|
ـ أكاذيب للاستثمار في العدوان
أطلق الإرهابي أرئيل شارون إحدى أكبر أكاذيبه الأسبوع الماضي في خضم حملته الانتخابية ومسلسل الفضائح الذي يلاحقه وابنه عومري شارون المتهمين بصفقة فساد مع أحد المقاولين اليهود" شلومي"، حيث قال:" هناك أنباء تفيد بأن العراق نقل إلى سورية وسائل قتالية كيميائية وبيولوجية ليخفيها عن أعين المفتشين". ولا يهم ما قاله سياسيون صهاينة يزاحمونه في حملة الانتخابات أو يعرفون تاريخه الذي يغص بالأكاذيب ومنهم شمعون بيريس؛ المهم أن الولايات المتحدة الأميركية، المتحالفة مع الكيان الصهيوني والمعجب رئيسُها جورج W بوش بالمجرم شارون إعجابه بأنبياء بني إسرائيل الذين استفاق من الإدمان على الكحول ليجدهم مثله الإيماني الأعلى، المهم أنها سارعت إلى استثمار هذه الكذبة الطازجة والبناء عليها، فوجهت تحذيراً مبطناً إلى سورية من خلال قولها: " إن من يفعل ذلك يرتكب خطأً كبيراً.".
ويأتي تحذير الإدارة الأميركية هذا في خضم إعدادها واستعدادها لحشد قوى وحلفاء وذرائع للعدوان على العراق تنفيذاً للمطلب الصهيوني، وتأتي حملة الكذب واستثماره لتوسيع برنامج العدوان الأميركي الصهيوني ليشمل سورية ولبنان وحزب الله ولكي يتاح لشارون أن يحشد خلفه سياسة تؤيده في استثمار العدوان ليقوم بالهجوم على سورية ولبنان وحزب الله. والعدوان الأميركي لن يتوقف عند حدود العراق بل سيشمل المنطقة كلها أو سيطال تأثيره المدمر المنطقة كلها.
ويتم كل ذلك في الوقت الذي يتعاون فيه العراق تعاوناً طيباً مع المفتشين الدوليين، ويحرص على تطبيق القرار 1441 ويستجيب لما يطرح عليه من أسئلة ويستوعب الكثير من الاستفزاز، ويدعو الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لتقديم أدلتهما على وجود أسلحة محظورة لديه، ويرحب حتى بعناصر الـ C.I.A إذا رغبت إدارتهم في أن ترسلهم إلى العراق ليدلوا المفتشين على المواقع التي يعرفون أن العراق أخفى أسلحة الدمار الشامل فيها. ولكن الإدارة ترفض ذلك وتستخف به حتى لا تفقد ما تبقى من ذرائعها وينكشف تجنيها على الآخرين.
ومن خلال التعليقات والتصريحات والردود الرسمية وغير الرسمية التي جاءت رداً على افتراء شارون الأخير وردت إشارات إلى أنه يرمي من وراء كذبه المفضوح إلى التغطية على ما يملكه الكيان الصهيوني من أسلحة الدمار الشامل وبرامجه لتطويرها وهي برامج تساعده فيها الولايات المتحدة الأميركية تقنياً ومالياً. ودعا الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في الكيان الصهيوني وإلى أن يفتح الصهاينة الباب أمام ذلك. وليست هذه هي الإشارة الأولى أو المطلب الأول الذي يثار حول هذا الموضوع، فقد ذكر ذلك أكثر من مرة في جلسات رسمية لمجلس الأمن الدولي وفي الأمم المتحدة وفي منابر إعلامية عربية وفي تصريحات وبيانات صدرت عن اجتماعات عربية رسمية كبيرة، وكانت تواجَه بالإهمال ثم لا يلبث أن يرين الصمت على ذلك الطلب وكأنه لم يكن. و يثار هذا الموضع أحياناً حتى في مقابلات وحوار مع مسؤولين وصحفيين صهاينة ترحب بهم وسائل إعلام عربية أو ناطقة بالعربية، ويكون ردهم بأنه موضوع غير مطروح للمناقشة ويتم التوقف عند هذا الحد ويبتلع المحاورون العرب ألسنتهم لا نعرف لأي سبب وكيف!؟ ولكن النتيجة تكون بأن يرين الصمت على الأمر من جديد.
وإخال أنه من المؤكد أن الكيان الصهيوني لن يتعرض للمساءلة عما يملكه من أسلحة دمار شامل، ولن يتوقف تقديم الدعم العلمي والتقني والمالي والسياسي لـه ليطور ما لديه من تلك الأسلحة ويزيد مخزونه منها. ومن شبه المؤكد أيضاً أنه لم يسأل ولن يسأل جدياً أسئلة موجبة للعقاب واتخاذ قرارات قابلة للتنفيذ عن الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها بحق الفلسطينيين، ولا لمَ ارتكبها وبأية أسلحة تم ارتكابها ولماذا؟! سواء أكانوا من الواقعين تحت سيطرته وظلمه في القسم المحتل من فلسطين عام 1967 أم في القسم المحتل منها منذ 1948، فتلك "دولة صهيونية مختارة" فوق القانون منذ أن أنشئت بالاغتصاب والإرهاب وأقيمت على أسس لا تحترم قانوناً أو شرعية دولية. ومن غير المنتظر أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية، التي تطبق سياسة مكشوفة لاحتكار أسلحة الدمار الشامل في العالم وتشكل " إسرائيل " جزءاً عضوياً من سياستها ومشروعها وتوجهها العدواني ـ الاستعماري، من غير المنتظر أن تقوم لا هي ولا الدول الواقعة في مدار فلكها وتحت سيطرتها بأية خطوة من شأنها أن تسمح بطرح سؤال التفتيش عن أسلحة دمار شامل في الكيان الصهيوني أو تمرير هذا السؤال ليشغل حيزاً ما من اهتمام الرأي العام الذي تملك معظم وسائله وإمكانيات للسيطرة عليه. وحلفاء أميركا ـ وهم بالنتيجة حلفاء للكيان الصهيوني ـ سوف يناصرون قيادة تحالفهم في كل أمر وفي كل عدوان، وقد أعلنت دول حلف ناتو خلال الأسبوع الماضي أنها لا يمكن أن تتخلى عن مساعدة الولايات المتحدة في حربها ضد العراق، فهناك واجب "أخلاقي" يلزمها بذلك؟! ولا يجوز أن نسأل عن ذلك الواجب الأخلاقي ومقوماته وأسسه ومرجعياته، فكل قوة تسوِّغ عملها بأشكال مختلفة وتضفي على أفعالها مسحة قانونية وأخلاقية وحتى إنسانية رفيعة وبعضها ينسب جرائمه إلى تكليف إلهي ونداء التاريخ، والمشجب الأخلاقي يتسع لكل افتراءات الأقوياء وجرائمهم ضد البشرية من هتلر أربعينيات القرن العشرين إلى بوش = هتلر بداية القرن الحادي والعشرين.
لن يحاسَب الكيان الصهيوني على ما يملك من أسلحة الدمار الشامل، ولا عن احتلال أرض الآخرين بالقوة منذ عشرات السنين، ولا عما يرتكب من مذابح وجرائم ضد الإنسانية.. بل إن جرائمه الفظيعة ضد الشعب الفلسطيني لن تعد جرائم ضد الإنسانية أصلاً ـ ومذابح وجرائم عديدة تقف شاهداً على ذلك من دير ياسين وقبية ونحالين وكفر قاسم إلى مذبحة مخيم جنين ومذبحة حي الدرج في غزة. وفي أثناء كتابة هذه السطور ارتكب شارون جريمة قتل تسعة من الفلسطينيين هاجم بيوتهم ليلاً، واعتقل العشرات ليصبح عدد المعتقلين آلافاً مؤلفة يعانون الأمرين في السجون والمعتقلات النازية الجديدة من دون أن يرتفع صوت ليقول إنهم بشر ولهم مثل ما لبقية البشر من حقوق ـ ما دام يملك قوة عسكرية يستخدمها دائماً وحلفاء هم شركاء لـه في الجريمة والمشروع الاستعماري نعدهم أصدقاء ويدخلون بيننا وبينه وسطاء، وما دمنا نملك احتجاجاً كئيباً نجأر به دائماً ولا نملك قوة أو لا نستخدم ما نملك من قوة ضده. لن يحاسَب الكيان الصهيوني ما دامت قيادات من قياداتنا أذناباً وشواخص في الطرقات تشير إلى النهج الذي تريده أو ترتضيه الولايات المتحدة الأميركية وترتاح لـه " إسرائيل"، أو وسطاء بين السكين اليهودية والدم العربي.
وسيبقى الخطاب الوحيد الذي يوجه إلى الكيان الصهيوني علناً من رأس الشر في الولايات المتحدة الأميركية والدول والقوى والمنظمات والمؤسسات الدولية التي يحركها ذلك الرأس، عندما تصبح جرائم الصهيونية فاقعة بشكل لا يطاق، هو أن عليه أن يسرع في إنجاز مهامه.
وعلى من يأخذون على الخطاب الرسمي العربي خضوعه أو خنوعه في مثل هذه القضايا والمواجهات، وهو خطاب وموقف وسلوك وتصرف غير مقبول وغير مجد في ظل ما جرى ويجري وما ينتظرنا، عليهم أن يتحروا في صفوف الثقافة والإعلام والمعارضة السياسية العربية وليس في الأوساط السياسية الحاكمة فقط عن مواقف سلبية فتاكة.. عن أصوات وأفكار ومواقف تبشر بالاستعمار الأميركي وتدعو علناً لـه وتبارك عدوانه وتقف رأس حربة هجومه على الثقافة والتربية والهوية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وتسكت عن تواطؤه ضد الشعب الفلسطيني وقضية العرب الرئيسة قضية فلسطين، وعن وجوده محتلاً للأرض ومنابع النفط، وعن ممارساته في بلدان عربية وتهديده لهذا وذاك، وتدعو إلى التعاون معه لاحتلال بلدانها وقتل شعوبها وتدمير عمرانها وحضارتها وتشويه ثقافتها وتربيتها ودينها من أجل أن ينصر الاستعمار تلك الأصوات ـ الأشخاص في شهواتها التسلطية أو على عملاء متمردين ـ كما يقولون ـ وينصبهم في أماكنهم واجهات وعملاء مطيعين.
وعليهم أن يتوقفوا قليلاً عند خطاب " ثقافي وإعلامي عربي" يجمِّل الوجه البشع للأميركي الشرير والصهيوني السفاح وفق خطة معروفة ترصد لها الأموال وتسخَّر لها الإمكانيات، بذرائع مختلفة على رأسها أنهم يجب أن يغيروا الدكتاتورية العربية بالقوة العسكرية الصهيو ـ أميركية، ويجب أن ينصر الغرب نورهم!؟؟ على الظلامية في الشارع العربي، ويجب أن يدخلوا عصر الحداثة بإلغاء الذات واللغة والهوية والعقيدة وبإفساح المجال لتبعية عمياء بلا ضفاف للأمرَكة والصهيَنَة؟!. ولا يجوز لك، من وجهة نظر أولئك ووفق منطقهم وسلوكهم وممارساتهم وارتباطاتهم الصارخة والمبثوثة عبر منابر معروفة ومن مواقع مكشوفة، لا يجوز لك أن تقول: إن هذا الخطاب "الدَّعوَجي" الاستعماري التدميري التخريبي المتخفي تحت مسوح ثقافية كئيبة، هو خطاب يسوِّغ الاحتلال والاستعمار وإرهاب الدولة والتدخل في شؤون الآخرين، كما يسوق الانحلال والفساد وتخريب النفوس والدول والشعوب، ويحوِّل الخيانة إلى وجهة نظر، ويقدِّم العملاء على أنهم "مناضلون"، والداعين إلى تقسيم بلدانهم وتمزيق شملها على أنهم دعاة لتقرير المصير؟! لا يجوز لك أن تقول ذلك لأن هناك ألف وألف وقح يطل عليك من فضائية هنا وإذاعة هناك وصحيفة هنالك.. من وكر استخبارات، ومن قناع سلطة تعطيك من طرف اللسان.. ومن مركز أمني أو مركز أبحاث، من معارضة أو "عراضة".. ليدمغك بالعمالة لبلدك وبالانتماء لهويتك وبإيمانك بدينك.. وبالتخلف والرجعية والتقوقع والسلفية والأصولية والتعصب لعقيدتك وقوميتك..إلخ وهو مما لا يجوز أن تواجه به صليبية بوش المعلنة وحربه الظالمة ودعوته الشريرة، ولا " تهمة العداء للسامية": بضاعة شارون إخوان، ولا "ترانسفير" الحركة الصهيونية لشعب فلسطين من وطنه التاريخي؟! ويدعو من بعد ومن قبل إلى شنقك في أقدس مواقع النضال ضد الاستعمار في بلدك لتكون عبرة لمن يعتبر وذلك لأنك: " إرهابي " وشوفيني وقومجي وإسلامي وأصولي ومن أتباع بن لادن، وممن لا يعرفون حقوق الإنسان وواجبات مؤسسات المجتمع المدني ودورها الفعلي في العصر الأميركي الصهيوني وعلى رأس ذلك: أن تناصر الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية في كل ما تقولان وتفعلان، وتنتصر لعدوانهما واحتلالهما ومشاريعهما العنصرية من نفسك أولاً ومن إرادة شعبك ثانياً، وأن تقاوم كل من يتمسك بالحرية الحقة ويدافع عن نفسه وبيته ضد الاحتلال الصهيوني وتتهمه بالإرهاب وبالعداء للسامية وبالعنصرية البغيضة وببث الكراهية..!؟ فتلك هي قيم الأميركيين والمتأمركين.. الصهاينة والمتصهينين، التقدميين والتحرريين والحداثيين ورواد عصر العولمة في عالم اليوم الذين يخوضون حروبهم التاريخية بين خيام البدو العرب في القرن الواحد والعشرين؟!
لن يفلح أحد منا في وضع الكيان الصهيوني أمام مساءلة من أي نوع عن حيازته لأسلحة الدمار الشامل وتطويرها، ولا في مساءلة الولايات المتحدة الأميركية عن احتلالها لمنابع النفط العربية في الخليج وعدوانها وحصارها المستمرين لبلدان من بلدان أمتنا، ولا عما ترتبه من عدوان واحتلال وتهجير للفلسطينيين من وطنهم والقضاء على حق العودة الذي لهم بتوطينهم في العراق وبأموال العراق ليخلو الجو للمشروع الصهيوني ـ الأميركي المديد.. لن نفلح في ذلك ما دمنا نملك ذاكرة تشبه قربة مثقوبة، ومعايير يصنعها العدو أو الخوف من العدو أو الرغبة في الحصول على شهادة حسن سلوك من متنطع لا صلة لـه بشيء مما يعني الأمة ويتكلم بالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وهو العدو الأشر لذلك كله.. ولن نفلح في ذلك لأننا رضينا أن نكون تبعاً إما بالفكر أو بالسلوك أو بنمط العيش، أو أن نكون صور بشر على قوالب من خشب أو معدن تنصِّب مسؤولين وقادة ومحاربين في جيوش يباع لها السلاح لكي تصونه وتعطيه لمن يستخدمه ضدها عندما يحين الوقت المحدد لذلك.
إننا بحاجة لصحوة من نوع فريد، ولبصر حديد أنفذ من بصر زرقاء اليمامة، ولرؤية ورؤيا كفلق الصبح ينتجها جميعاً إيمان سليم ووعي عميق وانتماء قوي وارتباط شديد بهذه الأرض وبما أنتجته من معطى حضاري مشرف عبر التاريخ.. بحاجة إلى ثقة بالذات وبالمستقبل وبالنصر القادم على بساط من العمل والأمل والتضحيات.. لكي نكون ولكي يحترم الآخرون إرادتنا ووجودنا ومن نكون.. وطريقنا إلى ذلك مفروشة بالألم ومرشوشة بالدم ولكنها طريقنا والسلام.
( انظر هوامش في ملحق الكتاب)
|