صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

سورية والتهديد المتجدّد

تتعرض سورية لأشكال من التهديد الصهيوني والأميركي على ألسنة رؤساء ووزراء ورؤساء أركان جيوش معادية معروفة بخروجها على الشرعية الدولية، ويتجدد التهديد كلما استمر تمسك سورية بحقوقها وثوابتها وسيادتها من جهة، وكلما أراد العدو تصدير أزماته وتوسيع دائرة عدوانه والاستفادة من الأوضاع العربية والدولية لتساعده على تنفيذ مخططاته ومتابعة مشروعه الإمبريالي الاستيطاني العنصري في المنطقة العربية من جهة أخرى.‏

ويُراد لنا في سورية أن نطأطئ رؤوسنا وننكفئ على أنفسنا ونلعق جراحنا، وأن نلغي أحلامنا وتطلعاتنا وصلاتنا العربية القريبة والبعيدة والبعد القومي لقضية فلسطين، والدور العربي والإقليمي الذي يمكن أن يكون لنا، وأن نتخلى عن المسؤولية والرؤية والأحلام.. مجرد الأحلام.. على المستوى القومي، وأن ندفن التفكير القومي والتنظيم القومي وكل ماله صلة بالعروبة.. أما القول إن شيئاً سليماً من الإسلام نأخذ به أو ندعى إليه قيماً وسلوكاً وعدالة اجتماعية.. فهو كفر في نظر بعض الداخل والخارج وعلينا ألا نقربه بعد أن ابتعدنا وفصلنا الدم عنه. كما يراد لنا.. أو يتوجب علينا في نظر بعضهم أن نأخذ من الجولان ما يسمح العدو بإعطائه لنا منه، أو نأخذ الجولان كله بشرط أن نتخلى عن أي علاقة بقضية فلسطين وعن كل وقائعها ومسؤولياتها وتبعاتها وننسى القدس وبلاد الشام، ونحشر أو ننحصر في البعد الذي يحدده العدو لنا.. أي أن نتلهى بمصائبنا التي يسببها لنا ونأخذ ما يصيبنا من نصيبنا ونكتفي بدمشقنا، ونقبل بتبعية مطلقة أو شبه مطلقة للمشروع الصهيوني ـ الأميركي وسياساته في المنطقة، ونسلم قيادنا لمن يختاره هو لهذا النوع من القيادة التي تفرض التبعية علينا وتجذرها فينا وتلغي هويتنا وتمحو معالمها! وإذا لم يجد العدو بين ظهرانينا من يعلن ولاء صريحاً ومطلقاً لـه ويقوم بذلك الدور الذي يرسمه، فلا بأس في أن يستمر في تغذية الخلافات وبرمجة الأزمات والاستفزاز وضخ الافتراء والتهديد، والبحث عن صغار يعملقهم.. ليكون هناك ضعف اجتماعي واقتصادي فتاك يشكل العنصر الأشد تأثيراً في إضعاف الداخل وتدمير البنى والنفوس من أجل تسهيل مهمة المخطط الخارجي؟! وقد "رزقنا" الله أصنافاً من الأشخاص ممن لا يرون أبعد من أنوفهم ويعتقدون في الوقت ذاته بأنهم: زرقاء اليمامة، ومدى البصيرة، وقمة الفكر القومي والتقدمي والتحرري والإنساني الشامل "...".. إلخ، وحين تخبُر شيئاً مما تنتجه عقولهم وتفح به نفوسهم تجد نفسك أمام أوكار لأمراض اجتماعية وعقائدية وأيديولوجية وطائفية ضيقة، وأمام فوضوية منقرضة من مخلفات ثورة 1905 في روسيا ما تزال في قواقعها، وأمام متعهدين لمصالح استعمارية يلوكون " الليبرالية" وهم أبعد ما يكونون عن التحرر وقبول الآخر الشريك، أو أمام عناكب جهل تخال أنها مفاليق العلم التي تحل مغاليق الأمور.. وتريد أن تقودك إلى الهاوية وهي تتهمك بكل ما يخطر على البال أو لا يخطر ببال أحد من التهم؟! وأظن أن هذا أشد ضرراً بنا من عدونا في كثير من الحالات، وهو ما يفيد منه العدو ويوظفه في معظم الحالات.‏

لم تكن دمشق في يوم من الأيام دارة مغلقة على ذاتها، كما لم تكن مجردة من الهوية والدور والمنزلة، ودمشق لم تكن لأهلها فقط بل كانت للعرب جميعاً. وأظن أن معظم الناس في سورية لا يرضيهم أن يكون لسوري دور مغلق على الذات يقول: " سورية أولاً"، على الرغم من أن هذا يوفر لنا الكثير مما قد لا يتخيله البعض. ونحن في سورية لا نريد لقضية فلسطين بُعداً فلسطينياً صرفاً يضعفها أكثر مما يقويها، وقراراً فلسطينياً محاصراً وعاجزاً عن فعل شيء سوى القبول بما يمليه العدو الصهيوني وحليفه الأميركي في غياب بعده القومي وسنده الإسلامي والإنساني.. نحن نريد أن نرى الشام في موقعها العربي وقضية فلسطين في بعدها القومي، إلى أن يقيِّض الله للعرب "تضامناً" في حدوده الدنيا، ولا نقول اتحاداً ووحدة تجابه الأخطار وتتصدى لشمرخة بعض الأقطار، ونرى أن قضية فلسطين قضية أمة، وسوف تبقى مصدراً للقلق والصراع إلى أجيال.. ولهذا ينبغي أن تترسخ في الوجدان العربي والذاكرة وفي التربية والتعليم والتفكير والتدبير وألا تغيب من المناهج والإعلام والثقافة والسياسة، وأن نعزز بعدها القومي ومسؤوليتها.. ونرى إلى الأمور في ضوء ذلك تستمر على نحو صحيح.. فبسبب من البعد القومي لقضية فلسطين والمسؤولية القومية عنها كان هناك احتلال الجولان واحتلال الضفة الغربية واحتلال لبنان واحتلال سيناء، وكانت هناك مشاحنات وحروب ودماء واستنزاف، وسيبقى هناك صراع هو نوع من صراع الوجود.. لأننا ببساطة لا يمكن أن نلغي الشعب الفلسطيني من وجداننا وتاريخنا، ولا يمكن أن يتنكر هو أو نتنكر نحن لحقه في العودة إلى وطنه، ذلك الحق الذي دونه خرط القتاد، ولا يمكننا أن نلغي حق ذلك الشعب في سيادته التامة على أرضه ومصيره، فالسيادة المنقوصة سيادة زائفة ووجود شكلي.‏

والذين خاضوا غمار حرب بعد حرب، ومقاومة بعد مقاومة، وذاقوا طعم المجد والقهر والمرارة، وقدموا دمهم ومستقبل أجيالهم ودمرت بيوتهم وحقولهم وسلبت أرضهم، ليكون هناك تحرير وانتصار وكرامة، فقد حملوا الهم الوطني والقومي وعتَّقوه سنين، وتعرضوا، من جراء ذلك، لأنواع العذاب والبؤس والمعاناة، وما زال بعضهم في السجون والمعتقلات الصهيونية أو " الوطنية" منذ سنين، وبعضهم في المنافي.. فهؤلاء لا يستطيعون نسيان أرضهم وبيوتهم ومقدساتهم وتضحياتهم والتخلي عن مبدئيتهم وأهدافهم، والاكتفاء من كل ما حملوه طوال حياتهم بالتراجع البائس المذل. وهذا وضع سؤالاً أو يضع سؤالاً لا بد من مواجهته على الصعد والمستويات كافة ونحن نقف على أبواب مراحل تغيير وتهديد بالتدخل المباشر في شؤوننا الداخلية، السيادية منها وغير السيادية، من أجل التغيير، وأمام استحقاقات تحملها موجات إثر موجات من التحريك والتحرك السياسي والإعلامي والثقافي والاجتماعي، داخلياً وعربياً ودولياً، ويدفعها عدونا الصهيوني وحليفه الأميركي في كثير من الأحيان إلى الغرق في مداه العدواني الكريه واستفزازه المهين.. وكل ذلك مما تحمله الأحداث والذكريات وتعيده إلينا يومياً، فتذكرنا بالماضي الاستعماري القريب والبعيد وبأدواته وصنائعه وذرائعه وأساليب تدخله وفتكه بالمعنوي والمادي بكل ما يخصنا، وكل ذلك تؤثر حركته فينا وعلينا، شئنا ذلك أم أبيناه، كما تؤثر في نهج التفكير والتدبير الذي ينبغي أن نختاره أو يكون.‏

ومن يستعيد شريط الأحداث والأيام التي أدت إلى حروب ومقاومة وانتفاضة..إلخ، وتلك التي رافقتها أو تلتها ونتجت عنها، يعرف جيداً أن الذين اتخذوا قرارها واشتعلوا بنارها إنما اتخذوا قرار تحرير وخطوة تقربنا من الحرية والتحرير، ولم يكن أحد منهم يقول للآخر غير ذلك في الظاهر المعلن على الأقل ولا نحكم على السرائر.‏

لقد كان قرار المواجهة، كما فهمه وعمل لـه المناضلون والمقاتلون على حد سواء، قرار تحرير للأرض والإنسان واستعادة للسيادة والكرامة، وليس قرار تحريك لقضية تأتي نتائجه السلبية على كل ما حققته الحرب وما كان يمكن أن تحققه إرادة الإنسان؟! ولم يكن أولئك الذين خاضوا الصراع وما زالوا يخوضونه بأشكال مختلفة أو يرفضون التخلي عن ضرورته، ما زالوا مستعدين لقبول النتائج التي آلت إليها الأمور بعد ذلك، ولا يبدو أنهم على استعداد لقبول ما يراد لهم أن يقبلوه اليوم من توجهات ونتائج يرمي إلى تحقيقها العدوان الأميركي الصهيوني الممنهج على الأرض والعقل والإرادة.. الذي ينشر ظله الأسود هذه الأيام فوق وطننا العربي، ويلفع قضايانا وأهدافنا وأحلامنا الواحد بعد الآخر بذرائع ممجوجة، ويسقط خنادقنا، ويفرق صفوفنا، ويزرع اليأس في نفوسنا حتى من إمكانية أن تعود إلينا نفوسنا ذاتها وأحلامنا المشروعة.‏

ومن يستعيد شريط الأحداث والأيام، ويقوم بقراءة واعية واستقراء موضوعي لما جرى، يدرك جيداً أن التنازل عن الأرض والحق والثوابت والأهداف القومية والدور العربي أو الإقليمي، أمور غير واردة، مهما كانت النتائج والتضحيات، لأنها تأتي على ما تبقى لنا من وجودنا. وعلى العرب جميعاً أن يدافعوا عما تبقى لهم من ذلك الوجود.‏

إن سورية بمساحتها التي تربو على 185 ألف كم2 فقط، وبسكانها الذين يناهز عددهم ثمانية عشر مليوناً، تشكل طرفاً رئيساً في أيّ معادلة سياسية، عربية أو دولية، في هذه المنطقة من العالم، ويصعب على سياسي جاد أن يقفز فوق دورها وحضورها، أو أن يتجاوزها، في أي موضوع يراد لـه أن يولد سليماً وينمو ويستمر ويؤدي إلى استقرار.‏

وهي اليوم آخر ما تبقى من الصمود العربي بوجه العدو الصهيوني الذي يشكل مشروعه المشروع النقيض لأي مشروع عربي بناء في المنطقة، سواء أكان ذلك في الحرب أم في السلم. وينبغي ألا تتنازل سورية عن دورها القومي ولا عن المشروع الذي يحلم به العرب، ولا عن دورها المؤثر في كل ما يتصل بحاضر المنطقة ومستقبلها، وهو الأمر الذي ينبغي أن يتم التوقف عنده طويلاً في التحليل والتقدير والتدبير، عند التفكير بالتغيير وإعادة قولبة الفكر والتنظيم والأنظمة والتوجهات والتربية، في إطار التغيير والتطوير المطلوبين.‏

ومن يعتقد بأن على سورية أن تعنى بشؤونها فقط على نمط سياسي عربي شاع ويشاع: " سورية أولاً" و.. ينبغي أن يدرك أن سياسة " أنا أولاً " لن تبقي على أحد منا ، لأنها ستجعلنا بالنتيجة نتسابق كالفَرَاش على الاحتراق في نار يشعلها لنا الأعداء. ومن يرى أن على سورية أن تتوقف عند موضوع الجولان وتعطي ظهرها لفلسطين ولبنان والعراق وكل ما يتعلق بالفكر القومي والهم القومي والحلم القومي.. يؤسس لخسارة كبرى على الصعيد الوطني والقومي، ولوهم كبير يوحي بـ "الازدهار" ويجلب الإفلاس والدمار. ذلك لأن "الازدهار" حين يزحف علينا: سلعاً متنوعة تغري بالاستهلاك وتلغي ما يجب أن نقيم من إنتاج، وفرصاً تتاح لأفراد على حساب المجموع، ولقطر على حساب الأمة، ولمعدة على حساب الروح.. سوف يجعلنا نزحف على ركبنا وأيدينا نطلب الرحمة بعد حين.. هذا إذا بقي لدينا وعي بذاتنا وشعور بمن نحن.. أما إذا جعلنا ذلك الزحف نفقد هذا الشعور، فسوف يكون قد وصل منا الغاية القصوى و"أراحنا" من الشعور:‏

من يهن يسهل الهوان عليه * * * * * ما لجرح بميت إيلام‏

ومن يريد لسورية هذا الدور فإنما يدعوها لأن تعيش وهماً ويعيش هو وهما أيضاً، ولا يقدر تقديراً كافياً ولائقاً دور سورية القومي وموقعها التاريخي والسياسي والوجداني في ضمير الأمة العربية وذاكرتها التاريخية، ولا ما ينبغي أن تكون عليه ولا تأثير ذلك مستقبلاً على الصعد والقضايا جميعهاً.‏

فإذا لم تحم سورية مشروعها ومكانتها ودورها في المنطقة فوجودها ذاته وليس حضورها فقط، مهدد، والمشروع النهضوي العربي مهدد في الصميم لأنها في صلبه، بله ما يتصل بقضية فلسطين والوقوف بوجه الهيمنة الصهيونية المتنامية، والمشاريع الإمبريالية التوسعية الزاحفة بأقنعة عدة.‏

وقد علمتنا تجاربنا واستقراءات التاريخ أنه من هذا البلد وفيه وبمشاركة أساسية منه، تنطلق المقاومة والنهضة والدعوة لبناء المشاريع العربية الكبيرة وأحيانا لإحباطها عندما يوظف دوره توظيفاً سلبياً، وعلى السوريين والعرب أن يدافعوا عن هذا الأمل الحلم.. والحلم الأمل وينموه.‏

دمشق في 23/1/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |