صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ العراق الوطن وواجب المواطنة

يؤلمني أن أضطر للتساؤل: أي مستوى أخلاقي يسمح لشخص ما بأن يستدعي عدواً لأمته ويناصره لكي يتدخل ذلك العدو في شؤون بلده فيقتل ويحتل ويمزق البلد وينهب ثرواته ويضعه تحت سيطرة الاستعمار المباشر أو تحت الوصاية؟! هل لكي يدخل ذلك الشخص إلى عاصمة بلده على ظهر دبابة أجنبية تغرق جنازيرها بدماء أبناء شعبه، دخول حاكم منتصر على الحاكم ؟! وكيف يسوغ هذا النوع من الأشخاص لأنفسهم الدفاع عن مثل هذه الآراء والتوجهات والمواقف والتحالفات التي عليها وعلى أمثالها حكم واضح في التاريخ، كيف يبقون في عرف بعض الناس وبعض البلدان في دائرة عدم الاتهام والتشجيع على الفعل والاقتحام؟ وكيف يشعرون في الدائرة الجوَّانيَّة من الروح والضمير؟! هل هم مرتاحون من ملاحقة الذات للذات؟! إنه يصدمني دفاع بعض الأشخاص عن العدوان الأميركي ـ المستمر وعن الآخر المبيت بسعة تدمير كارثية ضد العراق، وكذلك دفاعهم عن تعاونهم المطلق المكشوف مع ذلك العدوان وترحيبهم به وبنتائجه، على الرغم من أنه وبال عليهم وعلى بلدهم وأمتهم وتاريخهم ومستقبلهم، وكيف يتم ترحيبهم بالعدو وكأنه منقذ في حين أنهم يرون ويعرفون أن حليفهم ـ العدو يعلن عداء للأمة كلها وثقافتها وعقيدتها، ويتحالف مع من يحتل أرضهم ويذبح أبناء أمتهم ليل نهار، ويهوِّد مقدساتهم في فلسطين، ويصدِّر القوانين التي من شأنها أن تجعل إحدى أهم عواصمهم الروحية عاصمة أبدية للصهاينة العنصريين، أعدائهم التاريخيين !؟‏

يؤلمني ذلك ويفزعني لا لأنني مع الظلم الذي يلحق بأي مواطن في وطنه من النظام الحاكم في وطنه في أية بقعة من الأرض، ولا لأنني مع بقاء شخص، أي شخص، في حالة من المعاناة والغربة والقهر يضطر معها للعيش في ظروف قاسية حتى لا يدفع سعادته أو أمنه أو حتى حياته ثمناً لوجوده في بلده، الذي من حقه أن يعيش في ربوعه بأمن من جوع وخوف، ولكن لأنني ضد الحقد والكراهية اللذين يجعلان شخصاً ما أعمى يدخل في دائرة العَمَهِ ويغفل عن هوية العدو الذي يستعين به وعن أهدافه وتحالفاته وتاريخه العدواني البغيض، ويتغاضى عن دم الآلاف المؤلفة من الأبرياء القريبين إليه الذين سيذهبون ضحايا عدوان يشنه ذلك العدو على شعبه لكي يجعله حاكماً أو يمكنه من قهر حاكم... ولأنني بالدرجة ذاتها أرى أنه ليس من حق أي حاكم أو نظام أن يستمر في إلحاق المعاناة بأفراد من شعبه لكي يبقى في سدة الحكم، أرى أن مصلحة المواطن والوطن في أي بلد أن تكون هناك معيارية خلُقية ووطنية وإنسانية وروحية ثابتة وفاعلة وسامية ترتفع بالناس فوق دوائر الأنانية المتورمة والحقد الأعمى والكراهية المقيتة التي تفضي بالناس إلى أن يجعلوا بلداً مفتوحاً بشكل من الأشكال أمام الاحتلال بدعوة من مواطنين ضاقوا بالوطن أو ضاق بهم الوطن، وضاقت نظرتهم ذاتها عن معاني الوطنية وتكاليفها والتزاماتها وواجباتها!.‏

وما يزيد درجة الأسى والدهشة عندي عقد مقارنة بين مواطن يعيش القهر ويعاني من نتائج الحصار ويضيق بالوطن إذ تضيق نفسه داخل الوطن، ولكنه يهب استعداداً للموت دفاعاً عن وطنه ضد التدخل الخارجي والعدوان والاستعمار حين يُهدَّد الوطن. ومواطن آخر يتحالف مع العدو التاريخي لأمته لكي يقهر وطنه وبعض أبناء وطنه ويفوز بدم قريب على رغيف مريب. ونوع ثالث من "المواطنين" ينهب الوطن ويستغل كل ما فيه حتى الدم والبؤس والمعاناة ويبقى في دائرة من الترفُّع الشيطاني يبيع الآخرين قيماً ويبيعهم مع الوطن والقيم لمن يشتري، ويتربع فوق الأرض والرقاب عندما تحين الفرصة؟!‏

تساؤلات مرة تطرحها اليوم على الرأي العام والوجدان والعقل معاً أوضاع ومواقف وآراء بعض أطراف المعارضة العراقية، وأنصار التدخل الأميركي في العراق، وأنصار التفاوض مع الصهاينة على ما تبقى من جثة فلسطين.. وكل ذلك لا يحمل أقل من صفة العدوان على المواطنة والقيم بالمفهوم الشامل لمعاني المواطنة وللقيم: إنسانية وقومية ووطنية وروحية.. إلخ كما يحمل بدرجة أكثر صفة العدوان الأجنبي الغاشم بكل معانيه الكريهة وصفة الاحتلال البغيض الذي يريد أن يفرض النظام والأشخاص الذين يريدهم على بلد ما ليكون هو سيد ذلك البلد، وليكون ذلك البلد في خدمته وتحت سيطرته التامة ومنفذاً لـه ومنطلقاً لتنفيذ استراتيجية عدوانية أشمل.‏

ومن المؤسف وجود منابر إعلامية كثيرة وكبيرة في الوطن العربي تفتح صدرها وتفسح في المجال لهذا النوع من الأشخاص والآراء والتطلعات، وتعرض منطق التعاون مع الأميركي والصهيوني ضد العربي والمسلم، ضد الذات والبلد والأهل، وهي في فعلها ذاك تخدم هذا التيار والتوجه العدواني الأميركي ـ الصهيوني معاً إما عن وعي تام بما تقوم به باختيار لذلك النهج، أو بمجانية خالصة تؤدي إلى كارثة تامة، وتلك نكبة أكبر.‏

لقد دفع العراق ثمناً باهظاً خلال العقدين الماضيين، ولم يقع عبء ما دفعه العراق على أفراد النظام أو على الحاكم حصراً، وإنما وقع على الشعب وعلى الفئات الضعيفة والمستضعفة من الشعب دون سواها. وإذا كان ذلك وأسبابه ونتائجه والمسؤولية عنه موضع نقاش طويل كان في الماضي وسوف يتجدد في أوقات ملائمة في المستقبل بين العراقيين أنفسهم، وبينهم وبين أنفسهم، وبين شرائح واسعة من أبناء الأمتين العربية والإسلامية، وموضع مراجعة داخلية أيضاً، فردية أو جماعية، بدت في حالات وكأنها تسجل أسفاً على ما كان من ذلك كله وتراجعاً عما حدث وإدانة لما دفع باتجاه حدوث ما حدث، واكتشافاً لما يكمن خلف ذلك من أهداف هي في مصلحة أعداء الأمة حصراً الذين أسسوا لتلك الأحداث أو أغروا بها، وعلى رأسهم الأميركيون أو الصهاينة لا فرق فالتماهي الآن تام وكامل وشامل بين الطرفين.‏

وإذا كان المخطط العدواني الأميركي يتجه نحو ضرب بلد من أجل أن يسقط حاكمه ليستولي المعتدي على مقاليد الأمر في ذلك البلد فإن المنطق واستقراء النتائج والوقائع التي تمت في وضع مثل وضع العراق تشير بوضوح تام إلى أن الكثير من أفعال الأميركيين في هذه المنطقة كانت وما زالت تعمل على تعزيز قبضة حاكم أو نظام في السلطة لكي تسخر هذا الحاكم أو النظام لسياسات وممارسات وحروب تكون في مصلحتها هي بالدرجة الأولى إن هي استطاعت إلى ذلك سبيلا، وكثيراً ما استطاعت. فالولايات المتحدة الأميركية التي تمثل سطوة العدوان وشدته وهمجيته اليوم في العالم، هي التي تمثل الشر والقناع الضاحك وربما الراغب في البراءة، الذي يستتر تحته الشر، وهي التي حركت أو ما تزال تعمل لكي تحرك قوى وأنظمة وأشخاصاً من أجل خوض صراع هو في مصلحتها أولاً وأخيراً.‏

إن العدوان الأميركي الذي يُهدد به العراق هذه الأيام لا يرمي إلى إسقاط النظام ونزع السلاح العراقي فقط ـ على فرض وجود أسلحة ذات قدرة تدميرية شاملة وهو ما ينفيه العراق ويستبعده خبراء معتبرون ـ بل إلى احتلال ذلك البلد العربي وتمزيق أوصاله عملياً ضمن بقائه في إطار وحدة هش، وملاحقة كل الطاقات العلمية والمعرفية والعقلية البشرية التي يمكن أن تكون رصيد ذلك البلد في النهضة العلمية وامتلاك القوة على أرضية العلم والتقانة العالية، ومن ثم تؤسس لقدرته على الصمود والمواجهة، وهو ما يريده الكيان الصهيوني صراحة وحصراً، وما يسعى لتحقيقه مع حلفائه الأميركيين والمتعاونين معه. وهو ما كان يعمل عليه وما زال يعمل من أجله، ضد الأمة العربية كلها، أولئك الذين انتقلوا من صفوف الـ k.g.b إلى صفوف الـ c.i.a بسلاسة ومن دون أن يهتز لهم رمش عين. وهم في كل من الوضعين السابق واللاحق يقاتلون ضد أمتهم وعقيدتها وثقافتها وهويتها، ويقاتلون ضد بلدانهم ومصالح تلك البلدان، وضد العرب والمسلمين الصرحاء كافة، ولا يخدمون سوى أعداء الأمة مهما ادعوا وتزينوا وزينوا وجوههم وأقنعتهم.إن العراق وسواه من الأقطار العربية التي تحافظ على حد أدنى من المبدئية وترفض الانصياع التام للعدو الصهيوني وحليفه الأميركي وتحاول أن تتخلص من التبعية أو تعلن أنها ترفضها وتسعى للتخلص منها، هي أقطار مطلوب رأسها صهيونياً وأميركياً بعد أحد عشر عاماً من الحصار المر على العراق والعدوان المستمر عليه ومن الرفض للانصياع للإرادة الأميركية ـ الصهيونية في المفاوضات التي تسمى " مفاوضات سلام"، لكون العراق وسواه من تلك الأقطار يفكر في امتلاك القوة، ولأن العراق بالذات يملك قدرة بشرية من أبنائه تبشر بإمكانية امتلاك قوة علمية وتقنية وعملية تحرر إرادة البلد من التبعية وتحمي ثروته النفطية على الخصوص وتجعله قادراً على الدفاع عن نفسه وعلى الحضور في القضايا القومية. ومن الواضح أن تلك الفئة العربية المبدعة أينما كانت قادرة على أن تخدم الأمة وقضاياها والناس المستضعفين حين تنتج مقومات القوة بمعناها الشامل ومنها السلاح، وحين تخرج أمة من الظلمات إلى النور. وهذا النوع من السلاح البشري العربي هو الذي ستجري ملاحقته على المدى الطويل، لأن أي سلاح مادي يُنْزَع من العراق أو سواه يمكن أن يعوَّض والمطلوب هو تدمير السلاح الذي لا يمكن أن يعوض: العقل والعلم والطاقة البشرية العلمية القادرة على التفكير والتصنيع والإبداع، والإرادة التي تسعى لامتلاك ما يحرر الأرض والشعب والقرار مستقبلاً من كل أشكال التبعية، وما يرد العدوان ويردع المعتدين ويضع حداً لأنواع الارتهان والابتزاز.‏

والكيان الصهيوني يريد، قبل أن يعطي شبراً من أرض فلسطين لسيادة فلسطينية من أي نوع وعلى أي مستوى، أن يجرد الأمة كلها من السلاح وأن يدمر العقول والإرادات التي تسعى لتحرير القرار والاقتصاد والسلاح من أشكال التبعية والهيمنة. والولايات المتحدة تخوض حربها ضدنا تنفيذاً أو تحقيقاً لهذا الهدف ولأهداف أخرى منها السيطرة على النفط والطاقة والأسواق، وإعادة رسم الجغرافية السياسية للمناطق المحيطة بالكيان الصهيوني لتتشكل هناك فسيفساء من دويلات ضعيفة متناحرة تتلهى بخلافاتها وتلعق جراحاتها وتبقى في القبضة وتحت السيطرة، تحت الوصاية أو الحماية، في حين يؤسس العدو لتحقيق حلمه الأكبر "من الفرات إلى النيل.." وهيمنة على السياسة والاقتصاد والإنسان، ومن ثم سيطرة على الجغرافية في قادم الأزمان إن هو استطاع إلى ذلك سبيلا، وما أظنه بمستطيع على الرغم من الخروق التي يحدثها هنا وهناك هو وحليفه الأميركي.والكيان الصهيوني يعمل على تحقيق أيضاً هدفه المشترك مع اليمين الأميركي والأطراف الدينية المتعصبة في فلسطين المحتلة والولايات المتحدة الأميركية التي تخوض حرباً " تراها مقدسة " وعلى أسس دينية ترمي لتحقيق أهداف صهيونية ضد العرب والمسلمين وضد عقيدة الإسلام التي يحاول أميركيون وصهاينة أن يشوهوا صورتها وصورة نبيها وأتباعها بانحطاط واضح في التفكير والتعبير والتدبير.‏

ويعيش وهماً قاتلاً أولئك الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني والتابع البريطاني لهما إنما يخوضون حرباً من أجل الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان والعدالة، أو من أجلهم هم بوصفهم متطلعين إلى تلك الحقوق ومتعاونين معهم على طريق تحقيقها.. إنها غير معنية حقيقة بتلك الأطراف إلا من خلال استخدامهم سلالم أو مخالب لا أكثر، وهم في أحسن الأحوال أدوات قد تحرك بها النار وستلقي بهم يوماً إلى النار. ولكن ما فوق النار وما يطبخ عليها وما قد تصل إليه، كل ذلك لصالح الصهيوني العنصري المستعمر والأميركي الشره إلى الثروة والسيطرة والنهب، الذي يمارس الشر بمتعه وينسبه إلى الآخرين بغباء حين يفترض أن الآخرين يصدقونه بفعل طغيان القوة وقوة الطغيان.‏

إن الوعي والمنطق والشرف والموقف القومي والإنساني، كل ذلك يستدعي أن ننصر شعب العراق في حال العدوان عليه، ويأتي في إطار تلك النصرة أن نطالب نظامه بأن يحافظ على تماسك الشعب ووحدته ومقومات حيويته وحقوق أفراده لكي تكون الطاقات الإبداعية لأبناء العراق جميعاً في خدمة العراق ومبدئيته وحقوقه، وفي خدمة أبناء الأمتين العربية والإسلامية جميعاً. ولن يتم ذلك من دون مراجعة لكثير من الأمور واللوائح والمواقف والأحكام ومن دون حوار على أرضية من الثقة والاحترام والأمن والأمان للجميع وعلى قدم المساواة.‏

يوم كان العراق معتدياً وقفنا ضد عدوانه، وبكل القوة أدنا موقفه وقاومنا عدوانه، حدث ذلك يوم كانت حرب الخليج الأولى ويوم غزا الكويت في حرب الخليج الثانية. ولكن بعد عشر سنوات ونيف من الحصار على العراق والعدوان عليه وتقسيمه عملياً إلى مناطق محظورة وأخرى يستنبت فيها نبت غريب مريب عجيب يزدهي باعتماده على أعداء الأمة، وبعد أن دفع القطاع الفقير البائس من الشعب العراقي ثمن حربي الخليج الأولى والثانية، وحين نراه وهو يستهدف اليوم بحرب ثالثة مدمرة ليتم نزع السلاح والقضاء على كل عقل يمكن أن يصنع السلاح أو يخطط لصنعه وامتلاكه؛ لا بد من أن ننصره ونكون معه ضد الظلم والعدوان والشر وضد القوى التي تريد أن تعبث بنا جميعاً لتحقق مآربها القريبة والبعيدة.. الصغيرة والكبيرة.‏

علينا ألا نصدق الأميركي يوماً فأستاذه الصهيوني علمه الكذب والغدر كما علمه أن يقدم صورته البشعة في قناع ملائم لكي يضلل الآخرين ويصل إلى أهدافه البعيدة التي لم تكن في يوم من الأيام نبيلة. لا تصدقوا الأميركيين ولا الصهاينة ولا أولئك الذين يسخرون أنفسهم وأقلامهم وألسنتهم ووسائل إعلامهم لتحسين صورة أميركا التي غدت بشعة وإخفاء أطماعها وشرورها فالدروس منشورة أمامكم والنتائج التي يمكن أن تُستخلَص من تلك الدروس واضحة:الصهيوني عدو وصراعنا معه صراع وجود، وهو حليف استراتيجي كامل للأميركي الذي ينصر الاحتلال ويمارس علينا الضغط ويهددنا بالعدوان ويشارك الصهيوني أهدافه كلها ويعلن أنه ينصره على العرب والمسلمين مجتمعين. ومن يقف مع الأعداء ضد بلده وأمته لـه اسم ووصف معروفان لا يختلف عليهما اثنان مهما كثر القيل والقال من أي منبر وفي أي مجال، والعراق وطن لجميع أبنائه وللعراق على أبنائه حق المواطنة.‏

والله ولي التوفيق‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |