|
ـ مشاريع التصفية
التصفيات مرعبة نظراً لنتائجها ولما تؤسس لـه من قواعد أفعال ومسوغات لذلك النوع من الأفعال والاختيار والأدوات والوسائل والأساليب، واعتماد التصفية منطلقاً للعمل يشكل مقدمات خطرة لنتائج أشد خطورة على الحرية والعدالة والحقوق والشرائع والتشريعات وعلى والمواطنة ومناخها العام، وتكمن الخطورة الأشد في اعتماد التصفية قانوناً تسنده خلفية براغماتية أو فكرية تؤسس لأخلاقية فاسدة وممارسة أكثر فساداً.
والتصفية القذرة مستمرة على جبهات عدة في وطننا العربي، ومن جبهة المقاومة إلى جبهتي السياسة والثقافة ينتقل بنا التاريخ من تصفية إلى تصفية على أيدي الأعداء والعملاء وذوي الاستعدادات المريضة وشبكات المفسدين. وها نحن في شبه جنازة مستمرة لا تكاد تخرج أقدام السائرين فيها من المقبرة حتى تدلف إليها، في كل يوم نشيِّع جنازات مدنيين أبرياء ومقاومين أشداء وقيادات تناضل من أجل الحرية في المخيمات والمدن الفلسطينية، وفي دهاليز السياسة ندفن شخصيات في قبور التخاذل أو التعامل، وفي أروقة الثقافة العربية تزكم أنوفنا رائحة العفونة تفوح من أوراق وأفكار تروج للهزيمة والاستسلام وتراوغ لتسوِّغ العدوان والتحالف مع العدو، وتدعو إلى قيم غريبة مريبة لا تبني الحياة ولا تبني الإنسان ولا تعزز إيماناً من أي نوع. ولكن أكبر ما تستهدفه التصفية في هذا المسلسل المنهِك الطويل هو: قضية فلسطين والقيم السليمة والإرادة الخيرة: قومية أو دينية.
وفي مواجهة التصفية توجد بؤر يتصدى من فيها بأسلحة محدودة وأدوات قليلة وإمكانيات مغلولة لذلك المد الفتاك المتخم بأنواع الدعم والتأييد، وتتحمل بؤر المواجهة تكاليف باهظة جداً في تصديها ذاك ولكنها تعبر في الوقت ذاته عن لحظة تاريخية ومواقف مبدئية سليمة وحازمة وعن رغبة جماهيرية عربية عارمة وعن استعداد للتضحية كبير. وعلى عتبات مواقع تلك البؤر الخيرة وتضحياتها تتراكم كلمات وبيانات وصرخات ومظاهرات واستعدادات مما يشكل كتلة هلامية ضخمة من الاستعداد والإرادة والرأي.. كتلة من المادة الخام إن صح التعبير تحتاج إلى تفحص شديد ليتبين كم فيها مما يستحق الاعتماد عليه والاعتداد به عند الملمات. إنها كتلة تحتاج إلى الامتحان في خضم المحن حيث تصهر وتُصقَل وتُختبَر ويتم فرز قمحها عن زؤانها فيستقر في أرض الواقع مقدار وقدراتها ما فيها من عزم وثبات واستطاعة على دفع المواجهة خطوات جدية مجدية إلى الأمام.
ولم يعد السؤال الآن، بعد مسلسل التصفيات اليومي، لم يعد السؤال يتعلق بمدى قبول هذا النوع من التحديات المطروحة علينا وإنما بكيفية التعامل معها بأسلوب ناجع. وإذا كانت بعض جبهات المواجهة واضحة من حيث أساليب الرد عليها أو التعامل معها فإن هناك جبهات أخرى يكتنف أسلوب التعامل معها غموض كبير بل لا يكاد ذلك الأسلوب يتحدد ويستبين بَلْهَ أن يطرق أصلاً.
في الرد على التصفيات الجسدية والاغتيالات والاعتقالات وأشكال التدمير والاقتلاع من البيت والقرية والمدينة والوطن لا بد من اعتماد منطق القوة وأدواتها والتعامل مع ذلك الأسلوب بالمثل، ولكن كيف يتمكن المكتوون بنار القوة المعادية.. كيف يتمكن المحاصرون بالقوة الصهيونية ـ الأميركية المتوحشة وبالعملاء وصنوف التخاذل من امتلاك سلاح يشهرونه بوجه القوة؟ وكيف يوصل المعنيون بهذا النوع من أساليب المواجهة، كيف يوصلون إلى العزَّل المحاصرين ما يرفد قوتهم أو يكون لديهم مقومات القوة: مادية ومعنوية ومقومات الصمود في مواقعه على مواقفهم؟! وكيف يمكن ضمان عدم تآكل عزيمة أولئك وهؤلاء على المدى الطويل بسبب نقص الإمكانيات ونقص الوسائل وانسداد الدروب الموصلة إلى الغايات والحصار بكل أشكاله وألوانه وربما العجز الناتج عن ذلك ببعض هوامشه وألوانه؟
وإذا كان سؤال القوة وأسلوب توفيرها واستمرار الأداء من خلالها، بوصفها خياراً حتمياً للرد على التصفية المعتمدة استراتيجية ثابتة ودائمة من جانب الأعداء، إذا كان ذلك السؤال يستدعي تغيير خيارات وسياسات وأساليب عمل، ومن ثم زج قوة قتالية موجودة في ساحات تفتقد تلك القوة أو تنتظرها أو تفتقر إليها كما يستدعي البحث عن مصادر دعم وإسناد وحلفاء يُعتَمَد عليهم في المواجهة، فإن سؤال إنقاذ المقاومة من الحصار ومن زحف التصفية والتآكل على عناصرها ومقومات وجودها وصمودها يستدعي تحركاً شعبياً عربياً ملحاً يملي إرادته على الرسميين العرب ويدفعهم إلى العمل قبل فوات الأوان وإلى إنقاذ المقاومة والمحافظة عليها إلى أن تتداركها قوة مقاتلة عربية من أي نوع وبأي شكل.
وما نراه ونتابعه في فلسطين ومواقع أخرى يتعرض فيها المقاومون ومؤيدوهم إلى الضغط والتهديد والملاحقة والاقتلاع والتصفية وتتعقبهم مشاريع وسياسات استسلامية وأجهزة استخباراتية وإعلامية وقوى تصفية متعددة ومتشعبة ومدربة تدريباً عالياً تمتد أهدافها بين التصفية المعنوية والتصفية الجسدية، لا يسمح لنا بالركون إلى حتميات لا نعد لها عددها ولا إلى أبعاد شعبية وتاريخية وقومية ودينية لا نستثمر في مجالها إمكانياتنا وطاقاتنا استثماراً علمياً دقيقاً مدروساً وبعيد النظر والنَّفَس بأسرع ما نستطيع.
وعلى الرغم مما تتعرض لـه جبهة المقاومة من ضربات وحصار وتصفيات فإنه يبدو لي أننا نخسر في جبهة المواجهة السياسية أكثر مما نخسر في جبهة المقاومة المسلحة، ذلك لأن المقاومة تتكبد خسائر وتلحق خسائر بالعدو وتنهكه وتؤثر سلبياً في اقتصاده وتجعله يلجأ إلى اتخاذ قرارات تنجم عنها أزمات تفاقم ما لديه من أزمات، مثل قراره الأخير بفرض ميزانية تقشف لمواجهة استحقاقات الإنفاق على حربه العدوانية التي قسمت اليمين الصهيوني ذاته وأخرجت بعض وزرائه من الحكومة، بينما تقوم السياسة العربية بأعمال كثيرة من شأنها كشف ظهر المقاومة من جهة، وفتح الطرق المسدودة أمام الاحتلال من جهة أخرى، وتقديم مشاريع تساعده على تصفية قضية فلسطين فيرفضها ليكسب أكثر ويتحقق لـه ما يريد؛ لأن السياسة العربية تتنازل أكثر وتتراجع عن مواقفها وثوابتها بشكل أسرع، وتجعل نفسها على نحو ما في خدمة العدو من خلال الإذعان لكل ما تطلبه واشنطن وهي لا تطلب سوى ما يخدم الكيان الصهيوني وما يدعم عدوانه واحتلاله واستيطانه وحربه المعلنة على العرب. وما زالت السياسة على الرغم من فظاعة الاجتياح الصهيوني الأخير للضفة الغربية تدور في فلك إجماع عربي رسمي على مبادرة الأمير عبد الله التي أصبحت إعلان بيروت، وهو إعلان سلام عربي قوبل بلطمة صهيونية ـ أميركية على الوجه لأن الرد عليه جاء بالاجتياح وبرفض حزب شارون بأغلبية ساحقة لقيام دولة فلسطينية، وكشف الاجتياح وعدم الرد العربي عليه وإعلان بيروت والرد الصهيوني عليه عجزاً رسمياً عربياً ملحوظاً كما كرسا بنظر الشعب العربي انهياراً للخيار العربي الاستراتيجي الوحيد خيار السلام، وربما كان العرب لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة أو لا يملكون إلا أن يجتروا وهم التمسك بها. وإذا كان بعض الجواب على سؤال القوة المطلوبة لدعم المقاومة واستمرارها موجوداً ولا يستخدم فإن الجواب على سؤال البحث عن خيار بديل أو مضاف لخيار "السلام الاستراتيجي" لا يراد لـه أن يكون موجوداً فضلاً عن أن يستخدم. ومن هنا كانت السياسة العربية تشل دعم المقاومة إلى المدى المجدي فتجعلها قيد الحصار والخسارة ولا تطلق عنانها بالإفراج عن الطاقات العربية الداعمة لها بشكل مطلق ومؤثر، وتشل الخيارات الأخرى للأمة بتمسكها بخيار وحيد لا تملك قوة حتى للمحافظة عليه وفرض مناخه على العدو وهو خيار "السلام" الذي يعني بمفهومه المقدم عملياً من خلال إعلان بيروت تنازلاً عن القضية الأساس للصراع العربي الصهيوني قضية احتلال فلسطين وإقامة مشروع صهيوني ـ عنصري ـ توسعي ـ استيطاني فيها على حساب الحق التاريخي للأمة العربية في فلسطين وحق الشعب الفلسطيني في وطنه وحق العودة الذي يتطلعون إلى المقايضة عليه بأكياس من الدولارات.
ولا يتوقف تأثير السياسة السلبي على المقاومة فقط تلك التي تكيل لها الدعم بالبيانات والتصريحات والكلام النظري وتقدم " لها " العون الإنساني: الغذاء والدواء وبعض المال الذي يصرف على تعمير بعض ما دمر وعلى قضاء حاجات السلطة الفلسطينية، وهو عون يصح قبوله اجتماعياً والتغني بأهميته للمحاصرين المحتاجين ولدفع الرواتب ..إلخ، ولكنه لا يعني دعم المقاومة التي تحتاج عملياً إلى السلاح والرجال والمال والسند العسكري وإلى المساعدات العينية أحياناً، لكي تبقى وتستمر وتقاتل وتنتصر وتكون طليعة حقيقية للتحرير؛ بل يتعدى ذلك التأثير السلبي إلى ساحة الثقافة التي لا تأخذ من الاهتمام ما تستحق بوصفها خنادق مواجهة متقدمة في هذا القرن وفي هذه الظروف، وتتعرض إلى هجوم أميركي ـ صهيوني وحتى غربي يطال الهوية والشخصية الثقافية والمناهج التربوية والقيم الاجتماعية والقومية والنضالية والعقيدة الدينية ذاتها حيث الحرب اليوم على الإسلام ليست سراً ولا يخفيها كلام الرئيس الأميركي الذي يناقض تصرفه على الأرض كلامه الذي يطلقه في فضاء السياسة والإعلام.
وخسائر الثقافة لا تتأتى من موقف السياسة منها فقط، سواء أكان ذلك الموقف ناتج عن فقدان الدعم والاهتمام، أو عن التضييق والتهميش وترك الباب مفتوحاً أمام الاختراق والتخريب ومرابطة الخصم في عقر الدار من دون أن يلقى مقاومه دعماً حقيقاً لإخراجه من جحوره التي يموِّهها لـه المتعاملون معه والمؤيدون لمقولاته والمروجون " لحضاريَّته" ولحقه في خوض حرب ضد أفكار وثقافة وقيم حضارة يراها بعض "المثقفين" العرب خارج العصر أو خارج التاريخ؟!
وفي هذا المناخ وضمن هذه المعطيات نجد أنفسنا: مقاومة وثقافة وسياسة محاصرين بمشاريع التصفية وأشكالها المختلفة، وهي التصفية التي تمهد لإنهاء قضية عادلة وتشويه صورة عقيدة سماوية سامية وصورة معتنقيها، وتشويه صورة حضارة وثقافة وهوية وشخصية أمة لها مالها من دور بارز في التاريخ والحضارة؟! وأرانا ينطبق علينا في وضعنا هذا ما ينطبق على قضيتنا المركزية قضية فلسطين: حيث أعدل قضية بأسوأ محامين.
و والله إن هذه الأمة لا تستحق هذا الجحر الذي تحشر فيه، و والله إنها تملك من الإمكانيات والقدرات والطاقات والقدرات على التضحية والبطولة ما يجعلها في غير ما هي فيه وما يمكنها من إحراز نصر مؤزر إذا ما ملكت إرادة التحرير وجعل ساستها إمكانياتها وقدراتها الكبيرة في خدمة أهدافها العليا وقضاياها المصيرية، وعمل معظم من ينتمون إليها وفق ما تحضهم عليه عقيدتهم السماوية: الإسلام.. ولكن .. ولكن ... ولكن..؟!
والله وحده المستعان على ما نحن فيه.
|