ـ
انتصار الثورة الجزائرية
يحتفل الشعب الجزائري
الشقيق بالذكرى الأربعين لانتصار ثورته المباركة على الاستعمار الفرنسي، في الخامس
من تموز/ جويلية من كل عام منذ 1962 بمناسبة انتصار الثورة الجزائرية: عيد عربي
وآخر للشعوب التي عانت من الاستعمار يتم الاحتفال بهما، غير أن السنوات العشر
الأخيرة أدخلت الجزائر في مواسم رعب أذهلت الناس عن الاحتفال بتلك المناسبة
العظيمة. وتعود الجزائر اليوم إلى أمسها ونصرها لتجدد العهد لشهدائها ومجاهديها
الذين صنعوا النصر، تجدد لهم العهد على حمل الأمانة وصيانة الاستقلال واستمرار
العمل من أجل جزائر حدد ملامح نضالها، إن لم يكن هويتها، الشيخ عبد الحميد بن
باديس عندما قال:
|
شعب الجزائر مسلم
|
|
وإلى العروبة ينتسب
|
وأمام مشهد الجزائر تحت
الاستعمار، والجزائر في الأول والثامن من أيار / مايو 1945 وأمام الجزائر الثورة،
وأمام مشهد الجزائر اليوم.. أمام هذا المشهد الذي يختصر تاريخ الشعوب في نضالها من
أجل الحرية والتقدم وتصديها للاستعمار والاستلاب ومحاولات تزييف الهوية والتاريخ
في ذهن الأجيال، أمام ذلك كله أجدني وقلمي وكلماتي محاصرين بنوع من الذهول ونوع من
العجز.
أما الذهول : فلهول ما
لقيه شعب الجزائر وعمرانها واللغة العربية والإسلام فيها من عسف وبطش وتشويه
وتدمير وتزييف بكل الوسائل والأدوات والوسائل الممكنة لقتل روح الشعب بقتل وعيه
ولغته وعقيدته وحبه للحرية والكرامة وتعلقه بهما وبانتمائه التاريخي.
وأما العجز: فلقصور
الكلام وملكة التخييل والذاكرة عن استعادة ما كان من ألم وظلم ومعاناة وتضحيات
وصور من الإرهاب الدموي المقيت ذهب ضحيته مئات الآلاف من الجزائريين والجزائريات..
ومن لا يعجز عن تصور هذا المشهد واستعادته في أدوات التخييل وملكاته وفيه كل ذلك
الامتداد للهول والدمار والموت وغطرسة القوة وصمود الإرادة والعقيدة والروح أمام
عوامل التدمير وأدواته، فكيف يجمع ذلك المشهد الذي امتد نيف ومئة وواحد وثلاثين
عاماً /1830 ـ 1962/ في رؤية وتعبير وكيف يوفى بعض حقه، إذ شتان.. شتان بين من
يكتب خلاص أمته بدمعه ودمه وبين من يكتب عن ذلك الخلاص وفصوله ورموزه أسفاراً
بقلمه!! فذاك دفع ويدفع حياته ثمن الموقف والخلاص، وهذا يجعل الموقف والخلاص سبباً
في الحياة وسبباً إليها، فشتان بين بائع روحه من أجل حياة الآخرين والأجيال
القادمة والوطن وبين من يشتري بتضحية الآخرين حضوراً وشهرة وسلطة وسطوة من أي نوع
على الآخرين والأجيال وفي الوطن؟؟ شتان بين الدم والحبر وشتان بين روعة الاستشهاد
وحشرجة المداد. ومع ذلك فكل يدعي وصلاً بليلى، وقد يزايد الحي على الشهيد الحي
ويستلب منه موقفه ودمه أو يشوه صورة استشهاده وتألق دمه!؟ ولكن .. مع ذلك ورغم ذلك
يبقى للكلمة ما يبرر صوغها ويبقى لها في العالمين دورها البناء، فالكلمة حياة
والكلمة موقف والكلمة مسؤولية، وقد يوجه الكلام نثراً وشعراً.. نخوة وفكراً، قد
يوجه السلاح والجهد وحركة البناء. ولقد كتب الأدباء والكتاب والمفكرون والمثقفون،
والعرب منهم على الخصوص، كتبوا عن الثورة الجزائرية فكانوا معها وقلة قليلة كانت
ضدها، وكان إبداعهم سلاحاً يضاف إلى السلاح، ولا بد من استعادة ذلك الأداء الذي
ساهم في تخليد ثورة شعب وقضيته وتضحياته ورموز تلك الثورة وشهدائها وأهدافها،
ليكون ذلك بمتناول الأجيال التي يدور القتال حول ذاكرتها وتوجهاتها ومواقفها
وخياراتها المستقبلية هذه الأيام، ولينعش الذاهب ذاكرة القادم ويغرس فيها خلاصة التجربة
والتاريخ فيسهم في تكوين الذاكرة من جديد وفي إنعاش حوادث التاريخ ودروسه لكي تعيش
الأمة حاضرها وتبني مستقبلها في ضوء معرفة وتجربة ووعي لا بد منه ولا غنى عنه
بالنسبة للشعوب والأمم، فشعب بلا تاريخ هو شعب بلا ذاكرة، وشعب بلا ذاكرة هو كتلة
من الهيولى تشكله الأمم والقوى على هواها وتدحرجه في الاتجاه الذي تريد خدمة
لمصالحها أو تدميراً لقيمه ومصالحه.
في مشهد الثورة
الجزائرية وانتصارها المجيد، وفي أربعينية نصرها المزدهي بالبناء أستل من ذلك
المشهد المهيب البهي الغني شعاع ذكرى لأذّّكر وأذكِّر، لعل الذكرى تنفع المؤمنين.
قبل إشعال جبهة التحرير
الوطني الجزائري لفتيل الثورة في الساعة صفر من اليوم الأول من شهر تشرين الثاني /
نوفمبر 1954، وفي خضم تفاعلات أحداث الأول والثامن من أيار / مايو 1945 التي سقط
فيها في سطيف وقالمة أكثر من خمسة وأربعين ألف شهيد حاول السيد فريدريكس Frederix شأنه شأن سواه من الكتاب الفرنسيين والمتفرنسين، يساريين
ويمينيين، أن يقدم صورة مشوهة ومزيفة عن مفهوم الوطنية وروحها العالية في الجزائر
ولدى الشعب الجزائري فقال: " إن الوطنية هي بالنسبة للجماهير الجزائرية رد
فعل شعب ينجب من الأطفال أكثر مما يستطيع بلده أن ينتج من الغذاء. " فردَّ
التعلق بالحرية والكرامة والاستقلال إلى فقر ويأس وأراد أن يفصل بين الجزائري
والقيم السامية الرفيعة والتطلعات الإنسانية الكريمة الكبيرة فأخطأ وتعسف وزور
الحقائق والوقائع ومارس بالكلمة دعاية استعمارية عدوانية سقيمة. وكان ذلك هو نهج
الاستعمار ونهج الكتاب الذين ارتضوا لبلدهم أن يكون عنصرياً واستعمارياً، وهو نهج
الصهيونية في فلسطين اليوم التي تمثل السرطان الاستعماري العالمي عبر تاريخ طويل،
فهي تقدم الثائر الفلسطيني والمقاوم النبيل والاستشهادي القدوة مجموعة يائسين وبعض
الاستعماريين الكبار يردون ذلك لسوء الأحوال المعيشية في الأرض المحتلة مجردين
الفلسطينيين كما جردوا الجزائريين في السابق من التعلق بالحرية والاستقلال والحقوق
الإنسانية العالية ليدرجوهم في درك البؤساء الذين يغنيهم الخبز عن الحرية، وذاك من
الاستعمار والعنصريات أمر عجب ولكنه يغدو أشد إثارة للعجب عندما يصبح نعيق من
يوالون الاستعمار والعنصريات البغيضة من أبناء الشعب الذي يتعرض للاستعمار
والممارسات العنصرية؟! ولكن السيد فريديركس لم يقل لنا من الذي أفقر الشعب
الجزائري، ولا كيف كان خمسة وعشرون ألف معمر، مستعمر، "كولون" يملكون ثلاثة
ملايين هكتاراً من مجموع الأرض الصالحة للزراعة ومن أفضل سهول "متيجة"
بين الجزائر العاصمة ووهران" الخصبة بينما يملك الشعب الجزائري كله بملايينه
التي تزيد على العشرة آنذاك ثمانية ملايين هكتار من الأرض الصالحة للزراعة في
الجزائر كلها؟! ولا كيف أصبح المستعمرون يملكون تسعة أعشار إجمالي الإنتاج العام
في الجزائر!؟
في هذه الأجواء أصبحت
طلائع المجاهدين الذين نذروا أنفسهم من أجل الحرية والاستقلال والوطن تكبر في نظر
الأجيال وتستقطب الاهتمام وتأخذ موقع القدوة، وأصبح الأطفال الجزائريون، نتيجة
الوعي بحقيقة من هم وماذا يريد آباؤهم، يستنكرون " أن يكون أجدادهم
"الغال" ويفتخرون بانتسابهم للعروبة والإسلام." وكان حداؤهم
ونشيدهم الله أكبر .واشهدوا. .
وأذكِّر الذين لا
ينصرون العربية اليوم أو يضعفون مكانتها ويناصبون العروبة العداء بقول النائب
الفرنسي جاك شوفالييه Jacque
Chevalier أمام المجلس
الوطني الفرنسي عام 1947 إذ قال رداً على مطالب الجزائريين باعتبار العربية لغة
رسمية: " إن جعل تعليم اللغة العربية إجبارياً يعني دفع المسلمين أكثر فأكثر
إلى الإسلام، ويعني ذلك نشر الإسلام وتمتين العلاقة مع الجامعة العربية وكل الذين
يريدون استقلال الجزائر. وأخيراً فإن ذلك يعني إدخال البربر تحت سلطة الإسلام عن
طريق العربية." ولنا بل علينا أن نتساءل اليوم: هل وقف البربر في يوم من
الأيام ضد سلطة الإسلام أم أنهم كانوا من أعمدته؟؟ وهل الدعوة لإضعاف اللغة
العربية هنا وهناك هي دعوة لإضعاف الإسلام أم لتحرير البربر من دينهم؟؟ أم أنها
دعوة لإضعاف البربر والجزائر والعرب والإسلام معاً؟!
إن الاستعمار ومنطقه
ومحاولاته الدائبة لهدم الشخصية الثقافية وزعزعة أركان الهوية القومية والوطنية
مستمرة، ونحن اليوم أمام وحش استعماري ينطلق من عقاله بعنجهية كبيرة هو الولايات
المتحدة الأميركية التي تريد أن تزلزل ثقافات الآخرين وعقائدهم وأوطانهم لتحقق
مصالحها بتكليف " إلهي " يجعلها مكلفة برسالة استعمارية عبر العالم.
ولكنها تخوض هذه المعركة وقد خسرت أهم أسلحتها التي كانت توهم بها العالم وهو
مبادئها فقد خسرت هذه الدولة قاعدتها الخلقية والإنسانية ولذلك وبسبب منه فهي
مقدمة على ارتكاب جرائم كبيرة ولكنها تصنع نهايتها في الوقت ذاته وتبدأ تلك
الخطوات من أفغانستان وفلسطين حيث أضحت عنصرية صهيونية أكثر من الصهيونية ذاتها أو
هما تتماهيان.
إن الأمم باقية مادامت
تعي ذاتها وحقوقها وهويتها ومصالحها وما يمايزها عن الأمم الأخرى، وهي باقية ما
بقيت على حق واحترام الحق، وحين تضعف ذاكرتها على أبنائها أن يجددوا تلك الذاكرة
وأن ينعشوا روح الأمة بإنعاش مقومات هويتها ووجودها ووجدانها وروحها المعنوي
العام، وعلينا أن نفعل ذلك اليوم في الجزائر التي تتعرض لمحنة وامتحان قاسيين
ويستهدفها بعض أبنائها إضافة للاستعمار الذي لم ينس جراحه وهزائمه على نحو ما، وهو
يركز على اللغة والثقافة والتمزيق، وقد تتقاتل جهات استعمارية من أجل السيطرة
والمصالح فتخوض حروبها بأيدي أبناء الأرض والوطن والهوية فتضعفهم لتربح وتتقاتل مع
الآخرين بأيديهم فتدفع المال وهم يدفعون الروح والوطن والقضية والمصالح. ولا بد أن
يقودنا الوعي بالمشكلات وأسبابها إلى مداواة أمراض الذات وعقابيل تلك الأمراض.
ولنا أن نسأل اليوم في
عيد النصر، عيد الشهداء المنتصرين، عيد المجاهدين الجزائريين الذين يطرح عليهم جيل
الشباب الجزائري اليوم بجهالة عمياء: لماذا كانت الثورة.. ولماذا كان الانفصال عن
فرنسا؟؟ ولكم ولنا أن نعجب : الانفصال عن فرنسا؟؟ ألا يعني ذلك أن الفكر
الاستعماري ينتشر على نحو ما ويفتت على نحو ما؟؟ وأن هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ
؟؟ وأن من يفكر في هذا المنحى يذهب بعيداً في الضياع أو الجهل أو النسيان أو
التجاهل، أو أنه أصبح أداة حادة بيد عدو ما لا يريد للجزائر المستقلة خيراً وهو
يقاتل أو قد يقاتل يوماً من أجل أهداف هوية وتبعية ومصالح لم يستشهد الجزائريون
ولم يقوموا بثورتهم من أجلها؟!
وعلينا أن نتساءل، ونحن
نرى من يشعلون النار بأطراف ثوب الجزائر ليلبسوها ثوب الحداد من جديد، ما ذا
تفعلون، ومن أجل ماذا" من يقتل الجزائر وانتصارها ولماذا؟ .. أياً كان لماذا
يفعل ذلك وفي الوطن فسحة للحوار؟! لماذا نقتل الجزائر الثورة، والمليون ونصف
المليون شهيد من أجل استعادة الاستقلال والحرية، لماذا نقتلهم من جديد في الوجدان
الوطني والقومي والإسلامي والعالمي، لماذا ندمر الذاكرة ونشوه صورة الأداء الوطني
الكبير الذي رفع اسم الجزائر وثورتها بين الأمم؟؟
إن الذي يفعل ذلك يحرق
الوطن والشهداء من جديد، ويعيد إلى الأذهان ما قام به الاستعمار في قالمة وسطيف من
حرق للجزائريين وهم أحياء، فتلك أفران غاز قبل الأفران النازية يجب أن يحاكم
المسؤولون عنها وكنا نحن العرب الجزائريين ضحاياها فلماذا ننسى؟!ومن يفعل ذلك يعيد
إلى الأذهان الجنرال الجهنمي كافانياك ومأساة قبيلتي بني رباح وبني صبيح اللتين
بعد إبادتهما وفرار بعض أفرادهما أو تفرقهم في القرى تم جمعهم وحرقهم أحياء وعددهم
خمسمئة ضحية. ومن فعل ذلك يبعث الرائد الفرنسي مونتانياك الذي كان يخفف قلقه وأرقه
وهياجه اليومي بقطع رؤوس العرب.
أيها الجزائريون تذكروا
جيداً لكي تفكروا جيداً، ولكي تعود الجزائر بيتاً لكل الجزائريين الذين يتربص بهم
أعداؤهم الدوائر وقد يكون لهم أعداء من أنفسهم، فلا يسقطن فريق منا في حفرة فريق،
أو يسقط الوطن في الفخ المنصوب لـه وللأمة العربية كلها. فعزل الجزائر على هذا
النحو وجعلها تلعق جراحها يقصيها عن قضية العرب الكبرى فلسطين وعن دور هام وكبير
يمكن أن تقوم بها، وهي صاحبة التجربة الكبيرة والدور النضالي الكبير في المقاومة
والتحرير ومواجهة أنموذج من الاستعمار الاستيطاني والإلحاق والمحو. فلتكن الجزائر
اليوم ومن بعد هذا اليوم في ثوب الانتصار والبناء البهي، ولتعمل مع الجميع وفي
مقدمتهم ليكون لشهداء فلسطين ولمقاومة الشعب الفلسطيني البطل انتصار واحتفال
بالانتصار في الغد القريب، كما لشهداء الجزائر ومجاهديها وثورة شعبها الأبي نضال
نعتز به اليوم بين الأمم، ونصر نحتفل به اليوم لأنه نصر للشعوب على الاستعمار ونصر
للحرية على الاستعباد، يوم نقول به لرأس العدو الصهيوني، الذي يقول اليوم لا
لفلسطين مستقلة ولا لدولة فلسطينية على جزء من الأرض، نقول لـه يوماً ما نقولـه
اليوم للرئيس جورج بومبيدو الذي قال " إن فرنسا ستبقى في الجزائر لأنها فرنسا
ولأنها إنسانية. " إن فرنسا لم تبق في الجزائر لأنها فرنسا ولأن الجزائر عربية
ومسلمة وأكثر إنسانية." نقول لرأس الأفعى الصهيونية ذات يوم: نعم لدولة
فلسطينية على كل فلسطين ولا للعنصرية والوحشية والنازية الجديدة ولاستعمار صهيوني
ووجود صهيوني كريه في أرض العرب.".
وذاك يوم آت لا ريب فيه
بعون الله.