|
ـ انتفاضة الأقصى في عامها الثالث
انتفاضة الأقصى تدخل عامها الثالث، وعلى عتبته تقف في مداخل القدس عروساً محنَّاة اليدين والقدمين مزنَّرة بحزام الحياة المخضر، يحف بها عشرات الأطفال الشهداء بأجنحة البراءة تقطر دماً، يرفعون أذيال ثوبها الأبيض وينشدون أناشيد تسأل: يا أمنا أين أهلنا مما يجري لك ولنا.. يا أمنا: هل نحن خارج دائرة الانتماء القومي والإسلامي والبشري.. خارج دائرة المسؤولية الإنسانية والعدالة الاجتماعية، والرحمة التي شملت كل حي.. لمَ السكوت على دمنا وألمنا يا أمنا؟ ولماذا نكون مجرد صورة في مشهديات الفضائيات العربية والعالمية تجترنا العيون ولا تحرك مأساتنا ضميراً ولا ساعداً عربياً مساعداً لنا؟! يا أمنا من نحن في هذا الوطن .. من نحن في هذا العالم.. وماذا يريد الناس منا أن نفعل أكثر ليفهمونا بشكل أفضل.. يا أمنا ضاق بنا الصبر إذ نصبر وضاق بنا الحال إذ نحول، وضاقت بأمتنا الأمم من هول ما يقع لنا ولا يحرك هممنا؟؟ غني لنا يا أمنا أغنية تجلب النعاس حتى لا نُقتل في الصحو من أمتنا والناس مرتين.. بعد أن قتلنا النازي الجديد بهمجية لا توصف، غني لنا فهذا العالم البائس مجرد من نخوة القريب والغريب ومن كل ما يبني القيمة وينصر الحر والحق وينصف الإنسان.. يا أمنا غني لنا أغنية تجلب النعاس فالمشهد حزين، وهديلك عند قبة الصخرة وكنيسة القيامة يشف ويضيء في هذا الليل الطويل، غني لنا فسكين الوحش الصهيوني ما زالت تقترب من الأعناق لتقتل ذكرانا وذكرى الشهداء في يوم الشهادة والشهداء هذا.. يوم الأقصى وانتفاضة أهله المباركة..ارفعي صوتك معنا بالنشيد لكي يسكن العالمَ صوتُنا ويبلغ كلَّ حي معنى استشهادنا وحقيقة ما جرى لنا وما يجري لشعبنا.. غنِّي لنا وللعالم المتحجر القلب يا أمنا فسيبقى صوتك خالداً وستبقى رايتنا مرفوعة.. وسيبقى حفيفُ أجنحتنا حول القدس مستمراً مثل فدائنا حتى تتحرر القدس.. غنّي وصلي يا أم.. فإن الله لا ينسى المظلومين وسينصر الصابرين ومن ينصره!؟
ـ 2 ـ
على وقع هجمات العدو الوحشية على غزة وحصاره لآخر غرف مقر المقاطعة في رام الله، ومطالبته المتجددة بتسليم من يسميهم " مطلوبين" ـ وكل الشعب الفلسطيني مطلوب لديه ـ تنقِّل انتفاضة الأقصى خطاها بين الدم والنار وآثار الدمار.. تنظر بدهشة مطلقة وتحار حيرة تامة، ونحار معها في سؤالها: إلى متى يبقى العالم متفرجاً على المأساة، وعلى همجية حقد بلا حدود أو قيود؛ يملك آلة الموت والدمار ويستخدمها دون وازع من ضمير أو رادع من أي نوع؟! إلى متى يبقى العرب كتلاً من الرخاوة مدلاة في زنانير الوقت.. لا تشد أزراً، ولا تمنع طفلاً، ولا تشهر نصلاً، ولا تقيم حقاً على قدمين، ولا تصهل في ساح، ولا تسأل بعد كل هذا الزمن المغموس بالدم والدمع والدمار والذل: إلى متى وإلى أين!؟ ولم هذا الصمت المريع يرين على ما يجري لشعب أعزل يطلب الأمن والحرية والاستقلال منذ مئة سنة فلا يعطى سوى الظلم والموت ويتَّهم بالإرهاب في كل ثانية من صانع الإرهاب الدولي وراعيه في العالم، ويقدم لـه الموت صباح مساء بكؤوس عنصرية ولا يشعر بمأساته أشقاؤه وأخوته الأقربون، بلْهَ من يتشدقون بالدفاع عن الإنسان والحرية والعدالة والسلام في أرجاء العالم؟! ويسأل حادي الشعب المثقل بسفع الريح وسفي الرمل: ما هو السبيل إلى مخرج من هذه الدوامة البائسة الدامية؟! وما هو المطلوب ليحين ذلك ويتم!؟ هل المطلوب استسلام فلسطيني شامل لشارون يسدل ستاراً من الذل على الأمة كلها ومن النسيان على القضية كلها، وهو عند الفلسطيني الذي سجل أساطير البطولة وأرخص في سبيل القضية الدم أبعد من أبعد المجرات مهما طال الزمن وارتفع الثمن؟! أم المطلوب هو العودة إلى مفاوضات تفضي إلى المزيد من التنازلات ولا يحترم نتائجها أحد حتى وهي تتردى بالمفاوض الفلسطيني إلى وهدة عميقة من التفريط المهين والذل المقيم الذي يربأ شعب فلسطين ومقاوموه بأنفسهم عنه ويمهرون الكرامة بالدم في كل يوم، وينهضون من رمادهم بعد كل احتراق بهمم قعساء وإرادة لا تلين؟!
أين يقف أهل الحق الفلسطيني من الناس وأين يقف الناس منهم؟! مجلس الأمن لا تنفذ قراراته الهزيلة على الكيان الصهيوني الذي يسْخر من المجلس ومن قراراته فلا تزيد السخريةُ المجلس إلا احتراماً للكيان الساخر المستهتر، ومهابة لـه، وسكوتاً عن جرائمه، وانصياعاً لرغباته؛ بينما تثور ثائرة ذلك المجلس على العراق الذي ينفذ قرارات المجلس ويطلب أن يُستجاب لـه ويُستمَع لاستجابته في هذا المجال فلا يحظى سوى بثورة قدور الحقد في نفوس مسؤولي الدول التي تجرّ مجلس الأمن من أنفه إلى حيث تريد، وتبدو كمن يشتريه بدفع ربع ميزانيته السنوية؟!
حالة عجيبة غريبة من الازدواجية والنفاق والدجل السياسي تفرضها الحركة الصهيونية على العالم من خلال الولايات المتحدة الأميركية التي تستهر بالحق والعدل والعقل وبالعالم كله، ولا يسمع مسؤولوها سوى أصواتهم ولا يرون سوى أنفسهم، قد أعمتهم طموحاتهم ومصالحهم وقوتهم العمياء عن رؤية العدل والحق فضلاً عن رؤية سواهم وسماع صوت غير صوتهم.
حالة عجيبة غريبة تجعل المتابع يأسى على أمم و "دول عظمى" وسياسات دولية تتردى أخلاقياً في هوى سحيقة، وتأكل بثدييها، وتقايض قيمها بالمصالح فتبيع الضعفاء والحقوق والمبادىء والحريات والقوانين الدولية والقيم في أسواق المال الأميركية ـ الصهيونية، وتخرج إلى الحرب مع القوي ضد الضعيف، مع الإرهابي ضد من يُتَّهَم بالإرهاب ويدافع عن نفسه ضد العنصرية والإرهاب.. مع من يملك ترسانات عملاقة من أسلحة الدمار الشامل ويهدد باستخدامها ضد من يُتَّهَم بأنه قد يسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل وقد يستخدمها إذا ما ملكها.. ضد العدالة والحرية والسلام باسم الدفاع عن العدالة والحرية والسلام؟
حالة بؤس روحي ومادي تجتاح العالم وتجعله وسخاً لا يطاق، وهي حالة سببها السيد الأميركي الجشع البشع الذي يقوده اليهودي الحاقد على الأمم والحضارة فيجعله نقمة على الأمم والقيم والحضارة في عالم اليوم. ولن يردع القوة سوى قوة ولكن العرب لا يريدون أن يفهموا الدرس بعد مئين من سنين.. وسجف ممتدة من ليل حزين!؟
ـ 3 ـ
من نافذة الذكرى الثانية لانطلاقة انتفاضة الأقصى المباركة نرى عرب اليوم كتلة بائسة من اللحم المتدحرج في الشوارع على شكل بشر، ومن الألم والحزن والشكوى تتنزى من شقوق الوقت بين صمت وصمت.. من الثورة على الذات والأنظمة والعالم المتردي في الظلم والشر، ومن المشاعر المتآكلة والاهتمامات المتهافتة والمصالح المتضاربة، ترى نفسها تغرق في الوحل فلا تدرك أنها تغرق فيه ولا تتحرك فيها إرادة لتلملم أضلاعها المسحوقة في الطرقات وكرامتها المهدرة بين الأمم. كل نظام من أنظمة دولهم يظن أنه ما دام قد سلم من شرور المحنة اليوم فهو رابح وناج منها غداً، ولا يدري حقيقة ما ينتظره غداً، مع أن المؤشرات واضحة الدلالة والقراءة ميسرة لمن يريد أن يقرأ ويفهم ويستخلص الدروس ويعتبر؟! ويذهب بعض مسؤولي الأمة إلى حد عرض خدماتهم على عدو الأمة لسحق أخيهم إذا ما وفر ذلك العدو لهم غطاء من نوع براقع الحرير يغري ويهتك ويفضح أكثر مما يستر، يجلب العار ولا يقي من الدمار. وتراهم سعداء يرفلون "بمفاخر" ما يحققون من "انتصارات" في هذا المجال؟! ولا تفهم الإنجاز وما هو ولا أين النصر وما هو، بعد أن تداخلت المفاهيم والمصطلحات والمعايير ولم يعد التمييز الموضوعي ممكناً، كما لم تعد تعرف من ذلك النصر والفخر شيئاً يصمد أمام المنطق السليم والقيمة النظيفة والمعيار الدقيق والمحك الفعال؟!
والأقطار العربية التي تقول قولاً حسناً في المواقف والقضايا المبدئية والمحافل العربية والدولية، يرضي الناس أو يصدر عن الوجدان ويستلهمه، لا تقدم في النتيجة أكثر من الكلام، سواء أكان ذلك بإرادتها أو رغماً عنها، وهي محصورة بين استنقاذ نفسها وواجب مساعدة غيرها؛ ولكنها في نهاية المطاف لا تملك سوى أن تروغ من الموقف والمبدأ ومن السؤال ذاته عن الموقف والمبدأ عند شدة التهديد وتصاعد الوعيد، محتمية بالصمت الرصين من حَرِّ السؤال وقرِّه ومن تبعات الجواب ومحنه أو امتحاناته.
حالة حصار تعيشها الأمة العربية وتعيشها الانتفاضة الفلسطينية، انتفاضة الأقصى المباركة، تحت سمع الأمة وبصرها: حصار بالمعنى الأشمل للكلمة يطال مناحي الحياة كلها ويقارب الأمل ذاته، ويطلق في فضاء فلسطين سؤال فلسطيني بائس لا ترفعه الانتفاضة إلى درجة الرؤية الأعلى يقول: خرجت الانتفاضة من أجل دحر ما تبقى من الاحتلال فجاءت بالاحتلال شاملاً؟! وهو لا يعي حقيقة ما قدمته الانتفاضة من فعل بطولي جعل العدو في مأزق من جهة وأبعد المفاوض الفلسطيني عن مآزق من جهة أخرى وقربنا جميعاً من حقيقة أن الصراع صراع وجود وليس نزاعاً على حدود وأن العدو لا يمكن التعايش معه، ولا يفهم السلام ولا يريده وإنما يريد استسلاماً غير مشروط وذلاً مقيماً للأمة العربية وشعب فلسطين، وهو ما دفعه ويدفعه عن الأمة وعن فلسطين أبطالُ الانتفاضة والمقاومة والشهداء الذين قضوا على طريق الحرية والتحرير والكرامة الوطنية والقومية.
ـ 4 ـ
على وقع هجمات صهيونية وحشية على غزة تركت عشرات الشهداء والجرحى بينهم خمسة عشر طفلاً، ومشاهد دمار مريع، وانتشار دبابات العدو ومجنزراته في كل مكان من الضفة الغربية وغزة تنشر الرعب والموت والشر المستنفِر، وفي ظل حصار على مكاتب الرئيس عرفات صاحب " سلام الشجعان" وحصار الشعب الفلسطيني في مدنه وقراه ومخيماته، وعلى وقع مطارق كلام بعض الفلسطينيين والعرب الذين يحمِّلون الانتفاضة ـ من عجب ـ مسؤولية ما آل إليه الوضع في فلسطين بعد سنتين من عمرها ولا يحملون معها عبء الأمة والقضية الذي تحمله، تقف انتفاضة الأقصى شامخة في كل مكان من فلسطين.. في كل بيت ونفْس، في كل مفترق طرق ومفترَق قرار، تقف صامدة تتحدى رغم الجراح، وتتصدى رغم الحصار والدمار وقلة النصير وازورار الأهل عن المسار الحق والموقف الحق ونصرة الحق. وحين نتوقف اليوم صغاراً عند أقدام صمودها وبطولة مجاهديها نرسل تحية الإكبار ونحني الرأس أمام شعب يرتفع بالأمة، وأمام مقاومين يتحدّون بصدورهم العارية آلة الحرب الصهيونية، وأمام مقاتلين من أجل الحرية يعيشون تحت الاحتلال ويرفعون الصوت واليد ضد همجية الصهيونية ـ النازية، وأمام معتقلين يعانون في ظروف غاية في القسوة من جرَّاء تعذيب المحتل لهم ووحشيته تجاههم، وسكوت "العالم المتحضر" عن ممارساته القذرة وعن وضعهم المأساوي، وهم في المعتقلات منذ سنين طويلة بعضهم أمضى فيها أكثر من ثلاثين سنة، ومنهم من خرج من السجن بعد أكثر من ثلاثين سنة إلى القبر فكان وسيبقى أطول المسجونين عمراً في التاريخ وأعدلهم قضية، وأكثرهم ثباتاً على الحق والمبدأ، من دون أن ترفعهم الأمة والإنسانية أبطالاً يدافعون عن الاستقلال ويقاتلون من أجل الحرية.. وهذا مؤسف؟!
حين نفعل ذلك فإننا نعترف بإحجامنا وإقدامهم، وبدفاعهم عنا وعجزنا عن نصرهم، واعترافنا بفضلهم وبنمو آمالنا على سنديانة صمودهم الباهر. ونسجل أننا أمام حالة شعب فريدة في التاريخ، وحالة عداء للحقيقة والحرية والإنسانية فريدة في التاريخ أيضاً، يقف وراءها ظلم أميركي ـ غربي بلا ضفاف، ومجتمع دولي بلا مبادىء أو قيم، وعجز عربي بلا حدود. ولكن بطولة أهلنا في فلسطين ستنتصر، وصوت قضيتهم سيرتفع ويرتفع بفضل استمرار المقاومة والانتفاضة، بفضل الإيمان والجهاد والصبر والإبداع في المواجهة، ولا بد من أن يوقظ ذلك أمة لن يستمر نومها وضعفها إلى الأبد.
ولينصرن الله من ينصره.
|