|
ـ العراق: بين ضفة النجاة وضفة المأساة
التحرك التركي لعقد قمة لدول مؤثرة في المنطقة منها: مصر وسورية والسعودية وإيران والأردن بهدف إيجاد حل سلمي للمسألة العراقية يجنب العراق ويلات الحرب والمنطقة أخطاراً جساماً ويبعد عنها شبح الاستعمار الأميركي الجديد وغطرسة العنصرية المتجددة، تحرك ينم عن وعي لأبعاد المسألة وحس بالمسؤولية وهما وعي وحس طيبان، وإن جاءا متأخرين نسبياً إلا أنهما محمودان ويستحقان الاهتمام والتقدير على أية حال انعقدت القمة أم لم تنعقد. وسواء أكان الدافع الكامن خلف ذلك التحرك حس الشراكة التاريخية والانتماء الحضاري وتداخل خيوط المصير، أم احتمالات الخسائر المتبادلة، وتشوش صورة العلاقات المستقبلية وما تنذر به من فوضى، والتأثير الكارثي للوجود العسكري الأميركي ـ الصهيوني ـ الغربي في هذه المنطقة الحساسة من وطن العرب والمسلمين، أم كان موقفاً أميركياً يتراءى من وراء الستار يدفع للسير في هذا الاتجاه لإيجاد بدائل ملائمة في حال تصاعد الرفض الشعبي الأميركي والغربي والدولي للحرب العدوانية على العراق مع عدم وجود أدلة على الاتهامات وتعاون العراق في تنفيذ القرار 1441، أم كان نتيجة قراءة مجتهدة تتطلع إليها تركيا بتعاونها مع الدول المعنية ـ ومعظمها جوار جغرافي مباشر للعراق وعربي من نسيج لحمه ودمه ـ لسد الذرائع الأميركية ـ الصهيونية وذرائع المعارضة العراقية التي باع قسم منها نفسه للشيطان، بإقناع الرئيس العراقي بالتخلي عن الحكم واختيار المنفى، أم اندفاع إسلامي إنساني لتلمس ما يمكن أن يخفف من حدة التوتر والكارثة المحتملة في المنطقة وإعطاء وقت أطول للتحرك السياسي باتجاه تغليب منطق غير منطق الحرب من أجل حل أزماتها.. فإنه في النهاية تحرك مقبول بدرجة كبيرة لتحقيق نتائج أفضل من أية نتائج تفضي إليها الحرب.
ويبقى السؤال الذي يواجه هذه الجهود هو: هل يقبل العراق والرئيس صدام حسين هذا المسعى، وهل يقنع الولايات المتحدة ذهابُ صدام حسين وهي تهدف إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير: النفط وتدمير قوة العراق المسلحة وإرادته السياسية وليس تدمير ما تسميه أسلحة الدمار الشامل "لديه" بل تحويل توجهه العام في العمق السياسي والتربوي ليكون دولة بلا جيش ذي تجنيد إجباري، وبلا مشروع قومي طموح، وبلا علاقة نضالية مع فلسطين وأهلها، وبلا عداء من أي نوع للكيان الصهيوني، وبلا أنياب ولا أظفار ولا أحلام، وبلا قدرات وطموحات علمية ـ تقنية وتطلعات قومية تقوده في يوم من الأيام إلى التفكير بامتلاك قوة من أي نوع وتسخير ثروته النفطية الضخمة لتعزيز قدراته العلمية والتقنية والقتالية والسير في درب عربي ما يبشر بالنهضة والوحدة والتحرير.. إلخ، أي باختصار: السيطرة على أمواله وسياساته وأفكاره وأجياله وتوجيه تلك السياسات والأموال والأفكار والقدرات البشرية باتجاه لا علاقة لـه بأدنى اهتمام مبدئي في المستوى القومي.. وإراحة الكيان الصهيوني كلياً وإلى مدى غير منظور من التفكير بخطر ما قد يأتي من العراق.؟!
قد يكون للتحرك التركي أهداف داخلية تتقاطع مع مصالح وأهداف أميركية و"إسرائيلية" فهذا لا يمكن استبعاده مع وجود التحالف التركي الإسرائيلي وكون تركيا أحد الأعضاء البارزين والهامين في حلف الناتو في هذه المواجهة التي سيدخلها الحلف حتماً، وقد يكون لتركيا مصالح وحسابات خاصة وتوجهات جديدة تحركها لا سيما بعد قيام عهد جديد مغاير للعهود السياسية السابقة فيها يريد أن يبرهن على قدرته السياسية ورؤيته الإسلامية والعمل باستقلالية نسبية ومواجهة الحسابات القادمة، فليس من مصلحة تركيا أن تقوم دولة أو مقاطعة حكم ذاتي كردية في شمال العراق وليس من مصلحتها أيضاً أن يتمزق العراق إلى دويلات تتصارع عند حدودها الشرقية وينعكس ذلك الصراع في تكوينها الاجتماعي والسياسي بأشكال مختلفة، كما أنه ليس من مصلحتها أن تتحول هي إلى قاعدة انطلاق وإسناد دائمين على المدى البعيد لقوة الاحتلال الأميركية والاستعمار الغربي الجديد في المنطقة التي لن يتوقف النفوذ والخطر الأجنبيان فيها عند حدود العراق ولن تتوقف أهداف القوى الاستعمارية والصهيونية العدوانية فيها عن النمو والتوسع في الاتجاهات والمستويات كلها؛ فالعهد التركي الجديد ـ حكومة غول وحزب أردوغان ـ ليس موالياً كلياً للتوجه الأميركي ـ الصهيوني ولا يريد في الوقت نفسه أن يضع نفسه بمواجهتهما أو القيام بمعاداتهما لأنه لا يملك أن يفعل ذلك ولا يريد أن يخسر المعركة السياسية في الداخل والخارج بالضربة القاضية التي تخرجه من الحلبة بعد أن بذل الكثير وتحمل الكثير حتى دخلها. ولذلك فهو يقوم بكل ما من شأنه أن يجنبه خسائر جسيمة ويمكِِّّنه من أن يمسك العصا من منتصفها ليلعب لعبة دقيقة في الأوقات الصعبة، ولكنها لعبة مغرية ومناسبة لهواه وتوجهه واختياراته المبدئية.
ولا بد ونحن نقارب التحرك التركي لنتعرف على أبعاده من أن نشير إلى أنه يبدو أنه تحرك لم يكسب الرضا الأميركي التام، لا سيما وأن كولن باول وصم العهد التركي الجديد بالخداع، فالأميركيين يريدون من تركيا تقديم كل التسهيلات العسكرية واللوجستية والأمنية التي تمكنهم من الدخول إلى شمال العراق ومنه إلى بغداد، وأن تشارك في هذه الحرب من دون اعتراض وتقبض من الولايات المتحدة الأميركي مليارات الدولارات تعويضاً عن الخسائر التي تلحق بها. وهي أموال ستسدد عملياً من عائدات نفط العراق المستهدف أميركياً عندما تتم السيطرة عليه كلياً. و تركيا هذه التي ترفض طلباً أميركياً أو لا تهيم به من أول مرة لا تعجب حليفها الكيان الصهيوني أيضاً عندما تتحرك تحركاً جاداً لتجنيب العراق تدميراً واحتلالاً أميركيين بذل الصهاينة من أجل تحققهما كل الجهود الممكنة.
وفي خط مواز نلاحظ أن مصر لا توافق تماماً على الدور التركي ولا ترفضه كلياً، وهي لا توافق عموماً على أي دور يجعل لها بدائل في المنطقة تلفت نظر الإدارة الأميركية إليها وتغريها بالاعتماد عليها ولذلك تعارض هذا التحرك بأسلوب لا يكشفها كلياً من جهة ولا يجعلها خارج حدود المعرفة والشراكة والتأثير في كل ما يتم في المنطقة من تحركات من جهة أخرى. وهي تريد بوضوح دوراً قيادياً عربياً خاصاً لا يزاحمها عليه أحد حتى لو لم يؤد إلى وقف العدوان على العراق.. لأن المهم أن يكون الحصان المصري في الساحة ويلفت النظر إليه. ولا يخلو تحركها الأخير نحو السعودية من رغبة في شد طرف عربي وإسلامي مؤثر هو السعودية إلى جانبها باسم قوة عربية تقدم حلاً عربياً لقضية عربية؟! وكم كان مثل هذا الأمر يغرينا ويبعث فينا الاعتزاز في الوقت ذاته لو أن مصر حققت شيئاً جدياً ومؤثراً وناجحاً في أية جبهة عربية ساخنة بمصداقية قومية خالصة بعد كامب ديفيد، لأن ذلك يحي في النفوس أملاً متجدداً بأن تقود مصر توجهاً قومياً مؤثراً يليق بتاريخها ومكانتها وموقعها العربي.. ولكن ذلك لم يحدث للأسف في الانتفاضة النازفة دماً، ولم يحدث في الحصار الذي أدمى الجماهيرية والسودان والمستمر على العراق، ولا في التهديد والحشد اللذين يتمان لتدمير ذلك البلد العربي مرة أخرى. وربما كان سبب عدم تحقيق مصر لذلك المطلب العربي كونها تريد دوراً عربياً تقبله الولايات المتحدة الأميركية ولا يغضب الكيان الصهيوني ولا يتعارض مع المعاهدات التي عقدتها مع "إسرائيل " ولا مع المصالح المادية المصرية أولاً وآخراً. وربما كان من الصعب التوفيق، بشكل عام، بين هذا التوجه وأي توجه مبدئي تتبناه دولة على أساس ثابت من التعلق بالحق والعدل وخدمة القيم والانتماء القومي والعقيدي.
وبجانب هذا الهامش في صفحة ما يسمونه: " الشرق الأوسط" تكتب طهران هوامشها المختلفة نوعاً ما عن كثير مما يكتب بهذا الشأن: فإيران تعادي الولايات المتحدة الأميركية التي تصنفها في ما تسميه محور الشر، وقد خاضت حرباً دامية مع العراق تبادلت فيها معه تدمير قواهما لسنوات ثمان مرت على العرب والمسلمين عجافاً طوالاً بائسات كئيبات مكلفات. وإيران لا تريد بقاء صدام حسين في الحكم بل لا تريد استمرار هذا النوع من الحكم في العراق، ولديها معارضة عراقية تريد العودة إلى العراق منتصرة ومعارضة إيرانية في العراق تريد أن تراها مهزومة، ولديها كم بشري من اللاجئين العراقيين مكلف تود التخلص من أعباء بقائه في أراضيها. وهي تخشى من حرب على العراق تكون نتائجها احتلال أميركي لـه وقيام حكومة أو حكومات عراقية موالية للولايات المتحدة الأميركية والصهيونية فيه لأن ذلك سيجعلها عرضة للضغط الأميركي المباشر ولتهديد جديد بتدبير ودفع أميركيين يعيد شبح سنوات الثمانينيات وحربها الضروس حيث كانت الولايات المتحدة الأميركية وراء تلك الحرب بشكل واضح.
وإيران مستهدفة أميركياً لأسباب أخرى تتصل بالمصلحتين الأميركيتين الأوليين الكبريين في المنطقة: النفط مؤمَّناً آمناً والكيان الصهيوني معترفاً به ومهيمناً، فالولايات المتحدة الأميركية تعمل وستعمل في هذا المجال ضد أي بلد عربي وإسلامي وضد إيران لأن إيران تناصر حزب الله والمقاومة الفلسطينية، ولأن إيران تريد تحرير القدس وعودتها مدينة إسلامية مقدسة تحت سيطرة الدولة الفلسطينية، وترى في الكيان الصهيوني "غدة سرطانية" لا بد من استئصالها من جسم المنطقة حتى تستريح المنطقة ويعمها السلام. وإيران تشارك سورية أهدافها في مناصرة المقاومة ودعم الانتفاضة وحزب الله وفي قضية تحرير الجولان من الاحتلال الصهيوني، وفضلاً عن ذلك إيران قوة تسعى لامتلاك أسلحة وتطوير أسلحة مما يقلق الكيان الصهيوني وتستهدفه الولايات المتحدة الأميركية، وهي إحدى دول محور الشر كما تسميه الولايات المتحدة الأميركية ودولة ترعى الإرهاب في لوائح وزارة الخارجية الأميركية شأنها في ذلك شأن سورية التي يطلب إليها هي الأخرى أن تلبي عدة طلبات أميركية غير مقبولة لديها وفي مقدمتها تجريد حزب الله من أسلحته وطرد فصائل المقاومة الفلسطينية من دمشق والتخلي عن دعم الانتفاضة وعدم التعامل مع العراق لا سيما في موضوع النفط، والقبول بالرؤية الأميركية لمستقبل المنطقة وبالحلول المقترحة لحل الصراع العربي الصهيوني، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالجولان المحتل، وبالكيان الصهيوني، وتوطين اللاجئين، وموضوع القدس، وبكل ما يتصل بذلك الصراع وكيفية حله من وجهة النظر الأميركية الصهيونية. وسورية لها خلافات قديمة مع العراق أخذت طريقها إلى الحل ولكنها في خلفية المشهد شأنها في ذلك شأن كل الدول في المنطقة ومنها العراق الذي لـه مثل هذه الخلافات مع كل الدول المشار إليها.
إن الدول المدعوة لعقد قمة في أنقرة ليست على وفاق تام فيما بينها لا في الرؤية للحل، ولا في الموقف من صدام حسين والنظام في بغداد، ولا في الموقف من قضية فلسطين ومن المقاومة الفلسطينية اللتين ينبغي ألا تستبعدا على الإطلاق من أية رؤية وأي تحليل وأي مسعى لإيجاد مخرج للموقف المتأزم في المنطقة، لأن العملية التي تعد للعراق هي في جانب منها مطلب صهيوني في إطار تصفية قضية فلسطين، وهي تستمر بدموية في فلسطين المحتلة بشكل بشع منذ سنوات، وهي أحد المداخل أو الشروط لمناخ يتم فيه حل لقضية فلسطين على حساب أهلها والدول العربية والإسلامية المعنية.
إذا ما عقد المؤتمر في أنقرة، وأتمنى أن يعقد، فإننا سنكون أمام دول لها مع العراق حسابات وله معها مثل تلك الحسابات، وأمام أطراف ذات دوافع وحسابات ومنطلقات مختلفة، بعضها تحركه أميركا باتجاهات متعددة لتفجير أي اتفاق حتى يبقى مدخل الحرب التدميرية قائماً، وهو المدخل الذي يُسعد الولايات المتحدة أن تدخله مع عدد من الشركاء القادرين على تحمل تكاليف الحرب والمساهمة فيها بأشكال محتلفة، وبعضها يريد أن يتخلص من شبح الحرب لأسباب جوهرية ومنطقية وقومية وإنسانية، وبعضها يريد أن يبعد عن المنطقة التدخل العسكري الأميركي بأي ثمن لأنه يدرك أن ذلك الوجود سوف يهددها لاحقاً. وهناك دول تفتح حصَّالة النقود وسجلات المصالح لتركض في هذا الاتجاه أو ذاك حسب الطلب، ولديها مسوغات جاهزة لتركب هذه الموجة أو تلك وهي تسير دوماً مع الريح التي تدفع مركبها الخاص إلى الأمام سواء أسار في بحر الحرب على موج من الدم والدموع أو في بحر من السلام على نشيد الهاتكفا أو الجاز الأميركي الصاخب.
ومن المتوقع في هذا الاجتماع الهام، إن هو عقد وقيض لأطرافه الاتفاق، أن يطلب من صدام حسين التنحي عن الحكم، إن هو وافق على ذلك.. ولكن قد لا ينظر أحد إلى حقيقة أن تنحي صدام حسين مهم على هذه اللائحة ولكنه ليس كل ما يطلبه الأميركيون أو حلفاؤهم الأقربون..لأنهم يطلبون رموز النظام والتوجه العام ذاته، وستتبع ذلك، إن حدث، تصفيات لأشخاص وأعضاء تنظيم لا بد من أن يدافع عن وجوده بشكل من الأشكال أو يبحث عن حمايات ومتاريس جديدة. فهل سنكون على عتبة تحول في نوعية الحاكمين ونوعية المحكومين والمهاجرين من العراق والعائدين إليه ليستبدل العراقيون يداً تجرِّع الكأس المرة بيد أخرى والفم واحد والساقي يكاد يكون واحداً؟!
إن الذين يتحركون لإيجاد مخرج للعراق من تهديد الحرب يستحقون التحية والتقدير، وعليهم أن يأخذوا بالاعتبار التهديد الذي ينتظر العراق من جميع الجوانب.. من الداخل والخارج، ومن نظام يمضي ونظام يجيء، ومن عدو متربص معلن وآخر تكمن العداوة والأطماع في دمه وسجلاته وينتظر الفرص الملائمة. وسواء أكان ما يدفع المتنادين إلى القمة أو المنادين بها دافع نظيف خالص لوجه السلام والحرص على البلد والناس في المنطقة أم دوافع خارجية كما توحي بعض التحليلات والآراء فإنها ترى في ذلك فرصة أعطتها أو أعطيت لها للتحرك.. فرصة تقول من بعدها: إنها قامت بما ينبغي وأنها لا تلام إذا ما تساهلت مع طلبات واشنطن أو وقفت تصرخ وتشجب وتلعن.. لا غير.
وكان الله في عون العراق الذي يقف بين حد النار وحد السيف، بين ضفة الحريق وضفة الغرق، وفي المجالين وعلى الجالين مأساة إنسانية كبيرة يدفع معظم ثمنها الأبرياء من أبنائه إن هي وقعت لا سمح الله. ونسأل الله أن يتجاوزها العراق ويتجاوزها أبناؤه بحكمة وشجاعة وحنكة وصبر ليصل ويصلوا إلى ضفة النجاة وإلى أمن وسلام يتطلع إليهما العراق ويستحقهما.
|