة بين المنزلتين قد تريح بشراً وينشدها كثيرون، ولكن كل منزلة لا توقف إراقة الدم البريء واشتعال النار في البيوت والدمار الذي يأتي على العمران وسيل العار الذي يغرق أرضنا.. كل منزلة لا تشفي قلباً ولا تريح ضميراً ولا ترد الصوت على من يصرخ من وراء ستار الموت والقهر؛ منادياً أهله وبني البشر من كل الأجناس أن يهبوا لنجدته، ويخرجوه من محنته.. أن ينقذوا طفله وبيته ومقدساته من القدَم الصهيونية الهمجية، كل منزلة من ذلك النوع ليست منزلة مقبولة عربياً وإسلامياً في هذه الأيام الفلسطينية المرة، التي جعلت جبين الإنسانية يندى خجلاً والشارع العربي يسيل عجزاً وصحوة وصخباً!؟.
ولا أدري كيف أتلمس طريقي إلى القول وأنا محاصر مثل شعبي في فلسطين باللهب والجليد.. بالدبابات وصرخات الاستنجاد التي يبتلعها محيط العجز العربي المتلاطم وتميتها المسوغات الممجوجة لصمت رسمي ينداح في مساحة الأرض العربية، هل أتدفق صخباً مع ضجيج قلبي وفورة دمي و" أحرق الشمس بنار دمي وحرارة قولي" بينما أنا أحبو في الأحافير بين ضفتي مذلة ومذلة، أم ألتمس الحكمة متدثراً بمسوحها مراوغاً بين الكلمة والرصاصة.. الحبر والدم.. الواقع والواجب؟!
لو أن الكلمة لم تكن سلاحاً ومسؤولية وشرفاً وموقفاً وانتماء لما توقفنا عند أسئلة تتصل باستخدامها وبالقيم التي يستند إليها ذلك الاستخدام والصفات والمواصفات التي لكلمة من ذاك النوع ونحن ندلق الكلام في الآذان وعلى الورق، ولكان القول نوعاً من الهذر أو الهزل لا يكلف صاحبه عبء الوقوف أمام سؤال الضمير وسؤال الناس وحقائق الحياة والوقائع، ولكن الكلمة سلاح ومسؤولية وموقف وشرف وانتماء يُسأل صاحبها عنها وعن أدائها حياً ويلاحق بالسؤال ميتاً.
في هذه الأيام الفلسطينية، أيام الملاحقة النازية الجديدة لشعب أعزل تقام لـه معسكرات الاعتقال على غرار أوشفيتز في رام الله والمخيمات الفلسطينية المنتشرة في فلسطين، التي أصبحت مع المدن والقرى، معتقلات صهيونية شاسعة تفوق المعسكرات النازية في وحشية ما يجري فيها تحت سمع " العالم الحر " وبصره الحسير وقوته الظالمة العمياء؛ في هذه الأيام لا بد أن نفكر فيما ينقذ الإنسان من الوحش الصهيوني وما ينقذ القيم والحضارة من إرهاب رعاة البقر والعنصريين الصهاينة، وما يوقف قوة إرهابية همجية تنطلق من مركز الشر العالمي: الصهيونية مدعَّمة ومباركة من أكبر قوة شريرة في العالم: الولايات المتحدة الأميركية، ما يوقفها عند حدود احترام القوانين والأعراف الدولية وحقوق البشر في أثناء الحرب وتحت الاحتلال واحترام الاتفاقية المرعية في المنظمات الدولية المعترف بشرعيتها، حتى لا نقول عند حدود احترام حرية شعب عانى الأمرين واحترام حياة أفراده وأطفاله وحقه في العيش بأمان واطمئنان وممارسة سيادته التامة فوق تراب وطنه التاريخي، واحترام مقومات هويته وحضارته وعقيدته ومقدساته، إذ يبدو أن تلك المطالب غدت في هذه الأيام المرة وفي الزمن المتوحش، زمن: شارون ـ بوش، نوعاً من الترف البشري لا تسمح به الصهيونية العنصرية وحليفها الأميركي المتورم بسرطاني: العظمة والإرهاب!!.
منطق الوقائع البشرية الذي كرسته التجارب يقول: إن القوة تردع القوة ولا يكفي أن يكون الحق معك لكي تكون قادراً على وضع حد لتعسف القوة وحماية حقك، وأنه لا بد للحق مهما يكن ناصعاً من قوة تحميه وتمليه وتنصره وترفعه فوق حدود التعسف وتمنعه من التعرض للانتهاك والمحو، ولا بد من توافر مقومات القوة: مادية ومعنوية، والتبصر بطرق استخدامها وتوقيت اللجوء إليها وبما تمليه الظروف والمعطيات والعوامل المعقدة التي تدخل في الحسابات الاستراتيجية المركبة والدقيقة التي يقتضيها استخدام القوة. ولكن أحداً على مر التاريخ لم يقل بإلغاء خيار القوة والإبقاء على خيار وحيد هو خيار " السلام" عندما يتعرض لعدوان واحتلال، أو لتهديد وقهر قوة من أي نوع، وإلغاء الخيارات في هذا الشأن من شؤون الحياة أو تهميشها أمر بالغ الخطورة يفتح الباب واسعاً أمام الخلل وأنواع العلل في العلاقات الدولية والاجتماعية، لا سيما عندما يغيب التوازن الدولي، وتضمر القيم الروحية والإنسانية، وتصبح قوة ما مسيطرة على الشأن العالمي وترفع مصالحها ومصالح حلفائها فوق حياة الناس كافة ومصالحهم وحضارتهم وعقائدهم، كما هو الوضع الآن في عصر سيادة القوة الأميركية العمياء التي تحركها عنصرية صهيونية نازية يضج تاريخها بالحقد على الآخرين والكراهية لهم.. نعم قد ينتصر الدم على السيف، وهو انتصار إرادة لنفسها ولحقها أولاً وتسلحها بتضحية وشهادة في الوقت ذاته، ولكن ذلك يكون بامتلاك السيف واستخدامه بإيمان وعدل وحكمة ووعي ومسؤولية وضمير.
ونحن العرب منذ اختارت قمة فاس " الحل السلمي " اختياراً استراتيجياً وحلاً وحيداً لقضية فلسطين وألغت الخيارات الأخرى، حاصرتنا على نحو ما وأوصلتنا إلى حالتي: الحصار والعجز اللتين نعاني منهما اليوم، وفتحت علينا باب الفرقة والتنازل واقتناص الحلول المنفردة تفعيلاً "للسيادة القطرية" البهية، إلى إن وصلنا إلى إدمان الذل وتفسير الاستسلام وتسويغه وتسويقه. وهاهي قمة بيروت العربية: / 27ـ 28 آذار مارس 2002 / بإعلانها العتيد، الذي تبنى المبادرة المعروفة الموصوفة، تعلن عن استعدادها لاعتبار " النزاع" ـ ولم تقل الصراع ـ العربي الصهيوني منتهياً، وللاعتراف بالعدو الصهيوني دولة في المنطقة تتمتع بالآمن والاستقرار، ولإقامة علاقات طبيعية معه ـ وتجنبت استخدام كلمة تطبيع لما أصبح للكلمة من رصيد في الشارع العربي ـ إذا انسحب الكيان الصهيوني من الأرض العربية المحتلة حتى حدود الرابع من حزيران 1967 واعترف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. والقمة بهذا "الفتح" الذي رفضه العدو وتلقاه باجتياح رام الله وبقية مدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها، وغزة على الطريق، أتمت الخطو على الطريق التي بدأتها في قمة فاس، حيث أدى الاختيار الوحيد إلى طريق وحيدة هي طريق التنازل والاستسلام اللذين يقود إليهما الضعف والتمزق وفقدان القوة التي تحمي الحق وتجعل لأي موقف مصداقية.
ومعنى اعتبار "النزاع" العربي الصهيوني منتهياً من دون حسم قضية الشعب الفلسطيني المشتت في العالم وضمان عودته إلى وطنه، معناه القبول بأوسلو والتنازل التام عن قضية فلسطين التي كان بسببها وفي مرحلة من مراحل النضال من أجلها احتلال الأراضي العربية عام 1967
لقد أثبتت الأيام الفلسطينية الحالية التي يغرق العرب في مرارتها وأخطارها أن الاختيار الوحيد اختيار غير حكيم ولا سليم، وأن نتائج ذلك الاختيار هي الوقوف أمام الجدار والبندقية المعادية في الظهر، كما أثبتت أن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة الأميركية وسيطاً وحيداً في حل قضية فلسطين هو خطأ جسيم زاد من خطورته أنه أصبح الاختيار الوحيد المطروح على أهل الحل السلمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية ونتائجها.
إن الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 قررت إنهاء الصراع في المنطقة لمصلحة الكيان الصهيوني بكل الوسائل، ومنها بل وعلى رأسها القوة، لتنهي قضية فلسطين، وفوضت مجرم الحرب شارون بتنفيذ المرحلة الثانية مما تسميه حربها ضد الإرهاب، معتبرة كل مقاومة للاحتلال الصهيوني إرهاباً ومن يساند تلك المقاومة راعياً للإرهاب. وهي تتهم كل مقاوم بأنه إرهابي قاتل وتسمي منظمات ودولاً بعينها في المنطقة وتطلب منها أن تلاحق المقاومة بوصفها إرهاباً، وقد وجه الرئيس بوش في خطابه تهديداً مبطناً وصريحاً لكل من العراق وإيران وسورية التي يريد منها أن تلاحق حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي!؟
ويرتفع صوت " مفتي ديار الإسلام" الجديد العتيد جورج. W. بوش بالقول : " إن الذين يفجرون أنفسهم في عمليات ضد إسرائيل ليسو شهداء بل قتلة، فتلك عمليات إرهابية وليست استشهادية .. والذين يقومون بها قتلة.. قتلة " على حد قوله في خطابه/ مساء الخميس، 04 نيسان، 2002/ وجورج بوش الذي حمَّل عرفات مسؤولية الأحداث الأخيرة كلها ومسؤولية الاجتياح الصهيوني للضفة الغربية وما يقوم به شارون فيها، وسماه : "مسؤولاً عن الإرهاب وخائناً لشعبه ولقضية شعبه"، لأنه لم يقم أو لم يستطع أن يقوم بملاحقة المقاومة والانتفاضة الفلسطينيتين والقضاء عليهما، أي لم يقم بالحرب الأهلية الفلسطينية التي طُلب منه صراحة أن يقوم بها بدعم كلي من الكيان الصهيوني والغرب.
وإذا كان الأمر قد وصل إلى هذا الحد من التهديد والوعيد، ومن تنفيذ التهديد والوعيد، فالسؤال المطروح هو : ما العمل في ظل فقدان مقومات القوة للدفاع عن النفس والشعب والأرض في ظل الاختلال الحاصل في الموازين والقوة الوحيدة المهيمنة على قرار الأمم؟! هل شن حرب عربية أمر ممكن.. ومن هو القادر على ذلك والمستعد لـه، وهي حرب مواجهة واضحة مع العدو الصهيوني وحليفه الأميركي، ولا تستطيع أوربا إلا أن تلعب في الهامش الذي تحدده لها الولايات المتحدة الأميركية القابض الأول على قرار حلف شمال الأطلسي!؟ وإذا كانت الحرب الساخنة لرد حمم النار ووقع الدمار على الشعب الفلسطيني المحاصر غير ممكنة عربياً لأسباب رسمية لا يدركها إلا أولو الأمر من العرب فإن الأمة على الصعيد الشعبي لن تعدم الوسائل ولن يتوقف إبداع أبنائها عند حدود في إيجاد السبل والأدوات التي من شأنها أن تخفف الضغط وتردع العدو ولو نسبياً. ولكن حتى تلك الوسائل والأفعال الشعبية تحتاج إلى قرار رسمي عربي على الصعيد القطري قبل القومي ليتمكن فرد من أن يقتحم أرضاً محتلة وموقعاً محاصراً، وأن يجترح فعلاً مؤثراً في العدو.
وهذا يستدعي أن يكون هناك توجه سياسي وإرادة سياسية عربية : قطرية أو قومية أو ضمن محور عربي، يفتح باب الخيارات الأخرى انطلاقاً من حقيقة أن الصراع صراع وجود وليس نزاعاً على حدود وأن خيار التحرير مطروح ولو بعد عقود من الزمن، ولكن العمل من أجله وعلى طريقه يبدأ من مساندة الانتفاضة والمقاومة بسلاح ورغيف وساعد مقاوم ودم طهور يتدفق من شريان عربي إلى آخر مشكلاً قاعدة العمل القومي العضوية في المسؤولية والنضال والشراكة في السراء والضراء، بعيداً عن الحسابات القطرية الضيقة والنظرة البائسة التي كرستها الأنظمة لمعاني السيادة القطرية والمصلحة القطرية والاكتفاء القطري والحق في اختيار التبعية لهذا الاستعمار أو ذاك .. هذا العدو أو ذاك، ما دام يحمي حاكماً ونظاماً من شعبه ويبقي الشعب إرادة معطلة.
ويبدو بوضوح أن توجه التحرير ليس قراراً عربياً حتى الآن، ونحن ندعو لأن يكون كذلك، وإلى أن تتجلى الإرادة الشعبية في الرؤية السياسية والإرادة السياسية نقول بالعمل شعبياً وبكل الوسائل والأدوات الممكنة على:
1 ـ تفعيل المقاطعة العربية للعدو الصهيوني بكل مراحل المقاطعة العربية للكيان الصهيوني، وتوجيه الجهد الثقافي والإعلامي والشعبي ليكون ذلك إرادة رسمية قطرية تنفيذاً لقرار عربي في هذا المجال.
2 ـ متابعة العمل الدؤوب لطرد سفراء العدو الصهيوني وممثليه وملحقياته من البلدان العربية التي تعترف به أو تقيم معه علاقات من أي نوع، وعدم الاكتفاء بتضييق دائرة الاتصال معه وتحديدها في قنوات دبلوماسية يُزْعَم أنها تخدم قضية فلسطين وشأن المحاصرين بقوات شارون؟!
3 ـ مقاطعة البضائع الأميركية والضغط من أجل سحب الأرصدة والاستثمارات العربية: الرسمية وغير الرسمية من الولايات المتحدة الأميركية. وتقديم حقائق أن ذلك البلد صادر ويصادر دائماً الأموال الرسمية وغير الرسمية المودعة في مصارفه في أي وقت يشاء من دون رادع ولأسباب سياسية. والدعوة إلى عودة رؤوس الأموال العربية والخبرات العربية إلى وطنها مع إيجاد المؤسسات والقوانين وشروط الحياة والعمل وظروف الأمن والاطمئنان لكل صاحب رأس مال أو كفاءة لكي يعمل ويستثمر في وطنه إذا رغب في ذلك.
4 ـ العمل على إغلاق القواعد الأميركية والبريطانية الموجودة في بلدان عربية على أرضية تمتين الثقة بين الحكام والأنظمة العربية وتعزيز الدفاع العربي المشترك والسوق العربية المشتركة.
5 ـ التلويح باستخدام سلاح النفط أو تفعيل استخدامه سياسياً لتحقيق أهداف وحماية مصالح قومية عليا.
6 ـ الاستمرار في دعم الانتفاضة والمقاومة ضد العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة وفي كل المواقع الممكنة انطلاقاً من تأكيد اختيار التحرير، وإبقاء القضية حية على الأرض وفي الوجدان، وأهداف الشهداء مرفوعة عالياً.
إن الشعب هو مخزن الوجدان والقوة والتضحية ورصيد المقاومة والتحرير والبذل وهو مصدر السلطات ومصدر القرارات الحاسمة فيما يتعلق بمصير الأوطان وكرامة الأمم وهوياتها واختياراتها الكبرى وقضاياها المصيرية، فلنجعل شعبنا العربي حاضراً بنضال واع ومسؤول ومستمر في كل الميادين وعلى رأسها ميدان الكلمة التي ينبغي أن تهدي وتنير الطرق وتثبت القيم والحقوق وتنصر الإرادات الخيرة وتدافع عن الأمة بوجه الإرهاب والعنصرية والعدوان والنازية الجديدة، التي يمثلها ويجسدها في هذه الأيام الفلسطينية المرة : الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية، التي تشترك معه في كل جرائمه وإرهابه ودمويته.
فلنعمل أيها العرب على أن يكون الاختيار الشعبي والرسمي لأمتنا هو تحرير فلسطين كل فلسطين وضرب مصالح الاستعمار في وطن العرب، والنصر لنا إذا كنا مع أنفسنا ومع أمتنا وأهدافنا نهتدي بعقيدتنا وحضارتنا اللتين يريد أن يشوههما الإرهاب الأميركي الصهيوني أمام العالم كله.
2
مجد الأيام الفلسطينية:
يوم الخميس 11 نيسان، 2002 خلِّد الشارع العربي مجد البطولة في موقف شعبي عربي عام .. مجَّد الشعب الفلسطيني الذي تجلى بطلاً في صمود مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس .. مجَّد الشهداء والمجاهدين والمقاومة العظيمة في كل المواقع والمواقف التي قدمت أروع نماذج التضحية وأفضل صور الرد على الصهيونية النازية في اجتياحها الأخير للضفة الغربية، على الرغم من الاختلال الكبير في موازين القوى لمصلحة العدو.. وهو خلل يشمل السلاح وأدوات المواجهة كما يشمل الدعم والإسناد المادي والمعنوي.
كانت الإرادة الحية تواجه السلاح الأميركي المتطور المحمول على أبشع عقيدة عنصرية في التاريخ، وكان الدم النبيل المتوثب في العروق يقاتل الحقد العنصري القذر المتمترس وراء جدر من حديد ونار، وكانت الحضارة الحقة تقاتل الزيف والادعاء والإرهاب والخداع بكل صوره العصرية.. كان المخيم يقاتل تل أبيب وواشنطن.
لقد سقط مخيم جنين.. سقط لنفاد الذخيرة وليس لنفاد العزيمة أو لضعف إرادة القتال أو لنضوب ينابيع التضحية التي انداحت في سهول فلسطين وهضابها وجبالها ومدنها أرواحاً تبحث عن شهادة.. سقط المخيم لأن المقاومين كانوا معزولين عن كل نوع من أنواع المدد في ليل الحصار الصهيوني الذي اخترقته أصوات الجماهير العربية الغاضبة ولم تخترقه قوة الجيوش العربية المكبلة أو السلطات والسياسات العربية العتيدة لا بسلاح ولا بدواء ولا بغذاء ولا بماء.
وإذا كنا اليوم نسجل إحدى أروع لحظات الصمود والفداء التي سطرها شعبنا الفلسطيني في تصديه للعدوان الهمجي، فإننا نسجل في الوقت ذاته واحدة من أسوأ لحظات البؤس والعجز في السياسة العربية، وواحدة من لحظات اليقظة الجماهيرية العربية المبشرة التي سوف تستمر ـ إن شاء الله ـ إلى أن يتحقق تغيير جذري في النظام الرسمي العربي واستراتيجياته بفضل الوعي وضغط الشارع العربي، تغيير باتجاه يقظة وحياة ما كان الاستعمار والصهيونية وبعض الناس قد اعتقدوا أنه انتهى وران عليه الماء: الشعور العربي والتضامن العربي والمسؤولية القومية عن القضايا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين، والروح القومي العائد على جناح الإيمان بالله والحق والوطن، وهو ما تجسده تلك الصحوة الشعبية التي يعج بها الشارع العربي الآن الذي أخذ يسيل بالجماهير الغاضبة المنادية بمطالب محددة على رأسها: دعم المقاومة الفلسطينية وكل مقاومة ممكنة للاحتلال الصهيوني حتى يتحقق التحرير والنصر، وضرب مصالح الولايات المتحدة الأميركية الشريك والحليف للكيان الصهيوني في حربه على العرب وحقده الدفين عليهم، وهي صحوة مسحت الغشاوات المتراكمة التي سحبها فوق العيون المستسلمون والمفاوضون والداعون إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، والمهرولون إلى أعتابه يطلبون صلحاً وصداقة، بين أبناء إبراهيم، وشهادات " حضارية " لهم ومنافع يبيعون دم شعوبهم ومصالحها من أجل الحصول عليها، كما مسحت كل الدعوات المسمومة لخيار وحيد نختاره في صراعنا مع العدو الصهيوني هو خيار " استراتيجية سلام لا تدعمها قوة من أي نوع أدت عملياً إلى سلسلة من التنازلات ومسلسل استسلام تقودنا إليه المفاوضات وما تسفر عنه من اتفاقيات"، وهو خيار يجردنا، لأنه وحيد، من حرية الاختيار ومن كل أسباب القوة التي نحتاج إليها للدفاع عن أنفسنا وأرضنا، كما يجردنا من الخيارات الأخرى وفي مقدمتها خيار التحرير الذي لا معدى لنا من الإعداد والاستعداد لـه في ظل مواجهة مكشوفة لمشروع صهيوني ـ أميركي استعماري عنصري استيطاني يستهدف أرضنا وهويتنا وعقيدتنا وحضارتنا ووجود الشعب الفلسطيني برمته. كما مسح ذلك من الأذهان كل تفكير بإمكانية التعايش مع الكيان الصهيوني، لأن الدم العربي الذي أريق وانتهك في مخيم جنين وحي الياسمينة في نابلس ودم كل الشهداء الفلسطينيين والجرحى ومعاناة المعتقلين والمشردين، كل ذلك كتب على أعصاب العرب وأوردتهم وشرايينهم حقائق الصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود، وحقائق الطبيعة العنصرية للصهيونية وممارساتها الدموية الوحشية، وحقائق العداء الأميركي للأمة العربية وثقافتها وحضارتها وعقيدتها، ورد على كل أنواع التحالفات ضد ما تسميه الولايات المتحدة "حربها ضد الإرهاب" وهي حربها على من يقاوم الاحتلال الصهيوني والعنصرية الصهيونية ومصالحها الاستعمارية والمادية في المنطقة، بتحالف شعبي عربي ضد مركز الشر والعدوان العالمي : الصهيوني ـ الأميركي الذي يستهدف العروبة والإسلام والعدل والحرية في أرض العرب. وصحوة الشعب العربي لن تتوقف أو تموت بل أراها تتنامى وتتصاعد حتى تجتث عروشاً وزعامات وولاءات للعدو وحليفه الأميركي وتحقق توجهاً نحو امتلاك قوة منقذة تحرز النصر المؤزر بعون الله.
لقد انطلقت الاستغاثات من المدن والمخيمات والقرى في فلسطين.. انطلقت من أفواه النساء والأطفال والشيوخ الذين تحاصرهم الدبابات ويحصدهم الرصاص ويئن أمامهم الجرحى وتتفسخ أمامهم جثامين الشهداء، ولا يجدون الدواء أو الماء أو الغذاء أو ما يمكنهم من إسعاف جريح أو دفن شهيد.. وانطلقت من أفواه المثقفين والمعنيين الذين شاهدوا حصار كنيسة المهد والتدمير الذي لحق ببعض مبانيها وآثارها وبالمساجد والآثار الثقافية الهامة : كنعانية وبيزنطية وإسلامية في نابلس القديمة تطالب بحماية الآثار والأوابد الحضارية من أعداء الحضارة والإنسان.. وانطلقت تناشد ذوي الحول والطول في وطن العرب ليمدوها بعون وينقذوا ما يمكن إنقاذه من حيوات أو عمران أو آثار ولكنها لم تلامس نخوة ولم تحرك إرادة فاعلة وحرصاً على العلاقات والقيم والثقافات والمقدسات، ولم تفك المغاليق عن جيوش أو تستنفرها لمجرد التلويح بالوجود والقوة والنخوة، ولم تفلح أيضاً في جذب من يستخدم إمكانيات ضغط من أي نوع أو يلوِّح باستخدامها ليرد اعتباراً للدم العربي البريء والألم الإنساني الفظيع وليردع الإرهاب الصهيوني المهلك الذي يحاصر الإنسان الفلسطيني ويفتك به أياماً بعد أيام تحت سمع العالم وبصره في رام الله والبيرة وبيت لحم وطولكرم ونابلس قديمة وجديدة وفي قلقيلية وجنين والخليل وفي المخيمات الكثيرة والكبيرة المنتشرة على هوامش المدن وفي القرى الفلسطينية التي اجتاحتها دبابات العدو الصهيوني وحاصرتها بالنيران وقصفتها بالطائرات والصواريخ بهدف الإبادة المنظمة للإرادة والناس والحضارة والمقدسات معاً.
لم يسعف أحد بنخوته الفلسطينيين المستغيثين بل سمعنا في أرض العرب من يسخر من غفلة بعض من يصفهم تاريخ العرب بالنجدة والنخوة ويكرسهم رمزاً لها .. يسخر من الخليفة المعتصم تحديداً الذي هب لنجدة امرأة عربية استغاثت به في عمورية فجهز جيشاً وسعى من أجلها إلى عمورية حاملاً راية العرب ونخوتهم، حيث شفا هناك في ساحة الوغى قلباً اكتوى بالنار.. قلباً استصرخ حاكماً مستجيراً به من الذل والموت والعار فكان لـه ما تمناه من شفاء على يد ذلك الحاكم المسؤول.
صحيح أن تلك أعمالاً مكلفة اليوم؛ والارتجال فيها قتَّال، وتحتاج إلى حسابات سياسية واستراتيجية دقيقة ما في ذلك أدنى شك، ولكنها الأعمال التي ينبغي أن يعد الرجال والساسة أنفسهم وأجيالهم وشعوبهم وجيوشهم وبلدانهم لها ليكونوا مستعدين لما قد يُفرض عليهم في أي وقت من الأوقات، وما يقتضي استنفار قواهم واستخدامها في كل موقف عصيب وفي مواجهة أي خطر داهم، وإلا كان الانتهاك والدمار وكان العار والخسران المبين معاً ثمناً باهظاً للتقاعس أو الغفلة أو سوء التدبير وسوء التقدير، ذلك لأن الدفاع عن الإنسان والحق والوطن واجب دائم فكيف حالنا معه والتهديد يصبح ويمسي معنا والاحتلال جاثم على صدورنا والعنصرية البغيضة تفتك بنا منذ عقود من الزمن ونحن بين طالب سلامة وطالب استسلام!؟ ودفاع القوة عن حقها وعمن هم في ظلها الشرعي والقانوني واجب في المواقف الفاصلة في التاريخ والحياة وهي التي تميز حياة من موت، وتقدماً من تخلف، ورجولة كريمة من ذل مقيم، ووعياً من غفلة، وحسن تدبير من سوء تدبير وتقدير، ووطناً حياً قوياً من مساحات مهملة من الأرض والبشر يكرج فيها اللحم أناساً ويتراكم فيها الطين مدراً والخضرة حطباً.
نحن منذ بدأ شارون اجتياحه لنا في فلسطين أرضاً وشعباً ومؤسسات وقرارات، نحن في وطن العرب بين سائل عن " باول " ومناشد " بوش "، بين مستجد لعطف الأمم وواقف على أبوابها وباب مجلسها العتيد لترفع الحيف والسيف عن رقاب الناس في فلسطين وكابوس الذل عن نفوس الناس في أرض العرب، والجواب الذي يأتينا باستمرار وتكرار يتضمن تحقيراً واتهاماً لنا بالإرهاب وتهديداً لنا باستمرار الحصار والقتل والدمار إذا لم نوقف ما نسميه مقاومة مشروعة ضد الاحتلال ودفاعاً عن النفس ويسمونه إرهاباً وقتلاً متعمداً " للمدنيين" المحتلين؟! لم نفلح في جعل بوش يفهم أننا قد اضطررنا لطلب الموت لكي توهب لنا الحياة، وأنه حين يضطر الإنسان لطلب الموت لا يأساً من الحياة وإنما رفضاً للذل وطلباً للحرية والاستقلال والكرامة والقيم التي تجسد معنى الحياة ومبناها، ودفاعاً عن المقدسات والهوية .. عن الجغرافية والتاريخ فإنه يجب أن ينصف معنوياً على الأقل لا أن تسلط عليه أبواق الأمم لتشوه صورته ونضاله وموته!؟. ولكن هذا الذي ننشده ونترقب حصوله يكون من أمم منصفة وقوى عادلة، أو يكون استجابة منها لطلب عادل إن لم تتم الاستجابة لـه فإنه تُخشى قوة أهله. ونحن وضعنا أنفسنا على نحو ما في وضع لم تكن فيه الولايات المتحدة الأميركية التي نناشدها ونضع معظم أوراقنا بيدها، لم تكن قوة عادلة أو منصفة تجاهنا في يوم من الأيام بل كانت وما زالت منحازة لعدونا وحليفاً معلناً لـه مما يجعلها منطقياً عدواً لنا ومع ذلك نسلمها معظم رقابنا وأوراقنا، ولم نكن أصحاب قوة يحشدها التضامن والوعي العربيان المسؤولان لتفرض هيبتها وقوتها وحقها ومطالبها ومصالحها على الآخرين ومنهم الولايات المتحدة سيدة عالم اليوم.
وهذا يجعلنا نطلق السؤال : إلى متى يبقى وضع الانتهاك والتهالك مسيطراً علينا رسمياً، وإلى متى يبقى شعبنا من دون إعداد علمي واجتماعي ونضالي لمواجهة ما يواجهه من أخطار وما تفرض عليه من معارك ومواجهات وتحديات؟! إلى متى تبقى أموالنا وثروتنا الطبيعية وقراراتنا المصيرية بيد أعدائنا أو حلفاء أعدائنا ولا نخطط لاستنقاذها وتحريرها منهم وجعلها في خدمتنا نحن في وطننا نحن؟! إلى متى تبقى سيوفنا صدئة والإرادات ومعادن الشعوب كالسيوف لا تجلوها إلا المواجهات التي ينتصر فيها الدم والسيف معاً والدم بالسيف أولاً على الظلم والقهر والاستعمار والعدوان وأشكال العنصرية البغيضة والصهيونية النازية الجديدة؟! إلى متى نبقى صوتاً بلا صدى، وقوة بلا إرادة، وإرادة بلا قرار، وقراراً بلا تنفيذ وأقذر الناس وأشدهم جبناً يفتكون بنا وبأطفالنا ونسائنا من وراء جدر الحديد والنار ؟!
تلك هي أسئلة الأيام الفلسطينة المدماة التي تكتب سطورها على جباهنا من المحيط إلى الخليج بدم شهداء الانتفاضة والمقاومة، بدم شهداء مخيم جنين ونابلس القديمة، وتضع على قلب كل منا بصمة سؤال دم الشهيدات الفلسطينيات وآخرهن آيات الأخرس، اللائي كان يتوجب علينا أن نحميهن مع الأطفال والمقدسات فبادرن إلى افتدائنا والمقدسات وربما بهدف تحريكنا هن والأطفال في فلسطين ولكن ..مع ذلك ورغم ذلك .. بقي دم متجمد في العروق وألف سؤال بلا جواب يدوِّم في فضاء أرض العرب.
فإلى متى ... إلى متى : هذا هو سؤال الأيام الفلسطينية المرة المدماة اليوم نحمل ثقله معاً؟!
3
مخيم جنين دروس ومطالب
في الصباح الباكر من يوم التاسع من نيسان 2002 ومع زحف الضوء على الخضرة الربيعية حلق سرب من الحمام فوق مخيم جنين يبحث عن أمكنة كانت مساكن لـه وأعشاشاً لصغاره.. وحام فوق المكان مرات وهو يحدق ويدقق من دون أن يلمح ما يدله على وطنه المعتاد، فابتعد قليلاً عن المكان ثم عاود التحليق فوقه مقترباً هذه المرة من الأرض لتتسع الرؤية وتضيق العبارة فرأى أشكالاً من الحديد الغريب عليه تنتشر في المكان.. اقترب أكثر ليعرف أكثر وعندها حصده الرصاص الصهيوني فهوى ليشكل مع دمه بعض معالم ذلك المكان الذي كان مخيم جنين.
دمار مريع تقشعر لـه الأبدان وتثور لـه النفوس الحية الكريمة، وجثث تحت أنقاض البيوت منها ما يكشف ركام الأنقاض عن رأسها ومنها ما يغيِّبها الركام إلا ملامح من لحم متفسخ وأشلاء كانت جسماً لطفل أو شيخ مسن أو امرأة، وبينها بقايا متفحمة لجسد كان لبشر سوي، وخيوط دم تلون المكان.
وبين الأنقاض تتجول نسوة ويتجول بعض الأطفال وتتجول حمامة نجت من رصاص الجنود الصهاينة فلاذت ببقايا مئذنة، وهم يبحثون جميعاً عما كان بيوتاً لهم وعما كان أقارب وأهلاً وأصدقاء، وبين الأنقاض أيضاً بقايا من دلائل على ما كان لعباً للأطفال وأثاثاً للمنازل وأعشاشاً للطيور.. إنها حياة تودع الحياة وترنو بهلع لا يوصف إلى أعداء الحياة الذين يدبون في المكان مدججين بالحقد على الحياة وبأدوات القتل ؟!
ذاك بعض مشهد مخيم جنين الذي يقوم على مساحة من الأرض تقارب ألف متر مربع ويضم خمسة عشر ألفاً من أبناء الشعب الفلسطيني، الذين شردوا مرات ومرات من ديارهم على يدي الوحش الصهيوني بسبب العمليات الإرهابية التي شنتها العصابات اليهودية المسلحة: شتيرن وزفاي ليومي وليحي والهاغانا ..إلخ وشنها فيما بعد الجيش الذي تكون من تلك العصابات الإرهابية وحمل روحها الشرير في حروبه العدوانية المستمرة التي يعيش منها ويعيش عليها، بعيداً عن كل خلق وقيمة سامية من أي نوع، حارماً الفلسطينيين والعرب الآخرين من الأمن ومن وطنهم وحقهم المشروع في الحياة.
والمخيم الذي تتلاصق بيوته وتضيق أزقته وتتراكم حواريه: أبنية وبشراً بعضها على بعض، يشكل إرادة حياة نبتت واستُنبتت في خضم القهر والحصار والاحتلال والاستيطان أكثر مما يشكل بلدة تتوافر فيها مقومات العمران اللائق بمدينة أو شبه مدينة يعيش فيها بشر في القرن الحادي والعشرين ويتمتعون بالأمن والحرية.
حاصرت دبابات الكيان النازي المخيم الحزين بأمر من مجرم الحرب شارون صاحب مذبحة صبرا وشاتيلا، كما حاصرت مدناً ومخيمات وقرى سواه في طول الضفة الغربية وعرضها، و بعد صمود ودفاع رائع عن النفس من المقاومة الفلسطينية العريقة فيه ومواجهة باسلة من شبابه لقوة الغزو والاحتلال، بعد ذلك وعلى مشارف زمن ذكرى مذبحة دير ياسين9 نيسان 1948 ارتكبت فيه قوة الاحتلال الصهيونية مذبحة فظيعة تضاف إلى سجلها الحافل بالمجازر البشرية في فلسطين، مجازر: قبية ونحالين ودير ياسين واللد وكفر قاسم والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وقانا.. ارتكبت فيه مذبحة فظيعة شنيعة، ودمرت القوة الوحشية الهمجية بيوتاً فيه على من فيها وهم أحياء؛ وكان كل ذلك بتشجيع صريح وتأييد معلن ومستمر من البيت الأبيض في واشنطن: بيت الراعي الأول لإرهاب الدولة الصهيوني، بيت قوة الشر التي تنعق كالبوم في وطننا بلسان رئيسها جورج بوش ووزير خارجيته كولن باول مطالبة بالقضاء على شعب محاصر بقوى الاحتلال النازي الجديدة والقضاء على إرادته وقوة الحياة لديه، شعب يستمر قتله ومحاصرته وتجويعه بينما تستمر الولايات المتحدة الأميركية في إدانته واتهامه لمجرد أنه لم يجد سوى لحمه يقذفه بوجه الموت الذي يحاصره ويزحف نحوه، مسوِّغة رأيها وموقفها وفتكها بحملة حقد مديدة ضد شعوب العالمين العربي والإسلامي بذريعة مقاومة الإرهاب، الذي تجسده هي وحليفها الصهيوني عملياً في عالم اليوم أفضل تجسيد وأبشعه.
وتركَّزَ السلاح والقرار والكلام والسياسة والإعلام الأميركي ـ الصهيوني على عمليات ضد " الإرهاب " الفلسطيني الذي يقوم به الشهداء بسلاح الإرادة والدم واللحم والعظم بعد أن منع عنهم كل سلاح، وحوصروا حتى من أمتهم وسلطتهم، بهدف إماتة إرادتهم وتجميدهم مع الحجر الذي يحملون في زاوية من زوايا النسيان، فاندفعوا في طريق المقاومة المشروعة للاحتلال بعد أن سُدَّت أمامهم السبل لعيش كريم وأمل يشع باستعادة حق أو بعض حق في الحياة ووطن الآباء والأجداد المستلب، وفي رفع كابوس الاحتلال عنهم وعن أرضهم، وحالهم في ذلك هو بعض حال أهل فلسطين كلها في المدن والقرى والمخيمات منذ سنوات وسنوات، لا يكاد يرفع الحصار الصهيوني عنهم حتى يُستأنف من جديد ولا يكاد يتوقف مسلسل الاعتقال والملاحقة والقتل والإبادة البطيئة المنظمة حتى يعود إلى وضع أشد قسوة وأكثر فتكاً.. وهكذا نشأ محرومون حتى من اختيار الموت الذي يطلبون لتبعث حياة في أرضهم وأبنائهم وليورق أمل وحق تقوى شجرته في النفوس ويؤتي ثماره تحريرا وحرية وكرامة بين العالمين. وجاء استشهادهم فداء لأطفالهم وقضيتهم ومقدساتهم من جهة ووسيلة لرفع الصوت وردع القتلة، فسمتهم الدوائر الأميركية ألصهيونية على لسان القاتل بالتشجيع والتأييد: جورج w بوش: " قتلة"، وهو الذي سمى أيضاً دفاعهم المشروع عن النفس: "إرهابا"ً يلاحقه " المجتمع الحر"؟! وينبغي أن يلاحقه دفاعاً عن الحرية والحضارة!؟ ذاك المجتمع " الحر" الذي يشن "حرب الحرية" الدائمة في قتل الغير وفق برنامج إبادة مادية ومعنوية لمن لا ينصاعون لإرادة الولايات المتحدة الأميركية ولا يخدمون مصالحها، ولمن يقاومون العنصرية البغيضة ويتصدون لمسلسل إبادة الجنس البشري الذي تنفذه مع حليفها الصهيوني ضد الآخرين وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني.
ما من معنى عند الدائرين في الفلك الأميركي لأن تهدَّم بيوت العرب على رؤوس ساكنيها وتشتعل فيها وفيهم النيران ؟! إنهم: "إرهابيون" .. هكذا يقول شارون.. إذن هكذا يقول الرئيس بوش وهكذا تقول الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما ينبغي أن يقول به العالم من وجهة نظرها؟! وفي خضم "الحملة على الإرهاب" ما معنى أن يشكو "الإرهابيون" من الهجوم عليهم وهم يمارسون هذا النوع من الهجمات على الآخرين؟!
ما من منطق في عالم تحكمه الصهيونية وتنفذ حكمها فيه الولايات المتحدة الأميركية، ما من منطق ولا من خلق يرجى على الإطلاق من أولئك الذين جال وزير خارجيتهم بصلاحياته الواسعة والمرونة الممنوحة لـه في أرجاء فلسطين المحتلة، وذهب إلى حدود فلسطين الشمالية مع لبنان، حيث تنتشر قوات الاحتلال الصهيوني ليعاين ويشجب من هناك مخاطر " إرهاب حزب الله " الذي يقاوم الاحتلال ويعمل على طرده من مزارع شبعا، وليدعو باول من هناك أيضاً كلاً من سورية ولبنان لكي تعملا على مقاومة حزب الله وكبحه ومنعه من العمل على تحرير أرضه، مهدداً ومتوعداً بانتشار الخطر وملوحاً بالشر الذي تنطوي عليه إدارة بلاده إذا لم يتم ذلك؟! ولم يكلف نفسه أبداً بالذهاب إلى مخيم جنين حيث يرتكب حليفه الصهيوني أبشع المجازر بحق البشرية ويمنع سيارات الإسعاف من نقل الجرحى وسكان المخيم من دفن الشهداء ضحايا النازية الصهيونية، ولا يجد من بقي على قيد الحياة منهم ماء أو غذاء أو دواء منذ أيام عدة!؟ لم يذهب بوش إلى مخيم جنين على الرغم من النداءات التي وجهت إليه ليعاين بنفسه جرائم حلفائه وأصدقائه.. وليس لنا أن نسأل لماذا.. لأنه إذا كانت الأمور بخواتيمها كما يقال فإن الخاتمة التي تكللت بها زيارة كولن باول للمنطقة تتلخص في النقاط الآتية:
1 ـ طلبه من الرئيس عرفات، المحاصر داخل غرفة في مقره، أن يلاحق مقاومة شعبه للاحتلال الصهيوني بوصفها إرهابا، وأن يعلن شجبه للعمليات الاستشهادية بوصفها عمليات قتل إرهابية، وبأن يبذل جهداً بنسبة 100% في هذا الاتجاه. ولم يذكر السيد باول كلمة تشير إلى إرهاب الدولة الصهيوني وما يرتكبه شارون من مذابح؟!.
2 ـ توجيه التهديد المبطن إلى لبنان وسورية " لكبح جماح"!؟ حزب الله ومنع من يسميهم "إرهابييه" من القيام بعمليات على الحدود الشمالية مع الكيان الصهيوني لأن ذلك يشكل خطراً على المنطقة .. أي أنه ينذر ويهدد بقيام شارون وجيشه مؤيداً بالقوة الأميركية المعهودة، قيامه بعدوان واسع النطاق على سورية ولبنان إذا لم تلعبا دور الشرطي لحماية حدود الكيان الصهيوني وتلاحقا حزب الله وتصفيا المقاومة الفلسطينية أينما وجدت!؟.
3 ـ طلبه من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وأقرب أصدقائها: مصر والأردن والسعودية وحتى المغرب أن يدينوا المقاومة الفلسطينية بوصفها إرهاباً، وأن يعملوا على تجفيف مصادر تمويلها، وأن يطالبوا بقمعها وملاحقتها بوسائلهم ومنها الضغط على عرفات والمقاومة والدول العربية الأخرى التي ترى المقاومة حقاً مشروعاً، وتنادي باستمرارها ودعمها. وربما كانت المفارقة في هذا الموقف أن أصدقاء الولايات المتحدة الأميركية من العرب الذين انتظروا منها أن يكون عرفات في قمة بيروت ولم يتحقق لهم شيء من ذلك، ثم انتظروا منها أن يتم رفع الحصار عن مقره وعنه شخصياً فلم يتحقق لهم ذلك، ثم انتظروا أن يتم الانسحاب على يدي باول وأن يرفع الحصار عن المدن والمخيمات والقرى ويتوقف العدوان الصارخ ويتم تنفيذ قرارات مجلس الأمن بهذا الشأن وطلب الرئيس بوش من شارون أن يفعل ذلك، فلم يتحقق لهم شيء أيضاً، على الرغم من كل الدعم الذي قدموه سواء بالصمت أو بالإعلانات التوددية، وكانت المفاجأة في ختام جولة الوزير العتيد أن يطلب منهم ملاحقة المقاومة بوصفها إرهاباً حتى يتاح لشارون أن يطمئن ويرضى ويوقف زحفه الدموي؟! وزاد في الطنبور نغماً أن أعلن باسم إدارته العتيدة موافقة مبدئية على طلب: "رجل السلام شارون" عقد مؤتمر لا يحضره عرفات لإيجاد حلول، قافزاً فوق كل المرجعيات والمؤتمرات والقرارات والاتفاقيات التي تشكل بالنسبة لهم حلولاً؟!
بهذا المعنى وبهذه الروح وبهذا المنطق يصبح مخيم جنين الضحية بنظر كولن باول ومن يمثلهم في العالم الغربي درساً على الفلسطينيين والعرب أن يستخلصوا منه الدروس، ونذيراً بالأقسى والأبشع من المذابح فيما إذا لم يلاحق العرب .. كل العرب المقاومة الفلسطينية واللبنانية بكل فصائلها وصورها ورموزها ويدمروها تدميرا لكي يطمئن الكيان الصهيوني إلى احتلاله للأرض التي يحتلها، ولكي يكف الرئيس بوش ووزير خارجيته عن القلق جراء وجود استشهاديين يكرر بوش وصفهم بالقتلة، من دون أن يقلقه على الإطلاق استمرار الاحتلال الصهيوني سنوات وسنوات، ولا الاستيطان الصهيوني الزاحف على ما تبقى من أرض الفلسطينيين، ولا إعادة احتلال شارون للضفة الغربية وتدميره لمدنها ومخيماتها وقراها وحصاره المستمر للشعب الفلسطيني، وفتحه لمعسكرات الاعتقال على غرار : أوشفيتز وبوخنفالد لأبناء ذلك الشعب لأنهم يرفضون الموت قهراً، والاستسلام لسكاكين شارون وجلاديه؟!.
وضع غريب والأغرب منه ذلك الاطمئنان الأميركي الغبي لأخلاقية يزعمون توفرها فيهم وفي الجلاد الصهيوني الذي يستجيبون لأفكاره ومشاريعه بعقد مؤتمر جديد مضيق لعملية سلام، وكأنه رجل سلام " كما يكرر بوش وباول، في عملية مكشوفة لكسب الوقت للاجتياح من جهة ولتوفير موقع اغتسال عالمي يتحلل فيه شارون من جرائمه ومن الدم العربي الذي أراقه في مذابح شتى آخرها مخيم جنين ونابلس القديمة؟! عقل ومنطق وخلق أميركي ـ صهيوني متدنٍ إلى أبعد الحدود في أفقه ومعاييره ومرجعياته لا يليق به أن يوصف حتى بالفساد التام.
هذا ما يثيره مخيم جنين : المذبحة الصهيونية المروعة بحق أبناء الشعب الفلسطيني في نفوس وعيون الساسة الأميركيين والصهاينة القتلة ؟.
وبعد ما ذا نقول ونحن في خضم القهر والعجز والمذبحة من جهة وفي خضم الصحوة الشعبية العربية التي ترفع صوتها في أرجاء الوطن العربي كله من محيطه إلى خليجه من جهة أخرى مطالبة بموقف عربي يدفع الموت عن أهلنا، ويرفع الحصار عنهم، ويمكنهم من دفن شهدائهم ومعالجة جرحاهم في القادم من المذابح والأيام والاجتياحات والتهديدات التي ينذر بها شارون وبوش وكولن باول وهو يكرر كلام رؤسائه وقادته الصهاينة في واشنطن وفي الوفد الذي رافقه في جولته الأخيرة.؟!
أ ـ إن توفير حد أدنى من التنسيق العربي على مستوى القيادات السياسية العليا والعسكرية وفي إطار المسؤولين عن الطاقات والثروات المؤثرة في حماية الذات وردع العدوان، هو من أبسط ما يمكن أن نطالب بتحققه ليشكل بداية خطو عربي سليم نحو مواجهة لعدوان قائم ومستمر لن يوقفه الصراخ والبيانات والهتافات والتظاهرات، بل توقفه قوة.
ب ـ نحن نطالب بخطط عربية لرد العدوان والموت والدمار، أو رد ما يمكن رده من ذلك عن الشعب الفلسطيني وعن أبناء الأمة الذين ينتظرهم التهديد في أقطار أخرى إذا لم تحارب حكوماتهم ما تبقى من مظاهر الشرف والحياة والكرامة المتمثلة في الانتفاضة والمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني.
ت ـ ونطالب ببعض التضامن العربي والتنسيق الفعال والتعاون من أجل تخليص القرار السياسي العربي من التبعية للولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، ونسأل أليس في صالح الأمة أن يكون قرار مصر محرراً من ملياري دولار أميركي يحكمان إلى حد ما قوة عربية فاعلة في كل المجالات؟!
ث ـ ونطالب بأن يبقى مخيم جنين المدمر شاهداً على الوحشية الصهيونية والتواطؤ الأميركي ـ الصهيوني ضد أبناء الشعب الفلسطيني المطالبين بخبز وحرية ووطن وكرامة وبرفع الحصار والاحتلال عنهم ووقف زحف الاستيطان على ما تبقى من أرضهم.
ج ـ ونسترعي نظر المثقفين والجماهير والنقابات والمنظمات العربية وكذلك الرسميين العرب لإثارة قضية ما يزيد على ثمانية آلاف فلسطيني انضموا إلى الموجودين سابقاً في معسكرات الاعتقال الصهيونية، وهم يتعرضون يومياً للتعذيب، ويقتل من يقتل منهم في الظلام، ويتذرع شارون بأنه يقدم لهم أفضل مما تقدم الولايات المتحدة الأميركية للمعتقلين في معسكر " رايون إكس" في غوانتانمو ـ كوبا الذين تحتجزهم "قوة الحضارة" في ظروف لا تليق ببشر ولا بحيوان، ولا تطبق عليهم أي من اتفاقيات جنيف ولا يتمتعون بأي حقوق مما يتصل بالإنسان. وهذه معسكرات اعتقال أسوأ من " أوشفيتز وبوخنفالد التي تتاجر بها الصهيونية.
ح ـ إننا نريد لصحوة الشارع العربي ألا تخبو، وأن تتحول إلى فعل جماهيري واع منظم ومؤثر في صنع القرار، فعل هادف وفق برنامج وآلية عمل يستطيع أن يغير أحوال الأمة بتغيير نظرة الساسة ومواقفهم إلى الأمور والاستراتيجيات والخيارات وأساليب المواجهة مع العدو الصهيوني وحليفه الأميركي، أو بتغيير الساسة ليتم تغير الأمور والاستراتيجيات والخيارات وامتلاك الأدوات والأساليب التي تهيِّئ لمواجهة عقلانية قوية وكريمة ومؤثرة مع أعداء الأمة... تخرجنا من دائرة العجز والفزع والصخب والتهافت والتآكل والموت إلى دوائر تليق بأمتنا وبما تستحق وتليق بكل ما يبدي شعبنا العربي من المحيط إلى الخليج من استعداد لتقديمه من تضحيات بالمعنى الشامل والعميق والدقيق والواسع للتضحيات دفاعاً عن فلسطين وهيبة الأمة ومكانتها وحقوقها.
فهل يفعل أهل الحكم وأهل الرأي ذلك قبل أن نتحول إما إلى الفوضى المدمرة أو المهلكة، أو إلى اليأس القتال الذي قد يدفننا في الذل والقمع لعقود من الزمن؟! إنه سؤال ملقى في الفضاء العربي الفسيح أو الكسيح لا فرق .
|