صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

الباب الثالث: العراق والعدوان الأمريكي المستمر ـ العراق والعدوان الأميركي المستمر

إلى الذين يريدون التخلص من صدام حسين وحكم البعث في العراق، ويرغبون في دخول بغداد على دبابة أميركية نقول: إنكم لو نجحتم فيما أنتم مقبلون عليه، فإنكم سوف تصبحون أدوات الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني في العراق وفي المنطقة، وسوف يكون بساط دخولكم هو دم أبناء شعبكم، الذي لن يغفر لكم ذلك مدى التاريخ، كما لن يغفره التاريخ. ولن يقتصر دوركم عندما تحكمون على تنفيذ مآرب الحليفين العنصريين وخططهما في العراق، بل ستستخدمون غطاء وأدوات لضرب كل دول المنطقة التي ترفض الانصياع للأميركي وحليفه الصهيوني، وقد تبدأ خطواتكم الدامية السوداء بسورية وإيران بالدرجة الأولى، لتمزيق السعودية والعراق والخليج الممزق أصلاً، وستكونون حصان طروادة الأميركي للسيطرة على ثروات المنطقة ومقدراتها السياسية والاقتصادية والأمنية؛ وسوف تلاحِقون العروبة والإسلام لتدمير كل من العروبة والإسلام، حتى لو رفضتم ذلك، لأنكم لن تستطيعوا مقاومة القوة التي صنعتكم ونصَّبتكم، فضلاً عن أنكم بعض عناصر تنفيذ مخططاتها الاستراتيجية لتصفية قضاياكم العادلة، وأمتكم العتيدة، وعقيدتكم السامية، وهويتكم القومية.. مخططات: بوش ـ شارون وفريق المتطرفين وعلى رأسهم تشيني ورامسفيلد وكوندوليزا رايس وولفوويتز وغيرهم كثير في الكونغرس وصحافة اليهود، والمنظرين الأميركيين الذين يقفون وراءهم من كيسنجر وبريجنسكي وزعماء إيباك إلى فوكوياما وهنتنغتون ومن يسمّون صقور الإدارة الأميركية الحالية الذين " يبشرون" بصدام الحضارات ويدعون إلى شن حرب على ثقافات الأمم وهويات الشعوب وعقائدها لتبقى في الأفق العالمي ثقافة وحيدة ضحلة بائسة هي ثقافة: "الجاز والجينز والهمبرغر" وتقاليد رعاة البقر وقطاع الطريق، ولتبقى هناك عبادة واحدة: عبادة مصالح ذوي الاحتكارات النفطية والصناعات الثقيلة والمعلوماتية الموظفة ضد حرية الشعوب وقوة الدمار الشامل التي تخدم عنصرية عمياء وترفع المجرمين فوق القانون، وتسمي أعداء السلام والإنسانية دعاة سلام!؟‏

وستنطلق من الأراضي التي ستوضعون ولاة شكليين على شؤون الناس فيها، ستنطلق قوات التدخل الأميركية في كل الاتجاهات: الشرق والغرب والشمال والجنوب، متخذة من العراق قاعدة انطلاق كبرى ضد الدول والشعوب في المنطقة وكل من يقول لا للصهيونية والاستعمار الأميركي الجديد.‏

إنكم تتألمون، وغيركم من أبناء شعبكم وأمتكم يتألم، ولا أحد يقر الظلم والطغيان ومن يسبب للناس الألم ويهدد حياتهم ويشردهم في الأرض أو يشرد الأمن عنهم.. لا أحد مع الظلم والقهر ولكن لن يكون أحد مع الاستعمار والعنصرية وتدخل القوة الغاشمة في حياة الآخرين مهما كانت أسباب دعاة التدخل ودعاواهم.‏

لا تغشّوا أنفسكم والناس بالقول: إنكم ستخوضون حرباً ضد الدكتاتورية في العراق من دون تدخل الأميركيين وأنكم ضد تدخلهم بينما أنتم في ديارهم تستعدونهم على دياركم!؟ ولا تقولوا: إن العراق سيضرب إيران في حالة نشوب حرب مع الولايات المتحدة الأميركية لكي تسوغوا حربكم التي سيدفع ثمنها الشعب العراقي وشعوب أخرى منها الشعب الإيراني، وليس الرئيس العراقي والنظام في بغداد؛ لا تقولوا ذلك لأنكم تضللون أنفسكم والناس من حولكم، فإيران مستهدفة من الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني مثلما هو العراق مستهدف وسورية مستهدفة مثلما هي السعودية مهددة بنوع من الاستهداف اليوم. ولكن العدو الأميركي ـ الصهيوني يريد تجزئة الحرب وتقنينها في مراحل وخلق مناخ ملائم لها، وقد أعلن ذلك قبل حملته على أفغانستان وبعد انتهاء هوج تلك الحملة وهيجانها؛ وهو يريد أن يحارب أبناء المنطقة بعضهم بعضاً مثلما فعل في أفغانستان، إن استطاع، وأن يقدموا الضحايا على مذبح مصالحه ثم يحتمون به هو العدو بوصفه منقذاً من نار أشعلها وهم وقودها. إيران دولة من دول " محور الشر " حسب الوصف الأميركي وإعلان الشرير بوش، وإيران دولة يحملها المسؤولون الأميركيون والصهاينة مسؤولية دعم الإرهاب ورعايته من خلال دعمها لحزب الله، المصنف إرهابياً" عند الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني، وإيران أحد أهم الرافضين للكيان الصهيوني واحتلاله ووجوده، والداعمين للانتفاضة والمقاومة في فلسطين، وأحد المطالبين الأشداء بالقدس عربية ـ إسلامية محررة، وبإزالة الكيان العنصري الصهيوني من فلسطين، وهذا جعلها مع آخرين منهم سورية من الدول الراعية لما تسميه الإدارة الأميركية الإرهاب، وحربها تشن عليهم من أجل الكيان الصهيوني أولاً وأخيراً، فلا يغرنكم صوت الأميركي البشع ولا صوت اليهودي الجشع حين "يبغم" بالزور وينادي بالثبور وعظائم الأمور فإنما على رؤوس أبنائكم وأخوتكم تدور الدوائر، وإذا صدقتم ومضيتم وراء الحقد والانتقام فستغرقون في دماء إخوتكم ثم يغرقون في دمائكم، ويُحْكِم عدوُّكم قبضته على أعناقكم بفعل أيديكم وطيش سهامكم حيث تستقر في صدوركم وصدور مواطنيكم.‏

" إن القول بأن بغداد سوف تستهدف بشكل مكشوف قوات الجمهورية الإسلامية " كما جاء في وثيقة قدمها نشطاء لواشنطن على أنها من أسرار بغداد هو نوع من العبث بعقول الناس وضمائرهم ومصائرهم، ونوع من التضليل الإعلامي المدروس لكي يتفرق العرب والمسلمون ويقبلوا عدواناً على العرب والمسلمين يأخذهم مرحلياً ويوظفهم أحدهم ضد الآخر سيفاً وصدراً لصدر وسيف. وقد وقع العراق في هذا الفخ الأميركي في حرب الخليج الأولى، وما أظنه إلا كان ضحية هذا النوع من الانزلاقات أو التزليقات في حرب الخليج الثانية لكي يدفع الثمن غالياً جداً هو والأمة العربية. ولا أظنه يقع في الفخ مرة أخرى ويكون طعماً للأميركيين والصهاينة ولا أظن أن طهران يمكن أن تقع في الفخ هي الأخرى .. فجنبوا الناس داهية الدواهي واتقوا الله في أنفسكم وأهليكم ودينكم وأوطانكم.‏

لقد نهب الأميركيون أموال النفط وثروات كل من إيران والعراق ودول الخليج في الحربين البائستين السابقتين: حربي الخليج الأولى والثانية، فهل تراه يُزَجُّ من جديد في معركة ليست معركته مع عدو ليس هو عدوه، لكي يضيع نفسه ومن يمكن أن يستهدفوا معه؟!‏

وهل تصدق إيران هذا النوع من الخلط الأميركي المقدم بأيد عربية وإسلامية على شكل وثائق " مهمة عن الحرب الكيمياوية التي سيشنها العراق على كل من الولايات المتحدة وإيران"؟! لكي تزج نفسها في حرب لصالح الأميركيين والصهاينة في نهاية المطاف؟!‏

ابتعدوا أيها السادة عن هذا النوع من الخبث المقيت الذي يرتد على الأمة وأبنائها موتاً ودماراً ولن يعفيكم من نتائجه، وإذا كنتم تريدون أن تكونوا أدوات العدو أو حلفاء لـه فلا تفشوا فتنة مقيتة بين أبناء الأمة الإسلامية تجعلكم بين الخاسرين الأول إذا كنتم تنشدون حرية وخلاصاً وتتعلقون بقيمة من قيم الإسلام والعروبة؟‏

أما يكفي العراق ما هو فيه؟ ألا يكفيه ما عاناه وما يمكن أن يعانيه من جراء الحصار والعدوان المستمر والسيطرة على أمواله وتجزئته إلى شمال وجنوب ووسط، ومن ثم فتح كل جبهات النار عليه؟!‏

إذا كان بعض أبناء العراق المطحونين في الغربة والخوف والجوع، أو الذين تعلقوا أو علِقوا بأرض غير أرض العراق قد ضاقوا ذرعاً بالوضع الذي هم فيه، ومن حقهم أن يضيقوا به، فإن من حقهم أن يخرجوا مما هم فيه، والتغيير لا يكون باستعداء أعداء العراق والعروبة والإسلام على شعب العراق وعلى العروبة والإسلام معاً. ؟! قد يكون بين أولئك الدعاة مكتوون بالنار، ولكن بين أولئك أيضاً من كان تابعاً لقوى ومعسكرات في الحرب الباردة ومنتفعاً منها، ولا يضيره أن يتبع قوى أخرى وينتفع منها ويكون أداتها بعد انتهاء الحرب الباردة، فتلك خلَّة يشتهيها خليلها ويدمنها وقد لا يكون لـه فكاك منها، ولكن ما ذنب الذين يدفعون ثمن المنافع وأجور المنتفعين مرتين ويكتوون بنار السلطة والمعارضة؟!.‏

إنني في هذا الوضع منحاز إلى الأطفال العراقيين الذين يدفعون ثمن الصراع القذر على السلطة والثروة والنفوذ كما يدفعون ثمن الوجاهة في فنادق الخمس نجوم.. منحاز لأطفال العراق الذين رأيتهم على أسرتهم يموتون جوعاً أو من نقص الغذاء وفقدان الدواء، ومنحاز إلى جانب الأمهات اللائي عشن سنوات من الموت البطيء ينتحبن إلى جانب أسرة مرضاهن أو شواهد قبور ذويهن، منحاز إلى صف الأيامى واليتامى والأرامل والثكالى.. أفما يشعر الناس بألم الناس.. فلماذا يريدون المزيد من البؤس لمن يعانون من الحرمان والبؤس؟!. أنا لا ألوم العدو الذي فقد إنسانيته ويقوده حقده الدفين على أمة العرب والمسلمين، أنا ألوم أبناء الأمتين العربية والإسلامية الذين عشيت أبصارهم وعجزت أيديهم ووهنت عزائمهم وصارت قلوبهم غُلفاً.. أفما يستيقظون ليرى الظالم منهم ظلمه، والعاجز عجزه، والساعي وراء الفتنة نتائج سعيه؟!‏

الأميركي والصهيوني أيها السادة يعنيهما أن يقتلا منا قدر ما يستطيعان، ويعنيهما أن نكون ضعفاء وأن نغرق في البؤس واليأس والخلافات المميتة، وأن نصبح الجرح والسكين في آن معاً. والزعامات العربية يعنيها أن تبيع وتشتري لتبقى زعامات، والصهيوني الذي يصنع فطير صهيون بدم الغوييم في أعياده يفرح أيما فرح كلما انسكب دم العرب والمسلمين ملء شوارع المدن ومساحات القرى وامتداد الحقول... إنه العدو والعنصري المجرب أيها الناس، قتََّّال الأطفال الرُّضع نياماً، ومرتكب المذابح في طول الوطن العربي وعرضه على مدى نيف وسبعين عاماً، فلا تمكنوه من رقابكم ولا تنفذوا أهدافه بأيديكم ولا تجعلوا لـه عليكم سبيلا أياً كان الخلاف الذي يشجُر بينكم. لن ينفع ندم النادمين أو بكاء الباكين غداً إذا ما تجدد القصف وسقط الأطفال وشهدنا أمثال ملجأ العامرية في بغداد وسواها؟! ماذا يفيدنا أن نلطم أو نندم أو نثوب إلى رشدنا، فالعدو لن يرشدنا ولن يرشَد بنا ولا يريد لنا الرشد أصلاً.‏

أنتم مظلومون: نعم، وأنتم ظالمون: نعم. و النار يا عر ب، النار أنتم مشعلوها.. أنتم الحطب. فتعالوا إلى العقل والحكمة وإلى كلمة سواء، وليضمنا بيت العروبة والإسلام محتمين، محتكمين للمنطق والعقل والدين والمصلحة العليا للناس والوطن، نحل فيه مشكلاتنا فيما بيننا ولا نترك للعدو أن يحلها بذبحنا من الوريد إلى الوريد. نعم العدو لا ينتظر هذا منا ليكف عن معاداتنا ولكننا بهذه نسد عليه باباً ونقوي صفاً ونكون جبهة واحدة ضد الغزاة.‏

تقولون يا معشر المعارضة إنكم قاسيتم وتحملتم ما لم يتحمله أحد، ومن حقكم أن تكونوا في وطنكم وأن تتمتعوا بالحرية والأمن والكرامة، وهذا حق، ومن حق الشعب العراقي كله أن يقرر مصيره ويختار قياداته ونظام الحكم الذي يريد بحرية وديموقراطية. ولكن ليس من حق أي عراقي، سلطة أو معارضة، أن يجلب الاستعمار إلى بلده لكي يستظل بظله ويتولى الحكم باسمه ويدعي أنه جلب نصير الديموقراطية لكي يحقق الديموقراطية في بلده، فذاك لغو الخيانة وهو مرفوض. الولايات المتحدة ليست نصيراً للديموقراطية ولا لحقوق الإنسان ولا للحرية بأي مقياس؟ انظروا موقفها من شعب فلسطين ومن ممارسات شارون، تذكروا موقفها يوم كانت مع النظام في العراق في أثناء حربه ضد إيران. واسألوها أين كانت يوم كان النظام في العراق يستعمل أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه كما يقول مسؤولوها؟ لِمَ لمْ يرتفع لها صوت ؟أين كانت الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والسّلع السياسية الأميركية الأخرى يوم شجعت حرباً دفع ثمنها العراق وإيران مليون قتيل عدا مئات المليارات من الدولارات والدمار الشامل، ويوم فتحت خمس وثلاثون دولة أسواقاً سوداء لكل أنواع السلع على هوامش تلك الحرب التي دامت ثمان سنوات!؟ وأين كانت ديموقراطية الإدارة الأميركية وإنسانيتها في السنوات المرة التي فقد فيها العراق أطفاله وقاسى أبناؤه وبناته من الحصار المر؟ لقد كانت تسيطر على ثلاثة عشر مليار دولار سنوياً من أموال العراق وتستنفدها بأشكال شتى لتحرمه من ثروته ولتلحق بأجياله الجهل والإعاقة الصحية لعقود من الزمن، ولتحرم الأمة العربية من قوته وقضية فلسطين من إسناده لها ومن دوره المؤثر فيها. لم يتضرر من ذلك الرئيس صدام حسين ولا النظام في بغداد بمقدار ما تضرر منه ودفع ثمنه أبناء الشعب في العراق.‏

لقد طلبتم السلطة أو طلبها بعضكم ودافع بعضكم الآخر عن سلطته، فلتكن استفادة للجميع من ذلك الدرس القاسي ولنعد جميعاً إلى حكمة معهودة في أمتنا نبني في ظلها علاقات وطنية وإنسانية متينة وممارسات ديموقراطية سليمة ونؤسس لمبدأ تداول السلطة على أسس دستورية وقانونية من دون أن نرهن مصيرنا للأميركي والصهيوني اللذين يريدان رأس العراق وثرواته وموقعه الجغرافي ومواقفه المبدئية وقدراته بشكل عام.‏

أيها العراقيون جميعاً أينما كنتم، هذا يوم الوعي والمسؤولية والانتماء فلا تتركوه يسجل لسواكم بل لكم، ولتكونوا صفاً واحداً ضد العدو الأميركي ـ الصهيوني الذي يطلبكم ما دمتم أصلاء وأقوياء ووطنيين ومنتمين لأمتكم وعقيدتكم وقضاياكم المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين.‏

أيها العرب هذا يوم تختبرون فيه قدرتكم على التأثير في الأحداث المصيرية، وتلجمون قوة تريد أن تنفذ من بين أيديكم لتقتلكم تقتيلا وتلقيكم من بعد أشلاء مدانة وملطخة بالتهم. القوي على حق والضعيف محقوق، فلا تكونوا الضعفاء ولا تكونوا المستسلمين في هذا اللقاء، ولا يسلمن أحدكم أخاه فإنكم إن بدأتم أسلم كل منكم أخاه حتى لا يبقى أحد منكم خارج دائرة الموت والقهر والحصار من عدو الله وعدوكم.؟.‏

في قطر عربي يسمحون للأميركيين اليوم بتوسيع مدارج المطارات لتستوعب الطائرات العسكرية الأميركية الضخمة بعد أن رفضت السعودية، أو أعلنت أنها سترفض، استخدام مطاراتها وقواعد أميركا الجوية فيها في هجوم على العراق، وفي الأردن ألغام لا تتضح للرائي بين المناورات والمداورات والمشاورات، وأقطار العرب الأخرى ضجيعة كابوس الخوف والملق والرهق والقلق.. لا تريد ولكنها لا تستطيع، وقد يساوم البعض على لحم البعض.. !؟. والعالم في ظل تصاعد التهديد الأميركي ـ الصهيوني بضرب العراق، بين معرِض عن الحدث مستظل بالصمت، ومطالب بالروية واحترام الشرعية الدولية ومنظمتها الدولية؛ والأمم المتحدة معطلة من جراء تجاوزات الولايات المتحدة الأميركية للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية وتوظيفها للمنظمة لخدمة مصالحها واستراتيجياتها، توقظها حينما تشاء وتجعل لها أنياباً وأظفاراً، وتدخلها مدار السبات عندما تشاء، وتنصب لها فيها مندوباً سامياً باسم أمين عام لها يأتمر بأوامرها فقط. ويقدم كل التسهيلات اللازمة ليصبح عدوان الولايات المتحدة الأميركية وقرارها وتوجيهها نافذاً،و مغطى عند اللزوم بغطاء دولي شفاف يفضح أكثر مما يستر. ولكن الأمم المتحدة بعد تقريرها عن مذبحة مخيم جنين ومناوراتها بشأن المفتشين الدوليين لا تحتاج إلى أي غطاء من أي نوع، فهي مع العدوان بالسكوت، و"السكوت علامة الرضا".‏

القضية واضحة تماماً، ليست قضية مفتشين بل قضية نظام، وليست قضية نظام بل قضية نفط وغاز وقوة ينبغي إنهاء وجودها مع قوى أخرى سواها في المنطقة قبل، ومن أجل، الدخول في تصفية قضية فلسطين وفرض الاعتراف بالعدو الصهيوني، وفرض هيمنته الشاملة والمطلقة على المنطقة، وإعادة رسم الجغرافية السياسية التي تريح ذلك العدو وتجعل في المنطقة فسيفساء متناحرة يبيعها السلاح لتتقاتل، ويحكمها فيما هو يحكم بينها، ويتحكم بكل شيء، وينهي ما يقلقه من ثقافة وعقيدة وهوية ووجود أمة تشعر بوجودها وحقوقها وتماسك شخصيتها عبر التاريخ..‏

وكما قال السفير الأميركي جون وولف في مقابلة مع راديو دبلن 8 آب 2002 : << إن المشكلة التي نحاول معالجتها في العراق، على سبيل، المثال، هي ضبط الموارد المالية الهائلة التي يحصل عليها العراق من عائدات النفط، وهذا هو ما يحققه برنامج " النفط مقابل الغذاء">>. هناك ثلاثة عشر مليار دولار أميركي سنوياً من عائدات النفط العراقي، محكومة فيما يسمى برنامج النفط مقابل الغذاء، وتريد الولايات المتحدة الأميركية استمرار السيطرة عليها واستمرار استنفادها، مع توسيع دائرة السيطرة لتشمل العراق: نفطاً وموقعاً جغرافياً وبشرياً وقدرات شتى. ومن يسيطر على ذلك المركز يتمكن عملياً من السيطرة على نفط المنطقة من اليمن والسعودية حتى الكويت والعراق وسورية وإيران وبحر قزوين، ويتمكن أيضاً من التحكم بالتحرك السياسي في المنطقة وتهديد شرق العراق وغربه: سورية وإيران ومحاولة إخضاعهما لتصفية المقاومة الفلسطينية وحزب الله وكل قوة تقول لا للاحتلال والوجود الصهيونيين، ونعم لأمة عربية متماسكة الوجود والحدود.‏

وموضوع ضرب العراق لا ينحصر في العراق، وهو مرحلة من مراحل حرب الصهاينة والأميركيين على العرب والمسلين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أم تحت غطائها.‏

سورية ليست بعيدة عن هذا السيناريو الذي يوضع للمنطقة ولا هي مستبعدة منه: بعد عملية الجهاد الإسلامي قرب مزارع شبعا التي راح فيها سبعة عشر قتيلاً للعدو الصهيوني. قال شمعون بيريس " إن أوامر تنفيذ عملية "مجدو"، قرب مزارع شبعا، صدرت من سورية." يديعوت أحرونوت 6 حزيران 2002 وتم التأكيد باستمرار على تهديد سورية، وقال موشي يعلون رئيس أركان جيش العدو في واشنطن قبل استلامه منصبه/ 30 حزيران‏

2002 /: " الحرب على سورية حتمية، وتهدف إلى المساهمة في الحرب الأميركية على الإرهاب، وسوف تدلي "إسرائيل" بدلوها في المنطقة المحيطة بها، وستضرب ليس فقط بلدات ومواقع في لبنان، وإنما أيضاً في سورية، عندما ينتقل الأميركيون إلى المرحلة الثانية من حربهم على الإرهاب التي ستكون موجهة ضد العراق. "‏

لقد بدأ التحرك الأميركي المحموم يأخذ منحاه لتوجيه اتهامات وتهديد والقيام بضربة قاصمة للعراق ولسواه، بعد خطوة المصالحة الأولية بين العراق وكل من الكويت والسعودية في مؤتمر القمة العربية في بيروت/ 28، 29 آذار 2002 /. لقد واجه الحليفان الصهيوني والأميركي تلك الخطوة بالاجتياح في الضفة الغربية وتهديد غزة ورفض عرفات والسلطة، وإعلان محور الشر، وتهديد سورية بضمها إلى ذلك المحور وتوجيه ضربة لها، وبسحب حزم الضوء عن مبادرة الأمير عبد الله التي أصبحت " إعلان بيروت" مؤيداً ومؤكداً من الدول العربية كلها، بعد أن سلط كل الضوء عليها، وهي ما كانت تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية ويسعى إليه الكيان الصهيوني.‏

الحليفان الشريران لا يريدان وفاقاً عربياً، وعربياً إسلامياً، من أي نوع، ولا يريدان عودة لعراق قوي إلى صف الدول المتعاونة في الوطن العربي، ولا يريدان للصف العربي أن يلملم نفسه في وفاق من أي نوع، لكي يستثمرا أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 إلى أقصى مدى في تنفيذ الأهداف الاستراتيجية للصهيونية والولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، تحت اسم مكافحة الإرهاب الذي يُتَّهم به العرب والمسلمون ويمارسه عملياً الصهاينة والأميركيون.‏

للولايات المتحدة الأميركية مصالح تحققها في المنطقة وقد رأت أن هذا أوانها، وعلى رأس تلك المصالح:‏

1 ـ الكيان الصهيوني ومشروعه ومصالحه، حيث يقتضي الأمر جعله مهيمناً بعد الاعتراف به.‏

2 ـ السيطرة التامة على الثروات والمواقع الاستراتيجية والقوى الحية والموارد والمواد الأولية، والسوق الاستهلاكية العربية.‏

3 ـ توجيه التربية والتعليم والثقافة والإعلام نحو تكوين مواطن عربي بلا شخصية أو هوية أو وعي، يرقص على جثة عقيدته وأخوته في العروبة والإسلام ويخرب قيمهما، وينفذ ما يراد منه تنفيذه ضمن رؤية أميركية ـ صهيونية للمنطقة نابعة من خطط مفكري " صدام الحضارات" والمعادين للإسلام والمؤيدين للمشروع العنصري الصهيوني تأييداً مطلقاً.‏

ونحن أيها العرب على أبواب المرحلة: الحرب، التي يجهز الكيان الصهيوني نفسه لخوضها مع حليفه الأميركي، وهم يعدون ويحشدون ويستعدون، ولن ينفع الصراخ والبكاء والخروج إلى الشوارع في مظاهرات تسيل بشراً من المحيط إلى الخليج، لن تفيد في رد الطائرات والصواريخ والدبابات المعادية وهي تشن عدوانها، ولا في إنقاذ الأطفال والنساء والشيوخ والحرث والنسل، وقد جربنا حظنا في مخيم جنين وما دار حوله من صراخ لم يمنع رصاصة عن صدر طفل، ولا ساهم في دفن شهيد أو نقل جريح إلى مشفى، فهل إلى تحرك منقذ من سبيل قبل الواقعة الفاجعة، أم أننا تعودنا على رؤية موتانا مقطعين وديارنا تدمر؟؟‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |