صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ الشهادة حياة

لا أخفي غبطتي ولا تموّج روحي أشعة ظمأ فوق هضاب فلسطين تنتشر غماماً يرغب في الهطول هناك موعوداً وواعداً بنصر قريب، ولا أخفي زهوي بأخوتي الذين يقدمون للأمتين العربية والإسلامية وللبشرية بوجه عام أنموذج المجاهدين والمناضلين الأشداء، فرسان الحرية الحقيقيين المتمسكين بالحق والأرض والعدالة والقيم، وهم يرخصون أرواحهم ويبدعون في وسائلهم الدفاعية متخذين من أجسادهم وإرادتهم أسلحة حين يعز السلاح ويشتد الحصار ويعربد الشر ويقتحم عليهم العدوان الصهيوني ـ النازي الجديد ساحات منازلهم وحصون أرواحهم.. يبدعون في الأداة والوسيلة وتقديم الأنموذج للمفتقرين إليه دفاعاً عن النفس والحق والكرامة والعقيدة وأرض الآباء والأجداد.‏

أولئك أخوتي بهم اعتزازي ولهم نشيدي ومنهم نشوة روحي وتجدد أملي بأمتي.. هم مصابيح هذا الدجى الساجي من حولنا يلفنا ويلف أنظمتنا وجيوشنا وأسلحتنا بقتامة لا تليق بنا أبداً ويجعلنا صوتاً بلا صدى في فضاء بلا مدى. أخوتي الاستشهاديون هم مصابيح ليل يخترمنا سواده.. تخترقه رسل النازية الجديدة صواريخ شهباً يرسلها شارون وبوش حاملة موتاً ودماراً وقهراً ورعباً إلى الأبرياء المسالمين الساعين في منازلهم إلى أمن من جوع وخوف.. ووطن يستظلون بسيادته ورايته وكرامته.. لهم فيه دولة تمثلهم وقوة تدافع عنهم وسيادة تنطق باسمهم وتمثل مصالحهم وتدافع عنها، شأنهم في ذلك شأن كل أبناء البشر على أرض البشر التي جعلها الله للناس سكناً آمناً منها يخرجون وإليها يعودون وفيها سبل عيشهم الذي يبغون.‏

إنهم أخوتي الذين أرد اتهام الإرهابيين لهم بالإرهاب مخرزاً في عيونهم وشوك صبار في حلوقهم وقلقاً مستديماً يؤرقهم ليل نهار أنى كانوا، وهم جواب الأمة على دعاة الاستسلام وتصفية القضية وهزيمة الروح والإرادة وموت الجسد حياً والكرامة في قامات تذرع الأرض جيئة وذهاباً في امتداد لا معنى ولا قيمة له يجسد بالاستسلام والهوان في آن... أخوتي هم الذين أعلنت سرايا القدس باسم دمهم واستشهادهم حياة جديدة في الناس بعد وقت من يباس داخل النفوس ولامس بعض مواطن الضعف والخوف فيها على الانتفاضة والمقاومة... وعززوا الأمل في كل نفس عربية تتعلق بتاريخها ومقدساتها وكرامتها، إنهم فرسان الأقصى المباركين بدم زملائهم من فتحي الشقاقي إلى منفذ عملية مجدو، إنهم الفصيل العسكري لمنظمة الجهاد الإسلامي، أحد فصائل أخوتي الذين ينتشرون في فضاء وطن العرب وأرض فلسطين قوة مقاومة تمتد من فصائل الشعبية وفتح إلى حماس والجهاد، فصائل أعلنت مسؤوليتها عن العملية الاستشهادية التي وقعت يوم الأربعاء الخامس من حزيران 2002 قرب سجن مجدو جنوب حيفا على بعد 15 كم من جنين مدينة الشهداء في فلسطين المحتلة، وألحقت العملية بالعدو الصهيوني المحتل ستة عشر قتيلاً واثنين وأربعين جريحاً معظمهم من المجندين والمجندات الصهاينة.‏

وتأتي هذه العملية الاستشهادية التي نكبر القائمين بها كل الإكبار وندين لهم بحماية أرواحنا وإرادتنا من الضعف آمالنا من التآكل، تأتي لتهدم وهم "السور الواقي" الذي يقيمه الصهاينة بالدم واللحم الفلسطينيين حول مواقع الاحتلال بعد أن انتهت حملة بنائه الأولى بمذبحة في مخيم جنين وبتدمير نابلس القديمة، وحصار كنيسة المهد لعدة أسابيع.. إلخ حيث قام شارون ذو التاريخ الحافل بالمجازر، من قبية في عام 1953 إلى مذبحة مخيم جنين 2002، قام بمسلسلات القتل والتدمير والاعتقال والحصار والملاحقة للشعب الفلسطيني في المخيمات والمدن والقرى المحتلة ليقدم لليهود المحتلين ما يسميه الأمن فقدم لهم المزيد من الموت والقلق وللمنطقة المزيد من الاضطراب، وأثبت فقط أنه الممثل الأبرز للنازية الجديدة وأنه الوريث الأول بامتياز للذين أقاموا معسكرات التعذيب والتصفية في أوشفيتز وبوخنفالد وشنوا الحروب العدوانية على الآخرين في القرن العشرين.‏

وإذا كان شارون ما زال يجد في القوة الوحشية والعدوان الهمجي والتصفيات الجسدية ومحاولة قهر الآخرين مداخل وحيدة لتحقيق الأمن فلأنه لا يملك أفقاً معرفياً وروحياً وخلقياً أبعد من ذلك ولا يعرف سوى العدوان وتحريك الآلة العسكرية لصنع حقائق القوة على الأرض، وقد أفلح في مركَزَة الشر في مواقعه النفسية والخلقية وفي ومواقع أتباعه والمعجبين به من الصهاينة في الأرض المحتلة التي سرقوها، حتى غدوا الأنموذج لذلك النوع من البشر الأشرار الذين لا يملكون إنقاذاً لأرواحهم من مفستوفليس ويزدادون ولوغاً في الدم والإثم والشر ولا يرون ما هم فيه من عدوان وعار. وشارون لا يملك بعد كل عملية استشهادية تتم ضد الاحتلال إلا أن يتهم عرفات ويحمله مسؤولية حدوث ذلك، فهو من جهة يبحث عن ذرائع ليستمر في الاجتياح والحصار وتنفيذ مرحلة في المشروع الصهيوني تحسب له تاريخياً وتبقيه في الحكم لدورة قادمة، بشعور كبير نشوة لأنه لا يؤمن إلا بسفك الدم وإشعال الحرائق. وهو يفعل ذلك من جهة أخرى ليلغي شركاءه فيما يسمى عملية السلام ليتابع قضم الأرض، وهو يعرف جيداً أن عرفات لا حول له ولا طول فيما يقوم به المقاومون الفلسطينيون الذين يرفضون أوسلو وعرفات ومسار التنازل الذي يتبعه، ويرفضون وصفه للشهداء بأنهم إرهابيون، ويرفضون إدانته لجهادهم في سبيل الله والوطن والحرية، ويعرفون أنه إنما يفعل ذلك لكي يرضي شارون وبوش وزعماء عرباً يحملون آراء بوش وشارون ويروجونها في أوساط سياسية وثقافية وإعلامية عربية، ويفعله لكي يبقى في سدة الحكم إلى أن... !؟!‏

وهذا النوع من العقول لا يستطيع أن يفهم معنى التضحية بالنفس من أجل الحرية والوطن، ومن ثم لا يدركون سر الشهادة على أنه سر الحياة ونوع أعلى من أنواع البقاء، وأن الشهادة حياة لأنها تجدد في المظلومين الأمل والحياة وتدفع باتجاه العمل والجهاد من أجل بلوغ الغايات، ولأنها بالمعنى الديني حياة: " "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون". صدق الله العظيم.‏

لقد ارتفع الشعب الفلسطيني إلى مرتبة شعب الشهداء.. مرتبة الاستشهاديين النوعيين الذي يتقربون بدمهم إلى الحرية والتحرير ويدفعون ثمن ذلك غالياً ويتعلقون بما ينبغي أن يتعلق الإنسان به من قضايا عادلة، وهم يقدمون للعالم ولأمتهم الدليل تلو الدليل على تمسكهم بعقيدتهم الإسلامية التي تعني: الحرية والهوية القومية والانتماء والقيم الرفيعة التي تعلي حياة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار.. العقيدة التي تمنع أتباعها من قبول الحياة مع الذل وتدفع المؤمنين بها إلى التضحية والاستشهاد دفاعاً عن النفس والحق والأرض، وتحث على رد العدوان بمثله " ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم. ".‏

وعلى من يبحث لقضية فلسطين عن عنوان خارج حدود العناوين القائمة: عرفات أو القيادات البديلة التي يتم تصنيعها صهيو ـ أميركياً، أو يبحث لها عن حلول تفرض على الشعب الفلسطيني من خلال مؤتمر الرباعية: "الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوربي وروسيا الاتحادية والأمين العام للأمم المتحدة" المنتظر عقده هذا الصيف في تركيا، ومن خلال الحديث عن مرجعيات دولية وعربية منها ما تضمنه إعلان بيروت في القمة الأخيرة، عليه أن يدرك جيداً أن هناك عنواناً لا يمكن تجاوزه بأية حال من الأحوال وإلا فلا حلول وهو الشعب الفلسطيني ومقاومته بفصائلها المتمسكة بالأرض والهوية والعقيدة والكرامة وبحقوق ذلك الشعب وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير والسيادة التامة، وبالقدس عاصمة لفلسطين، وبفلسطين كلها أرضاً تاريخية للشعب الفلسطيني الذي تتقدم سرايا شهدائه على طريق تحريرها يوماً بعد يوم وجيلاً بعد جيل، وهو ليس وحيداً في معركته ومطالبه واستعداده للتضحية والشهادة.‏

لن يستطيع شارون نقض بناء المقاومة والشهادة، ولن يستطيع شريكه بوش نقض بناء الإسلام وقيمه لينهي الجهاد والشهادة ومعانيها وقيمها من حياة المسلمين ويضع المقاومة الفلسطينية وقضية التحرير في موقع الإدانة والملاحقة ويقطع عنهما الدعم المعنوي والمادي ويحشرهما في معزل من المعازل التي يقيمها في العالم باسم الدفاع عن الحرية ومكافحة الإرهاب، لن يستطيع فعل ذلك لأن ما يصنعه هو عدوان على الحياة بمعانيها وجذورها العميقة وقيمها وتاريخها على الأرض، وعدوان على الحرية وهو الإرهاب بعينه، ولا يستطيع بوش أن يوظف حكاماً في الوطن العربي للقيام بهذه المهمة لأنهم سيجدون أنفسهم معزولين وفي خطر أشد من ذاك الذي هم فيه اليوم، وعليه أن يدرك أنه حين يفعل ذلك ليطمئن الكيان الصهيوني على ما سرقه من أرض الغير وما ارتكبه من مجازر وجرائم بحقهم، فإنه يستنفر المتعلقين بالحرية والحياة إلى دروب الشهادة لتكتب لهم ولسواهم الحياة، وهؤلاء سوف يعزلون ـ إن عاجلاً أو آجلاً ـ الحكام الذين يسخرهم لتحقيق أغراضه وأهدافه قبل أن يستطيع أولئك الحكام وضع رقاب المقاومين والمجاهدين في قبضته وقبضة شركائه في الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني: أرئيل شارون وبقية الرموز الإجرامية في الكيان الصهيوني. ولن يستطيع الملوك والرؤساء العرب أن يبيعوا لبوش قضية أمة ودم شهدائها ومبدئية نضال أولئك الشهداء والمؤمنين بأهدافهم الوطنية والقومية حتى لو فتح البعض منهم " حصالته " على مداها وتلقى ما يمكن أن يتلقى من دعم ومال لكي يحقق ذلك، لأن تلك قضية حين تنطلق مع الدم المتفجر جهاداً وشهادة من جسد شهيد تصبح قضية الشعب والأجيال العربية القادمة ولن يستطيع أن يوقفها حاكم أو نظام، ولأن من يفعل ذلك من العرب لا يملك أن يأمن على نفسه وكرسيه ونظامه من غضب الشعب فكيف به وهو يؤمِّن سواه بوعد أو توقيع لا يحترمه الشعب؟ ومن يفعل ذلك من العرب ـ وهناك من لديهم الاستعداد لفعله ـ لن يأمن على نفسه ونظامه مطلقاً والسادات المقتول بفعله مثال حي على ذلك.‏

الأمة ترفض المساومة على دم الشهداء والأكثرية الصامتة ينبغي ألا توحي لأهل الرأي والحكم والاستنتاج بموافقة على ما يخرصون، ولا يجوز أن يقرأ صمتها على أنه تخاذل وتسليم وموافقة على برنامج التصفية لقضية فلسطين وللمناضلين على طريقها بأي حال من الأحوال، ومن يفعل ذلك يؤسس لمرحلة مظلمة من الوهم، ويغش نفسه قبل أن يغش غيره، ويزيد في أمد المعاناة وقسوتها، ويؤخر ساعة التحرير ويزيد من تكاليفه ويمعن في أنواع من الغش، ولا يلبث الغش في الأحوال جميعاً أن يظهر بوضوح وظهوره يستدعي محاسبة أهله، لأن العدو الصهيوني لا يمكن التعايش معه، ولا بد من تحرير الأمة من وجوده بدءاً بفلسطين.‏

الشهادة حياة ومن يرى الشهداء أمواتاً بكل المعاني فإنما هو شخص ينقصه الإيمان أو لا يأخذ به، وتنقصه البصيرة أو لا يأخذ بها، وربما يكون قد ماتت في نفسه الأهداف التي قضى من أجلها الشهداء والنخوة التي دفعتهم إلى التضحية بأنفسهم من أجل الشعب والقيم التي تدفع الأشخاص للتحرك والتضحية من أجل قضية قومية ووطنية وإنسانية عامة. ومن يتنكر للشهداء ويدين فعلهم هو شخص انسلخ عن قضيتهم وأهدافهم وقيمهم. وعندما تكون أهداف الشهداء وقضاياهم قومية ووطنية تتعلق بالحرية والتحرير والدفاع عن النفس والدين والحق والكرامة العامة للشعب وتتصل بمصير الناس وحياتهم وعقيدتهم وانتمائهم فإن الانسلاخ عنها يعني انسلاخاً عن الانتماء للشعب والوطن أو قصوراً في فهم الواجب الاجتماعي والوطني والقومي، أو الصدور عن رؤية مختلفة في التوجه والمعالجة وأساليب الدفاع، أو هو خيانة لتلك القضايا والأهداف والانتماءات. ولكلٍ حرية الاختيار وعلى كلٍ عبء ما يختار.‏

والله ولي التوفيق‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |