صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ كلام بوش وفعل شارون

إذا قال رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج W بوش : "ينبغي على إسرائيل أن تنسحب الآن، وأن تنسحب من جميع الضفة الغربية " فهذا معناه أن تنسحب في الوقت الذي يحدده رئيس وزراء الكيان الصهيوني بوصفه القائد الميداني للعملية العسكرية المشتركة التي وافق عليها وأطلقها الرئيس بوش ضد ما يسميه: " الإرهاب " في المرحلة الثانية من حملة "مكافحة الإرهاب " بعد أفغانستان، لأن الحملة التي حشد لها دولياً وشاركت فيها دول عربية وإسلامية، أصبحت عملياً ومنذ التصنيفات التي بدأت بإدراج المقاومة الفلسطينية واللبنانية والدول الداعمة لهما على جدول الإرهاب ـ من دون موقف عربي رسمي يستخلص النتائج من التخطيط للخطوات التالية قبل أن تقع الفأس في الرأس ـ أصبحت حملة لمصلحة الاحتلال الصهيوني ضد الواقعين تحت كابوس ذلك الاحتلال، تلتزم دول عربية وإسلامية بدعمها على نحو ما. والتعليل الدبلوماسي الذي قدمه الوزير كولن باول للدلالة الزمنية ومفهومها ذاك تزيد أمور الشراكة وضوحاً والموقف تعقيداً، فقد قال الوزير بتاريخ 18 نيسان 2002 في معرض تسويغه لعدم استجابة شارون لمطلب الرئيس بوش بالانسحاب الآن: "أراد الرئيس أن يرى انسحاباً فورياً، ولم يحدث ذلك لأسباب لا داعي للخوض في تفاصيلها الآن."؟! أما لماذا السكوت على تفاصيلها فهذا من الأسرار السياسية التي لا يجوز البوح بها، وإذا جاز ذلك ففي التوقيت الذي يخدم الخطة.. وربما لهذا وفي ذلك السياق أشار الوزير إلى " أسباب" في وقت لاحق /22 نيسان 2002 / بقوله: " كنت أفضل لو انسحب الإسرائيليون فوراً، ولكنهم، ولأسبابهم الخاصة كدولة ديموقراطية ذات سيادة، شعروا أنهم يحتاجون وقتاً للقيام بما كانوا يقومون به في عمليتهم العسكرية.. ملاحقة الإرهاب."؟! وهكذا زاد الوزير الأمور وضوحاً وتعقيداً في الوقت ذاته، إذ أصبح علينا أن نبحث عن منطق لفهم كيفية التعامل مع "قاعدة منطقية" أميركية ثنائية التفسير والتطبيق : فالديموقراطية الإسرائيلية تقتضي من الأميركيين ترك العدوان الذي تقوم به تلك الدولة "الديموقراطية" مطلق العنان إلى أن يحقق أهدافه، والذي يحدد ذلك المدى والأهداف هو ممثل تلك الديموقراطية وحده حتى لو كان مجرماً ملطخة يداه بدماء آلاف الأبرياء، أما الدفاع عن النفس بمواصلة مقاومة المعتدي أو رفض الاستسلام لـه، إذا جاء من دولة مشكوك أميركياً بديموقراطيتها، فأمر لا يجوز أن يقع لأن الدفاع عن النفس في هذه الحالة لا يبدو غير ديموقراطي فقط وإنما إرهاباً وعدواناً على الحضارة على المجتمع الدولي أن يكافحه؟! وفي هذه الحالة تبدو المواصفات الإنسانية للبشر، وربما المواصفات الخَلْقية لهم" مختلفة من نظام حكم إلى آخر، ومن مولاة أو عدم موالاة لهذا النظام أو ذاك .. لهذه الدولة أو تلك؟! وفي هذا المنحى من الفهم والتفسير والتفكير يصبح لدينا تصنيف عنصري من نوع جديد للبشر: بشر لهم مواصفات إنسانية بوصفهم ديموقراطيين أو موالين لنوع من الديموقراطيات وبشر من صنف آخر محكوم عليهم بالعيش في ظل "ديكتاتوريات" تحرمهم من الحياة الديموقراطية وتجعلهم مسلوبي المواصفات البشرية. ولا يقف الأمر عند نوع من الديموقراطية أو نوع من الفهم والتطبيق لها بل يتوقف على موالاة أنظمة معينة حتى لو كانت ديموقراطيتها " نص على نص" تصنعها رؤوس الأموال والرشاوى الكبيرة؟! في سياق هذا المنطق يصبح المعتدي الموالي للولايات المتحدة " الديموقراطية أو للصهيونية التي تقدم كيانها بوصفه دولة ديموقراطية صاحب حق في ممارسة العدوان إلى أن يكتفي وينجز ما يراه حقاً لـه وتصبح كل تصنيفاته وأحكامه وممارساته مسوغة ومقبولةً ومفهومةً أو متفَهَّمة وفق المصطلح الأميركي للتفهم الذي يعني: منح الموافقة وتقديم الدعم!؟ وكل دفاع عن النفس أو تصدٍ لاحتلال " دولة ديموقراطية " لوطن الغير وعدوانها على مصالحهم إرهاباً وديكتاتورية ينبغي أن تحارب باسم الدفاع عن النفس والحفاظ على الأمن وباسم حقوق الإنسان والتقدم الحضاري، كما يقدم حقيقة غائبة عنا وهي: أن قرار الحرب والاستمرار في عملياتها التدميرية وجرائمها ضد البشرية إذا كان من مصدر ديموقراطي أو اتخذ ديموقراطياً أو بتفويض ديموقراطي فينبغي قبول مسوغاته ونتائجه وعدم مقاومته حتى لو كان عدواناً صارخاً كعدوان الكيان الصهيوني الهمجي المدمر والمستمر على الشعب الفلسطيني، أما إذا نشأ من مصدر ديكتاتوري أو من ديكتاتوريات معينة ولم يتوقف بقرار من الشعب الذي يخضع لها فهو بسبب غياب الديموقراطية؟! وكأن الديموقراطيات مبرأة من العدوان أو مسوَّغ عدوانُها وما نراه من عدوان أميركي على العراق أو على أفغانستان أو ما شهدناه في سنوات سابقة ضد فييتنام وكوريا وسواهما أمر مبرر لأنه من قوة " ديموقراطية متغطرسة وعمياء؟! وإذا كان ما ذهب إليه الوزير باول يزيد الطين بلَّة ويقدم عذراً أقبح من ذنب فإن الوزير الأميركي لم يتوقف عند حدود هذه المزالق التي تكشف الإدارة الأميركية أكثر مما تسترها بل مضى في تنفيذ سياسة حكومته والتعبير عمن يحكم تلك الحكومة إلى ما هو أدهى من ذلك وأمر.‏

عندما قال الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في مقال لـه في صحيفة النيورك تايمز " الأحد 21 نيسان 2002 : " .. من الواضح أن إسرائيل استعملت أسلحة أميركية لأغراض غير دفاعية في جنين مما يخالف القانون الأميركي .. و .. إن الوقت ربما حان للنظر في مسألة قطع المساعدات عن إسرائيل ." قالت الإدارة بلسان الوزير باول: " بالنسبة لقطع المساعدات إننا لا نفكر بذلك في الوقت الحاضر... من المؤكد أن هذا الأمر غير وارد في جدول أعمالنا الآن." ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل ارتفعت أصوات في الكونغرس تنادي بتقديم مئة مليون دولار لمساعدة " إسرائيل " في حملتها على الإرهاب"؟ وقال الوزير باول إن الولايات المتحدة ستقدم مساعدات للفلسطينيين وللاقتصاد الإسرائيلي الذي تضرر من الأحداث الأخيرة؟؟ فساوى الوزير بين المجرم والضحية، ولكن السلطة التي دمرت كل بناها والشعب الفلسطيني الذي خسر كل شيء تقريباً لن يأخذا 2% مما يعطى للكيان الصهيوني والكلام في هذا المجال ذر للرماد في العيون.‏

في قضية المعتقلين مع الرئيس عرفات المتهمين بقتل رحبعام زئيفي، تفهم الأميركيون استمرار الحصار على مقر الرئيس عرفات في رام الله، حتى بعد زيارة الأمير عبد الله للرئيس بوش وتناوله لموضوع ذاك الحصار، إلى حين الانتهاء من ترتيبات فريدة يقوم بموجبها سجانون بريطانيون وأميركيون بسجن أولئك المتهمين في أريحا، بعد أن أصدرت السلطة أحكاماً بحقهم .. إذ لا بد من ذلك فقد قال الرئيس بوش : " بأنه يجب تقديمهم للعدالة" فكلمة الرئيس بوش هنا يجب أن تنفذ فشارون يريد ذلك ولشارون الحق في الحصول على ما يريد، ولا يتمكن الرئيس عرفات من الخروج من مقره قبل الانتهاء من تلك الترتيبات لأن شارون يريد ذلك أيضاً؟! وعلى الرغم من الإزراء الكلي بما تنص عليه اتفاقيات أوسلو البائسة التي تحكم هذا النوع من الأمور بوضوح إلا أن اختراعاً يرضي شارون هو الذي تم تنفيذه: سجانون أميركيون وبريطانيون!؟، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تمت مقايضة عجيبة لمصلحة الكيان الصهيوني، حيث تم الاتفاق بين الأميركيين والصهاينة على أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بإبطال مفعول قرار مجلس الأمن القاضي بتشكيل لجنة " تقصي حقائق" في مخيم جنين كان الأميركيون قد وافقوا عليها بل قدموا الصيغة النهائية للقرار الذي تم بناء عليه تشكيل تلك اللجنة وتحديد مهامها، وأن تسكت على عدم سماح الكيان الصهيوني للجنة بالعمل بعد أن عدل تشكيلها بناء على طلب الكيان الصهيوني، لأن تلك اللجنة لا ترضي " الكيان الصهيوني" ولا ترضي جنرالات القتل في ذلك الكيان النازي ولأنها حسب مصادرهم ستعرّض ضباطاً وجنوداً صهاينة للمساءلة وربما للمحاكمة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي.. وهذا لا يليق باليهودية التي سوف تتهم بارتكاب مذابح، ولذلك تم إبطال مفعول اللجنة ومفعول مجلس الأمن وقراره في هذا المجال، وتعهدت الولايات المتحدة بتغطية ذلك وبحماية " إسرائيل" من نتائج عدم التزامها بالقرار في مقابل القبول بهذه الصيغة المشينة : سجانون أميركيون وبريطانيون لفلسطينيين حكمت عليهم سلطة لا يوثق بها ليشرفوا على تنفيذ أحكامها على مواطنيها وفي أراضيها.. في مقابل إطلاق سراح الرئيس عرفات ورفع الحصار عن مقره في رام الله؟ وفي هذه بلع الرئيس الأميركي كلامه وربما لسانه كما فعل عندما طالب "بالانسحاب الآن.. والآن تعني الآن .. إلخ " ولم ينفذ القائد في منطقة العمليات شارون.. بلع الرئيس بوش كلامه الذي قاله نقلاً عنه الناطق باسم البيت الأبيض أري فلايشر: " إن الرئيس يؤيد إجراء تحقيق، والأمم المتحدة تقوم بذلك، وقد دعا الرئيس إلى الشفافية ويريد رؤية الحقيقة. ".‏

أما المسؤولية الجرمية المقابلة لمسؤولية قتل زئيفي وهي محاكمة قتلة الشهيد " أبو علي مصطفى"، وهو قائد تنظيم فلسطيني ويساوي في مرتبته الوزير الصهيوني وأكثر، فلم تذكر على الإطلاق .. ولنا أن نخمّن لنعرف الأسباب، فربما كان ذلك لأن زئيفي قتل برصاص عادي أما أبو علي مصطفى فقتل بصاروخ من طائرة أباتشي أميركية يقودها صهيوني فوق القانون كان يتصيَّد فوق رام الله؟!.. ونظراً لحجم القوة المستخدمة ومصدر السلاح ونوع القاتل وأخلاقية الجيش الذي ينتمي إليه، المكون من عصابات : شتيرن وليحي وزفاي ليومي .. إلخ ، ونظراً لـ " الديموقراطية" بالمفهوم الأميركي ـ الصهيوني لها، فإن دم الفلسطيني لا يذكر أو لا يساوي شيئاً ودم الصهيوني تلاحق عليه بلدان وشعوب لعقود وربما لقرون من الزمن؟!‏

وإذا قال الناطق باسم الولايات المتحدة في19 نيسان 2002: " إن الولايات المتحدة الأميركية تهيب بإسرائيل أن تحترم المبادىء الإنسانية وتسهل سبل وصول المنظمات والخدمات الإنسانية إلى الشعب الفلسطيني " فإن ذلك لا يعني التزاماً صهيونياً بالتنفيذ.. فمخيم جنين لم يدخله مسؤولون عن منظمة حقوق الإنسان ولا عن سواها إلا بعد أن شاء شارون ذلك وفي الحدود التي رسمها بالضبط، فكلام بوش شيء وفعل شارون شيء آخر .. ذاك قائد المعركة السياسي وهذا قائد المعركة العسكري والقائدان يكمل أحدهما الآخر وتحدد صلاحياتهما القوانين وهما يخوضان معركة واحدة ضد شعب واحد وأمة واحدة وقضية واحدة فلم نعجب .. ولم لا نكون بحجم التحدي والرد إذا لم يعجبنا ما يفعلان؟! نفذ شارون ما يريد حتى من دون أن ينتزع الألغام التي زرعها في مخيم جنين لتتصيد بقية أهل المخيم الذين يبحثون عن جثث شهدائهم وبقايا منازلهم ولم يغمغم بوش بكلمة اعتراض.‏

نحن أمام شراكة مدنسة .. وأمام تورم سرطاني من نوع غريب يشعر المصابون به أنهم أصحاء وأنهم فوق القانون وأنهم فوق البشر، ولما كانت بيدهم القوة فقد أصبحوا مطلقي السراح يعيثون فساداً في أرض البشر ويقولون : " إنهم ينشرون الرحمة الأميركية في الأرض " ؟! صدقوا! هذا ما يقولونه، أما حقائق الموقف وحقائق ما يعملون عليه بشراكة من يدخل في شراكة معهم أو من يستخدم مخلباً أو أداة لهم فهو كما قال مسؤول تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية السفير رتشارد هاس : " إن الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين هو دمج الدول والمنظمات الأخرى في ترتيبات من شأنها أن تدعم وتشجع عالماً متناغماً مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية، مما يعزز بالتالي السلام والرفاهية والعدالة إلى أبعد حد ممكن." أما إذا سألنا: السلام والعدالة والرفاهية لمن ؟؟ فإن إجابة الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي بعد لقائه بالأمير عبد الله ولي عهد المملكة العربية السعودية، وهو إجابة تكاد تختصر نتائج الزيارة الحميمة، تحدد ذلك، إذ قال الرئيس بوش : " حسناً .. قلت لولي العهد إن لدينا علاقة فريدة مع إسرائيل، وإن هناك شيئاً يمكن للعالم أن يعتمد عليه وهو أننا لن نسمح بأن تُسحَق إسرائيل. وأعتقد أن ذلك تصريح مهم.". انتهى كلام الرئيس واستمر فعل شارون الإجرامي .. ويا عرب أفيقوا .. وإذا فعلتم فأنتم منتصرون بعون الله.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |