ـ
مشاهد على المشهد الفلسطيني
المشهد الفلسطيني
بأعيننا مبتسر، إنه محزن إنسانياً إلى أبعد الحدود، ومن يرى غير من يسمع، ومن
تعتمد رؤيته على زاوية من ذلك المشهد بمساحة شاشة التلفاز عليه أن يتذكر أنه لا
يشاهد الزوايا الأخرى منه، ولا يشاهد إلا ما سمحت به رقابة العدو مما استطاعت عدسة
مصور مضيَّق عليه أن ترصده من الدمار والحصار والقتل والاعتقال والبؤس الاجتماعي
والمعاناة القاسية، وتجميع الأطفال والنساء والشيوخ على ركام بيوتهم المدمرة أمام
عيونهم، ليبكوا الأمة والتاريخ والذكريات ومن فقدوهم إلى الأبد؛ وهم يستذكرون
جيداً من هم، وأين هم، وإلى من ينتمون، ولكي ينادوا أمتهم بعد ذلك: وا أمتاه..وا
أمتاه.. وا أمتاه.. ولا من مجيب.
المشهد الفلسطيني: دام
مكفهر يقدم صورة الدمار عن عالم بلا خُلق ولا نخوة ولا عدالة ولا إنسانية من جهة،
وبطولي واعد بالأمل، شامخة فيه رؤوس المتعلقين بالحرية، القابضين على جمر قضيتهم
مثلما يقبضون على قيم عقيدتهم ومقومات هويتهم من جهة أخرى. وهو مشهد من جهتيه أو
وجهيه يرفع الشعب الفلسطيني عالياً بنظر أبناء أمته العربية، وبنظر التاريخ،
والأمم التي تقدر الحرية والدفاع عنها والتعلق بها. وبالتأكيد أن رموز الإدارة
الأمير كية، الذين يتشدقون بالكلام عن الحرية والقيم الإنسانية، ليسو من هذا الصنف
السوي المنصف من البشر. لقد كان في الولايات المتحدة قيم منها الحرية والإنصاف،
ورجال ينصرون الحق والحرية.. ولكن كأنها لا تعني الحاضر أبداً. وعلى الأمير كيين
الحقيقيين الذين ناضلوا من أجل التحرير والحرية في يوم من الأيام، والذين يذكرون
شيئاً من التاريخ ويتعلقون ببعض القيم الخيرة، أن يبكوا على صورة بلدهم اليوم بين
البلدان، وأن يدركوا أن رصد مئات ملايين الدولارات من إدارة بوش لتحسين صورة
الولايات المتحدة الأمير كية بنظر الآخرين، بعد أن تحولت إلى قاطع طريق وقرصان في
الجو والبحر وشرير يفيض على العالم ألقاب الشر وأفعاله، لأن الإناء لا ينضح إلا
بما فيه رغم الغطاء الذي يغطيه، لن يجدي نفعاً؛ فتلك صورة غدت مشوهة تماماً، ويزيد
في تشوهها حرص جورج w بوش على الأخذ بمنطق يكشف تخلفه الشامل، أعني ذلك المنطق الذي
تكثَّف بخلاصة "الحكمة الأمير كية المعاصرة" التي تقول: " من ليس
معنا فهو ضدنا."؟!. فليهنأ الرئيس بوش بهذه الحكمة ولتهنأ بها إدارته، وعليه
ألا يصرف مئات الملايين من الدولارات على تحسين الوجه الدميم الشرير الكالح الذي
ألبسه لبلاده، فإنه إذا وجد منافقين يصدقونه فلن يكونوا بسعة العالم الذي يكتوي
بنار الغطرسة العنصرية والاستعمار الأمير كي الجديد، ويعرف الولايات المتحدة
الأمير كية معرفة عملية. ومن باب التذكير بما يشبه الملهاة السوداء أسوق، لمن
يعنيه أمر ذلك الوجه القبيح والملايين التي تصرف على تحسينه، بيتين من الشعر
أوردهما الجاحظ يقول صاحبهما:
|
عجوزٌ ترجَّى أن تعود
فتيَّةً
|
|
|
|
وقد لحبَ الجنبان،
واحدودَبَ الظهرُ
|
|
تدُسُّ إلى العطَّارِ
ميرَةَ أهلها
|
|
|
|
ولن يُصلِحَ
العطَّارُ ما أفسدَ الدَّهرُ
|
|
|
|
وأعود من بعد إلى
المشهد الفلسطيني الذي ينقل إلى القلب والعقل مشهدين ضمنيين فيه: أحدهما يصنعه
العدو الصهيوني الهمجي بممارساته النازية ضد شعب أعزل واقع تحت الاحتلال، ومفردات ذلك
المشهد معروفة موصوفة ومحفورة في الأعصاب، يتابعها الناس في أجهزة الإعلام المرئية
والمسموعة والمقروءة. والثاني يصنعه صمود ذلك الشعب والمجاهدون الاستشهاديون
الأبطال الذين يخزون وجه كل من يدينهم ويشجب فعلهم ويطلق عليهم صفة أخرى غير
المقاومين المجاهدين دفاعاً عن النفس والحق والوطن، المتعلقين بالحرية والاستقلال
والكرامة؛ وهم يبعثون الأمل والنخوة في نفوس أبناء الأمة، ويبثون في تجمعات العدو
الصهيوني: العسكرية والمدنية، الذعر، ويذكرون أفراده صباح مساء بالأمن الذي
افتقدوه إلى الأبد حين قرروا ترك بلدانهم وغزو فلسطين واحتلالها واستيطانها وتشريد
أهلها.
المشهد في فلسطين
يُختصَر في:
1 ـ الدبابات الصهيونية
التي تجتاح رفح وبيت لاهية وتهدد غزة بعد اجتياح رام الله وجنين ونابلس وطولكرم،
وتنشر الرعب والدمار والدم والبؤس في كل مكان.
2 ـ وجورج بوش، ثقل
الولايات المتحدة الأمير كية، يشجع شارون على الاستمرار في مسلسل الحصار والتدمير
والقتل والاعتقال وتجويع الشعب الفلسطيني، ومنع التجول، والعقاب الجماعي، ولا يكف
عن إرسال الإشارات الملائمة للكيان الصهيوني ورموزه ليستمروا في التدمير والإبادة:
" الفلسطينيون قتلة.. إرهابيون."،، ".. لا يمكن كسب الحرب على
الإرهاب باتخاذ موقع دفاعي يجب أن ننقل المعركة إلى العدو.". وقد قال بوش في
تعليقه على تفجير الحافلة قرب صفد في يوم 4 آب 2002:" إني أناشد جميع أمم
العالم عمل كل شيء يمكنها لوقف القتلة الإرهابيين". ولم يذكر أن شارون إرهابي
قاتل ومعطل لعملية السلام يوم ارتكب المذابح وآخرها مذبحة مخيم جنين، ولا حين هاجم
المدنيين ودمر بيوتهم فوق رؤوسهم وقتل تسعة أطفال وهم نيام في حي الدرج بغزة. بوش
نظيف تماماً من المشاعر الإنسانية المتعاطفة مع العرب أو المنصفة لهم؛ وفي حال
افتراض أنه تعاطف معهم يوماً فإنه ينقض بنيته الروحية وأخلاقه المتوارثة والرسالة
التي يقول إن التاريخ ندبه لها والسماء كلفته بها، ويبوء بغضب صهيوني ليس في
مصلحته ولا هو بمستطيع احتماله أو دفع فاتورة تكاليفه في وقت يسعى فيه لرئاسة
ثانية، ولا هو مضطر لـه تحت أية أسباب إنسانية، فالإنسانية عنده مصلحة مادية أو
خوف على مصلحة في نهاية المطاف، وسلطة متورمة تمليها تربية خبيثة على العدوان
وانتقاص الآخرين، وعدم الرؤية بعين البصيرة. وفاقد الشيء لا يعطيه.
ويؤكد بوش حليف
شارون، من خلال الناطقين باسمه، بعد كل مذبحة يقوم بها الصهاينةُ المحتلون في
الضفة وغزة، أنه مع هذا النوع من " الدفاع عن النفس": " نحن كنا
نقول على الدوام إن من حق إسرائيل الدفاع عن النفس. وهذا يبقى موقفنا. وهذا لم
يتبدل.". ويكمل المشهد الأمير كي الرئيس السابق بيل كلنتون الذي يبدي
استعداده للموت دفاعاً عن " إسرائيل"، التي إذا ما تعرضت للخطر أخذ بندقيته
وانخرط في القتال من أجلها.. تصوروا كلنتون مونيكا يقاتل في بلادنا من أجل الكيان
الصهيوني؟!.
3 ـ ومجلس الأمن صمت
الشيطان بأفواه "الخرسان" عن جرائم الكيان الصهيوني، وتقرير عن مذبحة
مخيم جنين يشكل وثيقة ضد المجلس، تقرير يجب أن يدخل التاريخ بوصفه وصمة عار في
جبين أعلى سلطة دولية منافقة ومستكينة لمنطق القوة والمصلحة والمقايضات
المستورة... سلطة اتخذت قرارها بإرسال لجنة تقصي حقائق برئاسة مارتي اهتيساري، ثم
ابتلعت قرارها ولسانها عندما رفض شارون اللجنة والقرار والمجلس الذي أصدره، وعاد
المجلس ليقدم قراراً من "حواضر البيت " يشكل فضيحة للبيت ومحتوياته
وسكانه وأركانه. وفي الهيئة العامة للأمم المتحدة التي يرتفع المجلس قمة لها،
الوضع أفضل قليلاً، حيث توجد قرارات ولا يوجد تنفيذ منذ نيف وخمسين سنة.؟!
4 ـ هذا الجزء من
المشهد يقابله على الضفة العربية، التي يفترض أنها ساخنة:
أ ـ صمت عربي مدو، وبعض
دموع التماسيح، وحركة تشبه حركة الأحصنة المذعورة في أحواش مغلقة، صمت يخترقه من
آن لآخر صوت رئيس عربي أو صورته، حين يصرح تصريحاً إثر مقابلة لـه، بعد موجة دم
وتدمير وقهر كاسحة، مع مسؤول صهيوني أو أميركي تبادل معه الرأي حول التهدئة!؟.
ب ـ ومفاوضون فلسطينيون
يلتقون المجرم بن أليعزر لتدارس خطة تقبلها السلطة وترفضها المقاومة، تحت عنوان:
" غزة أولاً ومدينة ثانية هي بيت لحم"، ... المشروع القديم الذي كانت قد
رفضته السلطة منذ سنوات، ولكنه هذه المرة ينطوي على شق أمني وحيد يهدف إلى فرض الأمن
الإسرائيلي بواسطة الشرطة الفلسطينية، ومنع المقاومة المنطلقة من غزة من تنفيذ
عملياتها ضد الاحتلال. ومعنى فرض الأمن عملياً: ملاحقة السلطة للمقاومة
الفلسطينية، ووضع السلطة تحت الاختبار من جديد، وإعادة تنظيم للأمن الفلسطيني في
ساحة العمليات الساخنة تحت سيطرة الكيان الصهيوني وتوجيهه وحكمه المباشر على
الاستجابة والإمكانية والأهلية والقدرة على التنفيذ، من خلال الممارسة الحية،
" الدموية إن أمكن"، للشرطة في الشارع الفلسطيني. وإذا سقطت السلطة في
الامتحان فالبديل مستمر ولا نقول موجوداً، وهو الاحتلال والقتل والاعتقال، وإذا
نجحت فالدم الفلسطيني المسفوح بيد الشرطة الفلسطينية هو الدليل والبرهان ومداد
وثيقة " التأهيل" وحسن السلوك. وتلك خطة صهيونية ـ أميركية قديمة، كانت
وما زالت، تهدف إلى إشعال فتيل حرب أهلية فلسطينية، وقد حال الوعي الوطني
الفلسطيني باستمرار دون تنفيذها، وما أظنه يسقط فيها هذه المرة.
ويمتد على المشهد
الفلسطيني الدامي ظل المشهد العراقي الذي يتوعد بصنعه العدوان الأمير كي، وهو مشهد
ينذر بتفجر المنطقة وبكارثة كبرى فيها قد تغير الجغرافية السياسية لبعض البلدان،
ومن يدري فقد تكون " الشافية بعد الإشراف على الهاوية" لأمة العرب أو
لبعض أقطارها وحكامها من استكانة مزمنة للصهاينة والأميركيين، وهي استكانة فتاكة
ومذلة ومكلفة ومهينة، ومن تمزق عربي مقيم، واتكال على الغير باهظ وسقيم، والعمل
عند ذلك الغير سخرة أو وكالة أعمال وسخة، نرجو الله سبحانه أن يتوب على أصحابها منها.
وتقدم تلك الكارثة
المحتملة للولايات المتحدة الأمير كية فرصة تحقيق ما لم تحققه حتى الآن من خططها
وخطط حليفها الصهيوني في المنطقة من نتائج. والحشد لضرب العراق يتم لتغيير النظام،
وللسيطرة على مقاليد الأمور، في بلد يتحكم بثروة نفطية كبيرة، وبموقع استراتيجي
يمكن السيطرة منه على معظم الثروة النفطية في العالم من خلال السيطرة على النفط
والغاز في المنطقة: العراق، إيران، بحر قزوين، الكويت، السعودية، قطر، الإمارات،
سورية... إلخ. ولا حاجة للذرائع الأمير كية الأخرى التي منها سعي العراق لامتلاك
أسلحة ذات قوة تدميرية شاملة تهدد " جيران العراق وحلفاء الولايات المتحدة
الأميركيةـ والمقصود هنا تهديد الكيان الصهيوني بالدرجة الواضحة اليوم والمقدمة
على كل دولة ذات حظوة ودرجة، حتى لا يتوهم العرب الآخرون أنهم جوهر الموضوع ـ
إنهم جوهر الموضوع عند الغرم ودفع التكاليف والسوق إلى موقع القتال بشكل ما ـ كما
تهدد المصالح الأمير كية الكثيرة.
وإذا استثنينا موضوع
السيطرة على الطاقة والموقع الاستراتيجي، هل يعتقد الأميركيون أن ضرب العراق
وتغيير النظام فيه سيأتي بنتيجة نهائية فيما يتعلق بمنع العرب والمسلمين من تحرير
إرادتهم وسلاحهم بصنع السلاح؟! هل يعتقد الأميركيون والصهاينة أن هذه الأمة لن تصل
في يوم من الأيام إلى امتلاك السلاح الذي تدافع به عن نفسها ومنه السلاح النووي،
إذا هم ضربوا العراق؟! إن هذا وهم.. لأن العرب اكتشفوا طريقهم المفضي إلى امتلاك
قوة تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم وعن هويتهم وعقيدتهم وثرواتهم ومصالحهم، في ظل
تآمر وتخطيط غربي وصهيوني واسعي النطاق مستمرين ومفضوحين تماماً، لجعلهم تحت
السيطرة وقيد الإبادة المعنوية والمادية باستخدام القوة والتهديد باستخدامها. وإذا
توقف برنامج العمل في اتجاه امتلاك قوة محررة في العراق فإنه لا يلبث أن يبدأ في
بلد عربي آخر. صحيح أن الزمن قد يطول.. ولكن لا بد من صنعا وإن طال السفر.
وفي هذا المشهد، وبعد
إجراء بعض الحسابات، والتفاتاً للصوت القائل: إن العرب سيتعاونون ضد العراق بعد
الانتهاء من قضية فلسطين وليس قبل ذلك، لا سيما والمشهد الفلسطيني دام وملتهب
وشديد التأثير على الناس؛ قد تلجأ الولايات المتحدة إلى برنامج احتواء جديد للعراق
عن طريق المفتشين والحصار وأنواع الضغوط ريثما تتمكن من إيجاد ثغرات ملائمة في صف
الدول العربية والإسلامية المحيطة تمكنها من النفوذ إلى العراق عبر مداخل برية
وبحرية ملائمة، وريثما تحصل على دعم دولي ملائم من خلال مجلس الأمن، ولتستكمل
أعمالها وتحركاتها اللوجستية وتحشد قواتها وتستكمل استعدادها، ولكي تنسق عمل
المعارضة العراقية في الداخل والخارج، لتضع كل ذلك في رصيدها الاستراتيجي
والتكتيكي وتوظفه التوظيف الأمثل خدمة لأهدافها. وربما لهذا السبب ارتفع صوت مجلسي
الكونغرس، خلال الأسبوع الماضي، منادياً بالاستماع إلى الخبراء، وبأن يأخذ الرئيس
موافقة مجلسي الكونغرس على العملية قبل البدء بها/ موضوع القرارين109 لمجلس النواب
و41 لمجلس الشيوخ 29 تموز 2002 /.. وربما كان ذلك أيضاً لأن تلك الإدارة الشريرة وجدت
نفسها معزولة نسبياً وتريد وقتاً للتحرك وتدقيق الحسابات مع الآخرين وجرهم إلى
صفها، أو الوصول إلى أهدافها بوسائل أخرى. وقد صرح الرئيس بوش يوم 7 آب أنه سيأخذ
بقرار الكونغرس ويتشاور مع الآخرين والحلفاء في الموضوع، وعزز هذا بالقول بأنه
"صبور ومتأن" ولديه بدائل كثيرة لتحقيق أهدافه.
وفي فضاء المشهدين
ترقُّب عربي حذر، ومروق عربي من مساحات المسؤولية القومية عن الحدثين الفلسطيني
القائم والعراقي القادم أو المتوقع، وتستّّر بالحكمة وبعد النظر، أو بالعجز، أو
بالسعي جهاراً وراء المصلحة العليا لقطر أو نظام أو حاكم من الحكام. ولكن لا يوجد
على الأرض شيء عملي يشرح الصدر ويملأ شراع الشعب العربي بالأمل في الزاوية العربية
من المشهد القاتم، كما لا يوجد مروق كلي مفضوح من المسؤولية عن المشهدين، فالشجب
والإدانة، سلاح العرب الضارب، يشهدان أخصب مواسمهما العربية منذ سنوات.. حتى الرئيس
عرفات " شجب" الاجتياح الصهيوني لنابلس وتدميرها من جديد!؟ وربما كان
ذلك طبيعياً لأنه في مدينة عربية محاصرة قريبة من نابلس هي رام الله، ولا يملك إلا
أن يشجب.. وهو رئيس الشعب الفلسطيني الذي يقع عليه العدوان. ولكنه للأمانة
والتاريخ لم يكتف بشجب الاجتياح الصهيوني، فقد شجب أيضاً عمليات المقاومة
الفلسطينية الأخيرة: في الجامعة العبرية في القدس، وضد الحافلة التي تقل جنود
الاحتلال قرب صفد وأدانهما بوصفهما إرهاباً يقع ضد "مدنيين أبرياء"!؟،
ويلحق أذى بقضية الشعب الفلسطيني وصورته ونضاله.. ومن المهم أنه لم يقل: صورة دولته
المنتظرة؟!.
أما الشارع العربي فهو
راكد، وكل ماء راكد يخشى عليه من الفساد، إن سال طاب وإن لم يجر لم يطبِ، وكل حي
راكد قد تحسبه نوعاً من جماد. وعلى هامش المشهد أو المشاهد يبقى الموضوع الأساس أو
السؤال الرئيس: كيف نقدم للمقاومة الفلسطينية دعماً على الأرض، ودعم المقاومة
يختلف جوهرياً عن دعم الانتفاضة. دعم الانتفاضة يحتاج إلى المساعدات والمال
والغذاء والدواء والمسيرات الحاشدة ترفع شعاراتها وتساهم في إيصال صوتها للعالم،
وهي حاضنة المقاومة الحنون ودرعها البشري الواقية، والأم الحنون التي تساهم في
تغذيتها وإدامتها. ولكن دعم المقاومة يحتاج للرجال والسلاح والمال والمساندة
العملياتية على الأرض واستعداد الجيوش للحماية والتدخل والإنقاذ، كما تحتاج إلى
سلسلة من الأعمال اللوجستية في إطار التنظيم والعمل السريين.فهل نقدم لكل من
الانتفاضة والمقاومة في فلسطين شيئاً حقيقياً على الأرض حتى يحق لنا أن نزهو
بنتائج الكفاح والصمود والمواجهة والعمليات الاستشهادية النوعية وصفحاتها
البطولية؛ وحتى يحق لنا المطالبة بالمزيد من العطاء والثبات على المبدأ والتضحية
والسير في الطريق.. طريق الجمر!؟ كيف نجعل المقاومة الفلسطينية تشعر أنها ليست وحيدة،
وليست معزولة عن عمقها البشري العربي، وليست مجرد مشهد للفرجة في تلفاز كل بيت قد
يجلب الفرح وقد يسيل سيل الدموع، وإنما هي في العمق مشاركة ومسؤولية وأداء فاعل،
وأن ذلك العمق العربي ليس مجرد خواء من الكلام والشعارات والصراخ في الفضاء
الصحراوي المدوي الممتد أرضاً وبشراً بين قارتي آسيا وإفريقية؟! كيف يمكن حشد موقف
عربي: رسمي ـ شعبي مناضل بالمعنى الدقيق للكلمة يجعل الشعب الفلسطيني والمقاوم
الفلسطيني يشعران أن لهما ظهراً عربياً قوياً يستندان إليه؟! ذلك هو السؤال الذي
يمليه اليوم المشهد الفلسطيني والمشهديات المضافة إليه أو النابعة منه.