صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ المواجهة حتمية مع مركز الشر

من ساواك بنفسه ما ظلمك، ومن رد على عدوانك عليه بمثل ما اعتديت به عليه أنصف نفسه منك وأنصفك بالتوجه والموقف والقرار والاختيار، وربما أخفق في إنصاف نفسه حين لا يصل إلى هدفه الأخير إذا كان لا يملك ما تملك من أدوات ووسائل، ولا يبيح لنفسه ما تبيحه لنفسك من أفعال استناداً إلى معايير خلقية وأساليب تعامل يأخذ بها، ولكنه حاول ولم يدرك النجاح وفي هذا بعض الكفاية.‏

وحين يجد المرء نفسه محاصراً بالقهر والموت ولا يملك ما يدفعهما به عن نفسه وأهله ولا سبيل أمامه للخروج مما هو فيه إلا بالموت المشرِّف فإنه يكون منصفاً لنفسه حين يختار ذلك الموت حتى إذا لم يحقق أهدافاً ونتائج موازية، لأنه قرر أن ينهي حياة لا تطاق وألا يقضي كفأر في حفرة موحلة من دون أن يستعمل حقه المشروع في الدفاع عن النفس بالوسائل الممكنة أو المتاحة.‏

وفي مثل هذه الحالة لا نسمي من يدفع عن نفسه القهر والذل والموت بنوع مختار من الموت قاتلاً حين يلحق خسائر بشرية بعدوه الذي يلحق الخسائر البشرية وسواها به في كل يوم، لأن القاتل يخطط لفعل جرمي يحقق من ورائه غرضاً أو مصلحة ينعكسان عليه في حياته، فهو يختار موت غريم لينتفع بذلك الموت أو بنتائجه على نحو ما حتى ولو كان ذلك بشفاء غله، ولكنه يبقى حياً من بعد ليتحقق لـه ما يريد، ويشترط به أن يبقى حياً لكي يستحق صفة قاتل وتوجه إليه تهمة القتل، أما من يختار موتاً سلاحاً ليدفع عن أبنائه ووطنه الموت، بعد أن جرد من كل سلاح ووجهت إليه كل أنواع الأسلحة، فليس قاتلاً بل مدافعاً عن نفسه ضد القتل، وليس إرهابياً بل يدفع عن نفسه وأهله الإرهاب، والقتلة في هذه الحالة هم الذين يلاحقونه ويلاحقون شعبه بكل وسائل القتل والإبادة والتدمير، ويقومون بعد تنفيذ القتل والتدمير بوصم ضحاياهم بالقتلة.. ومن عجب أن هذا يتم ولا يعد من غرائب الأمور وعجائبها في هذا العصر المتهافت خلقياً الذي تسيطر فيه قوة عمياء على مقاليد أمور العالم وتتحكم بقوانينه ومؤسساته وبتفسير تلك القوانين وقرارات تلك المؤسسات، وتصدِّر قوانينها وتفسيراتها ورؤاها إلى العالم على أنها حقائق ومسلمات ووقائع نهائية ينبغي الأخذ بها كما وردت من المصدر من دون اجتهاد أو اعتراض؟!‏

في عالمنا اليوم قوة لا تستند إلى معيار خلقي، ولا يعنيها العدل بمقدار ما يعنيها التفوق والهيمنة وفرض مصالحها على الآخرين، ويدفعها التورم المرَضي المسيطر عليها إلى حدود الاعتقاد بأنها الخير المطلق الذي يلاحق الشر المطلق بتفويض إلهي؟! ويصل ذلك الوهم حدوده المرَضية القصوى عندما تحاصَر قيادات تلك القوة بأمرين هامين:‏

1 ـ سيل من الإطراء والتأييد لأفعالها ومواقفها الإجرامية يصور تلك الأفعال عدلاً وحرية وموقفاً إنسانياً وحضارياً مسؤولاً، وهو ما يجعلها تحلِّق في الفضاء الأخلاقي بأجنحة من شمع مثل أجنحة إيكاروس في الأساطير اليونانية القديمة.‏

2 ـ تدفق للمعلومات من مصادر محددة وبتوظيف مدروس يهدف إلى تشويه الرأي وتشويش الرؤية، ويتم ضخ تلك المعلومات بهدف تكوين رأي و موقف وقرار تصب جميعاً في الاتجاه الذي يجعل تلك القوة تمعن في غطرستها وعدوانها وتدمن أوهامها وممارساتها الدموية، وتزداد اعتقاداً بأنها الخير الذي يلاحق الشر. ولكن أجنحة إيكاروس تلك لا بد من أن تذوب حين تصل إلى نقطة اقتراب من نور شمس الحقيقة فيتردى من تحمله وما تحمله في وهدة لا مخرج ولا منجاة منها.‏

لا يطيب لنا ولا نريد أن نصدق، في عصر المعلوماتية والعالم القرية والسيطرة الأميركية حتى على التنفس البشري، أننا أمام حالة مذهلة من الحصار المعلوماتي لرئيس أكبر قدرة معلوماتية وأكبر دولة في العالم تجعله لا يتخذ القرارات السليمة نتيجة لنقص في المعلومات الصحيحة، فما تتخذه الولايات المتحدة الأميركية من مواقف يعبر عنها رئيسها ومسؤولوها لا تنتج عن نقص في المعلومات التي قد يحتاجها الشعب الأميركي فعلاً. واستمرار هذا النوع من القرارات على مدى عقود وتواليه في أزمنة إدارات عدة يجعلنا ننبذ فكرة " الحصار المعلوماتي" تلك لنقترب من أوضاع ومعطيات أخرى، هذا إذا سلمنا بأن الرئيس الأميركي جورج w بوش ليس راعياً فعلياً للإرهاب الصهيوني من الدرجة الأولى ولا قاتلاً بالتحريض أو بالتشجيع على القتل من خلال تشجيعه وتأييده المطلقين للمجرم شارون في اجتياحه واستمرار توغله واجتياحه للضفة الغربية وارتكابه مذابح بشعة منها مذبحة مخيم جنين وتدميره لمعالم حضارية عريقة في نابلس القديمة، وحصاره المستمر لشعب بأكمله وحرمانه من الأمل، وتهديده للمنطقة كلها بخطر الحرب، وكل ذلك يتم بدعم أميركي مطلق وواع لأهدافه، حيث يقدم المسؤولون الأميركيون مجرم الحرب شارون: بوصفه مدافعاً عن النفس ورجل سلام ؟!.‏

ولكن عندما تتوالى المواقف والتصريحات والقرارات ويتوالى الدعم المادي والمعنوي، الاقتصادي- المالي والسياسي للكيان الصهيوني، ويتوالى الاتهام للضحايا الأبرياء والإدانة لهم والإشادة بالمجرمين القتلة من جانب ذلك الرئيس وبطانته ومن معظم ممثلي الشعب الأميركي في مجلسي الكونغرس، يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا: هل يأتي هذا من فراغ؟! وما معنى أن يستمر عقوداً من الزمن في هذا المنحى من الازدواجية المقيتة للمعايير؟! وهل هي ازدواجية معايير أصلاً كما يتم تداولها في السوق السياسية ـ الإعلامية أم أنها التعبير الصارخ عن التحالف العدواني المستمر والشراكة الفاقعة في حملات الاستعمار والاستيطان والقتل والإبادة الجماعية لشعب ولإرادة أمة وشخصيتها!؟ألم يحن الوقت بعد لتكوين قناعة راسخة بناء على ما نراه ونلمسه يومياً وما يتحول إلى دماء ودمار وسيول نار فوق رؤوسنا؟! وهل بقي في دنيا العرب أية مصداقية لأي حاكم أو أية سياسة تقدم الأميركي صديقاً أو راعياً نزيهاً لعملية سلام، أو مؤهلاً لحمل رسالة إنسانية أو حقانية أو عادلة من أي نوع، أو لمحاولات تقديمه على أنه مختلف عن الصهيوني العنصري المحتل؟! هل الصهيوني أهارون ميلر مستشار زيني وضابط إيقاعه، ودنيس روس اليهودي الصهيوني الذي يقود حملة مناصرة وجمع تبرعات للكيان الصهيوني في الولايات المتحدة وهو يحمل ملف "عملية السلام" في عهد كلنتون والمستشار المرافق في حملة الوزير باول الأخيرة على المنطقة هل هذا أو ذاك وسيط منصف من أي نوع ومحلل سياسي محايد من أي نوع يستفتيه بعض الإعلاميين العرب في التوجهات والنتائج بعد حملة باول السياسية الأخيرة على المنطقة؟! وهل مساعد وزير الدفاع الحالي وولفوتيز الذي يتصدَّر مظاهرة مساندة لجرائم الجيش الصهيوني وآمره شارون أمام البيت الأبيض في واشنطن جنباً إلى جنب مع الإرهابي نتنياهو ويتكلم باسم الرئيس بوش مؤيداً "رجل السلام" شارون.. هل كل أولئك وسطاء نزيهون بين العرب والصهاينة أو يمكن أن يكونوا كذلك؟! هل يصلحون أصلاً للجلوس على مائدة وسطاء؟! أم أنهم الأعداء المفروضون على العرب بوصفهم وسطاء ليكون قاضيك هو جلادك الثاني في حرب مستمرة على الأمة منذ عقود من الزمن؟!‏

قال أحد القادة العرب: " إن الرئيس الأميركي محاصر باليهود في واشنطن مثل عرفات المحاصر باليهود في رام الله"، ولا أظن أن هذا كلام عادل لأن بوش يشتري بشكل ما، وعن وعي تام، مستقبلاً سياسياً بدماء عربية كما فعل رؤساء أميركيون سابقون، والرئيس الأميركي الذي يتقاطر عليه قادة عرب هذه الأيام بعد مواقفه المخزية في انحيازها للاجتياح الإرهابي الصهيوني للضفة الغربية وبعد تأييده لمذابح المجرم شارون التي توجتها مذبحة مخيم جنين، ألا يخترقون نسبياً " الحصار" اليهودي " المفروض عليه "؟! ربما كانت الحقيقة أنه لا يأبه بهم ولا يكاد رأيهم يغير شيئاً في مواقفه واختياراته وأحكامه على الأمور، وهم في هذا على الأقل لا يقدمون في موقفه شيئاً ولا يؤخرون، تماماً مثلما يفعل وزراء الاتفاقيات العربية مع الكيان الصهيوني مع الرئيس عرفات عندما يزورونه في رام الله" مخترقين" حصار شارون له، فلا يقدمون شيئاً في تغيير الأوضاع من حوله ولا يؤخرون ؟!‏

إن حسابات عربية جديدة مطلوبة وتنادي بها الجماهير يومياً حتى تبح منها الحناجر ولكن لا يبدو أنها يمكن أن تصل إلى أنظمة عربية " محاصرة " بإرادة أميركية ـ صهيونية على نحو لا يمكن اختراقه إلا بثورة شعبية عارمة تضع سدة الحكم على جسر تواصل مع الشعب العربي وإرادته وتطلعاته أكثر مما هي على تواصل مع بوش وخططه واستراتيجياته ومواقف إدارته ومصالحها.‏

فيكف نقرأ الموقف وكيف نتعامل معه؟!‏

إذا كنا نصر على التساؤل:هل بوش لا يعرف الحقيقة، وسعينا إلى إيصالها إليه فإننا نطيل في عمر أوهامنا لا أكثر ولا أقل. وإذا قلنا : إن الرئيس بوش قد لا يملك الإرادة والقرار بحكم سيطرة جهات أخرى هناك على الإرادة والقرار فإن انتظارنا وتقاطرنا على بيته الأبيض لن يمنحه قدرة تغير الأمور مصدرها نحن .. ففاقد الشيء لا يعطيه. وإذا قلنا : إنه يدرك وقائع ما يجري وتفاصيله وأنه بمواقفه المنحازة تلك يشتري مستقبله السياسي بالدم العربي الذي يبيحه للصهاينة ليحصل على دعمهم وعلى أصواتهم في الانتخابات القادمة وما علينا سوى أن نوظف جهودنا لنكون نحن وأموالنا طرفاً يخرجه من الارتهان للوبي الصهيوني، نكون أكثر خسراناً الآن مما كناه في الماضي الذي يتراكم فيه الخسران لأن الإرادة الأميركية صهيونية في معظمها اعتقاداً وتمويلاً ولأنها تتماهى مع المصلحة الصهيونية استيطاناً للمنطقة وعدواناً وهيمنة عليها واستنزافاً لأهلها ولخيراتها، وأنه آن لنا أن نفكر على نحو مغاير فنستثمر أموالنا وجهودنا في امتلاك قوة تحمي أطفالنا وأرضنا ومصالحنا وتحرر قرارنا وسلاحنا ومن ثم أرضنا وتطلقنا في فضاء التقدم والنهضة على أرضية العلم والإيمان والخصوصية الثقافية والفعل الحضاري الذي يجمع لنا طارفاً وتليداً في قَرَن، فإننا عند ذلك نبدأ الخطو على طريق حرية رأي وموضوعية رؤية تجعلاننا ندرك أن :بوش مثل شارون، وهما مثل من سبقهما أميركياً وصهيونياً، مسكونون جميعاً بحربهم المقدسة ضد العرب والمسلمين.. ضد العروبة والإسلام، إنهم مسكونون بهواجس حربهم الصليبية ومصالحهم الاستعمارية ضد العرب والمسلمين، وهم مستمرون في استراتيجياتهم حتى حين يغيرون من نغمة خطابهم ويقولون بالسلام والاحترام .. فذاك تكتيك.. وتلك محاولة لطمر وعينا في أوهام تمتد عقوداً أخرى من الزمن يزدادون فيها قوة وإعداداً ونزداد فيها ضعفاً ونوماً مميتاً. إنهم اختاروا حرب الإبادة وقهر إرادتنا والقضاء على ما يميزنا: أمة وثقافة وعقيدة وشخصية حضارية وعلينا أن ندفع عنا البلاء القادم المفروض علينا بوعي لأهدافه وحكمة في التعامل مع مراحله وإعداداً واستعداداً لمواجهته أياً كانت نتائج تلك المقاومة ـ المواجهة، لأن تلك الحرب مفروضة على العروبة والإسلام ويحشد لها باسم مكافحة الإرهاب الآن، وقد كانت مستمرة في العهود الاستعمارية السابقة وكان يُحشد لها تحت مسميات وشعارات أخرى. ولا يجوز لنا بعد اليوم أن نكون في ركاب السيد بوش في أي تحالف لأن ذلك يعني التحالف معه ومع شارون ضد أولادنا ومصالحنا وهويتنا الثقافية وعقيدتنا ووجودنا الحيوي ذاته.‏

أريد أن أقدم مقولة الشراكة التامة الصهيونية الأميركية في كل الممارسات والعدوان.. في الاستيطان والمشروع الاستعماري الكبير القائم على أرضية التحالف الكامل والشامل مع ذلك الكيان في كل شيء، أريد أن أقدم تلك المقولة على ما سواها، لأذهب إلى معارضة القول بأنه إذا تضررت المصالح الأميركية في الوطن العربي جزئياً فإن الولايات المتحدة الأميركية سوف تعيد حساباتها وتعيد النظر بمواقفها المنحازة كلياً للصهاينة في موضوع الصراع العربي الصهيوني، لأقول : إن الصراع هو مع تحالف أميركي صهيوني بكل أبعاده ونتائجه وهو تحالف واع لأهدافه البعيدة، حيث تبدو المصالح والمواقف متماهية تماماً ضمن المشروع الاستعماري ـ الإمبريالي الواحد، المستند عملياً إلى استراتيجية أميركية شاملة بعيدة المدى، وإلى أرضية أيديولوجية متقاربة إذا لم نقل متماهية، وإلى عداء يأخذ طابع "صراع حضاري"، وكل ذلك تقبله الصهيونية وتقبل عليه بل هي تدفع باتجاهه، ولا مجال لأن ننتصر من الداخل على معظم الشعب الأميركي لنغير اتجاهه فذاك يستدعي تغيير ثقافته وعقيدته، إذ أن هناك عشرات وعشرات الملايين من الأميركيين يعتقدون دينياً اعتقاداً يهودياً ـ صهيونياً على نحو واضح، ويخوضون الصراع من خلال هذا الاعتقاد، ويقدمون التأييد والدعم المطلق في شراكة تامة على تلك الأسس؟!‏

وإذا كنا نسمع اليوم من شارون كلاماً هو صورة طبق الأصل من كلام بوش بعد أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 حيث يقول شارون: "إنه أنهى المرحلة الأولى من مراحل حربه ضد الإرهاب، وأن هذه الحرب سوف تبقى مستمرة بصورة مختلفة... الخ"، وحيث قال جورج W بوش بعد "انتهائه" من حربه في أفغانستان الكلام ذاته وأبقى الاحتمالات مفتوحة أمام بلاده لتتابع حربها على بلدان أخرى سماها ويحاول أن يحشد ضدها، فإنما نسمع الصوت والصدى أو الصدى والصوت، حيث ينسب كل من الشخصين والبلدين العدالة والخير والسلام لنفسه ويتهم العرب والمسلمين بأنهم مصدر الشر في حين أن الحقائق والوقائع والممارسات تشير إلى أن مركز الشر الوحيد في العالم يريد أن يفرض على العرب والمسلمين قبل سواهم حرباً شريرة لأنه يملك ما لا يملكون من أسلحة وقدرات ويرى في هذه الظروف ظروفاً ملائمة لتنفيذ مرحلة رئيسة من مخطط السيطرة على العالم الذي يعمل عليه. وعلينا أن نفكر جدياً في مواجهة الشر الزاحف علينا من مركز الشر ذاك لأن المواجهة بيننا وبين مركز الشر تبدو حتمية.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |