|
ـ تراجع المعرفة في وقت الحاجة إليها؟!
في عصر التقدم العلمي والتقني المذهلين، وتحديات العصر لنا، تلك التي لا تعرف قيداً ولا حداً، أراني مضطراً لطرح السؤال الآتي الغريب عن هذا العصر : هل نحن بحاجة إلى العلم ؟! وإلى أي نوع من العلم نحتاج ؟! وكيف السبيل إلى بلوغ حاجتنا ؟!السؤال يبدو غريباً لأن حاجتنا إلى العلم من البديهيات، لا سيما ونحن نتابع تقدم الآخرين ونتحسَّر على أوضاعنا، ونراقب تقدم العدو ونتلمس رؤوسنا خوفاً على مستقبلنا. ولكن على الرغم من هذا وذاك فإن واقع الحال يدفعنا إلى مكابدة مرارة السؤال.
واقع الحال يقول : إن الإقبال على التحصيل العلمي عند معظم ناشئتنا يتراجع بشكل ملحوظ، وإن متابعة المتعلقين بالبحث العلمي لبحثهم بشكل جاد تصطدم عندنا بما لا يحصى من العقبات، وإن الحاجة إلى البحث العلمي في بعض الميادين لا تُسَدُّ على الإطلاق بل لا توجد مجرد بدايات لها عملياً؛ وهناك قلة قليلة ممن يتابعون التفكير بذلك بَلْهَ تحصيله. وفي مجالات تقدم العلوم نظرياً يوجد كمٌ من الحفظ يصطدم بحواجز لا نهاية لها من التعقيد والتقييد، الذاتي والموضوعي، عند التطبيق قد تؤدي إلى الاحباط وإلى ما هو أكثر منه. وفي مجال آخر من مجالات التعلُّم لبلوغ درجة تؤهل لمجرد التفكير بالاختيار الأولي للتخصص الأولي، بدأنا نواجه حالة مؤلمة مؤسفة، وهي حالة التسرب من المدارس؛ الأمر الذي جعل بعض المدارس الثانوية تغلق صف الشهادة الثانوية بل والمرحلة الثانوية كلها في حالات ؟!؟.
لقد كان التسابق، في عقود الخمسينيات والستينيات، على أشده للتحصيل العلمي بين الشباب والشابات في معظم أقطار الوطن العربي؛ ونحن نلحظ انصرافاً وتراجعاً في هذا النوع من الطموح منذ تسعينيات القرن الماضي، في توجه وخط مضادين تماماً للتقدم العلمي المتنامي في مجالات الحياة ولمتطلبات العصر وتحدياته؛ وهذه ظاهرة تستدعي التوقف عندها ومناقشتها طويلاً من قبل المعنيين بهذا الشأن وهم كثرة طاغية تمتد من الآباء والأمهات، الذين يعنيهم الأمر ولديهم القدرة ـ إن سلباً وإن إيجاباً ـ على توضيح أسباب ذلك التسرب أو الانصراف، إلى المعلمين والمدرسين والأساتذة الكبار في ميادين التخصص، وكذلك الساسة الذين يعنيهم مستقبل الوطن ومصير الأمة، وأصحاب الاستثمارات من الذين ما زال الوطن يعني لهم شيئاً ولم يتحولوا بعد إلى القرش:الوطن، ومن المبدعين والكتاب الذين يعنيهم أن يكون لهم قراء ولكلمتهم تأثير.
لا أشك مطلقاً في رغبة المعنيين جميعاً بالتحصيل العلمي وعلو مستواه ولا بإيمانهم المطلق بأهمية العلم وقيمته، ولكن الظاهرة موجودة والهوة بيننا وبين التحصيل العلمي الجاد تتسع، والانصراف عن تعزيز موقع العربية في مجالات التعليم والعلم المتقدمين بدا ملحوظاً لا سيما في جامعات وأقطار تفكر حتى بتدريس الأدب العربي بالإنكليزية، وأخرى أكثر التزاماً بالعربية والعروبة تراجعت فيها مكانة العربية في مجالات علمية وسواها. ولا شك عندي في أن الظاهرة مرتبطة بعوامل كثيرة، ومن عواملها في بعض البلدان العربية كثرة المال التي تورث الاتكال ـ مع أن القاعدة تقول إن العلم يجلب المال ويحافظ عليه والجهل يضيعه ـ ومن أبرز عواملها في معظم الأقطار العربية: تدني الدخل العام للمشتغل بالعلم والتعليم والتحصيل العلمي أياً كان مستواه، وميَلان الكفة بشكل مثير للتساؤل إلى جانب ذوي الدخل المرتفع من أصحاب المهن والحرف الصغيرة، والتجارة البسيطة، والأعمال الوسيطة، وبعض أنواع الدخل ذات الصفة الطفيلية، أي تلك التي لا تقوم على الإنتاج ولا على ما يقترب من دائرته من أنواع الربح الحلال والدخل الوفير. فصاحب المهنة البسيطة، ذاك الذي لا يحتاج إلى علم متوسط الدرجة أو متدنيها، يحقق أضعاف ما يحققه متخصص عالي التخصص من دخل؛ الأمر الذي جعل المقارنة قائمة في الوسط الاجتماعي بين دخل ودخل وليس بين مهنة ومهنة ودرجة علم ترفع صاحبها وجهل يحط من قدره، ومن ثم توجيه النشء باتجاه العمل الذي يحقق الدخل الأوفر وليس العلم والمعرفة الأرفع ؟! فما دام العلم لا "يطعم خبزاً" ولا يمكِّن صاحبه من تأمين مستقبل وبناء بيت وتكوين أسرة على أرضية من الأمان والاطمئنان و"الثبات والنبات"، فليبحث الشخص إذن عما يسدد تكاليف الحياة ويفتح أفقاً مستقبلياً أمامه وأمام أفراد أسرته للعيش الأفضل، من دون النظر في النتائج الأبعد والأخطر ذات المردود السلبي على مكانة الدولة والأمة في حال غياب الكفاءات العلمية أو التطلع لتوطين المعرفة العلمية النظرية والتطبيقية في الوطن لتوفير قوة على أرضية العلم والعمل به؟!
وهذا النوع من التوجه والتفكير يؤثر سلباً على الأجيال الناشئة، لا سيما في فترة التكوين والتطلعات الكبيرة والعواطف المشبوبة والأحلام الفردية العالية الطموح. ويقود ذلك إلى تفكير قصير النظر وتدبير أقصر نظراً، بنظر المعيار العالي لمستقبل الشعوب والأفراد والدول. ولكن المجتمعات التي تخفض من درجة معاييرها، وتحصرها في الآني القريب ـ والقصير النظر، والمجتمعات التي لا تعطي للعلم المتقدم والتقانة العالية إمكانية مالية تؤمن الحاجة وتدفع باتجاه مواصلة الأداء الإبداعي في مجالات التقدم العلمي الخاص والحضاري العام، وتجعل أصحاب العقول بلا جيوب أصلاً وليس بجيوب فارغة، فإنها تؤسس عملياً، وعلى المدى البعيد، لحالة من التخلف العلمي والتردي القيمي والتبعية للغير، وتقيم تكويناً اجتماعياً يضع نفسه في خدمة الشعوب المتقدمة في مجالات العلم والتقانة، تلك التي تستطيع أن تملك القوة على أرضية العلم، وترتاد في مجالات الاختراع والابتكار والتفوق، فترتفع فوق الآخرين درجات، وتجعلهم فئات ملحقة بها عملياً : حرفيين و " صنائعية " ومسوِّقين ومروجين ومستهلكين وشغِّيلة في خدمة العقل والعلم المتقدمين اللذين يحكمان المجالات الأخرى من مجالات الحياة ويتحكَّمان بها، ويمكِّنان الشعب أو الدولة أو الأمة التي تملك ذلك من السيطرة على ميزان القوى وعلى المال والاقتصاد ومجالات الحياة الأخرى، بل على ثروات شعوب ودول والتحكم بمقدراتها وقراراتها.
وفي الوقت الذي نعاني فيه نحن من الاحتلال وسيطرة القوة وتهديدها المستمر بغطرسة لا مثيل لها ولا راد لصلفها، ومن الهوة الكبرى التي تفصل بين مجتمعنا والمجتمعات المالكة للعلم والتقانة والقوة والتفوّق، وندعو لمجاوزة ما نحن فيه على أسس علمية؛ في هذا الوقت بالذات نجد أجيالنا تنصرف عن العلم، أو عن بذل الجهد العالي في تحصيل درجات متقدمة من العلم؛ ونجد في حالات أخرى ـ حالات أفضل ـ أن علماءنا لا يجدون المخابر الكافية، ولا أجهزة البحث وأدواته، ولا يجدون المجالات التي تمكنهم من تطبيق ما يتوصلون إليه من نظريات واكتشافات وابتكارات و يبيعون نظرياتهم للأقوياء ولمن يستفيد منها بشكل أفضل؛ بل ونجدهم في حالات كثيرة يهاجرون ويتركون بلدانهم ويضعون أنفسهم في خدمة مجتمعات وقوى تسخرهم وتسخر كل ما يمكن أن تملكه من علم وتقانة وقوة للسيطرة على الآخرين ونهب خيراتهم وإبقائهم تبعاً، وتهديد هوياتهم الثقافية وأوطانهم وحتى عقائدهم الدينية، بَلْهَ استقلالهم وحقوقهم وحرياتهم العامة ومستقبلهم؟! وقد لا يحتاج الذين يهجرون بلدانهم ويبيعون مخترعاتهم للآخرين، من أبناء أمتنا، إلى أكثر من معطيات قليلة وهوامش من الحرية واحترام الحقوق وتأمين ضرورات العيش لينتجوا في وطنهم ما يفيدهم ويفيد وطنهم؟!.
إن السؤال اليوم مطروح بقوة وقسوة : كيف يمكن أن نحقق تقدماً وتحرراً وتحريراً وحماية لمقدساتنا وأراضينا ووجودنا ذاته، من دون اعتماد على العلم واقتدار على تطبيقه وتحويل نظرياته إلى أداء عملي مبدع وإنتاج في المجالين المدني والعسكري ؟! وكيف يمكن أن نحقق درجات من العلم والإبداع في تلك المجالات / نظرياً وعملياً / إذا كنا نُقْبِل على حالة من الانصراف عن التعليم سواء أكان ذلك في درجات التحصيل ومستوى التعلُّم أم كان في الانصراف أصلاً عن التعلُّم، والتسرب من المدارس وزيادة حجم الأمية بمستوييها : العجز عن القراءة والكتابة " عدم فك الحرف كما كان آباؤنا يقولون " والأمية الثقافية والمعرفية بمعنى ضعف الوعي المعرفي أو غيابه وما لذلك من تأثير مدمر على السلوك والحياة والعمل والتعامل ؟! وكيف نحمي بالقوة ما يمكن أن نحققه من خطوات اكتساب قوة على أرضية العلم وتطبيقاته في وقت تشن علينا فيه الحروب حتى لا نملك قوة ولا علماً يؤسس لقوة؟!
إن السؤال لـه ما يبرره والقضية مطروحة بإلحاح، مع اختلاف نسبي في درجة حدتها وتنوُّع أسبابها من بلد عربي إلى آخر ومن بلد إسلامي إلى آخر؛ وليس لنا إلا أن نواجه هذا الواقع بدلاً من التسويف ودفن الرؤوس في الرمال والركض إلى الأمام هروباً منها بأشكال مختلفة. فما نلمسه من تفكك وخوف وتراجع وضعف تأسس على تراجع في الوعي المعرفي والمستوى العلمي وهو يؤسس بدوره لمزيد من التراجع ومن ثم مزيد من التفكك والضعف والخوف في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تماسك الصف ولوعي وقوة يساعدان في دفع الموت والدمار والاستعمار الجديد ودعاة الاستعمار والمنظرين لـه الذين يستنبتون بين جلدنا ولحمنا وينسلون في خلايانا وينزرعون بين ظهرانينا برعاية قوى استعمارية وصهيونية عنصرية يحركها الحقد الأعمى والطمع وتستهدف عقولنا وهويتنا وديننا ووجودنا كله، مستخدمة قوة تدمير شامل تقوم على العلم لتحطيم إرادتنا وسد منافذ الخلاص والأمل أمامنا وتخريب قيمنا ومقومات صمودنا وكل ما يؤسس للقوة والوعي والبقاء الحيوي في حياتنا.
|