صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

‏ـ الاستشهاديون بين التصفيات والمبادرات

أطفال على الأكف وأترابهم في المسيرات بين دمع ودم وأناشيد فوق ركام بيوت وخرائب عمران يدفن تحته الإنسان، أطفال فلسطين من ابن الأربعة أشهر شهيداً مسجى على راحتي والده حتى ابن الرابعة عشرة مشروع المقاومة والاستشهاد يحملون راياتهم وأحزانهم وشهداءهم، وعلى مدى انتشارهم رايات تقفوها بنادق ورايات ترفعها أيد سمراء معروقة، ونفوس ممرورة يطحنها الحزن ترفع جباهها وتتوق للانتقام، وأرواح مطمئنة إلى مصيرها ونصر الله سبحانه وتعالى لها في الحرب الإجرامية التي يفرضها الإرهاب الصهيوني الأميركي عليها؛ هكذا كان شعبي الفلسطيني في غزة والمخيمات ومدن الضفة الغربية لنهر الأردن وفي كل بقعة من فلسطين الحبيبة وهو يودع شهداء مجزرة شارون ـ بوش التي ارتكبت بتدبير وتخطيط وإدراك تام لنتائجها ضد المدنيين الفلسطينيين وهم نيام في بيوتهم بعد منتصف ليل الثلاثاء 23 تموز 2002 في حي الدرج أو حي التفاح في غزة الصامدة المجاهدة، بطائرة f 16 أميركية الصنع وصواريخ يزن الواحد منها ألف كيلو غرام، وراح ضحيتها خمسة عشر شهيداً بينهم تسعة من الأطفال، وبعض النساء، وقائد كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، الشيخ الشهيد صلاح شحادة وآخرون، وما يقرب من مئتين من الجرحى.‏

لم تكن الخسائر البشرية هي الأكبر والأقسى والأشد في هذه المجزرة الصهيونية قياساً على ما ارتكبه العدو من مجازر ضد شعبنا في تاريخ إجرامه الطويل، على الرغم من الخسارة الفائقة في شخص الشهيد صلاح شحادة، فقد ارتكب العدو الصهيوني مجازر أفظع وأكثر بشاعة فاقت مجزرة غزة من حيث عدد ضحاياها وأسلوب تنفيذها ونتائجها، ولكن الفاجع والنافع في آن معاً هو توقيت هذه المجزرة ودلالاتها وما يمكن استقراؤه في صفحاتها. فقد جاءت في وقت جنحت فيه المقاومة إلى خيار التهدئة استجابة لمن رأى أن في هذا مصلحة للشعب الفلسطيني وانعكاساً إيجابياً على قضيته، وجاءت في ذروة عمل "الرباعية" على برنامج بوش أو رؤيته المشوهة لقضية فلسطين وسبل حلها، وفي خضم مسعى بعض العرب المختارين من الولايات المتحدة الأميركية أو المتحالفين معها لكي يحققوا من خلال الضغط والإقناع والوعد والوعيد وربما التهديد، مناخاً أمنياً ملائماً للكيان الصهيوني ومطلوباً منه بل مشترطاً عليهم ممن اختارهم.. مناخ تنمو فيه جهود الرباعية ومؤيدوها واللجان المعلنة والمكشوفة التي تعمل معها وفي خدمتها، من أجل الحصول على " الدولة الفلسطينية المنتظرة"؛ وجاءت أيضاً في صباح الثالث والعشرين من تموز / يوليو يوم احتفال مصر بالذكرى الخمسين للثورة المصرية، بعد زيارة عَكِرَة لبنيامين بن أليعزر وزير العدوان الصهيوني إلى الإسكندرية واستقبال الرئيس مبارك لـه على الرغم من كل ما ارتكبه من صنوف التدمير والتصفيات والقتل في أثناء عملية الاجتياح وإعادة الاحتلال للضفة الغربية منذ 28 أيلول 2002، وجاءت تلك العملية الجريمة بعد لوائح " مثقفين" وندوات فضائيات ونداءات سياسية تبارى أصحابها في اتهام المقاومة الفلسطينية بـ "الإرهاب" وتحميل الشهداء والاستشهاديين والمؤيدين لنهجهم مسؤولية: " الإرهاب ضد المدنيين الإسرائيليين"!؟ ـ وكأن المحتلين الصهاينة مدنيون في دولة هي لهم وليست للشعب الذي يقاوِم احتلالهم لأرضه، وكأنهم لا يمارسون أقسى أنواع الإرهاب باحتلالهم لأرض الشعب الفلسطيني وملاحقتهم لأبنائه ليل نهار !؟ ـ وأنهم يضرون بقضية الشعب الفلسطيني ولا يقومون بعمل مسؤول في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها القضية، وتنتظر فيها الدولة.‏

لقد جاءت العملية في هذه الظروف والأجواء، وجاءت بعد أربع ساعات من إعلان الشيخ أحمد ياسين استعداد حماس لوقف العلميات في ضوء شروط حددها منها انسحاب قوة الاحتلال.‏

لقد قدم شارون الدليل القاطع لمن ينتظر مثل ذلك الدليل من العرب المعنيين بنهج التصفية والتسوية وأصحاب المبادرات السلمية والهاربين من أشباح الاستشهاديين التي تلاحقهم بواجباتهم القومية والإنسانية، إلى الذين قد يعنيهم الوصول إلى رؤية صحيحة للأوضاع وموقف منصف منها، إلى حلفائه الأميركيين الضالعين معه في مخططاته الإجرامية.. قدم لكل من أولئك الدليل القاطع على:‏

1 ـ أن الكيان الصهيوني وقادته وهو على رأسهم: لا يريدون السلام ولا يعملون من أجله، وأنهم يدمرون كل فرصه وكل جهد قد يفضي إليه، لأن السلام يتناقض مع مشروعهم ورؤيتهم للأمور؛ وأن ما ينشدونه فعلاً هو أمن تام لا يرون أنه يتوفر لهم إلا بغياب الشعب الفلسطيني أو تغييبه مادياً ومعنوياً من الوجود، أي ببساطة تصفيته، أللهم إلا حديقة أحياء بشرية كتلك المقاطعة التي خصصت للهنود الحمر في أميركا بعد إبادة أكثريتهم، وأن ذلك لا يتم إلا باستسلام الفلسطينيين ومن يقف إلى جانبهم ويدعم حقهم استسلاماً تاماً معلناً لمبدأ التصفية في ظل مبادرات التسوية وفق شروط صهيونية يمليها بوش بلسان استعماري مبين، وهو استسلام يضع الفلسطينيين في القبضة الأمنية الصهيونية وفق شروطها ومفهوماتها ومعانيها، أي أن يكونوا أشبه بالرهائن أو المعتقلين الدائمين يذبح منهم كل يوم العدد الذي يقرره العدو. وما على الذين ينشدون تفهماً أفضل للأوضاع والتطلعات الصهيونية إلا أن يقبلوا هذا النوع من حق " إسرائيل في الدفاع عن النفس"، وهو المبدأ الذي يسمح لها بأن تقتل من تشاء في أي زمان ومكان إذا رأت أنه يهدد أمنها ويدبر أو يمكن أن يدبر عمليات " إرهابية" ضد مدنييها.. إلى أن يتحقق لها الأمن الذي تخطط للوصول إليه، أمن تغييب الشعب الفلسطيني كله بكل الأشكال والوسائل الممكنة.‏

2 ـ وأن الكيان الصهيوني يقوم بتنفيذ خطة مستمرة لتصفية المقاومة وعناصرها أولاً، وكل من يختار هذا الاختيار من أبناء الشعب الفلسطيني ثانياً، في ظل تقسيمات لـه واضحة الحدود:‏

أ ـ فلسطيني محكوم " بهويته الإسرائيلية" وعليه أن يقبل المواطنة من الدرجة الرابعة وأن ينظر إلى شهداء شعبه يدفنون وهو يشعر ـ بمعنى أن عليه أن يشعرـ بنوع من التباهي بقدرة " إسرائيل " على حفظ أمن مواطنيها.‏

ب ـ فلسطيني عميل أو متواطىء مع العملاء، ومؤيد لنهج الكيان الصهيوني، يقوم بالأعمال المادية والفكرية واللوجستية التي تطلب منه لقاء قبوله صهيونياً بصفة عميل أو فلسطيني مقبول.‏

ج ـ فلسطيني يمثل السلطة أو يدور في فلكها، وهو صنف يبقى مقبولاً كمفاوض من الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي ممثلاً بالولايات المتحدة الأميركية ما دام يلهج بإدانة العمليات الاستشهادية بوصفها عمليات إرهابية لا مسوغ لها تتم ضد المدنيين اليهود. ويقبل بحق "إسرائيل" في البقاء وبدولة لها معترف بها اعترافاً تاماً على الأرض التي تحددها هي من فلسطين التاريخية، ويوافق على ما يعطى لـه من أرض و" دولة" في الهوامش التي يحددها "المجتمع الدولي"، ويلتزم بملاحقة المقاومة الفلسطينية ورجالها وبإخماد الانتفاضة وجذوتها؛ ولا يعارض الذراع "الإسرائيلية" القوية ولا يعترضها ولا يعترض عليها حين تقوم بما ترى أن تقوم به من أعمال وعندما تمتد يدها في أي وقت وفي أي مكان لتقتل أو تدمر أو تعتقل بذريعة حماية الأمن واستخدام حق القيام بضربات استباقية للدفاع عن النفس؛ وعليه أن يناصر أو يتفهم كل ما تقوم به في هذا المجال.!.‏

د ـ فلسطيني همه وقراره ملء معدته ومعدة أولاده يعمل في خدمة الكيان الصهيوني تحت ضغط الحاجة اليومية، ويحرم من العمل عندما لا يقف ضد من يتسببون بإيقاف رزقه من أبناء شعبه بعملياتهم التي يقومون بها ضد الاحتلال وتضر به وبأولاده. وعلى هذا النوع أن يتعاون بشكل واضح وأن يثبت براءته في كل صباح.‏

هـ ـ فلسطيني رافض لكل هذه الاختيارات والتصنيفات والتوجهات، وهو مقاوم أو محرض على المقاومة وداعم لها أو داعية من دعاتها، وهؤلاء هم الذين يرفضون الاحتلال وينادون بالتحرير وبدولة فلسطينية قد تمتد عند البعض من النهر إلى البحر وقد تنحصر مرحلياً أو نهائياً في حدود الرابع من حزيران 1967 وهم يقومون بالعمليات الاستشهادية ويعارضون نهج التسوية والتصفية ويتعرضون لقصف العدو وملاحقته دائماً ويتعرضون أحياناً لقصف المبادرات العربية. وهم وفق تصنيف العدو ومن يأخذ به من صنف الإرهابيين الخطرين المعادين للسلام وللدولة اليهودية والمضرين بمصالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية.. وتجب محاربتهم من الأصناف الفلسطينية كلها من طالب الدولة إلى طالب الرغيف إلى طالب شهادة حسن السلوك ورضا المجتمع الدولي عنه وعن صفاته الحضارية، وكذلك من العرب الذين يقفون في هذا الصف، رسميين وغير رسميين.‏

3 ـ على أن ما يسميه الكيان الصهيوني: " الأمن" يتضمن عملياً مسلسل إبادة مستمرة للشعب الفلسطيني وأن ذلك يتواكب ويتداخل في الأسباب والنتائج والآليات، عضوياً وعملياً، مع البرنامج الاستيطاني ومتطلباته وأهدافه جغرافياً وبشرياً من أجل الاستيلاء على الأرض الفلسطينية نظيفة من سكانها وممن قد يطالبون بها. وهو الأسلوب ذاته الذي يقره بوش والمسؤولون الأميركيون بوصفهم ورثة أصلاء للذين أبادوا الهنود الحمر واستوطنوا أرضهم.‏

4 ـ أن ما يسمى " عملية السلام" هي عملية تخدير للشعب العربي، يقوم بعض الحكام العرب بلعب دور مرسوم فيها، وهي مدخل مفتوح لإعطاء العدو الصهيوني الوقت والإمكانيات والمسوغات ليستمر في إقامة مشروعه الصهيوني وتذليل كل الصعوبات التي تعترضه وامتلاك القوة الشاملة التي تجعله مهيمناً على المنطقة، ووضع العرب أمام حائط اختيار وحيد يرددون نشيده صباح مساء أمام العالم وهو " خيار السلام الاستراتيجي" وإجبارهم على تقديم البراهين اليومية على أنهم عند حدود هذا الالتزام على الرغم مما يجري لأهلهم وذويهم في فلسطين، وهذا الوضع هو الذي سيفضي عملياً إلى تجريدهم من السلاح ومن أي خيار للدفاع عن النفس، ومن تقديمهم دعماً للشعب الفلسطيني ومقاومته يتجاوز حدود الكلام والبيانات السياسية، ويلغي عملياً ونهائياً البعد القومي لقضية فلسطين والمسؤولية القومية عنها، اللهم إلا تحول بعض العرب إلى وسطاء فاعلين في التأثير على قوى الشعب الفلسطيني تستطيع أن تلجم تطلعها إلى المقاومة والتصدي الفعلي لمسلسل الإبادة الذي يطبقه العدو الصهيوني، ويبقي العرب قيد الاختبار والابتلاء والتآكل دائماً، ومن يشذ منهم عن ذلك أو يرفضه يبتلى بوقوف العرب مع " المجتمع الدولي " ضده.‏

إن السؤال الذي تطرحه مجزرة غزة وطرحته قبل ذلك مذبحة مخيم بيت لحم وعشرات المذابح الأخرى التي ارتكبها العدو الصهيوني بتأييد أميركي هو: أين خيار العرب البديل، وأين حضور العرب المؤثر، وأين وعي العرب المتنامي بخطورة ما يحدث؟! وإلى متى يبقى الموقف العربي متآكلاً من الداخل يطحن بعضه بعضاً؟! وإذا صدقت هذه التساؤلات عن الوضع العربي فإنها تصدق أيضاً حول الوضع الفلسطيني. وإذا كان العرب بعد كل هذا، وبعد مجزرة غزة في توقيتها ودلالاتها ونتائجها واستهدافها الأكبر للمدنيين والاستشهاديين والمقاومين، ولعملية السلام ذاتها ولجهود الرباعية و" الثلاثية " العربية وما شاكلهما من لجان وجهود؛ إذا كان العرب ما يزالون يتعلقون بسلام بوش ـ شارون ويضعون كل أوراقهم في تلك السلة فهم الأكثر خسرانأ غداً مما هم عليه اليوم من خسران، وأن قادم أيامهم أسوأ مما مضى منها.‏

إن المرجو أن يقدم استقراء كل هذا التاريخ الإجرامي للعدو الصهيوني ورموزه والمتحالفين معه والمؤيدين لخططه وخطواته، أن يقدم للعرب درساً وخلاصة يقفون من بعدهما على حقيقة أن صراعهم مع العدو الصهيوني هو صراع وجود لن تحسمه إلا القوة التي لا بد لهم أن يملكوها ليحموا أنفسهم وأبناءهم ومقدساتهم وأرضهم ومصالحهم حتى لا يقتلوا وهم نيام في فجر يوم من الأيام.‏

ما أود الإشارة إليه من بعد الذي ذكرت أمران:‏

الأول: أنه في العواصم العربية كلها، من دون استثناء، استمر رقص ما بعد منتصف ذلك الليل الحزين من يوم الثلاثاء 23 تموز 2002 حتى لوَّن الشفق سماء الشرق الجميلة، ولم يتفطن أحد لقراءة نداء جدول دم شقيق ينسكب قوساً في أفق الصباح ويتشظى في أثناء انسكابه وانسيابه تواشيح دم تحنِّي ذلك الفجر الحزين. وليست المفاجأة هنا فلأنهم لم يكونوا قد عرفوا الأمر الجلل الذي حصل فقد نام بعضهم إلى ما بعد منتصف النهار، ولكنهم حين عرفوا الخبر قاموا ليل الثلاثاء / الأربعاء بالرقص والغناء كالمعتاد حتى الفجر.. وهم ينتظرون من المقاومة ردها كما وعدت بين وقع القنا وخفق البنود.. أما هم ففي مكان الفرجة موقعهم المختار.. يشكلون عاراً فوق ركام عار ويتنازعون كؤوساً.‏

أما الثاني: فهو أن شباباً وشيوخاً ونساء وأطفالاً في مساحات شاسعة من فلسطين والمخيمات الفلسطينية المنتشرة في الأرض العربية، ومثلهم نفر غير قليل من أبناء الأمة لم يغمض لهم جفن، وعانقوا ما لديهم من سلاح وإيمان ووعي بالحامل والمحمول، وعاهدوا الله والوطن والأطفال الأبرياء على الجهاد من أجل فلسطين والأمة العربية ضد أعداء العرب والمسلمين والإسلام، وحماية هذه الأرض بتحريرها حتى يأمن الناس فيها من الأطفال الأبرياء النائمين إلى الراقصين والراقصات والفاسدين والفاسدات، والحكام الذين يبحثون عن مبادرات أخرى تميت في الأمة ما تبقى من استشعار للخطر وشعور بالكرامة، فعهد الاستشهاديين الذين يحلو لمثقفين وسياسيين ومؤدلجين أن يسموهم " إرهابيين " ويتبرؤون من أصوليتهم.. عهدهم أن يصمدوا ويصبروا ويصابروا ويجاهدوا حتى يتحقق النصر والتحرير والأمن والأمان للناس كافة، ويكون خلاص لفلسطين من الصهيونية وللأمة من أعدائها وأعوانهم الذين يقبعون تحت الجلد ويفتكون بالإرادة والروح، أو تكون الشهادة.‏

"ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".‏

وسيكون النصر بعون الله للاستشهاديين والمؤمنين بحق هذه الأمة في استعادة فلسطين.. كل فلسطين من البحر إلى النهر، وبحقها في الوجود، وبقدرتها على البقاء وتحقيق النهضة والنصر.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |