|
ـ هاس وباول: مبادرة الوجه والقناع
قدم السيد ريتشارد هاس مدير إدارة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية، وهي عملياً وجه الـ C.I.A الخفي في الوزارة، خطاباً أمام مجلس العلاقات الخارجية بواشنطن في الرابع من شهر كانون الأول الجاري 2002 حول موضوع الديموقراطية في "العالمين العربي والإسلامي" محدداً توجهاً سياسياً ربما بدا للبعض مغايراً للخطاب السياسي الذي اعتدنا على سماعه من رموز إدارة الرئيس جورج بوش ومنه شخصياً منذ توليه السلطة، وإدارته تنفذ عملياً استراتيجية متكاملة حيال "العالمين" المشار إليهما ظهرت بعض معالمها وتتوالى في الظهور في مشهديَّات دموية ـ تدميرية بشعة منها احتلال أفغانستان بعد تدميرها، وتنفيذ مسلسل الإبادة البطيء ضد الشعب الفلسطيني من خلال التواطؤ التام مع حليفها الصهيوني، والحشد للعدوان على العراق، وتهديد دول أخرى عربية وإسلامية بذرائع منها نزع أسلحة الدمار الشامل ومحاربة الإرهاب ـ أي المقاومة للاحتلال الصهيوني والنفوذ الأميركي ـ والدول التي ترعاه، و تصفية من تصفهم بمحور الشر .. إلى آخر معزوفات الرئيس بوش العنصرية على أنغام "الهاتكفا" الإرهابية.
وقد كان خطاب السفير هاس رصيناً".مُمَنَطَقاً وفيه صراحة ومعرفة ببعض ما يفكر به عرب ومسلمون وما يقولونه عن حقيقة المواقف الأميركية المعادية للعرب والمسلمين وعن السياسة الأميركية العدوانية المراوغة التي كانت وما زالت تدعم ديموقراطية انتقائية خدمة لمصالحها. وقد انتقد تلك السياسة بقولـه:" ..ان جهودنا الرامية إلى تشجيع الديموقراطية في العالم الإسلامي كانت عرجاء وغير كاملة. الحقيقة أن الحكومات الأميركية المتعاقبة، الجمهورية والديموقراطية على حد سواء، لم تجعل من الديموقراطية أولوية بشكل كاف في العديد من أجزاء العالم الإسلامي، وعلى الأخص في العالم العربي. في بعض الأحيان تجنبت الولايات المتحدة النظر بعمق في الأعمال الداخلية للبلدان لصالح تأمين دفق متواصل من النفط، ولكبح التوسع السوفياتي والعراقي والإيراني، وللتعامل مع القضايا المتصلة بالنزاع العربي ـ الإسرائيلي، ومقاومة الشيوعية في شرق آسيا، أو تأمين حق الحصول على القواعد لقواتنا العسكرية. وهكذا، ولإهمالنا تقديم المساعدة لتعزيز المسار التاريخي نحو الديموقراطية في العديد من علاقاتنا الهامة ـ بخلقنا ما يمكن تسميته: الاستثناء الديموقراطي ـ فاتتنا فرصة مساعدة تلك البلدان لكي تصبح أكثر استقراراً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر سلاماً، وأكثر تكيّفاً مع ضغوطات عالم في طور التعولم.".1 وحرص على أن يظهر بمظهر من يقدم رؤية مغايرة لما تركزه الممارسات الأميركية في الذاكرة والوجدان وما ترسمه من صورة صحيحة بنظري للأميركي القبيح: الجشع بلا منازع، والبلطجي بامتياز، والعنصري بانحياز تاريخي صارخ لأبشع استعمار واحتلال وإرهاب منظم، والتزام بعلاقة عضوية تربطه بالصهيونية ومشروعها التوسعي الاستعماري الذي يلتقي عليه فكر واعتقاد ونهج استراتيجي مصلحي، صهيوني ـ أميركي.
ولا ندري هل ذلك وعي أميركي جديد، أم جزء من برنامج العمل الرامي لتحسين صورة أميركا القبيحة لدى الرأي العام، أم "تكتيك" سياسي لطمأنة بعض الناس وتشغيل الإعلام بكلام يساعد على تسويغ ضرب العراق والتغطية على ما يجري في فلسطين المحتلة، وتسويق الولايات المتحدة قبل ذلك وبعده، أم أن تلك دلائل تفكير جدي جديد يؤدي إلى استشراف مستقبلي ودور ونهج مغايرين للدور والنهج الأميركيين القائمين الآن اللذين يقرعان طبول الحرب ويهددان بالموت والدمار ويعملان على التدخل في الشؤون الداخلية السياسية وغير السياسية لدول وشعوب لا سيما في بلدان العالم الإسلامي؟!
غير أن ما قاله السيد هاس، وتضمن بعض النقد لتصرفات الإدارات الأميركية السابقة وسياساتها حيال "العالمين" العربي والإسلامي كما أوضحت، بدا لي تمهيداً لمرحلة جديدة من الخداع السياسي أكثر منه رؤية جديدة لسياسة أميركية نظيفة، وتمهيداً لخطاب كولن باول وتبشيراً بذلك الخطاب وتلميحاً لما سيتضمنه، وهو الخطاب الذي ألقاه الوزير باول فعلاً في مؤسسة التراث بواشنطن العاصمة يوم 12 كانون أول/ديسمبر 2002 مقدماً فيه ما سماه:" مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط بناء الأمل للسنين القادمة"، ولم يخرج فيه عن مضمون ورقة هاس التي كانت أعمق فكرياً وذات تفصيلات مهمة في بعض جوانب الموضوع وتلوّح بحق يراد منه الاستمرار في الباطل، ولكن السيد باول قدّم المشروع الجديد من دون بعد الرؤية السياسية النظيفة، ووضح الخطوط الرئيسة لبرنامجه من دون التوقف عند الأهداف الحقيقية النهائية التي يرمي المشروع الأميركي إلى تحقيقها. ومما أقتطفه من كلام السيد باول تمهيداً للبناء عليه أذكر قوله: "إن أي معالجة للشرق الأوسط تتجاهل تخلفه السياسي والاقتصادي والتعليمي ستكون مبنية على رمال." وهذه حقيقة يشكر عليها، وقوله: " إنني أعلن اليوم مبادرة تضع الولايات المتحدة بثبات في جانب تغيير وإصلاح ومستقبل حديث للشرق الأوسط." وهذا ما أشك وأشكك فيه لأن القرائن المتعددة وتقاطع المعلومات وتكامل الأدوار للسياسيين الأميركيين لا يلبث أن يظهر حقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية المراوغة لم تغير من سياستها شيئاً. ومما قاله الوزير باول أيضاً: " تستند مبادرتنا إلى ثلاث ركائز:
ـ اننا سنشترك مع مجموعات من القطاعين الخاص والعام لسد فجوات الوظائف بإصلاح اقتصادي، واستثمار للأعمال، وتنمية القطاع الخاص.
ـ وسنشترك مع قادة المجتمع لسد فجوة الحرية بمشاريع لتقوية المجتمع المدني، وتوسيع المشاركة السياسية، ورفع أصوات النساء.
ـ وسنعمل مع المربين لسد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من الفرص للتعليم العالي."2
وبعد التدقيق في تفصيلات وردت في ثنايا خطاب الوزير باول تشعر بأنه ورموز الإدارة بلغوا حداً من الغطرسة والتعالي والوصائية على الغير لا ترجى سلامة من بعد بلوغه، فهم لا يرون أمامهم دولاًً ذات حرمة وسيادة وهوية، ولا مسؤولين يستحقون الاحترام ويشكلون مرجعية ما، من أي نوع، لدولهم وشعوبهم ويمثلون إرادة تلك الشعوب والدول المستقلة التي لها ما لها وعليها ما عليها، ولا ينظرون إلى الناس الذين يعانون الأمرين من ظلاّمهم ومن مدعي إنقاذهم من أولئك الظلاّم. وذلك بحد ذاته مفجع ويدعو إلى الإحباط إن لم نقل اليأس.
تقدم السيد باول بإعلانه المدوي دعماً للحرية والديموقراطية والمعرفة والقيم الإنسانية التي تدافع الولايات المتحدة عنها تاريخياً ـ وتتاجر بها وتتخفى تحت يافطاتها عملياً ـ تقدم بإعلان: "تخصيص 29 مليون دولار بصورة أولية لجعل هذه المبادرة تنطلق بقوة." إضافة إلى مليار دولار تقدّم عادة إلى دول في المنطقة منذ زمن.
من الواضح أن السيد باول بإعلانه البائس واعتماداته المالية المضحكة لا يريد أن يشارك في نهضة ومسؤولية حقيقيتين في الوطن العربي وبلدان العالم الإسلامي بل يريد أن يشتري بمبلغ 29 مليون دولار أشخاصاً ومواقف وضمائر مستفيداً من الظروف السيئة التي شخصها تقرير وضعه خبراء عرب تحت مظلة الأمم المتحدة عن وضع الوطن العربي وأوضاع الشباب والنساء فيه، وهي أوضاع مأسوية من بعض زوايا النظر ولكنها لا تقدم وطناً ميؤوساً من مبادراته الذاتية للإصلاح والنهوض كما يوحي البعض بذلك. ولكن شراكة السيد باول لدول العالمين العربي والإسلامي في هذا المشروع الذي يرمي عملياً إلى فتح ثغرات جديدة في مجالات عدة على رأسها المجال التربوي والتعليمي للوصول إلى تخريب وتشويه من خلال المطلب الحقيقي للتغيير الضروري في برامج التربية والتعليم تتطلبها تحديات العصر. إن التوجه الأميركي نحو المجال التربوي والتعليمي لا يرمي إلى جعل المناهج والبرامج تحقق شيئاً من النهضة المرجوة بل يرمي إلى إحداث اختراقات لتخريب قيم قومية ودينية واجتماعية معينة من خلال تغيير المناهج أو التدخل من خلال المعلمين والمدرسين لتزييف الأداء وتسميم التوجه القومي والإسلامي. باسم " تحديث الشرق الأوسط" أي ما أعلن عنه الساسة الأميركيون بفجاجة ووقاحة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 حول تحديث الإسلام وضرورة تغيير مناهج "تعلم الإرهاب"، واعتماد اللغة الإنكليزية لأن العربية "ليست لغة عصر ولا لغة علم" وهي "لغة الإرهاب وتعلم الإرهاب" كما يروجون هم وعملاؤهم.. ومما تقدمه بعض وسائل الإعلام الأميركية والصهيونية من آن لآخر وينسب إلى صحفيين أو كتاب أو رجال دين مثل فالويل وبات روبرتسون ويتهم الإسلام بالإرهاب والرسول صلى الله عليه وسلم بأنه إرهابي، والقرآن بأنه يعلم الإرهاب..إلخ إلى آخر معزوفات الحقد العنصري المبرمج والسخف الأميركي الذي يمليه الجهل والتجاهل والتورم المرضي الذي يوحي لأصحابه بأنهم شعب الله المختار، وأنهم يحملون تكليفاً إلهياً بجعل " ثقافتهم" هي ثقافة العالم، ونداء تاريخياً بأن يسيطروا على الشعوب والثروات والبترول وسوق السلاح ويحتكروا الأسلحة بأنواعها وعلى رأسها أسلحة التدمير الشامل، ليستعبدوا العالم تحت شعارات وخرافات وادعاءات جديدة أشد ابتذالاً مما روجوا لـه في السابق.
يريد السيد باول، تنفيذاً لرؤية رئيسه جورج W بوش، أن يحدِّث العالمين العربي والإسلامي متوجهاً إلى مفاصل سياسية واقتصادية وتعليمية بـ 29 مليون دولار، وهو يقول في منحى سياسي آخر: "إننا سنستخدم طاقتنا وقدراتنا ومثاليتنا ـ وهذه الكلمة المنتفخة: "مثاليتنا" لـه ـ لجلب الأمل إلى جميع عباد الله الذين يعتبرون الشرق الأوسط وطناً لهم.". ومفهوم أنه يعني الصهاينة فيمن يعني. ولكن لماذا يقدم السيد باول للعرب والمسلمين 29 مليون دولار لأهداف كبيرة يزعم حرص بلاده عليها ويقدم للكيان الصهيوني 16,2 مليار دولار لشراء أسلحة وتطوير أسلحة ومساعدة مستعمِرين مستقدَمين إلى أرض الفلسطينيين الذين يبادون تحت سمعه وبصره وبأسلحة بلده التي يزود بها الإرهابي شارون وسواه من القتلة العنصريين في الكيان الصهيوني ؟! أليست هذه درجة مبتذلة من التفكير والتدبير تنطوي على ازدراء للذات قبل أن تنطوي على ازدراء للغير الذين يوجَّه إليهم مشروع السيد باول الجديد؟!
هل يصدُق السيد باول، وهل يصدُق السيد هاس، وهل فعلاً هناك رؤية ذات مضمون مغاير في إدارة الرئيس بوش تستحق التوقف عندها ومناقشتها، أم أن الأمر لا يعدو كونه ذراً للرماد في العيون، وضحكاً على الذقون، ووضع بضاعة للتداول في سوق الكلام وفي وسائل الإعلام للتغطية على عدوان مدمِّر يتم الإعداد لـه ضد بلد عربي ومسلم " العراق"، ينطلق منه العدوان الأميركي ـ الصهيوني إلى بلدان عربية وإسلامية أخرى، ومرحلة جديدة من الاستعمار تُعَدّ لها الأحلافُ والسياساتُ ويُهيأُ لها الرأي العام في الغرب الذي يقوده التحالف الأميركي الصهيوني ويكوِّن حوله تحالفاً موسعاً يقوده هو تحالف ناتو الذي تضم إليه الدول الأوربية كلها، وتحالف آخر تحت اسم: ناتو+ روسيا، واستكمال الحلقة بتحالفات ثنائية مكملة للطوق الأميركي الصهيوني على العالمين العربي الإسلامي يدعو إليها السيد رامسفيلد تحت اسم مكافحة الإرهاب, بينها للأسف آخر تحالف: مضحك مبك: هو تحالف قطر مع الولايات المتحدة الأميركية يجعل القوات الأميركية تسرح وتمرح في منطقة عربية وإسلامية أخرى من موقع هو المقر الحالي لمؤتمر دول العالم الإسلامي والجوار القريب للكعبة المشرفة.. لمكة التي سرب الإعلام الأميركي الصهيوني خبراً بإمكانية تدميرها بقنبلة نووية صغيرة؟!
إن بين تنظير السفير هاس للديموقراطية في العالم الإسلامي ومسؤولية الولايات المتحدة عن دعمها أو دورها في ذلك الدعم، وبين مبادرة الوزير باول، وتصريحات الرئيس بوش، وما يقوم به الوزير رامسفيلد على أرض الواقع، بون شاسع لكنها تلتقي في المرمى البعيد للسياسة العنصرية ـ الصهيونية التسلطية الاستعمارية لهذه الدولة المجردة من كل معطى خُلقي أو إنساني أو حضاري، وهو يظهر مدى الحالة المرضية التي تمر بها السياسة الأميركية التي تريد أن تخدع العالم من جهة وتجعله من جهة أخرى يُكبِِر "فضائل" ذلك الخداع الذي يرمي إلى جعل العالمين العربي والإسلامي يتجرعان مزيداً من المرارة ويعيشان عقوداً جديدة من التخلف، ويخضعان لمراحل جديدة من النهب والاستلاب والضياع، ويدخلان مرحلة التبعية الفكرية والثقافية والتشويه العقائدي على المستوى الديني والقومي والثقافي؛ لتكتمل دائرة استعمار جديد.
فهل ترانا نبتلع المزيد من الوهم ونتجرد من كل ما يقود إلى الوعي بحقائق الخطط والبرامج الأميركية ـ الصهيونية المعادية لكل ما هو عربي وإسلامي وإنساني، أم أننا سنصحو وندفع ثمن الصحو ولو كان باهظاً جداً.. ولكن تبقى لنا معه هويتنا وثقافتنا وقيمنا وخصوصيتنا القومية وسلامة ديننا وعمق وسلامة فهمنا لأبعاد التسامح والتكامل الإنساني الذي يكفله الإسلام؟! إننا على أبواب تحدٍ كبير ورهان آمل أن يتغلَّب فيه الدم على السيف، والإيمان على إمبراطورية الشر والعنصرية البغيضة والادعاء الفج بتحرير العالم عن طريق تدميره وقتل أناسه ممن هم" ليسو معنا فهم ضدنا"، أو قتل روحه وإلغاء إرادته وتنوعه الذي أثرى الحضارة الإنسانية.
|