صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ مسلمون ومسيحيون في مواجهة المستقبل

نحن، أبناء البشر، متساوون أمام الخالق سبحانه، وقد منَّ علينا بالكثير مما فضلنا به وسخر لنا مما خلق، وأحسن إلينا من بين الخلق " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"(1) ونحن متساوون أمام نصوص الشرع الإسلامي والنصوص المسيحية المعتبرة في استنباط الشريعة، ومتساوون في الحقوق والواجبات بنص الدستور والقوانين. وقبل أن أبدأ البناء على هذه الصورة الافتراضية في بعض جوانبها وألامس سؤال: ما الذي يريده المسلمون من المسيحيين في المستقبل !؟ وما الذي يريده المسيحيون من المسلمين في المستقبل ؟! أود أن أدخل في منعرج حديث عن المواطنة والوطن، لأننا في النتيجة مسلمون ومسيحيون أفراد في هذا الوطن أو ذاك، ولأن الكثير مما يغمر النفس بالرضا أو يغطها في تجاويف الضيق تكون أسبابه كامنة في المواطنة والعمل والتعامل في الوطن، وبأسباب من القوانين الوضعية لا من العقائد السماوية ومما فهمه الناس وفسروه ونفذوه عملاً مما يحمل عليها، ولأن في ذلك المتن الكثير من الهوامش التي تعنينا جميعاً وتمس كلاً منا، ويتوقف على معالجة ما يصطخب في طياتها خلق مناخ العيش والسير في طرق بناء العلاقة ابتداء من حقوق المواطنة ومعاني الانتماء والاستحقاقات التي يطلبها الوطن، وانتهاء بما يريده الخالق وقدرتنا على تنفيذ إرادته.‏

الوطن: هل هو مجرد أرض تعيش عليها كما يمكن أن تعيش على سواها، أم أن خصوصية أرضه في النفس والعيش فيها تكاد تنتزع معنى العيش ومضمونه في أية أرض أخرى، وأنه يعني للمرء ما هو أكثر بكثير من التراب والماء والعمران والمادة المرتبطة بالطين والناتجة عن العمل فيه، وأن خصوصية ذات أبعاد روحية وعاطفية وتاريخية، فردية وجماعية، تجعل لأرض وبيئة وموقع مكانة لا تعوض؟!‏

كثيرون يغتربون عن الوطن لأسباب مختلفة، وكثيرون يغتربون في الوطن لأسباب كثيرة، ولكن من يحمل الوطن في الأعماق، بكل ما يعنيه الوطن للمنتمي إليه، يبقى ملتصقاً به، حاملاً همَّه، مسربلاً بألمه ودمعه وربما دمه، ويبقى الوطن حيوية حضور لحالة من الطموح لا تتحقق إلا بانسجام وتداخل عضوي مع الوطن.. ولا تتأتى هذه الحالة إلا لمن يتوسد أرضه ويعمل على خلاص مشترك – عام لـه ولكل من وما يعنيه لديه مفهوم الوطن ومعناه في الحاضر والمستقبل. يقول كبار السن فينا: " اللهم آمنَّا في أوطاننا." ولم يأت هذا من فراغ.‏

بعيداً عن الأرض والبيئة والناس، يعيش المرء غربة قاتلة لا يعوضه فيها عن الوطن مال واستقرار وازدهار، وبعيداً عن الوطن يعيش أشخاص حياة حافلة على حساب الوطن وباسم الغربة عنه التي قد تكون منفى اختيارياً. ومن يصبح وطنه الدولار أو المرأة أو العمل المجزي يقوم بعملية استبدال سهلة عليه لأنه يكون مهيئاً لها، ولا أعرف كم هي شدة اللحظات المُرّة التي يمر بها الشخص من أولئك أحياناً، عندما يقارن بين ما كسبه وما خسره من تلك المقايضة. أما من يرخص لنفسه أن يقبض ثمن الوطن ويختار أن يقدمه وأهله للعدو لقاء مال وموقع فلا أدري إذا كان يستطيع أن يتفهم قول المسيح عليه السلام:" ماذا يفيد ابن آدم إذا كسب العالم وخسر نفسه."!؟‏

وبعيداً عن الوطن يعيش أشخاص حالة إكراه على الاغتراب لأسباب منها ما هو مشروع ومسوّغ، ومنها ما هو نتيجة فعل مبني على خطأ أو ناتج عن تقدير وطموح غير محسوبين جيداً، ومنها ما هو نتيجة تطرف في التصرف أو التطلع أو الطموح، ومنها ما هو نتيجة فعل بعضِ من في الوطن ممن يرغبون في الاستحواذ على كل شيء فيه مما يخص الآخرين، ادعاء منهم بامتلاك وعي أعلى وانتماء أشد وفهم أشمل، أو إشباعاً من أولئك لطمع وطموح وتعبير عن مرض أو تشوّه في الرؤية والممارسة والانتماء.‏

وكل أولئك يعيش مأساة أو يتسبب للآخرين والوطن بعيش هو المأساة، مع اختلاف في الدافع والباعث والنية والغاية وشرف الوسيلة ونوعها.‏

والوطن عند أشخاص بقرةٌ حلوب، والكلام في الوطنية تجارةٌ كسوب، وعند أشخاص متاهة انتماء لا يكاد يتبيّن مسالكها ولكنه يُعْجن فيها ومعها، وعند أشخاص الوطن هو: أمٌ، حبيبة، شجرة، لا يستطيعون تصور الانفصال عن ظلالها وثمارها وحنانها، ويتحولون من تمثال شمع إلى بركة دمع عند فراقهم لها أو غضبها منهم. وهو عند أشخاص ظل عال لكل المعاني والقيم والواجبات والتضحيات، يعرفون أنه يملكهم وما يملكون، ولا يرون أن لهم فيه أو عليه حقاً من أي نوع.. وحين يحرمهم من فرصة العمل الشريف والعيش الكريم فيه والأمن من جوع وخوف.. يبتعدون عنه جسداً باكين مشتعلين بالحنين إليه ويذوبون فيه روحاً.. وحين يصرخ الوطن محتاجاً لهم يتراكضون إليه ويسفحون دمهم من أجله بصمت وصبر وامتنان.. تاركين لأسرهم من بعدهم المعاناة وبعض الذكريات التي ترفع الجباه لكنها لا تلبث أن تنسى، وهي في وقت سخونتها وراهنيَّتها لا تقيم لأولئك المترامين على الموت الكريم من أجل حياة كريمة في الوطن، لا تقيم لهم عند بعض مواطنيهم، أية ملامح لأشخاص وذوات.. وإنما تدخلهم مجهل الذاكرة بوصفهم كتلة غائمة تصعّد بتسامٍ في حالات إلى مرتبة الشهادة والشهداء.. وهي كلمة تبقى لدى كثير من شرائح الناس، وفي مساحات من الذاكرة والوجدان، مجرد ومضة تشبه رفرفة العلم عند أداء التحية لـه في صباح يوم شديد البرودة.‏

ولك أن تقارن هذه الشريحة الأخيرة ممن يعني لهم الوطن هذا المعنى مع شريحة أخرى في الوطن تأكل الأخضر واليابس أو تسعى لتأكل الأخضر واليابس، وتتعالى على الناس بفسادها في الناس أو باحتكارها الوطنية من دون الناس، وترى أن من حقها أن تضع في رصيدها الخاص تضحيات الآخرين ودماءهم ودموعهم لتجبل من ذلك لبنة تقف عليها لترتفع فوق الرؤوس والمقامات والهامات بوصفها الوطن وليس ممن ينتمون إليه.‏

ولك أن تعقد مقارنة بين المتزاحمين على أبواب الوطنية من هذا الاتجاه، وهم يستلّون سيوفهم لينتزعوا قمر الوطن ممن يمسكون به أو ليحافظوا عليه وهم يمسكون به، بدعوى أنهم الأشد حرصاً عليه والأقدر على خدمته، والأكثر وعياً باحتياجاته واحتياجات الناس فيه.. وتراهم في اشتجارهم الشديد ذاك كالمقاتلين حول الهودج في وقعة الجمل يصيحون "يا أمنا.. يا أمنا.." مع فارق في العمق يتصل بدرجة الإيمان وأهداف الطّعان وأثمانه ومردوده.‏

الوطن قيمة والحياة منظومة قيم، والإنسان الحي بوصفه مواطناً حريصاً على حقه في الحياة وعلى نوع الحياة التي يَنْشُد، هو مجموعة من الاختيارات والمبادئ والاحتياجات والمصالح والعلاقات ومقومات الانتماء والاعتقاد، تجعل منه قيمة في الوطن والحياة أو عبئاً على قيم الوطن ومقومات الحياة، إنه يعيش.. ومن حقه أن يعيش، ولكن كيف، وبأية وسائل وأدوات، ولأية أهداف، وماذا ينشُد في الحياة؟‍ وهل يراها تكليفاً، أو ممراً لمستقر، أو أنها نموٌ طبيعيٌ نتيجة تفاعلات حيوية لا ترتب شيئاً من بعد الفناء، ومن ثم هي انفلات طاقة شيطانية من كل قيود العقائد والشرائع والقيم، ومن قيود المجتمعات والدول والدساتير والقوانين، إن استطاع صاحبها إلى ذلك الانفلات سبيلا؟‍!‏

إنه يعيش ومن حقه أن يعيش.. ولكن هل يكون ذلك على حساب الآخرين وحقوقهم في العيش؟‍! وإذا انفلتت فئة من الناس من كل قيمة وقيد وقانون، مستفيدة من فهم خاص للحرية والشطارة والقوة والمواطنة، وبطشت بالآخرين أو بحقوقهم.. وأفسدت بذلك أو من أجل ذلك شروط العيش جماعة، والبيئة الخلقية والاجتماعية، ومفاهيم المواطنة والشراكة الاجتماعية.. فما الذي يفضي إليه فعل من هذا النوع، وما هو انعكاسه ومردوده على الوطن والناس ومعنى الحياة ومنظومات القيم؟!‏

نحن في مناخ محتمل من هذا النوع أمام شرائح من البشر قادرة على العيش في أية أرض مختارة القرش وطناً، مُسخِّرة الوطن من أجل أن تعيش في أي مكان أو مستوى على حساب الوطن، ولا تشعر بخوف من دفع ثمن من أي نوع نتيجة ممارساتها، أو بأن يدفع الوطن أي ثمن من جراء تلك الممارسات. نحن أمام تورم في الجسد على حساب الروح، وتورم للشر على حساب الخير، وتورم أناني من نوع فريد يفتك بالناس والمواطنة والروح وكل شكل من أشكال الإيمان.‏

وحيال شرائح من البشر قادرة على التعاون مع الشيطان في سبيل أن تصل إلى امتلاك قمر الوطن، وتشويه صورته وهو بيد الآخرين وتزيينها إن هي آلت إليها.. تُظهِر وطنية على حساب الوطن، ولا وطنية عندي على حساب الوطن.. وتخوض حرباً من "أجل الوطن" وعليه، وقودها عمرانه وأهله وقدراته، مستبيحة كل شيء وكل وسيلة وكل قول وكل قيمة… تدخل السوق بكل أنواع البضائع.. والهدف واضح، ولكنه من ذلك النوع الذي لا يرضاه الإيمان.‏

نحن في الحالين أمام شرائح تجبل لبنات "مجدها" بدم الشهداء ودموع البسطاء ومستقبل المؤمنين، كل المؤمنين، من أبناء الوطن، الذين يرون المواطنة واجبات ولا تصلهم منها حقوق، وأمام مشهد تدافع نحو السلطة والشهوة والشهرة والمال بادعاءات عريضة بلا ضفاف.‏

ويتساوى في هذا المشهد من يمارس تجارة بسياسة، ومن يمارس سياسة بأسلوب تجاري. والفرق، وهناك ثمة فرق، بين تاجر يمتلك بضاعة وطنية، وتاجر وكيل لبضاعة أجنبية.. ولكن المهم لدى الاثنين هو الربح والمتسوق والمستهلك ودافع الثمن، والربح في نهاية المطاف هو المواطن وروحه وإيمانه وقيمه وخلقه، ذاك الذي يعيش متاهة الانتماء للوطن من دون أن يعرف مسالكها.. فهو في جبلَّّتها ومن تلك الجبلَّّة، والمواطن الذي يشقى في الوطن ويحرم من المواطنة ويركض، عندما يصرخ الوطن طالباً نجدة وحماية، يركض ليقدم دمه معترفاً بأنه، وهو في منفى فرضته عليه لقمة العيش، كان مقصّراً بحق الوطن مصدر الكرامة والأمن، الذي لم يفسح لـه فرصة لكسب لقمة العيش في الأرض التي أحب، الوطن إن لم يكن حضناً دافئاً يجتمع فيه أبناؤه على الحب والاحترام والمساواة والإخلاص لـه والاستعداد للتضحية في سبيله، يفقد الكثير من معانيه ومنزلته في النفوس، ويفقد الانتماء إليه خيرَ ما في الانتماء من معان واستعداد للتضحية، واعتزاز بذلك الانتماء.‏

والوطن حين يفقد سلم المعايير الاجتماعية والخلقية والقومية والروحية، يصبح جثة لمجتمع يتفسخ ويُخترَق بأشكال مختلفة، ويصبح عبئاً على أفراده بصور مختلفة أيضاً.‏

ومن مصلحة كل من يعيش في وطن أن يعلو شأن القانون والقيم والمعايير والضوابط السليمة للأداء والسلوك في ذلك الوطن، وأن تسود حالة من الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بين أبنائه وفئاته، وأن يعرف فيه الناس أقدارهم وقدراتهم، العلمية والعملية، على الأداء والإنجاز والارتقاء. وأن يعترفوا بفضل ذوي الفضل، وبإنجاز من أنجز، وبما يحتاج إليه الوطن ليصبح ذلك برنامج الجميع من أجل الجميع، الذي يوضع موضع التنفيذ حسب الآلية الدستورية والقانونية والإدارية فيه.‏

وحينما يكون وطن شعب ما تحت الاحتلال جزئياً أو كلياً، ويتعرض للتهديد دورياً، يصبح عبء المواطنة أثقل على من تعني لهم المواطنة تدبيراً للأمور وتقديراً لها، ولمن تشغلهم مصلحة الوطن ويدركون المخاطر المحيقة به. أما وقود نار المعركة في كل الأوطان والأزمان من أجل حريتها وتحريرها واستقلالها، فهم معروفون وهم على استعداد لأن يلبوا نداء الوطن في كل حين من دون الدخول في حسابات الربح والخسارة.‏

أما الأشخاص الذين يحسنون انتهاز الفرص، ويركبون الموجة المندفعة، ويشوهون صورة الأداء أو صورة الأشخاص فهم جزء من الداء ولا يملكون دواء.‏

والخلاصة تطرح سؤالاً: هل يحق لدم يحفظ تماسك اللبنات التي يقف عليها الماجدون والمالكون والمتاجرون ووكلاء البضائع الأجنبية والسياسات الأجنبية أن يقول: أنتم دم ونحن دم.. نحن نقيم مداميك الوطن وأنتم تقفون فوقها.. ألا يحق لنا أن نقول: لا تدنسوا تلك المداميك بادعاء عريض يتزلزل لـه صمتنا الرهيب؟!‏

وحين يتعرض الوطن للتهديد الخارجي وتشوه صورته وحضارته فمن المطالب بالدفاع عن الحقيقة والوطن؟! هل هم فئة من الناس أم كل أبناء الوطن؟! لولا حب الوطن لخرب بلد السوء، وحب الوطن من الإيمان. والوطن شرفة عالية لمن يملك تاريخاً وحضارة وقدرة على الرؤية والاستشراف من دون أن يفقد البوصلة.‏

وهنا أود أن أتوقف قليلاً عند القيم، والعقائد في نهاية المطاف تتجسد في منظومات قيم تحكم السلوك والعمل وتشكل معياراً إيمانياً وإنسانياً وحضارياً، يقاس عليه السلوك والأشخاص والأفعال والمواقف. " الدين المعاملة" في نهاية المطاف والإيمان سلوك وتعامل ونهج حياة، " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"(2) وعندما تفسد البيئة الاجتماعية على الخصوص يفسد المناخ الذي ينمو فيه الإيمان، وتكبوا البصائر وتخمد السرائر، ويؤثر ذلك سلبياً على فعل المؤمنين وتأثيرهم فيما حولهم وحتى على صمودهم في مواقع النقاء والعفة والسلامة الروحية. ويصبحون غرباء في أوطانهم وحتى في بيوتهم في حالات. وكثيرون يغتربون في الجسد ويدفنون أنفسهم في الأشياء فلا يرون من الحياة إلا وجهاً من وجوهها. وكثيرون يدخلون إلى الحياة من مداخل إيمان هش فيضيعون في الدروب ويفقدون أنفسهم، ولا أراني مبالغاً إذا قلت إن كثيرين في العالم، مسلمين ومسيحيين، قد تنطبق عليهم تلك القصة التي ذكرها حاكم ولاية ماساشوستس في تاريخه وربما كان انطباقها على كثير من الأميركيين أصدق ـ "ذكر وينثروب Winthrop في تاريخه قصة تتمحور حول شخص اسمه مانسفيلد Mansfield وصل إلى ماساشوستس فقيراً لكنه "ورع" وبمساعدة من أحد الأغنياء المحليين " أثرى مانسفيلد هذا بصورة مفاجئة، ثم فقد تقواه، وبعدها بقليل فقد ثروته(3).‏

مستقبلنا لا ينفصل عن ماضينا: مسلمين ومسيحيين، ولا يطلب منا أن نغير عقائدنا، ولا أن يلتحق أي منا بالآخر، بل المطلوب من وجهة نظري في هذه النقطة بالذات أن نكون أهلاً لتمثيل جوهر إيماننا وتطبيقه وتجسيده في سلوك، وألا نكون غرباء عن ذلك الإيمان وقيمه فنكون مغتربين في الوطن وغرباء عن الدين. الفهم الأمثل للعقيدة يجعلنا أقرب لمعاني الإيمان ومن ثم لإنسانيتنا وواجباتنا وقيم المواطنة والمسؤولية عن الحياة وفيها. وربما كان من أحوج ما نحتاج إليه في هذا الوقت هو أن نعود إلى ذواتنا بمبضع جراحة الإيمان الحق لكي نزيل ما لحق بنفوسنا وأرواحنا من ورم يمنع عنا الرؤية ويضعف أجسامنا ويجعلنا والوطن عرضة للتهديد والتشويه والعدوان.‏

لن أقول للمسيحيين العرب ما هي مسؤوليتكم المنصفة حيال الإسلام الذي عايشتم أهله وعرفتم قيمه وسماحته وكنتم من لبنات ما بنى المسلمون من حضارة ومن مداميك النهضة في مجالات العمران والعلوم والفنون والآداب التي أقامها العرب والمسلمون. وأنتم تلمسون ما يتعرض لـه اليوم من تهديد وتشويه تحت ذرائع شتى، وتستطيعون أكثر من غيركم في العالم المسيحي الممتد في ما يقرب من نصف سكان المعمورة، أن تفهموا الإسلام من منابعه من دون وسيط أو شارح وأن تقدموا وجهه الحق لإخوانكم في الدين من داخل البيت المسيحي خدمة للحقيقة ولوقف حملات التشويه البغيضة التي لم توفر الإسلام والرسول محمد عليه الصلاة والسلام والمسلمين، وحملت فعل الفرد للعقيدة في حين ينسب كل فعل لفاعله ولا يسحب على أمة أو دين. حتى اللغة العربية أصبح تعليمها يقترن بالإرهاب في بعض المواقع الجغرافية والثقافية والإعلامية.. إنكم تستطيعون فعل شيء هام خدمة للحقيقة. نحن نعلي شأن المسيح عليه السلام وشأن مريم العذراء لأننا نؤمن برسالة المسيح ورفعة مريم العذراء، ولكن ماذا نقول لمن لا يؤمنون برسالة من آمنا برسالته؟! لا نملك إلا أن نقول:" ولا تستوي الحسنة والسيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم."صدق الله العظيم(4). ولكنني أقول للمسلمين: ماذا قدمتم وماذا يمكن أن تقدموا لتقديم الإسلام بروح الإيمان الحق، وفهم الإسلام فهماً عميقاً صحيحاً يصل للناس كافة وقد جاء ليكون رحمة للعالمين وصراطا مستقيماً وقوة تحمي الضعيف وتنصر الحق وتعلي شأن الإنسان والقيم والحرية والإيمان والصدق في كل مكان وزمان؟ ليدفع عن نفسه وعن الآخرين شرور من هم في مركز الشر ممن لا يهمهم أن يخسروا أرواحهم إذا ما كسبوا العالم؟!‏

إن أخوتنا المسيحيين يستطيعون في هذه الظروف التي يتعرض فيها الإسلام وليس العالم الإسلامي فقط لحملة تشويه وتهديد بالحرب وأشكال من الحصار وأعتى أنواع الاحتلال والممارسة العنصرية التي أصبحت أسوأ من الممارسة النازية في فلسطين، يستطيعون بما لهم من صلات وعلاقات ومكانة أن يؤثروا لمنع الظلم ولوقف موجة داكنة من الشر تذكر العالمين الإسلامي والمسيحي بحروب الفرنجة ومآسيها والظلم الكبير الذي وقع فيها.‏

ـ إن إزالة الجهل بالمعرفة مدخل من المداخل إلى ساحة الحوار بوصفها بديلاً للصراع. وإن وقف التجاهل بخطاب الإيمان وشجاعة المؤمنين أحد أهم المداخل في هذا المجال. وإن الموقفين: الوطني والقومي يحتمان ذلك لأن العدوان لا يمكن أن يميز بين مسلم ومسيحي في هذه الأرض، وهنا منبع الإيمان الذي لا بد من أن يحرص على فضح الشر وإيقافه بكل الوسائل منطلقاً من الشجاعة الروحية التي يمليها الإيمان حيث كلمة الحق جهاد، وحيث ردع الظالم فضيلة ونذير، وليكن صوت الإيمان عالياً بقول يسوع: " أردد سيفك إلى غمده لأن كل من يأخذ السيف بالسيف يهلِك."(5)‏

إن مواجهتنا للمستقبل تحتاج أولاً وقبل كل شيء للإنسان الذي يفيض إيمانه نوراً وقوة حق، وقوة تحمي الحق.‏

إن مستقبلنا المشترك يواجه التحديات الآتية:‏

ـ بناء الوطن القوي المتماسك القادر على توفير الأمن من جوع وخوف لكل مواطنيه. ولن يتم هذا إلا بالقضاء على كل أشكال الفساد، وتطوير القدرات على أسس علمية وتقنية متقدمة، والنهوض بالإنسان بوصفه قيمة فيه الطاقة الروحية قوية بالإيمان والمعرفة ـ تحمي الحرية وتصنع مناخ العيش الكريم وتقيم أسس النهضة بقوة واقتدار. وأحب أن أشير هنا إلى قول ذلك الصوفي من القرن الرابع عن الحرية حيث لخصها بالقول: الحرية أن تكون لله عبداً ولكل من سواه ندّاً.".‏

ـ تعميق المعرفة المتبادلة بالحوار في كل مجال نرى فيه أن الحوار يفيد ويبني ويزيل الحواجز.‏

وتوضع نتائج الحوار، من خلال لجنة متابعة، بمتناول المعنيين لكي يتحول ما يسفر عنه الحوار إلى أداء تربوي بالدرجة الأولى وأداء إداري وقانوني في كل ما وصل إليه اتفاق. وإدراج ما يحتاج إلى مزيد من الحوار على جدول أعمال المعنيين بوحدة موقف المؤمنين، وبوحدة المواطنين في وطن هو للجميع.‏

ـ إقامة علاقات صداقة بين الأسر في المدن والأرياف من خلال لجان معنية بهذا النوع من العمل والمتابعات.‏

ـ ترتيب البيت العربي بين المسلمين والمسيحيين العرب، وإرساء علاقات سليمة على أرضية المواطنة والإيمان والفهم العميق لكل من المسيحية والإسلام. ووضع حد للفهم السطحي وسيطرة الشكليات على الجوهر، وترسبات ماض ما يحكم الحاضر والمستقبل بمواقف أسس لها الجهل أو التجاهل أو العدوان أو الطمع.. إلخ ومن ثم الانطلاق نحو العالم بفهم جديد متفق عليه للعلاقة وسبل التعاون والتواصل والتفاهم تقيم علاقات طيبة لا يحكمها المتعصبون، ولا يفسدها أصحاب القلوب القاسية والأطماع المادية والراغبون في السيطرة على الآخرين مستفيدين من الخلل القائم في ميزان القوى بين العالمين العربي والإسلامي.‏

ـ لقد كان هذا البلد، سورية الطبيعية، هو مهد المسيحية، وسيبقى لأهلها من المسيحيين العرب الدور الرئيس في المحافظة على الروح السليم والفهم السليم للمسيحية المشرقية بصفائها ونقائها والمحبة التي قامت عليها. فليكن المسلمون عوناً لإخوانهم المسيحيين في العمل على نجاح هذا الهدف. فنحن نشهد في العالم الذي يدعي أنه يريد أن " يخلصنا" فساد رأي ورؤية وقيم لا يمت إلى المسيحية بصلة ولا ترضى عنه الأديان، ويضر بالإيمان وأهله أينما كانوا. فهل إيمان الرئيس جورج بوش هو إيمان صحيح حينما يعلن حرباً صليبية مقدسة على مجموعة من الدول العربية والإسلامية، ويناصر الإرهابي شارون مناصرة مطلقه في جرائمه، ويقدم ما يقرب من أربعة عشر ملياراً من الدولارات لحملة جديدة من الاستيطان ستكون على حساب الناس في فلسطين ولبنان وسورية والأردن في قادم السنين؟ وهل حربه مثلاً على الإرهاب، وما يعلنه كل يوم من تهديد للعراق المحاصر منذ أكثر من أحد عشر عاماً هو نوع من الانتصار لقيم الخير وتخليص للعالم من أسلحة الدمار الشامل وشرورها وهو الذي يملك ويصنع ويطور من أسلحة الدمار الشامل ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية بكاملها أكثر من ست مرات؟! وهو أول من استخدم القنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي، وسموم الأورانج ضد شعب فييتنام؟؟ وهل من الإيمان في شيء أن يتم توطين يهود في فلسطين على حساب حياة الفلسطينيين ووجودهم في وطنهم التاريخي فلسطين؟! وهل من العدالة في شيء ومن الوفاء للمسيحية في شيء أن يصدر الرئيس الأميركي قانوناً بأن تكون القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان الصهيوني المغتصب، وهي المدينة التي أسسها العرب اليبوسيون، وهم فخذ من العرب الكنعانيين، قبل ميلاد السيد المسيح بـ 3200 سنة تقريباً ولم يغادروها أبداً عبر التاريخ؟! أي إيمان هذا أهو الإيمان بالقوة التي يراد احتكارها وتدمير الآخرين بواسطتها وإخضاعهم وتشويه عقائدهم وحضارتهم وثقافتهم والتدخل لتغيير مناهجهم التربوية وقيمهم الدينية بحجة أنها تعلم الإرهاب؟! وما هو الإرهاب حقاً إذا لم يكن هو ما يقوم به الصهاينة وحلفاؤهم الأميركيون ضد العرب مسيحيين ومسلمين في فلسطين وضد المسلمين والإسلام بشكل عام؟! إن المسيحيين الذين يمثلون الإيمان الحق برسالة المسيح والفهم الحق لتلك الرسالة هم الأقدر على مواجهة هذه الموجة من الشر المنطلق من عقاله تحت شعار محاربة الشر؟!‏

إن القدس محور اهتمام الجميع وعلينا أن نحرص على ألا تصبح مناقع دم أو يراق بسببها الدم؟ أوما يكفي أنها شهدت عذابات السيد المسيح وما زال أهلها على الصليب بأشكال عدة منذ عقود من الزمن؟! أما آن لروح المسيح أن تستريح من عذاب هؤلاء الذين ينتظرون الخلاص وتعذبهم أيد قال أجداد أصحابها:" دمه علينا وعلى أبنائنا"(6).‏

ما الذي يريده المسلمون من المسيحيين، وما الذي يريده المسيحيون من المسلمين؟!‏

سؤال لا بد من أن ندخل بابه الضيق لكي تنفرج أمامنا الرؤية ويمتد بساط السلام والمسرة على أرضية المحبة والثقة المتبادلة.‏

لا يكفي أن نكون في وطن واحد، فأبناء الوطن الواحد قد يختلفون ويدمي بعضهم بعضاً، ولا يكفي أن نكون أبناء أمة واحدة حتى نضمن ألا يشجر بيننا خلاف يثير الشر ويفجر الدم، ففي حالنا شهدنا خلافاً بين أبناء الأمة الواحدة كثيراً ما أدى إلى جريان الدم وخراب البلاد وجلب المستعمر إلى الوطن والاحتماء به وشد الأزر به على حساب الكثير من الصلات والعلاقات والقيم والمبادئ. من المهم أن تكون هناك قواعد وضوابط تساعد على نمو المودة والثقة والمحبة وترسخ العلاقة المصيرية بين المسلمين والمسيحيين لا سيما في هذه البلاد.‏

ـ إن في لبنان حالة لا يجب القفز فوقها، وهي حالة تؤثر، شئنا ذلك أو أبينا على علاقة المسلمين والمسيحيين هناك ولا تخلو من ضغط على الناس هنا وهناك. فهل يقوم بين أبناء البيت الواحد حوار في دائرة الإيمان يجعل أهل البيت آمنين مطمئنين متعاونين، ويمنع التعاون المكشوف مع أعداء الأمة وأعداء الإيمان مسيحياً كان الإيمان أم إسلامياً؟! لقد كان شارون في بيروت، وكان حليفاً للبعض، وهاهو شارون يقتل المسلمين والمسيحيين في فلسطين كما قتلهم بأشكال مختلفة في لبنان قبل عقد من الزمن، وقد حاصرهم في كنيسة المهد وما زال يجثم بعنصريته البغيضة على بيت لحم والقدس. وهناك إشارات لهذا أو لذاك من التيارات والشخصيات ليقوم تعاون مع الولايات المتحدة الأميركية ضد سورية ـ وطننا ـ ومشاركة إصدار قوانين أميركية ضد سورية تمهد لمعاملتها في المستقبل كما يعامل العراق؟ فهل يكون ذلك من مصلحة المسلمين والمسيحيين في أي مكان من سورية الطبيعية التي كرز فيها السيد المسيح وذكر بساكبة الطيب عليه في بيت عنيا كلما كُرِز بالإنجيل في أي مكان من العالم ليكون " يُخبر بما صنعت هذه تذكاراً لها"(7).‏

هذا شأن علينا أن نواجهه بصلابة الإيمان وصلابة الموقف المبدئي والخلقي والقومي وبواقعية تفاؤلية، نواجهه بطاقتنا الروحية وإمكاناتنا البشرية والمادية حتى لا نكون ضحايا للمغامرين والطامعين بوطننا والمستعمرين. لقد جربنا الاستعمار وويلاته وكان يرفع أحياناً شعار حماية الأقليات الدينية.. ويبدو أنه يريد أن يحميها من الانتماء إلى نفسها وأرضها وحضارتها والبيئة الروحية والاجتماعية التي ساهمت في بنائها؟!‏

ـ وهناك بؤر توتر في الوطن العربي والعالم الإسلامي بين مسلمين ومسيحيين مثل السودان ومصر ومعاملة ليست جيدة وبعض التضييق في التعامل يشكو منها مسيحيون، وهناك اضطهاد في الولايات المتحدة الأميركية ومضايقات وتضييق في بلدان أوربية ضد مسلمين. وأعتقد أن بإمكاننا التعاون والسعي لتخفيف المعاناة أينما وجدت، ولوضع حد للتوتر ونشر سلام الإيمان بين الجميع. ويمكن أن تكون هناك مجموعات عمل ومتابعة على مستويات عدة ليثمر التعاون المخلص في كثير من المجالات.‏

ـ هناك حلف يتوسع اليوم ويستقطب دولاً جديدة ويطور قدرات وقوة تدميرية غير معهودة من قبل في تاريخ البشرية، هو حلف الناتو الذي يتوسع ويوسع أهدافه ويعلن استعداداً للتدخل والعدوان في بلدان عربية وإسلامية تحت ذرائع شتى. ضد من يقوم هذا الحلف بالتوسع وحشد القوة الآن يا ترى؟ من هو العدو الذي يهدد الولايات المتحدة الأميركية وأوربا كلها وروسيا التي تقيم تحالفاً الآن بينها وبين حلف الناتو؟! لا أظن أنه الغول الذي يريدون أن يكونه العراق، ويكون من المضحك لو صدقنا السيد جورج بوش حين يقول إن صدام حسين يهدد أمن الولايات المتحدة والعالم ويحتاج إلى تحالف الناتو وروسيا للوقوف في وجهه وإزالته عن سدة الحكم في العراق؟! إن هناك أموراً تدبر لوطننا جميعاً، وطن العرب مسيحيين ومسلمين، ولن يكون أحد منا بمنجاة من النار إذا اشتعلت لا سمح الله، حتى لو قالوا لـه أنت حليفنا ونحن نخوض حرباً دينية مقدسة من أجل انتصارك وانتصار عقيدتك على العقيدة الأخرى؟ المسيح عليه السلام لم يدع إلى الحرب والاحتلال والقتل والاستعمار، وقد طرد الصيارفة من الهيكل، وقال: " لا يستطيع أحد أن يعبد ربين لأنه إما أن يُبغِض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويرذُل الآخر. لا تقدروا أن تعبدوا الله والمال."(8) ومحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم جعل المسيحيين جميعاً في ذمته وقال للمسلمين من آذى ذمياً فقد آذاني، وحاور أهل الكتاب ولم يتوقف عن الحوار معهم.‏

للمسيحيين حقوق وعليهم واجبات وللمسلمين حقوق وعليهم واجبات، حيال الأوطان والناس والحياة، كل في موقعه وبحكم انتمائه القومي واعتقاده الديني ومسؤوليته الإنسانية والخلقية. ولا عدوان ولا بغي من أحد على أحد، و" لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغَي "(9) ولكن هل نرجو أن يصبح هدف كل منا العمل باندفاع لمتابعة تنفيذ ما يؤدي إليه الاقتناع.!؟ وهل نصل فعلاً إلى حال من القول والعمل تجسد حقيقة أننا جميعاً مستهدفون وأن إيماننا ذاته مستهدف سراً وعلناً، ممن يقولون بذلك اعتقاداً وممن يحسُبون أنفسهم على الإسلام والمسيحية وهم في سجلات القيد نفوس وفي دوائر لإيمان الفعلي قد لا يكونون كذلك، وعلمهم عند الله، وقد يسيئون من حيث أرادوا أو اعتقدوا أنهم يحسنون؟!.‏

فلنحذر الجهل وفهم الجهَّال والجهلة للعقائد فإنه قد يقود إلى كوارث، وقد يشبه فعلهم من وجوه فعل ذلك الدب الذي رمى ذبابة حطت على رأس صاحبه بصخرة فهشَّمه. وقد قيل إن طريق جهنم مفروشة بالنوايا الحسنة. وحصننا الحصين هو الوعي المعرفي والعلم والمنطق والإيمان الصحيح العميق، والفهم السليم لجوهر العقائد وأهداف الرسالات السماوية وما دعا إليه وعمل به الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين تمسكوا بمكارم الأخلاق ودعوا إليها وكانوا للناس كافة رحمة وهدى وقدوة حسنة، والخلق الكريم لا يبيح الأذى والظلم والقهر فكيف يبيح القتل والتدمير والإبادة ونشر فاسد القول والسلوك والعمل؟!‏

والله ولي التوفيق‏

(1) التين الآية .4‏

(2) الحج الآية 46.‏

(3) الانطلاق من الماضي ص 28 ـ كارل ديغلر، ترجمة صادق إبراهيم عودة.‏

(4)- فصّلت الآية 34.‏

(5) - متى 16/52.‏

(6) - متى 27/25.!؟.‏

(7) - متى 16/13/؟.‏

(8) - متى 6/25.‏

(9)- البقرة الآية 256‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |