|
ـ " الرباعية ": هل هي غطاء أميركي !؟
يُعقد في نيويورك يومي الرابع عشر والخامس عشر من تموز/يوليو2002 اجتماع "الرباعية" بدعوة من الوزير كولن باول، وقد دعي وزراء خارجية كل من مصر والسعودية والأردن، أي ما يسمى الدول العربية المعتدلة، إلى نيويورك ليطلعهم الوزير الأميركي على نتائج اجتماعات "الرباعية" وقد يحضر الوزراء المعتدلون جانباً من اجتماعات الرباعية بعد أن يكون اجتماع لجنة المبادرة والمتابعة العربية، الذي سيعقد يوم الجمعة 12 تموز الجاري في القاهرة قد بلور موقفاً عربياً مشتركاً من خطاب الرئيس جورج بوش المتعلق بـ " الشرق الأوسط "/ 24 حزيران 2002/ أي خطاب شارون بلسان بوش على وجه أدق الذي " تتعطر به إسرائيل " على حد تعبير زئيف شيف، وهي تسير في عملية" الطريق الحازم" بعد عملية "السور الواقي"، وكل ذلك خطو إجرامي فوق تراب مجبول بدم فلسطيني.
و" الرباعية تتألف من: خافير سولانا ممثلاً للاتحاد الأوربي، ووليم بيرنز: ممثل الولايات المتحدة الأميركية، وكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة وهو كما تثبت الحوادث المأمور الأميركي الأول أو المندوب السامي لواشنطن في المنظمة " الدولية"، وإيغور إيفانوف وزير خارجية روسيا الاتحادية. وهؤلاء الأربعة هم الذين سيبلغون المعتدلين العرب ما ينبغي أن يفعلوه ليتم وقف ذبح الفلسطينيين ورفع الحصار مؤقتاً عنهم وإعطاؤهم فرصة الدخول في اختبار مدته ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ انتهاء الانتخابات الفلسطينية المنتظرة في أوائل عام 2003 يثبتون خلالها أنهم قادرون على حماية أمن الكيان الصهيوني والفتك بإرادة شعبهم وتدمير بناه التحتيه عندها يفوزون بوثيقة حسن سلوك من شارون أو ممن يخلفه في رئاسة حكومة العدو يبصم عليها رئيس أميركي: بوش أو سواه، ومن ثم يمنحون بعد ذلك وعلى أساس من ذلك: دولة ذات حدود مؤقتة ومواصفات عجيبة تقام على أقل من 38% من أرض الضفة الغربية وغزة، فيما إذا اختاروا قيادة فلسطينية جديدة، تتوافق مع فرضية شارون التي عبر عنها شالوم يروشلمي حيث قال في 4/7/2002 " وفرضية العمل عند شارون هي أن القيادة الفلسطينية البديلة لا تريد سلطة إسلامية في المناطق، ولذلك فإنها ستحارب ضد حماس.".
وهنا بيت القصيد: حرب أهلية فلسطينية ـ فلسطينية على الطريقة الأفغانية باسم مكافحة الإرهاب تقدم لها كل من الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني دعماً غير محدود ويدعمها الأوربيون وسواهم وتسير إلى الهدف المرسوم لها باسم المجتمع الدولي: وهي الصيغة الأنموذجية لتمييع الموقف الدولي وإلغائه أو مصادرته من جهة والقيام بالعدوان والاحتلال وصور الإرهاب الصهيوني الأميركي باسمه من جهة ثانية، وإلا فلا مال ولا "دولة" ولا رضا ولا تأييد !؟ وذلك كله للقضاء على المقاومة ومن يدعمها ويراها طريقاً مشروعاً للتحرير، ولإزالة معوقات فرض حلول استسلامية لقضية فلسطين يقبل بها فلسطينيون تحت ضغط المجتمع الدولي وبعض العرب، ثم يبتلعها العرب ويباركونها باسم قبول الفلسطينيين لها .. وباسم "ليس بالإمكان أفضل مما كان.".
والحرب الأهلية المطلوبة هي ما تزحلق إليها عرفات أو كاد يغرق فيخوضها بعد توقيع اتفاق أوسلو، لا سيما عام 1996، عندما لاحق المقاومة الفلسطينية: حماس والجهاد الإسلامي والمنظمات التي تعارض أوسلو، ثم اكتشف عمق الهوة أو مُنع بشكل ما من الانصياع للرغبة الإسرائيلية ـ الأميركية السوداء الملحة تحت ضغط الوعي في الشارع الفلسطيني ورفض بعض العرب لذلك النهج. والمطلوب اليوم أن يؤدي نهج الرباعية كواجهة دولية إلى فرض حل تتبناه قيادة تتمتع بثقة تلك الواجهة: "المجتمع الدولي" وتأييده ودعمه وتحوز رضاه وتثير إعجابه كلما ولغت أكثر فأكثر في الدم الفلسطيني، وبمقدار ما ترتكب من مذابح وحماقات ترزق وتكرم وتُدعم وتكبر وتنال رضا بوش وشارون وبقية الرموز الصهيونية؟!
و"بوش وشارون متفقان على عدم التحدث إلى عرفات وعلى دعم الإجراءات التي تعكف على اتخاذها أجهزة المخابرات في دول المنطقة لإطاحة عرفات." كما قال شمعون شيفر في يديعوت أحرونوت. ويبدو أنهم يرونه ورقة قد استنفدت أغراضها وانتهت وجاء دور من يلعب ورقة أخرى. ولا أظن أن رهان المرحلة القادمة الأهم سيكون على: عرفات هل يبقى أم يذهب، فليست تلك هي المشكلة الأكثر خطورة الآن، فالإدارة الأميركية تمهد لكل الاحتمالات على الرغم من أنها لا تريد عرفات، فهي تمهد لزواله والانقلاب عليه والتعامل معه بعد إعطائه دوراً صورياً في حال إصرار الشعب الفلسطيني على انتخابه؛ ولكن المشكلة الأساسية من وجهة نظري هي: هل سيبتلع الشعب الفلسطيني طعم الدولة الانتقالية ويميل إلى التخلي عن المقاومة، ونشرق بالقول: هل يقبل بعضه بمقاومتها، أم أن المقاومة ستبقى وتتجذر وتصبح الخيار الأول أو الخيار الوحيد المبارك من جماهير عربية أو الجماهير العربية؟! وأن إرادة التحرير سوف تستمر بوصفها الحل الوحيد لصراع الوجود العربي ضد الاحتلال الصهيوني ومشروعه العنصري الاستيطاني؟!
إن حل الرباعية يستند إلى خطاب الرئيس بوش وكل من يدخل دائرته متقدماً باقتراح أو مشروع أو تعديل هو مكلف مأذون لـه باللعب في هوامش دائرة الخطاب، وخطاب بوش هو خطاب شارون بإقرار من معظم الأطراف المعنية والمراقبين والإعلام المتتبع للحدث، ولن يحيد بوش عن خطابه ولن يسمح لـه الصهاينة بذلك حتى لو أراد، ولكنه قد يتوسع في هوامش معينة ليرضي تطلعات معنية بالاستراتيجية الأميركية والمصلحة " الإسرائيلية " قبل كل شيء.. يكسب عرباً إلى صفه في حربه التي يعلن أنه سيشنها على العراق لتغيير النظام فيه، ويمهد لدخولها بزخم سحب البساط من تحت أرجل عرب يقولون بضرورة إيجاد حل لقضية فلسطين.. وهذا هو حل يلقى إليهم فإما أن يبلوه وإما أن يحكم عليهم " المجتمع الدولي بأنهم اختاروا الإرهاب فوقع عليهم " غضب" السيد بوش.
وخطاب بوش مهما قال عنه وقال فيه كل من: الرئيس عرفات والعرب المسمون معتدلين ومهما ستقول عنه وفيه لجنتا المبادرة والمتابعة العربيتان باسم الجامعة العربية، هو خطاب مقيت منحاز أسود مبالغ في تجنيه على العرب وممالأته للعدوان والاحتلال، وهو ينطوي على إذلال للأمة واحتقار للقمة العربية التي قدمت مبادرة سلمية تحت عنوان " إعلان بيروت" ولرأي ورؤية كل من زاره في البيت الأبيض من العرب متوقعاً أن يضعه في موقع معرفة أفضل تفضي إلى حل أعدل، إنه خطاب الاغتصاب النهائي للأرض إذا ما مال العرب إلى الأخذ به وخطاب إعلان الحرب عليهم إن هم رفضوا الانصياع لما فيه من غطرسة وتهديد وانتهاك للحقوق، واتهام للمقاومة العربية وللشعب الفلسطيني ومن يدعم حقه في الدفاع عن نفسه ويدعم جهاده من أجل تحرير أرضه بأنه إرهاب.. فالخطاب والخطيب والموحي بالخطابة ومادتها هم أعداء للحق والحرية ولمن يتعلق بكل من الحق والحرية ويدافع عنهما في عالم توسخه الرؤية الأميركية الصهيونية لـه وهي رؤية مبنية على مصلحة مادية وروح عدوانية وتعال أجوف ومجرد من القيم الإنسانية النبيلة والثوابت المبدئية الخلقية. وهو: أولاً وقبل كل شيء مرفوض من القاعدة الشعبية العربية بشكل عام، وتحمل كل غمغمة لصالحه شعوراً بقهر القوة المتغطرسة الذي يغلق بعض السبل الرحبة أمام الإنسان في الحياة حينما تحاصره القوة بالحقد والموت والنار فيضطر إلى "الانقهار" أو الانفجار.
حل الرباعية الذي هو غطاء دولي لحل أميركي فرضه شارون وتلفظ به بوش في خطاب بتاريخ 24 حزيران 2002 هو الذي سينفذ؟! وهو كما أسلفت لا يخرج عن دائرة خطاب المقت ولكنه يقدم بعض الآليات لـه ويحرك بعض هوامشه، وقد قدمت للجنة اقتراحات هي هوامش على المتن المشار إليه من الاتحاد الأوربي والدانمارك وألمانيا، وسوف أتوقف قليلاً عند الورقة الألمانية:
قالت ناطقة باسم الخارجية الألمانية حول الورقة الألمانية المقدمة للرباعية: " طرحنا ورقة عمل يمكن تبنيها بشكل مشترك لأن فيها جانباً كبيراً مما قاله الرئيس الأميركي." ورضا الرئيس بوش أساس ولكن الورقة ما كانت لتأتي لولا إشارة أميركية فحواها الحرص على إيجاد مخارج للطرق التي سدها خطاب شارون ـ بوش. وقد وضع مسودة الورقة يوشكا فيشر وزير الخارجية الألمانية وقدمها في أربع صفحات لأطراف الرباعية. وملخص ورقة يوشكا فيشر: يعين عرفات رئيس حكومة انتقالية حتى بداية الانتخابات بداية عام 2003 ـ مرحلة انتقالية حتى نهاية عام 2003 تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مؤقتة، غير مرتبطة بحل القضايا النهائية كالقدس والحدود.. وتنتهي أواخر عام 2005 أي بتاريخ إقامة الدولة الفلسطينية الدائمة ـ مفاوضات تنتهي في عام 2005 تسفر عن قيام دولة فلسطينية دائمة. وعلى الجانب الإسرائيلي بالتوازي أن يقوم بما يلي: رفع الحظر عن الضفة وغزة ـ تأسيس تعاون أمني مع الجانب الفلسطيني ـ أن يمتنع عن بناء مستوطنات جديدة ـ وأن يوقف مصادرة الأراضي، ويعين مجلس الأمن مفوضاً دولياً يمنحه سلطات تنفيذية للإشراف على الإصلاحات.
وأسجل الملاحظات الآتية:
ـ تهميش دور عرفات فيما إذا أصرت على بقائه الأنظمة العربية وانتخبه الشعب الفلسطيني، وذلك بوضع رئيس حكومة هو المعترف به دولياً وليس عرفات، فإن قبل واستكان فبها ونعمت، وإلا فهو الصراع المميت أو المقيت على السلطة وهو المطلوب صهيونياً.
ـ الحكومة الانتقالية التي تبدأ عملها بعد الانتخابات المقبلة ليست معنية بحلول جوهرية للدولة المقبلة أو لجوانب رئيسة في القضية وفيما يخص الدولة مثل: الحدود والقدس وحق العودة، فهل سيتم اللعب على تناقضات فريقين فلسطينيين أحدهما معني بالحلول النهائية لا دخل للحكومة الانتقالية به، والآخر هو الحكومة المعترف رسمياً بها وبرئيسها!؟ ومن سيضمن موقفاً فلسطينياً موحداً ومطالب فلسطينية رئيسة تتصل بأسس قيام الدولة وتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني التي تحميها القوانين الدولية وتنص عليها قوانين صادرة عن مجلس الأمن ؟!
ـ سوف يعين مجلس الأمن مفوضاً دولياً يشرف على الإصلاحات، أي على عمل الحكومة الانتقالية ورئيسها، والإصلاحات تشمل تعيين الأشخاص وإنهاء تعيينهم ومحاسبتهم إضافة إلى الأنظمة والقوانين والإجراءات الأخرى. ومن تجربة المفتشين في العراق سنجد ممثل مجلس الأمن شخصاً من الموساد أو من الـ C.I.A وسيبني حكومة أو دولة ملحقة بالمنظمتين اللتين تتمتعان بسمعة لا تحسدان عليها. وفي ذلك إبادة مستمرة لروح الاستقلال والحرية لدى الشعب الفلسطيني.
ـ ما الذي يضمن لنا أنه في نهاية عام 2005 ألا يقول الصهاينة وحلفاؤهم الأميركيون أن الشعب الفلسطيني ـ من خلال ممثليه المختارين ـ لم ينجح بامتحان الثقة ليفوز بدولة يعترف بها الأميركيون والصهاينة المحتلون، ومن ثم فأنه باسم المجتمع الدولي، أو رغماً عنه وهو التابع أو شاهد الزور، تسحب الثقة من دولة هي أصلاً مؤقتة؟! ويتم ذلك في وقت تكون فيه كل المستوطنات التي أسسها السيد شارون وسواها قد قويت وأخذت تنتشر سرطانياً فيما تبقى من أرض فلسطين!؟ ويشفع لنا في التوجه بتفكيرنا هذا الاتجاه أن الورقة الألمانية وخطاب السيد بوش لما ينصا على تفكيك مستوطنات وإنما على وقف بناء مستوطنات جديدة ؟! وتلك نكتة أميركية ـ صهيونية سمجة لأن ما تم التخطيط لـه وإقامة " براكيات " خشبية لتحدد مواقع مستوطنات سوف يستغرق أكثر من خمس سنوات لبنائه، وعلى هذا فإن الاستيطان لم يتوقف ولم يتأثر وإنما يلعب مسؤولوه في الوقت الضائع على العرب وحدهم.
ـ لم تطلب ورقة فيشر، أي الهامش على خطاب بوش، شيئاً من الصهاينة سوى أن يخففوا من الذبح والحصار.. لكنهم سوف يستمرون في مسلسل الإبادة المرسوم من خلال ما يعلنون أنه دفاع عن النفس ضد عرب ينجبون أطفالاً لا بد أن يكونوا إرهابيين في يوم من الأيام ولذلك فإن تصفيتهم أو اصطيادهم على الطريقة الأميركية مع الهنود الحمر هي نوع من الدفاع عن النفس وفعل مشروع من وجهة نظر السيد الأقوى في العالم؟
ماذا سيقول العرب المعتدلون لنا ولأصدقائهم وللعالم ولأطفال فلسطين عندها؟! هل سيقولون: خدعنا السيد بوش كما خدعنا السيد شارون؟! صح النوم.. أو طاب... الموت.. لا فرق .. هذا ما سيقوله الشامتون أو المراقبون.. لا فرق أيضاً، فقد تلهت بنا الأمم كثيراً وستبقى كذلك إن نحن بقينا على ثقتنا بالعدو شارون والعدو بوش لا فرق، فمن يعتبرني عدواً لـه إذا لم أكن معه في غطرسته وغيه هو عدو لي ولسواي ممن لا ينصاعون لأوامره ورغباته.. وإذا كانت الأمور واضحة إلى هذا الحد فلماذا ندخل لعبة "الاستغماية" من جديد؟! أهي المحنة أم الامتحان، أم هو ولع من نوع غريب ومريب ؟!
|