صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ المقاومة في الذكرى الثانية للانتصار

هذه أيام الذكرى الثانية لانتصار المقاومة الوطنية والإسلامية في جنوب لبنان على العدو الصهيوني، والذكرى القادمة على جناحين: أخضر مزروع بغراس الأمل وآخر مخضب بالدم، تحمل في طياتها أيام المخاض الأليم الذي مرت به المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان حتى وقفت على قدميها، وهي تأتي اليوم وفي حلق كل مواطن في الجنوب فرحة وفخر وحرقة أسى وإحساس ببعض الظلم.. في الحلوق اليوم مرارة أيام المعاناة من جراء قوة الاحتلال الصهيوني وعملائها الذين شكلوا في جلد الوطن ومن لحمه ودمه مدخلاً للعدو على أبناء الوطن ذاته، وفرحة بالوطن الذي غدا يذكر نصر المقاومة بوصفه نصراً للدولة بل للأمة ويقدم المقاومة اختياراً لبنانياً بل عربياً شاملاً مسنوداً برأي الأمة الرسمي والشعبي المؤيد لهذا التوجه القومي العام.‏

لقد عانت المقاومة من التعتيم عليها والتجاوز عن ذكر إنجازها وتحملت الكثير حتى كسبت الموقف واكتسبت ثقة الشعب بها، ولم يكن ذلك من دون ثمن فادح دفعته بصمت وكبرياء وصبر رجال تحملوا ما تنوء بحمله الجبال يوم كانت وكانوا موضع إغفال حتى لا نقول موضع شك وإهمال من إعلام عربي ومواطنين ورسميين عرب.. إلى أن تمكنت بالقتال والتضحية والبسالة الرائعة من تحقيق حضور على الأرض جعلها موضع اهتمام واحترام عامين، ثم موضع ثقة كبيرة ومحط أنظار كثيرة، ثم موئل نصر تعتز به الأمة وتذكره في وثائقها الرسمية وتزجي للبنان كله الشكر والتقدير بسببه، ثم معقد أمل تتطلع الجماهير العربية إلى اختلاجه في أضلعها وتنتظر إشراقته وبروز راياته وتكبير أركانه يعلو مع اندفاع الصواريخ والشهداء في ثوب الحياة محرَّرين من كل قيد ومحرِّرين من كل ضيم.‏

وعلى أجنحة المقاومة انتقل لبنان من: لبنان القوي بضعفه إلى لبنان القوي بمقاومته وتضحية أبنائه وبطولاتهم وعملياتهم الاستشهادية النوعية، التي قهرت العدو وجعلته يفر من مواقع المواجهة في الجنوب مع جيش عملائه مسربلاً بحديده وناره وبخزي تم تلفيعه به حالما هتك ستره وسُجِر رعباً فتبدى جبنه وانكشف جوهر عسكره وتحقق بذلك نصر للدم على السيف وللمقاومة الإسلامية على العنصرية الصهيونية، وإجلاء للاحتلال من موقع عربي دون قيد أو شرط أو تفاوض. لقد انهزم الصهيوني ذليلاً يجر ذيول الخيبة مجبراً على الانسحاب من جنوب لبنان، مخفياً عار هزيمته وراء برقع تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 ذلك القرار الذي رفض تنفيذه مدة تزيد على عشرين سنة ارتكب خلالها المجازر ضد المدنيين في لبنان وأقام معسكرات الاعتقال الصهيونية في سلسلة معسكرات " أنصار " على غرار المعسكرات النازية: "أوشفيتز وبوخنفالد" مكرساً طبيعته العنصرية وأفعاله النازية مشبعاً سادية فريدة المثال للتعذيب وتفجر الحقد على العرب والمسلمين... كان في أحد معسكرات أنصار أكثر من تسعة آلاف شخص تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب، ويوم اجتاح شارون لبنان ودخل جيشه مدينة صور في عام 1982 تم اعتقال 500 شخص نقلوا إلى معسكر المرج في فلسطين المحتلة.. وأمثال ذلك كثير ومنهم من نقل بالحوامات وفي شباك عرضوا من خلالها على الصهاينة المحتلين الذين كانوا يصرخون تعطشاً للدم وتأييداً لهذا النوع من الفعل الرهيب المجرد من كل بعد أخلاقي أو إنساني.‏

لقد تجاوزت المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان أزماتها إن لم نقل مِحَنَها وفعلت ذلك بصعوبة بالغة بعد أن أثبتت أنها قادرة على حماية المدنيين في قرى الجنوب وكسب ثقتهم بالرد على ضربات قوة الاحتلال الموجهة إليهم بمثلها وتهديد مستوطناته كما يهدد قراهم وتطور ذلك حتى أصبح خيار المقاومة خياراً شعبياً عاماً وأصبح يحسب للمقاومة حساباً دقيقاً اضطر معه العدو الصهيوني إلى الدخول معها في اتفاق نيسان حيث أصبح حزب الله طرفاً نداً مناقضاً للعدو الصهيوني في لجنة دولية تحكم في الاختراقات التي تحدث في الجنوب وكان في اللجنة: سورية والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وتجتمع دورياً في الناقورة.‏

وذكرى نصر المقاومة اليوم تتزامن مع نهوض المقاومة من جديد في جنوب لبنان بعد العدوان الهمجي الصهيوني المستمر وبمواجهته، وبين المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان والمقاومة الفلسطينية صلة رحم وتواشج عميق وتاريخ يرقى إلى عقود من الزمن، فقد تلاقى الدم العربي: دم الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين في لبنان وفي العاصمة بيروت وفي الضاحية والجنوب على الخصوص ليشكل مستنبتاً واحداً لحالة قومية نضالية أخذت تتفرد بميزات ومواقف، ولينسج خيوط تلك الصلة النضالية لحمة وسدى ويوشحها بالذكريات حلوها ومرها، الغائر منها في أخاديد القلوب والمتموج منها في العيون وفوق صفحات الوجوه.‏

وقد تأثرت نشأة المقاومة الوطنية اللبنانية بالمقاومة الفلسطينية وتتلمذت عليها في مرحلة من الزمن، ثم لم تلبث اللبنانية، لا سيما بعد حصار العدو لبيروت وما كان من مرارات وتحديات ودماء ودمار من جراء همجية الاحتلال الصهيوني من جهة وتشتت الفلسطينية بين ضفاف عربية ودولية وخيارات " سلموية أوسلوية "، لم تلبث أن تجاوزتها لتقدم لها درس تحرير الجنوب في مرحلة نضالية لاحقة ليكون حافزاً كبيراً على متابعة خيار المقاومة، حيث تفردت الجنوبية بنصر على العدو الصهيوني ما زال يرفع رؤوسنا نحن أبناء الأمة العربية ويمدنا بالأمل الكبير اليوم في موسم ذكراه الثانية كما تمدنا المقاومة الفلسطينية البطلة بعزم وأمل أكبر بعد صمودها الرائع في مخيم جنين وعملياتها الاستشهادية النوعية ضد الاحتلال في تل أبيب وحيفا والقدس والخضيرة وناتانيا وبتاح تكفا وريشون ليتسيون.. الخ وأخيراً في استراتيجية موجهة للمستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية وغزة، وهي تقوم مما كان يعتقد البعض أنه رمادها، تقوم قوية الإيمان والعزم بعد تفجر ذروة إجرامية صهيونية تجلت في مذبحة مخيم جنين وتدمير نابلس القديمة.‏

وتتزامن ظروف اعتلاء المقاومة الفلسطينية "للسور الواقي"، الذي ما زال يصنعه التحالف المدنس: الصهيوني ـ الأميركي وعملاؤه.. تحالف شارون ـ بوش وأتباعهما ويقيمه بدماء الأبرياء الفلسطينيين ودموعهم ومعاناتهم، وقفز أبطالها إلى الساحات الخلفية للمستعمرات الصهيونية، تتزامن تلك الظروف مع الذكرى الثانية لانتصار المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان التي تأتي على جناحي دم وربيع.. يأس وأمل.. موت وحياة.. صحوة شعبية عربية وهزال رسمي عربي مقيت.‏

لقد قدر كثيرون أن المقاومة الفلسطينية التي احتضنتها انتفاضة الأقصى وأمدتها بزخم جديد أنهكت إلى الحدود المضرة جداً، بعد أن تحملت عبء مواجهة الاجتياح الهمجي الصهيوني المستمر منذ الثامن والعشرين من شهر آذار / مارس 2002 ودافعت عن المدنيين الفلسطينيين في المخيمات والمدن والقرى المحاصرة ببسالة وتعرضت لخسائر بشرية ومادية وتم تدمير البنى التحتية التي تملكها، وقال القائلون: إنها لن تتعافى قبل مضي وقت طويل وربما لن تتمكن من استئناف عملياتها ضد العدو الصهيوني إلا بعد وقت أطول، هذا إن هي استطاعت أن تتعافى وتستعيد بنيةً ومبادرات كما أشار رموز العدو. وكان على رأس رهانات المجرم شارون وشركاؤه أن عملية " السور الواقي" التي يقوم بها جيشه سوف تجلب للكيان الصهيوني ما يسميه الأمن، وتنهي المقاومة والانتفاضة، وتمكنه من أن يعيد بنية المؤسسات الفلسطينية والإرادة والشخصية الفلسطينية وفق ما يقرره ويخطط لـه ويراه، وأن يفرض من خلال تلك الإعادة كل ما يريد على العرب المعاندين "المكابرين" وليس على الفلسطينيين وحدهم.‏

ولكن ذلك الرهان، أو اليقين ـ الحلم، انهار بفعل المقاومة الفلسطينية عند قدمي ذلك المجرم الذي لا يرى أبعد من أنفه ويقوده ضيق أفقه وطبيعته العنصرية وشهوته للدم وهوسه بالحرب من حماقة إلى حماقة ومن الخوض في دم مجزرة ضد الشعب الفلسطيني إلى الخوض في دم أخرى، فهذا هو دأبه منذ قبية إلى مخيم جنين مروراً بصبرا وشاتيلا وغيرها، الأمر الذي يجعله رمزاً مناسباً للشخصية الصهيونية بأبعادها النازية وممثلاً فعلياً للاحتلال وتوجهات التجمعات اليهودية المشبعة دينياً وفكرياً بالدموية والنزوع للإرهاب وارتكاب المذابح، لا سيما وأن أسهم شارون والروح والعقلية اللتين يمثلهما في الشارع الصهيوني ترتفع أكثر كلما وَلَغَ في الدم والجريمة والإرهاب أكثر.‏

وقد سجلت جريدة يديعوت أحرونوت الصهيونية انهيار نظرة أو نظرية شارون حول هذا النوع من الاستراتيجية لتحقيق الأمن كما سجلت تجاوز المقاومة الفلسطينية للمحنة حيث قالت الجريدة في 23 أيار/ مايو الجاري: " بعد أربعة أسابيع من انتهاء عملية <<السور الواقي>> نجحت المنظمات الفلسطينية في تنفيذ أربع عمليات انتحارية خلال أربعة أيام. وكان التقدير المتشائم الذي أفصح عنه وزير الدفاع بأن المنظمات سترمم قدرتها خلال شهر، قد تحقق. كذلك فإن اعتقال أكثر من 25 انتحارياً وانتحارية منذ نهاية العملية، والخطط الكبيرة التي تم كشف النقاب عنها في لجنة الخارجية والأمن تشهد على أن الإرهاب الفلسطيني نجح في ترميم نفسه." ـ لقد أوردت النص بمصطلحاته: "إرهابي، انتحاري، الإرهاب الفلسطيني.." كما جاء في الجريدة الصهيونية وأنا أرفض تلك المصطلحات الصهيونية وأعلي شأن الشهداء الفلسطينيين والمقاومين المجاهدين بوصفهم مدافعين عن الحرية والاستقلال ضد الإرهاب والإجرام الصهيونيين المتغلغلين في السياسة والتربية والعقيدة كما في الثقافة والأيديولوجيا والإعلام ـ ولكن نقيق فريق من العرب حول " ضرر المقاومة ومردودها السلبي على الشعب الفلسطيني وقضيته" أخذ يتصاعد في هذه الأوقات مرافقاً للحملة الأميركية ـ الصهيونية التي تروج لها سياسات عربية في هذا المجال، وبدلاً من أن يكون موسم ذكرى انتصار المقاومة في جنوب لبنان وعودة الحيوية للمقاومة الفلسطينية بعد الهجوم الوحشي الصهيوني عليها هو موسم إشادة بالمقاومة في الموقعين النضاليين وبما حققته كل منهما وموسم دفع للمقاومة وتعزيز لهذا الخيار الذي رفعته الجماهير العربية عالياً من محيط الوطن إلى خليجه، وموسم دعم وتأييد ودفع وتفحص لما يجب أن يتوفر للمقاومة لتستمر ويستمر الجهاد وروح التضحية في هذا النوع من الأداء الوطني والقومي الذي حرك الأمة وفتح أمامها أبواب الأمل، بدلاً من ذلك يستمر فحيح أصوات القائلين بضرورة لجم المقاومة والمشككين بجدواها والملوحين "بمردودها السلبي على النضال الفلسطيني"، وقد عبرت أخبار ذلك الفحيح عن راحة في الإعلام الصهيوني من خلال رصد وتتبع له، فقد جاء في صحف العدو تحت عنوان:" معارضة الاستشهاد" ما يلي: "عبّرت أقوال مسؤولين فلسطينيين عن الرأي الذي يزداد توطداً في الشارع الفلسطيني في الأيام الأخيرة، ضد العمليات الانتحارية. وقد عادت السلطة الفلسطينية مؤخراً إلى إدانة هذه العمليات، التي يرى كثيرون في فتح أنها تلحق ضرراً بالغاً بالموقف الفلسطيني في الساحة الدولية. وقد نجم هذا التغيير في موقف السلطة، بين أمور عديدة، عن الضغط الشديد الذي مارسته الدول العربية المعتدلة. وبالمقابل ما زالت دول مثل سوريا والعراق وإيران تدعم هذه العمليات." / يديعوت 20/5‏

ومن جانب آخر تستمر الحملة الدموية على الذين يتابعون نضالهم في صفوف المقاومة بإيمان، ويتحملون ملاحقة العدو وعملائه لهم ولأسرهم في كل بقعة من أرض ودقيقة من وقت، مؤكدين أنهم إنما يكتبون حتمية انتصار الأمة بدمهم وتضحياتهم، تستمر الحملة عليهم على الأرض من قوى الاحتلال وعملائه وفي الإعلام الصهيوني والغربي وبعض الإعلام العربي، كما تستمر على من يناصرهم بوصفه راعياً للإرهاب!؟ وهذا من عجائب عرب هذا الزمان وإحدى أكبر عجائب بعض مثقفيهم وسياسييهم؟! فتأمل يا رعاك الله ولا تضع كل الحق على العدو الصهيوني أو الأميركي فذاك عدو معروفة أهدافه ومتوقعة وسائله.. ولكن ما شأن " الصديق " لماذا يسلك دروب العدو !؟ أهو مضلل أم مغفل أم هو أكثر وعياً وحرصاً من ذوي الدم المقاتل على دمهم وقضيتهم وعيالهم وكرامة أمتهم ومقومات عقيدتهم؟! لو كان الأمر كذلك لتبدى في مبدئية ثابتة تقلع العين بمخرزها ولكن التقلب على حبال وأبواب ومبادىء يشير إلى نوع من التجارة بالدم والموقف والقضية حتى لا نذهب إلى أكثر من ذلك.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |