صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ فخور أنا ومجروح القلب

عملية المقاومة الفلسطينية في الخليل مساء الجمعة 14 تشرين الثاني 2002 الموافق 10 رمضان 1423 هـ تراويح جهاد رمضانية من نوع فريد، أعادت إلى كثير من النفوس الثقة بالنصر وبقدرة المقاومة على الأداء القتالي بدقة وحنكة ورباطة جأش في الأماكن والمواقع التي لا يتوقعها العدو. وسقوط ثلاثة عشر جندياً قتلى بينهم واحد باللباس المدني ومن ضمنهم قائد الكتيبة العميد درور فاينبرغ وخمسة عشر جريحاً في صفوف جيش الاحتلال، فضح العدو ووضعه هو وقيادته في وضع صعب ومحرج أمام ثلاثة من المجاهدين نذروا أنفسهم لله والوطن في خليل الرحمن فجعلوا العدو يعيش ساعات من الجحيم الذي لا يطاق باعترافه. كانت تلك العملية هدية متواضعة للشهداء الذين انتقلوا إلى جوار ربهم، وعلى رأسهم الشهيد إياد صوالحة، وكانت في الوقت ذاته عهداً للشعب الفلسطيني وللرازحين تحت نير الاحتلال وللذين يتعرضون لتعذيب أجهزة الأمن في المعتقلات والسجون الصهيونية، تلك الأسوأ من النازية، كانت عهداً على مواصلة النضال حتى النصر والتحرير. وهي هدية أتت في وقت يقوم فيه العدو يومياً باستنزاف دم فلسطيني جديد يوظفه في انتخاباته القادمة، وكان قادته دائماً يعمدون إلى إراقة الدم الفلسطيني عند أقدام العنصريين الصهاينة ليكسبوا أصواتهم من دون أن يدفعوا ثمناً لذلك وهاهم اليوم يدفعون بعض الثمن ويُنذَرون بالمزيد من مواقف المجاهدين الاستشهادية وبطولاتهم في مواقع يعتقد العدو أنها أصبحت تحت سيطرته النهائية وأنها من الحصانة بمكان.‏

العدو لا يطيق هذا التحدي ولا يتوقع من الرسميين العرب أن يقفوا في وجه همجيته التي يمارسها على أوسع نطاق وأعنفه رداً على هذا النوع من التحديات، ويجد خلفه ألف مناصر ومناصر لـه في إرهابه وهمجيته ابتداء من شريكه بوش ورَجُله في مجلس الأمن الدولي كوفي عنان إلى توني بلير وعرب تحت الطاولة يعملون بوجهين، ولذلك بادر إلى العمل في الخليل وهاجم مواقع في غزة وأخذ يتكلم عن مجزرة بحق " المصلين" في الخليل ليسوغ أفعاله النازية القادمة على جناح السرعة، في مناخ استعداد شريكه الأميركي لشن عدوان مكثف على العراق.‏

للخليل خطة صهيونية توسعية قديمة ترمي إلى ربط مستعمرة كريات أربع بحي الرميدة والسيطرة على الطرق والمواقع الموصلة إلى الحرم الإبراهيمي، وكان حديث شارون عنها قبل تسلمه رئاسة الحكومة، ولا يردعه عن تنفيذ تلك الخطة فداحة مصاب الفلسطينيين بها حيث سيتم تدمير مئات المنازل وتشريد ما يقرب من عشرين ألف فلسطيني ليبسط الكيان الصهيوني سيطرته على مواقع استيطانية وروحية جديدة.‏

وإذا كانت المقاومة لا تملك وقف هذا الزحف الاستعماري فينبغي ألا نعطلها أو نضعفها أو نتركها وحيدة بمواجهة العدو وألا نحملها، حسب ما يريد العدو الصهيوني وحليفُه الأميركي وعملاؤه في المنطقة والمهزومون من أبناء الأمة والداعون للهزيمة، مسؤولية ما يقوم به العدو تنفيذاً لاستراتيجيته الاستيطانية بذريعة الرد على عملياتها، فذاك تنكر للمسؤولية القومية والمبدئية الأخلاقية والنضالية، وتنكر للشهداء وجبن يتلاوذ بالحكمة وهو مكشوف في ظلها، وذاك أيضاً نوع من هروب من المسؤولية عن القضية وعن الموقف الإيجابي منها ومما يجري للمناضلين من أجلها. إذ ماذا يفعل الشهيد أكثر مما فعل وماذا يفعل المقاوم أكثر مما يفعل دفاعاً عن حق مشروع وعن قضية عادلة!؟ وفي هذه الحالة ماذا يترتب على المتفرجين "المناضلين" من خلف دخان سجائرهم، هل أن يتنفسوا الجبن حكمة ويبيعوا الجمهور كلاماً يدعو إلى الاستسلام، أم يقوموا بنصرة المدافعين عن أمتهم وقضيتهم ومقدساتهم بالقول والفعل معاً؟‏

يندر في تاريخ الشعوب وحركات التحرير أن نرى بطولة شعب وتضحية مقاومين وشجاعة استشهاديين من هذا النوع الذي قدمه ويقدمه أبطال المقاومة الفلسطينية، لاسيما في انتفاضة الأقصى المباركة منذ سنتين ونيف، ولكن بالمقابل يندر أن نرى مواقف متخاذلة لشرائح من الجمهور والمثقفين والساسة والرسميين و" المناضلين " في السوق السياسية من نمط ما نشهده في الساحة العربية. نعم إن ما تحمَّله الشعب الفلسطيني وما يتحمله لا يطاق ولا يضاهى، ولكن ألم يتحمل مجاهدوه وأسرهم أكثر من كل الآخرين!؟ وهم لا يفعلون ذلك من أجل أنفسهم أو مكاسبهم ومناصبهم وامتيازاتهم وإنما من أجل الآخرين.. فلماذا يريق عليهم فريق من المتعالمين ومدعي الحكمة والثقافة والمسؤولية لعابهم المسموم، ولماذا يكونون شركاء للعدو في تثبيط همم المناضلين وأبناء الأمة؟ ولماذا لا يتقدمون ليأخذوا مواقعهم التي تؤهلهم لها " مواطنتهم وحكمتهم وشجاعتهم وحرصهم على الوطن" ليرونا ما الذي ينقذون وما الذي يستنقذون من أشداق العدو بالتمسيد على كتف مجرميه والتمسح بهم مسالمين غير مدعي شجاعة أو كرامة أو انتماء لأمة يتهمون ثقافتها وعقيدتها وشهداءها بما يريد منهم العدو الصهيوني وحليفه الأميركي أن يتهموها ويتهموهم به، ويبقون في مشهد " فرجة" ممجوجة تمليها سلبية مقيتة على ما يجري، يطلقون أحكاماً من الأعالي على من يزرعون التراب والدروب أملاً وعملاً!؟‏

في الخليل بطولة ترفع رأس الأمة، فأين من يعنيهم أن يرفعوا رؤوسهم من أبناء الأمة بما فعل أبطال الخليل وسواهم من أبناء الشعب الفلسطيني البطل؟!‏

كانوا في السابق يدلقون علينا سمومهم مع القول " إن كل العمليات التي تجري في الأراضي المحتلة بعد الرابع من حزيران 1967 لا يمكن أن يعترض عليها أحد أو أن يدينها أحد، فهي مقاومة مشروعة. وبصرف النظر عن الخلاف الجوهري معهم حول هذه النقطة نسأل: أين أصواتهم اليوم وقد أدان الأميركيون وكوفي عنان والأوربيون والإعلام الصهيوني والمرتبط بالصهيونية، وذاك الذي يلوك كلاماً عربياً بضمير أعجمي، عملية المقاومة البطولية في الخليل وهي أرض سيطر عليها العدو بعد الرابع من حزيران 1967؟! لماذا لا يرتفع صوت من ذلك الفيلق الأميركي الذي يضم سياسيين ومثقفين وإعلاميين..إلخ ليقول كلمة حق ينير بها درباً وقلباً ويرفع للعدالة مجداً!؟ أم أن هناك ما يغري بالسكوت ويغني عن تكلفة الكلام لدى أشخاص وتنظيمات ودول ومنظمات دولية يهمها رضا الأميركيين أكثر من رضا الله والضمير والعدالة؟!‏

سمعت غراباً ينعق من برلين وتضخِّم صوته "معاريف" الصهيونية يطلب من الأميركيين والأوربيين أن يناصروه في حربه على الثقافة الإسلامية والأصوليين الذين لا يتفهمون حقائق الأمور ويقومون "بعمل إرهابي"، وألا يناصروا أولئك الأصوليين الذين سوف ينتصر عليهم سواء أساعده الغرب أم لم يساعده؟! وسمعت رديفاً لـه يقول الحرب في المنطقة هي بين الثقافة العربية والإسلامية، ويقرر أنه لا يوجد في بلاد العرب منذ عقود مديدة ثقافة إسلامية وكل ما فيها ثقافة ذات طابع غربي أوروبي بالدرجة الأولى، ثم ينحي باللائمة على الإسلام الذي لم يعرف اليموقراطية في يوم من الأيام ولا يمكن أن يقبلها أبداً، ويحمله أو يحمل المؤمنين به تبعة ما يجري متناسياً حكمه على الثقافة العربية قبل سطور بأنها لا صلة لها بالإسلام، وحرت في فهم هذا النوع من التفكير والاستنتاج.. واستنتجت شيئاً واحداً وهو أن هذا النوع من البشر يريد بأي ثمن أن يتقرب للغرب ولذا يجرد الثقافة العربية من خصوصيتها الإسلامية أو القومية ليقول إن فيها ثقافات كلها نشأت على ثقافة الغرب ولا صلة لها بالإسلام وذلك تكريماً منه للاستعمار الأوربي وتقرباً لروحه الخالدة في كيانه، ثم يحمل الإسلام مسؤولية ثقافة تدفع الناس إلى المقاومة دفاعاً عن الأرض والنفس وتخلصاً من الاستعمار الجديد والاستيطان الصهيوني والتبعية وأشكال الغزو والعدوان. وفي الحالين يدين أمته ليظهر على حسابها وحساب دم أبنائها وتضحياتهم ومعاناتهم.. ولكن يظهر أين وبنظر من؟ إنه يريد أن يظهر بنظر أسياده ومن منبر صهيوني عنصري يكتب بدماء أبناء أمته ويقتل شعبه ويحتل أرضه ويهاجم عقيدته ويحاول أن يشوه رموزها صباح مساء، ويحاول أن يشوه الأمة ذاتها والثقافة والعقيدة ليسوغ العدوان والقتل وما يعد من غزو ليحتل ويتدخل في شؤون الناس والأوطان والشعوب؟!.‏

من هؤلاء وأمثالهم هنا وهناك نسمع اتهاماً للمقاومة وللاستشهاديين ونسمع غمغمة بإدانة أو بتسويغ إدانة لهذا النوع من الأعمال المشرفة، من ذاك الصنف من " المثقفين والسياسيين والإعلاميين.. الحكماء" نسمع تسويغاً لأفعال العدو الوحشية من خلال تحميلهم مسؤولية تلك الأفعال للمقاومة ؟! وكأنهم يريدون تبرئة ساحة العدو بأي شكل مما يقوم به وتسويغ خططه وبرامجه الاستيطانية التوسعية وعدوانه النازي وإلصاق التهم بأي شكل بمن يحتل العدو أرضهم ويلاحقهم ويقتلهم؟! فبماذا يختلف منطق هؤلاء عن منطق شارون وبوش وبلير وكوندوليزا رايس وتشيني ورامسفيلد وابن البواب كولن باول الذي يريد من سورية أن تطرد المقاومة الفلسطينية من دمشق، ماذا يريدون حينما يحملون الانتفاضة والمقاومة والشعب الفلسطيني المعذب والمنظمات التي ترفض الاحتلال وتقاومه والدول التي تدعمها مسؤولية أعمال شارون الإجرامية مدعين أنها ملاحقة للإرهاب ودفاع عن النفس؟!‏

مجروح قلبي بهذا النمط من البشر في أرض العرب أو المنتمين لأمة العرب خصوصاً ممن يعيشون على موائد الغرب والصهيونية ويطلبون جوائز وشهادات حسن سلوك ومواصفات حضارية بالإساءة إلى أمتهم ومقاومتها وأبنائها وثقافتها والإسلام عماد تلك الثقافة وبوابة القيم وحصنها الذي حين تخلت عنه الثقافة والأمة سقطت في تبعية للغرب وانحلال أتى على عزيمة أجيال وشخصيتها وقدرتها على التمييز السليم بين الحرية والاستعباد، بين التبعية والاستقلال، بين الذل والكرامة.‏

فخور أنا ومنتش روحي بما حققته وتحققه المقاومة والانتفاضة في فلسطين، وبما تم في الكمين الذي نصب لجيش العدو في خليل الرحمن، وفي دفاع مثقفين وأدباء ليس لهم شرف أن تلمَِّعهم أجهزة الاستخبارات ووسائل الإعلام الصهيونية والأميركية لكي تصدرهم عصياً غليظة تضرب بها رؤوس أبناء شعوبهم. فخور أنا ومنتش بثبات مثقفين عرب على أصول ثقافة عربية ـ إسلامية يبدعون فيها على نمطهم الفريد خلال تاريخها المديد، ويمتاحون من حوضها الواسع العميق، من قرآنها وشعرها وأساطيرها ونصوص عباقرتها.. من متصوفتها ومفكريها وفلاسفتها المتميزين، الذين تريد تلك الأدوات الاستعمارية ـ الصهيونية أن تجردهم حتى من دورهم التاريخي العريق المؤثر أعمق التأثير في الثقافة الإنسانية والحضارة البشرية.. فخور ومنتش أنا باللغة العربية وبالانتماء للعروبة والإسلام ولثقافة في هذه الأرض تنبت وتزهر وتثمر ولا يضيرها أن تنقل إليها الفراشات غبار طلع من هنا وهناك أو تنقل منها غبار طلع إلى هنا وهناك. وفخور أنا بدم زكي يراق باسم الإسلام وتحت رايته دفاعاً عن القدس والخليل ونابلس.. عن غزة وخان يونس، وعن ثقافة وهوية وانتماء لأمة في عقيدتها القيم والمساواة والحرية والتسامح والمسؤولية الإنسانية عن الناس كافة وعن مقومات الحياة كافة، وأتحمل مسؤولية اختيار أبناء من أمتي المقاومة طريقاً للدفاع عن النفس والأرض ولإحياء روح الأمة لتستيقظ وتدافع عن نفسها وأرضها وعقيدتها وقيمها ضد الإرهابيين القادمين إلينا بصورة "ديموقراطيين ومحررين" وما هم سوى فساد الديموقراطية ونكبة الحرية.. إنهم العنصريون والقتلة وملوثو البيئة والطبيعة والأرواح والثقافات ومشوهو العقائد وقتلة الرسل والأنبياء.. فخور أنا باستشهاديي الخليل وبسواهم ممن رفعوا رأس الأمة، وفخور بانتمائي للعروبة والإسلام ثقافة وعقيدة وحضارة، ومسؤول عما يجري لشعبي في فلسطين والعراق والسودان، ومعنيّ بما يجب أن أقوم به من واجب يفرضه عليّ الانتماء والإيمان وشرف الكلمة التي تدافع عن المظلوم أياً كان وأينما كان، وتقف بوجه الظالم أياً كان وأينما كان، ولا تركض وراء خلاص شخصي ومكسب شخصي ومادة زائلة، ولا تحركها أنانية متورمة تجعل الأمة والدم والقيم والدين بعض أدواتها وركائبها وتقدماتها لتنال رضى العنصريين والاستعماريين والإرهابيين الدوليين، سعيدة بزبد الإعلام ولعنة الدم الطاهر والفقراء والمستضعفين والمؤمنين في أرجاء الأرض.. ويا لها من سعادة الفكر البائس والروح التعس حين يُصعِّر خده ويبتسم متعالياً على البراءة والكرامة والتضحيات التي تقدم على مذبح الوطن حتى لا يذهب الوطن للعدو.‏

المقاومة اختارت ولكل اختيار ثمن، والمقاومة تختار اختيارات مبدئية تدفع ثمنها وتتحمل أعباءها الأكبر قبل سواها وتمهد طريق الشعب للحرية والتحرير. ولو كانت ترغب في أن تختار اختيارات سياسية مواربة لأصبح مصيرها مثل مصير من اختاروا مثل ذلك وحوصروا في غرفة مكتب في المقاطعة برام الله. وإذا كانت اختيارات المقاومة تحمِّل الشعب شيئاً فقد تحمَّلت عن الشعب وقبله كل شيء. لكن عيبنا الفضَّاح مع المقاومة هو نحن الذين لا نرتفع إلى مستوى مواقفها ونصرتها واختياراتها ومسؤولياتها وتضحياتها، ولذلك تبدو بنظر بعض الناس ضعيفة وبنظر بعضهم مسؤولة عما يقع من عدوان ومذابح يرتكبها العدو. وهذا جزء من سياسة العدو وحليفه وعملائه الذين يريدون أن يدقوا الأسافين بين الشعب والمقاومة ليجروا الشعب إلى الاستسلام والمقاومة إلى ساحات الإبادة. إن الشعب يحتاج إلى المقاومة والمقاومة تحتاج إلى الشعب وعلينا أن نقيم هذه اللحمة باستمرار بين الجسد وروحه: الشعب والمقاومة في هذه الظروف.‏

إنني أتوجه بتحية لشهداء عملية الخليل البطولية، وعلينا جميعاً أن نرد عن الخليل والشعب الفلسطيني ما يتعرض له، وإذا ما اضطررنا إلى دفع ثمن يوازي أو يساوي ما دفعه الاستشهاديون فلن نكون أقل منهم مكانة في الدفاع عن النفس والحق والوطن، وسيكون لهم السبق علينا في المبادرة.‏

وأوجه تحية لموقف سورية التي قالت للولايات المتحدة: لا لن نتخلى عن دعم المقاومة، ولن نطرد دمنا من شراييننا، ونذبح كرامتنا على أعتاب مصالحنا استجابة لطلبكم وخوفاً من تهديدكم ونزولاً عند رغبة الصهاينة النازيين الذين يحركونكم ويجعلون منكم مكروهين بل أضحوكة عندما تتحدثون عن العدالة والحرية والقيم والسلام.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |