صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزاء الرابع) "انهيار رمز العظمة نذير بانهيار الطغيان" - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2003

ـ عام من الإعلان... بعد أحداث (11) سبتمبر

الإعلام والسياسة:‏

س 1 ـ تسعى الأوساط الأميركية لترويج فكرة مفادها أن الخط الإعلامي مستقل بخطابه عن التوجه السياسي. إلى أي مدى تقترب هذه الفكرة من الواقع؟‏

ج 1 ـ أتابع منذ ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر التصريحات والمؤتمرات الصحفية واللقاءات التي يعقدها كبار المسؤولين الأميركيين والناطقان باسم البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية، وأجد تكاملاً بين ما يطرح الرسميون ويتقصى عنه الصحفيون، وفي كثير من اللقاءات يذهب الصحفيون في أسئلتهم إلى المدى الاستفزازي لجعل الناطق الرسمي أو المسؤول يعلن عن مواقف أشد، ضمن نطاق الأهداف والاستراتيجيات والتوجهات السياسية التي تعلنها الإدارة أصلاً أو تسير فيها من دون تركيز كبير على الإعلان عنها. ولهذا أجد أن هامش الاستقلال الإعلامي محسوب ومدروس جيداً ولكنه مسيطر عليه سياسياً بشكل واضح. والتسريبات التي تتم بين حين وآخر حول تقارير وخطط تكون ـ من وجهة نظري ـ في اتجاهين:‏

ـ إما تسريبات مقصودة للقيام بسبر واستطلاع لردود الفعل على مواقف وخطط قيد الدرس، الدراسة أو، الدرس أو تسريبات تمليها الخلافات في وجهات النظر السياسية بين المعنيين في الإدارة ذاتها أو بين الحزبين الرئيسين: الجمهوري والديمقراطي. وقد فرضت الإدارة ما أسميه (رقابة إعلامية) أشد، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، على وسائل الإعلام، وما تنشره عن (أسامة بن لادن) وتنظيم القاعدة، لأنها رأت أن في ذلك شيئاً من الدعاية أو الخدمة لـه وإثارة قلق بعض مواطنيها. وقد امتدت يد الرقابة الأميركية إلى أجهزة إعلام أخرى غير أميركية منها (فضائية الجزيرة) حيث شاهدت الفيلم الذي عرض عن (أسامة بن لادن) وحذفت منه ما حذفت وخضعت محطة الجزيرة لذلك، وقدمت أميركياً مختصاً بالردود الإعلامية المناسبة هو السفير كريستوفر روس في تعليق بعد عرض الفيلم للمرة الأولى مباشرة.‏

وتبدو حرية الإعلام الأميركي واستقلاليته بشكل واضح ـ مستقل عن السلطة ـ حين تتحرك قوى سياسية أميركية لتلحق ببعض المسؤولين أو الجهات القابعة وراءهم أذى أو فضيحة في إطار الصراع على السلطة؛ ولكن مدى ما يسمى استقلالية الإعلام الأميركي تبدو في حجمها عندما نتقصى عن رأي أو موقف ينصف قضية تكون الولايات المتحدة أو حليفها الصهيوني طرفاً فيها، أو يصور وضعاً مثل وضع الفلسطينيين تحت الاحتلال وما يجري لهم من تصفيات وقصف وحصار وقتل وفتح لمعسكرات الاعتقال فلا نجد إلا النزر اليسير من التغطية غير المنصفة. ونجد الانحياز الكامل للكيان الصهيوني المتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية جاهزاً ودائماً، الأمر الذي يفضح ادعاء استقلال الخطاب الإعلامي الأميركي أو تعلقه بقيم منها البحث عن "الحقيقة" و"الحياد" وتقديم الواقع والحدث كما هما على الأرض.‏

وإذا دققنا في أمر آخر هو ملكية وسائل الإعلام وتمويلها نجد أن الحرية الصحفية بمعناها البعيد والعميق الدقيق مفقودة، لأن المالك الذي لا يخرج في إطار مصالحه عن استراتيجية السياسي في كثير من الأحيان، يتحكم بالصوت والصورة والخطاب، سلباً وإيجاباً، وحين يتضرر من سياسة أو إجراء ما يرفع صوته ليبتز ثم يعود إلى وضع التآلف والتحالف والعمل ضمن الهامش المحدد. وقد لمست من خلال بعض اللقاءات الصحفية والأسئلة والتقارير الإعلامية المتعلقة بالوطن العربي وفلسطين والعراق وتنظيمات المقاومة التي تصفها الدوائر الأميركية ـ الصهيونية بـ "الإرهاب"، وجدت عداء أشد ومواقف لا تنم عن أية استقلالية للخطاب الإعلامي عن الخطاب السياسي ـ الأيديولوجي ـ الاستعماري ـ العنصري للتحالف: الأميركي ـ الصهيوني.‏

النظرة الأميركية للعالم الإسلامي:‏

س 2 ـ يقول البعض إن نظرة الإعلام الأميركي للعالم الإسلامي لم تتغير بعد الأحداث بقدر ما كشفت وأصبحت أكثر تصريحاً ومباشرة. فما تعليقكم؟‏

ج2 ـ أقر هذا الرأي واتفق معه إلى حد بعيد، فكثيراً ما كان الخطاب الإعلامي صدى للخطاب السياسي والثقافي والديني، ولم تكن وجوه الخطاب الأميركي بعيدة عن العداء المبطَّن للإسلام في أي وقت، ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر جعلت ذلك العداء مكشوفاً وزادت فيه درجات من جهة، وجعلتنا نحن العرب والمسلمين نتنبه إلى درجة العداء المكثف في ذلك الخطاب، كما جعلتنا نتعامل معه، لأنها وجهته إلينا مباشرة.‏

ومن المفيد أن نتذكر أنه قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر بما يزيد على عقد من الزمن، أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة، ارتفع صوت مثقفين منهم (صموئيل هنتنغتون) وبعض الدارسين في معهد بروكنغز للدراسات الاستراتيجية، وارتفع أيضاً صوت سياسيين وأعضاء في مجلس النواب و" سيناتورات" في مجلس الشيوخ وإعلاميين بالقول: "إن الصواريخ الأميركية تم توجيهها، أو ينبغي أن توجه بعد الآن، إلى العالم الإسلامي بدلاً من المعسكر الاشتراكي". وهكذا فإن أميركا التي تبحث دائماً عن شيطان قررت أن تتوجه نحو "الإسلام".‏

وحين نبحث في التكوين العقائدي و(الإيديولوجي ـ السياسي) نجد أن الأميركيين النافذين، لاسيما من أتباع (اليهودية ـ المسيحية) أو بعض الكنائس الإنجيلية، الذين يؤمنون بعودة "المسيا = المسيح" يعتنقون النظرة الصهيونية بالكامل، ويعادون العروبة والإسلام معاً.‏

وفي خطاب أي رئيس أميركي نجد فكرة ورؤية عقائديتين تتكرران بصيغ مختلفة منها: أن التاريخ انتدب أميركا لدور في العالم كله، أن التاريخ ينادينا، وأن الرب كلف الأميركيين برسالة يستدعي تحقيقها السيطرة على العالم!؟ ويصب هذا في نوع من الادعاء بـ "الاختيار الإلهي"، أو "الشعب المختار". وأن هذه الرسالة ذات الأبعاد الدينية تجد أن من حقها، بل من واجبها، أن تجعل: الثقافة الأميركية والسلوك الأميركي والقيم الأميركية ونمط العيش أو "الحياة" الأميركي هو النمط السائد في العالم. وفي هذا إعلان عن غزو لثقافات الآخرين وهوياتهم القومية وعقائدهم الدينية.‏

وإذا أضفنا إلى ذلك مواقف العداء والاستنكار التي يواجه بها من يريد مجرد الإطلاع على مقتطفات من القرآن بقصد التعريف على الإسلام أو التعريف به، والحقد والاعتداء وتدمير الممتلكات التي تعرض لها المسلمون في الولايات المتحدة الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ وجدنا أن كل ذلك يعبر عن موقف سلبي مسبق بل عدائي، شديد العداء، من الإسلام، موقف متمكن من نفوس الكثيرين من الأميركيين البيض الذين يحملون نزوعاً صليبياً متأصلاً في نفوسهم وتربيتهم، ويتحينون الفرص لإطلاق شروره.‏

ولقد كانت عبارة الرئيس الأميركي (جورج W بوش) التي أطلقها بعد أحداث (11/سبتمبر): "أنه يخوض حرباً صليبية"، وفي ذلك تعبير عن المكنون الحقيقي في نفسه، ونفس سواه ممن يوافقونه الرأي. ولا قيمة لاستبدال العبارة من بعد ذلك بـ " حرب العدالة المطلقة"، ثم التحول إلى عبارة حرب "الحرية الدائمة"، فقد كان التحول عنها لأن العدالة المطلقة لله وحده ويصعب أن يحققها بشر على الأرض، أما "الحرية الدائمة" التي رسخت فقد أثبتت دلالاتُها، من خلال الممارسة، إنها الحرية المطلقة للولايات المتحدة الأميركية في العدوان على الآخرين، لاسيما المسلمين، بكل الوسائل وفي كل الأوقات تحقيقاً للخطط الاستراتيجية القديمة للولايات المتحدة، ومنها السيطرة على السياسات والمراكز الاقتصادية، وتجريد المسلمين من أي سلاح، وتصفية قضية فلسطين على حساب أهلها وأمتي العرب والإسلام، والتمركز في منابع النفط في المنطقة: العراق ـ السعودية ودول الخليج ـ بحر قزوين ومن ثم إيران للتحكم بضخ النفط وتسعيره وتصديره، وإبقاء ثروة العرب والمسلمين تحت السيطرة الأميركية وقيد الاستنزاف؛ ومن ثم بناء "عالم إسلامي" من منظور أميركي عبرت عن التوجه إلى نوعيته وقيمه ومفاهيمه محاولات التدخل الأميركي في خصوصيات بعض البلدان، ومنها السعودية، لتغيير المناهج التربوية و الخطاب الديني حتى في المساجد بذريعة أن ذلك يعلم الإرهاب وأن "مكافحة الإرهاب" تستدعي تغيير الأجيال على غير ما يربون عليه اليوم!؟! وهذا غريب وعجيب.‏

تعديل مسار الحملة الإعلامية:‏

س 3 ـ ما مغزى انتقال الحملات الإعلامية من التهجم على العرب والمسلمين بعامة، إلى الهجوم على دول وحكومات بعينها؟‏

ج3 ـ إن تعديل مسار الحملة الإعلامية الأميركية لمهاجمة دول محددة على رأسها المملكة العربية السعودية، ومذاهب إسلامية منها المذهب الوهابي، يعود إلى / ويرمي إلى:‏

1 ـ الاستجابة لرأي أميركيين وصهاينة يرون أن اتهام خمسة عشر شخصاً من أصل تسعة عشر شخصاً نسبت إليهم عمليات تفجير البرجين التوأمين في نيويورك، وجزء من مبنى وزارة الدفاع، وتحطم الطائرة الأميركية الرابعة في بنسلفانيا، جميعهم يحملون الجنسية السعودية، إضافة إلى أن المتهم الرئيس (بن لادن) من أصل سعودي، لا بد أن ينال دولتهم بشيء من الاتهام وتحميلها مسؤولية.‏

وبصرف النظر عن موضوعية المعطيات وجديتها وصدقيتها التي تجعل الأميركيين واثقين من أن تلك الأسماء من بين ركاب الطائرات الأربع، والركاب ماتوا جميعاً، هم الذين قاموا بتلك العمليات؛ فإن انتقال الخطاب الإعلامي الأميركي إلى التهجم على السعودية لا يحمل منطقاً ودلالات حقيقية ومع ذلك حصل، مثلما تم تدمير أفغانستان واستهداف تنظيم القاعدة وإطلاق الاتهامات كلها قبل الوقوف على أسباب ووقائع ووثائق حقيقية تثبت التهمة وتسوِّغ الفعل الكارثي والعدوان الهمجي حيث هاجمت أغنى وأقوى دولة في العالم أفقر دوله وأضعفها ودمرت بنيانها الهش تدميراً.‏

2 ـ محاولة ابتزاز أموال المملكة ومواقفها لتكون مع حملة الولايات المتحدة وفي خدمة أهدافها الرئيسة من دون تحفظ، لا سيما في هدفين وموقعين:‏

أ ـ تصفية قضية فلسطين وفق ما يراه الكيان الصهيوني من دون أدنى تدخل أو اعتراض، وممارسة الضغط على الفلسطينيين والعرب للقبول بما يعرضه شارون والسكوت عما يفعله، ومن ثم المساهمة في تمويل وتوطين الفلسطينيين الذين لن يسمح لهم بالعودة إلى فلسطين، حسب مطلب الكيان الصهيوني وموافقة الإدارة الأميركية، توطينهم في بلدان عربية وغير عربية.‏

ب ـ الموافقة على/وتقديم التسهيلات لضرب العراق وما يستتبع ذلك من مواقف وتبعات وتكاليف، وتقديم بعض التغطية المالية. أي الذهاب في اتجاه ما كان في حرب الخليج الثانية: تمويل حملة على العرب بأموال عربية، وتسهيل التمركز الأميركي في مواقع النفط والثروة بتغطية سياسية ومالية مستمرة: عربية، وسعودية على الخصوص.‏

3 ـ سد الطريق على خطوات قد تؤدي إلى تفاهم وتضامن عربيين يحولان دون تصفية قضية فلسطين وضرب العراق أو يحدان من الخطط الموضوعة لذلك. وهو ما بدا لهم في قمة بيروت، حيث تصافح المسؤولون السعوديون والكويتيون من جهة والمسؤولون العراقيون من جهة أخرى وعزز ذلك توجهاً نحو إمكانية قيام تضامن عربي، ومعنى هذه الخطوة توجه عربي للتضامن والتعاون من شأنه أن يقوي صف الأمة بوجه الكيان الصهيوني والأطماع الأميركية، وهو مرفوض أميركياً وصهيونياً لأنه:‏

* قد يضع حداً لابتزاز أموال السعودية ودول الخليج المستمر منذ عام 1990 على الخصوص. لأن "تهديد" العراق، و"فزّاعة" صدام حسين سوف ينتهي دورهما في الابتزاز، ومن ثم لن يعود هناك مبرر لبقاء القوات الأميركية في الخليج، ولا للاستنزاف المستمر للأموال والثروات والطاقات العربية، لدفع نفقات الوجود الأميركي العسكري في الخليج.‏

* كما أنه لن يعود هناك مبرر لاستمرار شراء السعودية ودول الخليج الأخرى أسلحة أميركية وتكديسها من دون حاجة لها، أو مع تقييد استخدامها لتحقيق الأهداف التي تحددها الدولة المعنية: " المشترية" بحرية تامة في إطار ما يخدم مصالحها واستراتيجيتها وسيادتها وانتماءها والقضايا الرئيسة التي تشغلها. والمقصود هنا بالدرجة الأولى حظر استخدامها في أي حرب ضد الكيان الصهيوني.‏

4 ـ دور المملكة العربية السعودية الإيجابي في أحداث (11/سبتمبر) الذي أدى إلى عدم تفاقم ردود الفعل الأميركي الهوجاء ضد بلدان عربية وإسلامية منها السعودية، ومحاولة إضفاء شيء من العقلانية والحنكة على التعامل مع الحدث الكبير، مما أدى إلى ضبط تفجر ردود فعله بعض الشيء. وقد شاركت مصر في ذلك نسبياً ونالها من الولايات المتحدة الأميركية شيء نسبي أيضاً بذريعة قضية سعد الدين إبراهيم. الأمر الذي فوت على الأميركيين المتشددين وأنصار الكيان الصهيوني بعض الفرص لتنفيذ مخططات قديمة، وتحميل المسؤولية في ذلك الفعل لدول منها السعودية، تمهيداً لأفعال منها الابتزاز والتهديد..إلخ.‏

5 ـ موقع السعودية بوصفها مركز "دار الإسلام" الذي توجَّه نحوه الاستهداف أو انطلق باتجاهه. وإضعاف موقع السعودية يعني ضرب موقع قومي عربي وموقع إسلامي مؤثر في الوقت ذاته. وحين يتم التوجه نحو الإسلام ومقوماته وقيمه لا بد من أن يبدأ ذلك بإضعاف أحد أهم مراكزه: السعودية. ولذلك بدأ التوجه بالطلب غير المباشر، والقيام بسبر من خلال الإعلام، لتغيير مناهج التربية والتعليم والتدخل في الخطاب الديني والثقافي بهدف التأثير سلبياً على مركز الثقل في "دار الإسلام".‏

6 ـ تجفيف الدعم المالي السعودي ودعم دول الخليج للانتفاضة والمقاومة الفلسطينيتين. لأن هدفاً من أهداف الولايات المتحدة الأميركية وحليفها الأول الكيان الصهيوني في خضم استثمار أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان: سحب صفة "الإرهاب" على المقاومة الفلسطينية والانتفاضة، ومن ثم تصفيتهما بكل الوسائل. ومن تلك الوسائل: الحصار الاقتصادي والتدمير والقتل المباشرين، وتخريب البيئة، وتجفيف منابع التمويل المالي.‏

وعلينا أن نتذكر أن المملكة العربية السعودية هي التي بادرت إلى تأسيس صندوقين أحدهما (صندوق الأقصى) والآخر (صندوق دعم الانتفاضة الفلسطينية)، ورتب ذلك حساباً عسيراً على المملكة حرضت عليه الصهيونية التي تهيمن على قرار الولايات المتحدة الأميركية من خلال الهيمنة على مجلسي الكونغرس، ونشاط "إيباك"، والوجود الصهيوني المؤثر في مواقع صنع القرار الأميركي الأخرى.‏

الإعلام الأميركي ونظرياته:‏

س 4 ـ على أي أساس تقوم النظريات التي توجه الإعلام الأميركي، وإلى أي مدى تلعب هذه النظريات دوراً في معالجته للقضايا، وهل تعتقدون أن تبني الإعلام لنظرية صراع الحضارات هو أحد الأسباب المؤدية إلى التوجه الحالي؟‏

ج4 ـ القضية أبعد من تبني مقولات الداعين إلى صدام الحضارات، إنها تكمن في التكوين التربوي والعقائدي للأميركيين الشماليين، وفي نظرتهم المتعالية لأنفسهم والمتغطرسة للآخرين، وفي سيطرة المصالح والمنافع المادية على القيم والتوجهات الأخرى، وفي التعصب والتمييز العنصريين اللذين نشأت عليهما الولايات المتحدة الأميركية التي قامت على إبادة "الهنود الحمر" ـ ما يقرب من خمسين مليون ـ وعلى استعباد "الأفارقة"، وفي نظريات استغلال الآخرين وممارسة القوة ضدهم، والنظر إليهم من أعلى بحكم ما تدعوه النخبة: "تكليف من الرب" لأولئك الذين كانوا لصوصاً وقطاع طرق ومحكومين مبعدين من بريطانيا خصوصاً ومن أوروبا عموماً، وقاموا هناك بتأسيس دولة على أساس: إطلاق القوة والجريمة والعنصرية الدموية والإرهاب.‏

ولم يتوقف هذا المد عند حد بل ازداد عنفاً بازدياد القوة وامتلاك العلم والتقانة والتطوير بالاعتماد عليهما، والسيطرة على الثروة ومصادر الطاقة، وزادته الحربان العالميتان الأولى والثانية غروراً وشراسة، ثم برز دوره في الحرب الباردة التي توسعت في المجالات كلها، ولاسيما المجال الثقافي والإعلامي، وخاضت معاركها من تلك المواقع، وحققت انتصاراً كاسحاً على الخصم: الاتحاد السوفييتي الأمر الذي جعلها تستفرد بدول العالم.‏

إن الرؤية الإعلامية والأداء الإعلامي، انعكاس للرؤية العقائدية والأيديولوجية ولبنية السياسي والاقتصادي وتعبير عنهما. وانتقال الولايات المتحدة إلى الإعلان عن صراع الحضارات بدلاً من حوارها لا يعني وجود جديد طارىء في التفكير أصالة وإنما وجود اختيار لأسلوب العمل وغطاء وكيفية تحريض للوصول إلى الأهداف.‏

إن مقولات الذين ينطلقون من أن الولايات المتحدة "القوة المستبدة"، "حكومة كل العالم" لا يمكن أن تصل إلى أهدافها الثقافية والمادية البعيدة عن طريق الحوار واحترام المؤسسات الدولية والقانون الدولي، وجعل العولمة أكثر حسماً ووحشية في حدود أدواتها وجرَّافاتها: البنك الدولي ـ صندوق النقد الدولي ـ منظمة التجارة العالمية ـ الأسواق المفتوحة ـ إضعاف سيادات الدول واختراق ثقافات الشعوب، وتنصيب الحكومات والرؤساء وتغيير أولئك... لأن كل تلك التوجهات، بتقدير دعاة (صدام الحضارات)، لن تؤدي إلى انتصار روحي ديني ثقافي تام على الشعوب والثقافات. فقد يدافع الجائعون والمحرومون والمحكومون عن هوياتهم وعقائدهم وثقافاتهم وبطونهم خاوية.. قد يموتون ولا ينحنون أو يصبحون تبعاً.‏

ولذلك لا بد من استخدام القوة والتغيير الجذري من خلال القوة بشمول المعنى الذي للقوة. وهم يرون أن هذه الظروف هي الأفضل لأن قوة الولايات المتحدة وحلفائها في الذروة وسيطرتها على مقومات القوة وقوة الآخرين هي كذلك، وهي تمتلك العلم والتقنيات والثروة والسيطرة على الفضاء والمعلومات والإعلام... الخ. وهناك ضعف وتخلخل باديان في الآخرين، ولذلك لا بد من اغتنام الفرص والظروف المؤاتية والعمل وفق المقولة التي رددتها مادلين أولبرايت وهي ممثل أميركا في مجلس الأمن، قبل أن تصبح وزيرة خارجية، إذ قالت: "ما فائدة أكبر جيش في العالم إذا لم يستخدم"؟!...واستخدامه هنا يكون للوصول إلى معظم، إن لم يكن كل، الأهداف الأميركية وتحقيق المصالح العليا لتلك الدولة ولحلفائها، وبسط هيمنتها على الآخرين.‏

وربما من أجل هذا وفي إطاره عملت الولايات المتحدة الأميركية وتعمل على توسيع حلف شمال الأطلسي، وتعديل ميثاقه بما يناسبها، وتفعيل المادة الخامسة من ذلك الميثاق ليكون العدوان عليها عدواناً على دول الحلف كلها، والعمل تحت هذا الستار، والسيطرة التامة على شؤون الحلف لكي تعمل من خلاله وتحت غطائه عند اللزوم، ولتجعله رديفاً وشريكاً ليس في استخدام القوة وفرضها فقط وإنما في نشر ثقافتها وعقيدتها اللتين ترى أنهما مشتركان بين أطراف الحلف، بعد تعديل الميثاق في الذكرى الخمسين لتأسيسه وإدخال إمكانية التدخل في مناطق معينة "لأسباب ثقافية"؟!.‏

وفي حربها على أفغانستان، باسم مكافحة الإرهاب، شاركتها 16 دولة من أصل 19 دولة عضو في الحلف بأشكال مختلفة في تلك الحرب.‏

هذه العقيدة وهذه الرؤية، وتلك الأهداف والاستراتيجيات ليست مجرد ملفات وخطط البيت الأبيض ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية في الولايات المتحدة وإنما هي اللغة المشتركة والرؤية والهدف والأيديولوجيا لغربيين كثيرين ومنهم أصحاب الشركات والاحتكارات ورؤوس الأموال والنافذين ثقافياً وسياسياً، ومنهم أيضاً أصحاب الخطاب الديني و الخطاب الصهيوني الكامن في (المسيحية ـ اليهودية) وأتباعها، ومنهم توني بلير البريطاني وبرلوسكوني الإيطالي الذي انبرى ليتهم العرب والمسلمين بأنهم لا يمتلكون حضارة؟! ولذلك فهو خطاب يعبر عنه الإعلام وتعبر عنه صناعة السينما وتعبر عنه نظريات ثقافية وكتب وربما كان آخرها كتاب صادر هناك عام 2002 بعنوان: "هل يحكم النسر؟" لمؤلفه روبيرت جاي ليبر. وهو عني النسر الأميركي الذي يتطلع إلى أن يحكم العالم بالمعنى الشامل والتام والعميق للكلمة.‏

تحريف المصطلح خطره وأهدافه:‏

س 5 ـ على حين غرة أصبح (الإرهاب) أشهر المفردات الإعلامية العالمية، وأكثرها إثارة للجدل. فما الحدود الجديدة لهذا المصطلح، وبقلم من رسمت، وهل هناك أهداف غير معلنة وراء تمويه هذه الحدود؟‏

ج 5 ـ الخوض في هذا الموضوع يستدعي تطويلاً وذهاباً في التاريخ إلى نشأة مصطلح "الإرهاب"، التي كانت مع روبسبير في الثورة الفرنسية، ثم تطور مفهوم ذلك المصطلح وتدرَّج، فاستخدمه الشيوعيون ضد القيصرية والبرجوازية، والرأسماليون ضد الشيوعيين وسواهم، واستخدمه "الغستابو" ضد من يلاحقهم، واستخدمه الصهاينة لتأسيس "دولة" في فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني وإبادته روحياً ومادياً، واستخدمه الفرنسيون ضد الثورة الجزائرية... ثم استخدمته أنظمة عربية ضد معارضين لها، لاسيما من عارضها من تيار الإسلام السياسي.‏

واليوم هناك لوائح الخارجية الأميركية لدول ومنظمات وشخصيات وأحزاب تتهم بالإرهاب، وقد توسعت هذه القوائم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/2001/.‏

ومن الواضح أن الإرهاب المدان يختلف عن المقاومة المشروعة للعدوان والاحتلال ومن أجل الدفاع عن النفس. والإرهاب مجسماً هو ما يمارسه الكيان الصهيوني المحتل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. ورعاية الإرهاب مجسدة هي رعاية الولايات المتحدة الأميركية لإرهاب الدولة الصهيونية وتقديم المال والسلاح والتغطية السياسية والدبلوماسية والإعلامية للاستيطان والاحتلال وهما أعتى أنواع الإرهاب، وممارستهما أكثر وحشية من النازية.‏

أما المقاومة فأنموذجها في الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية وفي المقاومة الوطنية والإسلامية في جنوب لبنان، وتاريخها هو تاريخ نضال الشعوب ضد الاستعمار والقوة الغاشمة من أجل الحرية والبقاء والاستقلال؛ لأنها دفاع عن الحق والأرض والنفس والحرية أقرته الشرائع السماوية والقوانين الدولية وأعراف الشعوب وتقاليدها.‏

أما موضوع تحريف المصطلح ليحصر في المسلمين والإسلام أو ليتركز فيهما فقد عملت عليه جهات أميركية وصهيونية، ومهدت الطريق لها في بعض الحالات جهات عربية، حيث اتهم كل معارض إسلامي بـ"الإرهاب"، كما قام بعض الأفراد من المسلمين بأعمال غير مشروعة ضد مسلمين وسواهم. وتم توظيف ذلك ضمن أهداف حملة الولايات المتحدة باسم "مكافحة الإرهاب" لتحقيق أهداف أكبر وأقدم وأوسع من أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وكان للصهاينة دور رئيس في التركيز على جعل هذا المصطلح يرتبط بالعرب والإسلام، وفي استثمار أحداث سبتمبر للقضاء على المقاومة الفلسطينية واللبنانية ومن يدعمهما تحت ذريعة أنهما تمارسان الإرهاب، كما كان لهم دور في جعل تصرف أي فرد مسلم ينسحب على عقيدته في حين أن تصرف آخرين يتبعون ديانات أخرى وقوميات شتى يرتبط، إذا ذكر، بأشخاصهم، ومنهم مسيحيون ويهود وسيخ وبوذيون.. إلخ.‏

وعملية الخلط بين المقاومة والإرهاب وتمييع حدود المصطلح، والوقوف في وجه الدعوات العربية لعقد مؤتمر يضع تعريفاً للإرهاب ويحدد مفهومه تمهيداً لمواجهته بشكل عام، عملية الخلط والتثبيط كانت وراءها الولايات المتحدة الأميركية التي وقفت في وجه هذه الدعوة حتى لا تدخل مقاومة الاحتلال الصهيوني تحت إطار المشروعية الدولية والقانونية وينسحب مصطلح الإرهاب على تلك المقاومة ومن يدعم تحرير الأرض و المقدسات من الصهاينة من جهة وحتى لا يتعرى الإرهاب الصهيوني وممارساته في الأرض المحتلة.‏

وكانت قضية تحديد المصطلح قد طرحت على الأمم المتحدة منذ عام 1964 وشكلت لذلك بعض اللجان ووضعت تقارير حول الموضوع، ولكن الهيئة الدولية لم تصل إلى قرارات. وتم التأكيد على أهمية ذلك وضرورته في دورات للجمعية العامة ولم يلق ذلك أذناً صاغية ولا التفاتاً، وفي عام‏

(1985 ـ 1986) دعت سورية لعقد مؤتمر دولي في إطار الأمم المتحدة لتعريف "الإرهاب" والتمييز بينه وبين المقاومة المشروعة، ولم تستجب الهيئة الدولية لذلك بضغط من الولايات المتحدة الأميركية،‏

وما زال الأمر على هذه الحال.‏

والمصلحة الأميركية ـ الإسرائيلية المشتركة هي التي تخلط الأوراق، وتحرف المصطلح، وتقدم المقاومة المشروعة إرهاباً، والإرهاب الصهيوني دفاعاً عن النفس... ومواقف الرئيس جورج بوش الابن كلها تؤيد هذا التوجه وتدعمه، فهو الذي يقول عن المجرم أرئيل شارون، الذي يمارس الإرهاب والإجرام يومياً، إنه رجل سلام، وأنه يدافع عن "مدنييه"، وهم محتلون قتلة؟! بينما لا يرى في الشعب الفلسطيني شعباً يدافع عن نفسه وأطفاله وأرضه ضد الاحتلال، ويقدمه بوصفه إرهابياً ويدين مقاومته التي تقدم على أنها إرهاب!؟.‏

إن الإعلام والسياسة والقوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية الأميركية كل ذلك يغطي ذلك الخلط وينشره ويسوِّغه.؟!.‏

بيان المثقفين:‏

س 6 ـ (نعترف أن أمتنا في بعض الأحيان قد تصرفت باستكبار وجهل تجاه مجتمعات أخرى وفي بعض الأحيان مارست سياسات مضللة وغير عادلة، ونحن كأمة فشلنا في أحيان أكثر مما ينبغي في التعايش مع قيمنا). هذا جزء من بيان للمثقفين الأميركيين حاولوا فيه فهم أسباب استهداف بلادهم للهجمات، غير أن الإعلام الأميركي تجاهل تماماً هذا الرأي الذي وقعت عليه ستون شخصية علمية وثقافية كبرى. ما تعليقكم على هذا التجاهل؟‏

ج6 ـ إنه "تجاهل" لنصف الحقيقة و استثمار لحقيقة ونصف كانت وراء بيان المثقفين الأميركيين المشار إليه، الذي كان من بين الموقعين عليه هنتنغتون صاحب نظرية صدام الحضارات. وأنا أرى أن العبارات الإيجابية، أو الموضوعية في ذلك البيان جاءت لتلطف من تأييد أولئك المثقفين المطلق لحملة إدارة بوش على أفغانستان وسواها، ولتأييد مبدأ بوش القاضي بالمبادرة إلى ضرب الآخرين بحجة وقف إرهاب أو عدوان محتمل أو امتلاك سلاح ذي قوة تدميرية شاملة وذلك بضربات استباقية، قد تكون ماحقة؟!.‏

وقد وردت في البيان المشار إليه فقرتان على الأقل تذهبان إلى المدى الأقصى في تأييد العدوان الأميركي القائم والمستمر على أفغانستان وهو على مشارف مرحلة الحسم الأولى/ صدر البيان في 28/شباط ـ فبراير 2002/، فيما (أذكر) أي بعد أحداث سبتمبر بأشهر. وينطوي ضمنياً على تسويغ لكل خطوة في توسيع دائرة العدوان تقوم بها الإدارات الأميركية في العالم تحت اسم مكافحة الإرهاب؟! وجاء في البيان عبارات موجهة للعرب والمسلمين لتوضح أن أولئك المثقفين لا يعادون الإسلام. ولكن النتيجة العملية هي تأييدهم "لحوار" الصواريخ والمدافع والطائرات مع من يعارض الولايات المتحدة أو لا يقف معها أو لا يحبها: "من ليس معنا فهو ضدنا"، حسب خطاب بوش الذي يناصره المثقفون المشار إليهم.‏

أما تجاهل الإعلام الأميركي لبعض الإيجابيات في البيان فجزء من سياسة التحريف والتعتيم المتبعة في ذلك الإعلام، ولكن الخطاب ينطوي على تأييد لمنطق القوة ولمبدأ بوش الخطير الذي ورد في خطابه عن حال الاتحاد في 29 يناير 2002، ومحاولات تخدير للذين يتلقون الضربات، وتقديم موقف يتقنَّع بموضوعية وببعض الاعترافات البائسة، بينما يناصر أصحابه العدوان والقتل والتدمير والتدخل الأميركي العسكري وغير العسكري في شؤون الآخرين!؟‏

دور الإعلام والمناهج:‏

س 7 ـ في خضم الأزمة التي سببتها الأحداث خرج من يقول بأن الإعلام ومناهج التعليم الإسلامية ساهمت في الترويج لأفكار مغلوطة عن الغرب بقدر لا يقل عما مارسته نظيراتها الغربية بحق الشرق، ولذلك فإن المسؤولية مشتركة ولا يمكن تحميلها لطرف دون آخر. فما نصيب هذه النظرية من الحقيقة في ضوء تفاوت موازين الإمكانات بين العالمين؟‏

ج7 ـ هذا خلط ينطوي على تجاهل من جهة وجهل من جهة أخرى، وفيه قدر غير قليل من استثمار وضع العرب والمسلمين "المتأزم" أو المأزوم بعد أحداث 11 سبتمبر لكي يقبلوا مثل تلك الحجج والآراء، ويقبلوا عليها. فحقيقة الأمر أن العرب و المسلمين يعرفون عن المسيح وموسى عليهما السلام وعن المسيحية واليهودية، أكثر بكثير مما يعرفه الغربيون عن الإسلام.‏

والمسلمون يؤمنون بالرسل و الكتب السماوية كافة، ويجلون موسى وعيسى، ويرفعون المسيح ومريم العذراء درجات فوق مكانتهما عند أتباعهما وفوق إيمان أولئك الأتباع. وربما أراد العارفون من الأميركيين أن يبقى موقف الإسلام والمسلمين من موسى وعيسى ومريم العذراء والكتب السماوية غير معروف أو مشوه ومشوش.‏

وكثير من مناهج التربية والتعليم العربية تدرس شيئاً وربما أشياء عن جغرافية أوروبا وأميركا وسواهما من البلدان، وعن التاريخ والعلاقات والصلات بين الشعوب والحضارات وعن الثروات الطبيعية والمحاصيل والصناعات في مختلف البلدان. ولا يوجد في المناهج التعليمية الغربية والأميركية عن الإسلام وعن النبي محمد ( شيء يذكر، هذا إذا لم يزج التشويه والافتراء في تلك المناهج زجاً. وحتى في الموسوعات الأوروبية وفي نظرة رجال الدين المسيحيين للإسلام ونبيه حيف وإجحاف ومواقف سلبية للغاية، فهم لم يصححوا نظرتهم للرسول ( بوصفه نبياً ويقدمونه مصلحاً اجتماعياً، وبعضهم يطلق على القرآن الكريم "كتاب محمد" لكي يبتعد ويبعده عن حقيقة كونه كلام الله أوحي إلى النبي محمد (.‏

وإذا كانت الحروب الصليبية قد قامت على جهل من الغرب بالإسلام وببلاد الإسلام، وطمع بثروات الشرق، وتعصب عدواني مقيت؛ والاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين قام على أساس عداء وجهل وطمع أيضاً وتفعيل لمبدأ القوة في إطار رؤية صليبية مستجدة لا جديد فيها، لخصها الجنرال الفرنسي الذي دخل دمشق حيث وقف عند قبر صلاح الدين الأيوبي بدمشق عام 1920 ليقول له: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، وهي الكلمة ذاتها تقريباً التي قالها الجنرال اللنبي في القدس وفي الوقت ذاته تقريباً. فإن كل ذلك يعني أن كثيرين من الغربيين يعيشون رسيساً من الحقد العقائدي الديني يمليه الجهل والطمع والتجاهل وغطرسة القوة وأسطورة الشعب المختار!؟.‏

ونحن العرب والمسلمين نعرف عن المسيحية واليهودية أكثر مما يعرفون عن الإسلام بما لا يقاس، وإنهم في مسار تكشّف حقائق مواقفهم وعمق كرههم يعارضون تقديم شيء من المعرفة الصحيحة عن الإسلام والقرآن وعن أتباع الدين الإسلامي كبشر. حتى في بعض الجامعات الأميركية في حلقة دراسية هامشية خارج حدود البرامج الجامعية المقررة؟! وقد حدث ذلك في الأسبوع الأخير من آب ـ أغسطس 2002 في جامعة كارولينا الشمالية ـ فرع تشابل هيل في الولايات المتحدة الأميركية...‏

تداخلات الإعلام الأميركي: إلى أين؟‏

س 8 ـ ما تعليقكم على (الاقتراحات) التي أثارها الإعلام الأمريكي وشكلت تدخلاً في خصوصيات بعض الدول وتعديا على ثوابتها الفكرية، وبديهياتها الجغرافية؟.‏

ج8 ـ هذا توجه سياسي ـ عقائدي ـ عسكري يعبر عنه الإعلام ويمهد لـه ويستطلع في مجالاته. وهم يوظفون الإعلام توظيفاً استخباراتياً في كثير من الحالات، ويدخلون من مداخله لجس النبض وسبر الحالات والاستعدادات وردود الفعل على خطط وبرامج استعمارية. وينبغي أن نقف ضد هذا بكثير من الوعي والجدية والعلم والصلابة والموضوعية والتماسك الاجتماعي. وعلينا أن نعرف جيداً من نحن ومن نكون بالنسبة للآخرين: عقيدة ومعرفة وتاريخاً وحضارة وجغرافية طبيعية وبشرية خلال العصور، وأن نعرف جيداً ونعي من نحن اليوم في مواقع الضعف وكيف نتجاوزها، وما الذي يراد لنا ويراد منا لكي نواجهه باقتدار خطوته الأولى المعرفة والوعي والانتماء والإيمان.‏

إن امتلاك وعي معرفي ومعرفة حقيقية بهويتنا وثقافتنا وبتعاليم الإسلام وقيمه أساس جوهري هام من أسس مواجهة الاختراق الثقافي ـ الإعلامي ومن أسس مقاومة العدوان بأشكاله. والمعرفة تجعلنا ندرك لماذا يختبر الأميركيون ردود الفعل على مشاريع يفكرون بها مثل تقسيم العراق وتقسيم السعودية، وفصل المنطقة الشرقية منها على الخصوص عن بقية أجزاء المملكة، وإعادة الكلام حول نجد والحجاز والمنطقة الشرقية في إطار منظور التقسيم للإضعاف والتدمير ابتداء من الجغرافيا السياسية وانتهاء بتخريب القيم وقيم الدين مروراً بتخريب المجتمع وعلاقات الناس السليمة فيه.‏

وعلينا أن نقرن المعرفة العلمية والوعي الحضاري، بامتلاك القوة وتوظيف الإمكانيات لامتلاك تلك القوة على أرضية متينة من العلم والعمل به والإيمان والعمل به. كما أن امتلاكنا لإعلام متمكن من أدواته وخطابه ومعطيات العصر ومتطلباته أساس في تلك المواجهة على الصعد الحضارية وصعد المواجهة الساخنة بأشكالها، والرد باقتدار على الحملات الإعلامية المدمرة لقيم وحقائق وعلاقات.‏

ويبقى أن أشير إلى حقيقة أن قوة الخطاب لا تغني عن الحاجة للقوة بمعناها الشامل لكي تكسب خطابنا قوة ومصداقية من جهة وتردع خطاب القوة الذي قد ينطوي على الجهل والتعالي والطمع من جهة أخرى، ولا يملك المنطق ولكنه يسجل حضوراً على الأرض بفعل العدوان والقوة مما يخلق وقائع لا تلبث أن تمتلك قوة الحقائق.‏

تيارات الإعلام الأميركي، وتعاملنا معها:‏

س 9 ـ هل يجوز أن نصنف الإعلام الأميركي ضمن تيار واحد فيما يتعلق بنظرته لقضايانا؟ أليست هناك استثناءات تنبغي مراعاتها عند تعاملنا مع هذا الإعلام؟‏

ج9 ـ نعم هناك تيارات متعددة في الإعلام الأميركي، وهناك إعلام مسيطر وآخر في الظل، وهناك إعلام موجه للخارج وآخر يغطي بعض الحاجات الاستهلاكية الداخلية، وهناك إعلام تنتجه جاليات عربية وإسلامية لـه بعض الحضور على ضعفه ونوعية قرائه، وقد يكون مفيداً لنا على المدى المنظور. ومن الضروري والهام والموضوعي أيضاً أن نتعامل مع هذه التيارات بهوامش اختلافها، ولا نضعها جميعاً في سلة واحدة.‏

ولكن علينا ألا ننخدع بمعظم الإعلام الأميركي، لا سيما المسيطَر عليه صهيونياً أو المملوك للصهاينة ولأتباع المسيحية ـ اليهودية، فذاك إعلام يعمل لخدمة ثوابت عقائدية استعلائية استعمارية وحتى عنصرية محددة، واستراتيجيات وخطط؛ وينظر نظرة عداء مغلفة بورق "سوليفان" إعلامي لكي يتمكن من التغلغل ودس السم في الدسم.‏

الرد المناسب:‏

س 10 ـ هل تعتقدون أن القيام بحملة للرد على الحملة الغربية ضد الإسلام يكفي لإعادة الصورة إلى إطارها الصحيح، أم أن الأمر يتطلب سلسلة طويلة من الخطوات على أكثر من صعيد؟‏

ج10 ـ أعتقد أن الأمر يتطلب سلسلة طويلة ومتنوعة ومتكاملة من الخطوات، بعضها يتصل بنا نحن العرب والمسلمين، وبعضها يتصل بخطابنا وأسلوب ذلك الخطاب الموجه للداخل أو للخارج ومضامينه وما ينبغي ليكون خطاباً عصرياً مقنعاً؛ وبعضها يتصل بالجانب المعرفي والإيماني والقومي الذي تصدر عنه.‏

ولكن هذا لا يعني أن نهمل التعامل مع الحملات الإعلامية الغربية المستمرة ونتجاهل مقولاتها وسمومها وانتشارها وتأثيرها. والرأي عندي أن نخطط ونبرمج ونضع الآليات والإمكانيات ونعمل للسير في المسارين، وسيؤدي كل منهما لإغناء الآخر وإنضاجه وكشف ثغرات واحتياجات، وإلى تطويره وربما اكتماله بعون الله.‏

حجم الضجة:‏

س 11 ـ أحياناً كثيرة تكون الضجة الإعلامية المثارة حول الحدث أكبر من الحدث نفسه، فإلى أي مدى طبق الإعلام الأميركي هذه المقولة على أحداث سبتمبر؟‏

ج11 ـ لقد طبقها بشكل ناجح ومثير، بل مذهل. إن حدث 11 سبتمبر لـه خصوصية من حيث أسلوب تنفيذه ونتائجه ووقعه على الأميركيين وتأثيره الأشد عليهم، وربما جاء ذلك من كونه أصاب الولايات المتحدة في أحد المقاتل وفي عقر دارها وهي في نشوة تفردها وانفرادها بالعالم؛ الأمر الذي لم تعتد عليه ولم تتوقعه: وهو أن تضرب في الداخل ومن الداخل!! لقد تعرضت في بيرل هاربر إلى خسائر وكارثة ولكنها كانت موجهة ضد قوة عسكرية لها على بعد آلاف الكيلو مترات من المركز، أما حدث 11 سبتمبر فقد كان في داخل البيت، ونال من رمز العظمة، ورآه الأميركيون وأثر فيهم تأثيراً قوياً، ولذلك كان الهياج أكبر وأكثر، والاستثمار للحدث إعلامياً وسياسياً واستراتيجياً جاء استثماراً غير مسبوق.‏

وقد انتشر الاهتمام بالحدث والنتائج والمواكبة ليشمل العالم، وأصبح هناك قول في الإعلام انتقل إلى السياسة وإلى مفاصل أخرى في العلاقات الدولية والمصالح المتبادلة، حيث يذهب كثيرون من المتأثرين بالحدث والمواكبين للتغييرات الكبيرة والكثيرة في الولايات المتحدة الأميركية ولتعاملها في الداخل والخارج، يذهبون إلى القول: بعالم ما قبل 11 سبتمبر، وعالم ما بعد 11 سبتمبر.‏

وأرى أن هناك انفلاتاً متوحشاً للأمريكي والصهيوني يمثل ذلك التغيير ويستدعيه ويريده طاغياً، كما يريد لـه أن يشمل العالم ويضعه تحت ذلك التأثير، ويبقى مدوياً فيه لزمن.. إلى أن تكتمل حملة السيطرة والنيل ممن لا ترضى عنهم الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية ولا يخضعون لهما.‏

ومن هذه الزاوية أعتقد أن الحدث أعطي أكثر مما يقدر لمثيله أن يحدث في أي بلد من بلدان العالم، ولكن مع الولايات المتحدة، القطب الوحيد اليوم، فقد كان سبباً كافياً وباعثاً ملائماً لوضع كل خططها الاستعمارية والتسلطية موضع التنفيذ، ولإنجاز بسط السيطرة وتكريس الهيمنة وتصفية الحسابات، وتحقيق أهداف تاريخية.. من دون احترام للمنظمات والقوانين الدولية، أو للعلاقات والأصول والقواعد والثقافات وحقوق الشعوب وسيادات الدول. واستطاع الإعلام الأميركي والغربي أن يشغل العالم كله بأحداث 11 سبتمبر وبنتائج تلك الأحداث وبمتابعتها، وهاهو عالمنا كله يلهث اليوم، ولاسيما وسائل إعلامه، لتغطي الذكرى السنوية للحدث. ومن ذاك الإعلام هذا المنبر الذي يستفتينا اليوم حول ذلك الحدث. وهذا دليل على نجاح الإعلام الأميركي في زجنا ضمن دائرة حدث يهمه بالدرجة الأولى جعله يهم العالم كله، وإجبارنا على أن نلهث وراء ما يقول وما يريد من دون إتاحة الفرصة لنفكر ذاتياً، ونضع جدول أعمال يومنا وبرامجنا الداخلية في معظم المجالات الحيوية التي لا نكاد نوليها اهتماماً لأننا تحت وقع سياط الفعل والتهديد والعدوان والجلد المستمر حتى من ذاتنا لذاتنا.‏

فالله سبحانه المستعان.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |