|
شباب المقاومة
إلى شباب الروح العربية حسن نصر الله، وشباب المقاومة: مبارك عيد الأمة، ومبارك نصر المقاومة الذي صنعتموه عيداً للأمة، وتهنئة للأسرى المحررين بالحرية، ونداء من أجل تحرير آلاف الأسرى والمعتقلين في سجون العدو الصهيوني في فلسطين.. علينا ألا ننسى أشقاءنا الذين ضحوا من أجلنا، ودخل بعضهم المعتقل شاباً وخرج منه كهلاً أو شيخاً.".
الشباب مستقبل الأمة ورصيدها والأساس المتين الذي يقوم عليه كل بناء تبنيه وهو الذي يحقق التطلع الذي تبتغيه، فيه يتعين نوع حضورها بين الأمم ونوع أدائها على طريق التقدم، وعلى قدرات الشباب وطاقاته المادية والروحية يتوقف الأداء بإبداع في كل مجال من مجالات الحياة والعمل والعلم، ولاسيما مجال المقاومة ومواجهة تحديات العصر والأمم.
وإذا كانت أمتنا تعاني في وضعها الراهن من مشكلات صعبة وأزمات حادة واحتلال وتهديد مباشرين، وتعيش أوضاعاً فيها من البؤس والتردي الكثير الكثير، فإن انعكاس ذلك يكون شديداً على الشباب وتزداد وطأته شدة على مستقبلهم وعلى سبل خروجهم من أزماتهم وإخراج الأمة من أزماتها؛ إذ كيف يكون وضع أمة، إذا كانت مشكلاتها في شبابها، وكيف تتحدد معالم المستقبل لها ولهم إذا كان الضياع أو الإحباط يسيطران على النفوس والسياسات والرؤى والممارسات والتطلعات والاهتمامات والآمال التي لها ولهم، وتجعلهم يغرقون في الراكد من الأحلام والأوضاع الآسنة ؟!
شبابنا الذي يتردى في الكثير من المهلكات، ويجعلنا نعيش حالة من الأرق بسبب همته واهتماماته، هو الذي أفرز نوعاً من الشباب يشعل نفسه ليضيء الطريق، ويبعث في الأمة الأمل بتضحيته النوعية من أجلها، وأعني به جيل الاستشهاديين والأسرى والمعتقلين في سجون العدو المحتل والمقاومين المؤمنين بحقهم وبنصر الله لهم، من الذين يتصدون للعدو باللحم والدم المتمسكين بروح الإيمان.. وأولئك هم الذين وفروا ببطولاتهم وتضحياتهم وإيمانهم أسباب الصمود الرائع لشعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، وهم الذين ردوا قبل أيام على مجزرة العدو الصهيوني في بيت الدرج بغزة، بعملية مشرفة في القدس قرب مقر الإرهابي شارون.. وهم الذين شكلوا قوام المقاومة والانتفاضة اللتين دفعتا الكثير ولكنهما أبقتا في الأمة أملاً.
وهم.. هم الشباب جنود حزب الله الذي حقق تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الصهيوني في أيار 2000 وحمى المدنيين هناك من العدوان اليومي الذي كان يشنه الإرهابيون الصهاينة عليهم، وهم الذين جعلوا للخط الأزرق معنى في جنوب لبنان إذا اقتحمه العدو دفع الثمن، وهم قوة المجاهد حسن نصر الله التي حققت لمن تعنيهم الكرامة الوطنية عيداً وطنياً بالإفراج عن 439 معتقلاً عربياً:" من اللبنانيين والفلسطينيين على الخصوص" و59 جثة شهيد لبناني، يضاف إلى عيد الأضحى المبارك وأعياد الوطن.
فلولا التضحيات الجسام التي تحملها ويتحملها هذا الفريق من الشباب لما تحقق شيء مما يرفع الرأس ويبني الأمل، ويؤسس للتحرير والكرامة في بعض أرض العرب اليوم، ولكان صوت نعيب الغربان الداعية إلى التسليم المطلق بعجز الأمة أمام العدو، والداعي إلى الاستلام وترسيخ الدونية والهزيمة قد طغى نهائياً على كل صوت.
قبل أسابيع قليلة كانت أم فلسطينية شابة (هي ريم الرياشي) تقدم للفتيات والشبان مثلاً وأنموذجاً لما يمكن أن يكون عليه الشباب من التضحية ليتحرر الوطن، وليرتدع العدو عن قتل الأطفال وتدمير المباني، وفي يوم الخميس 29/1/2003 كان شرطي فلسطيني شاب يرد على مجزرة المجرم شارون الأخيرة في حي الزيتون ـ بيت الدرج من غزة هاشم - بعملية نوعية في القدس.. ولم تكن تلك الشعل، من التضحية والفداء، سوى غراس النور المتنامية والمتكاثرة على طريق التحرير والصمود والمقاومة، يغرسها الشباب من أبناء الأمة العربية على طريق صحوتها ونهضتها. وحين يخرج أسرى ومعتقلون اليوم من سجون النازية الجديدة في فلسطين المحتلة، رغماً عن العدو المتغطرس، يسجلون هم والمقاومون والقيادات النظيفة انتصاراً للمقاومة ونهجها، وتأكيداً لهمة الشباب الذين دخل عميدهم سمير القنطار إلى السجن شاباً وقضى فيه ثمانية وعشرين عجافاً، ولم يهن ولم يستسلم ولم تلن عريكته للعدو.. ومثله رفاقه، ومن يتجدد شبابهم في المقاومة من أمثال مصطفي الديراني وعبد الكريم عبيد.. وتأكيداً لهمة الشباب والقيادات شابة الروح، التي كانت وراء هذا الانتصار الذي لا ينتقص منه إلا الصغار.
إن المقاومة شرف الأمة وسبيل المحافظة على حقوقها وردع المعتدين عليها والطامعين بها، والشباب هو الذي يصنع هذا الشرف بالتضحية والجهاد والجهد والاستشهاد. والشباب هو قوام قوة وشرفها حين يرتفع إلى مستوى القضية والوعي والتضحية والجهاد والاستشهاد.. والذين يرفعون راية الصمود بشرف هم الذين يرفضون الذل والاستكانة ويدفعون ثمن اختيارهم دماً وتضحيات، أما الذين يفقدون شرفهم ويفقِدون الأمة قيمتها وتوازنها وحقوقها ففيهم أكداس من اللحم الرخو نساء ورجالاً تخلوا عن شرف المقاومة، وأخذ كثيرون منهم يسوغون الاستسلام ويدعون إلى الهزيمة ويبهرجون الذل والتبعية والاحتلال والاستعمار.. ومن أولئك كثرة متكاثرة من الشباب الذين فقدوا همة الشباب، وغرقوا مع رجال ونساء يتقدمون عليهم في السن وربما في الوعي، غرقوا في السهل من الهمم والسطحي من الاهتمامات، وفي الكثير من أشكال فاسد العيش والعمل والتطلع والأمل.
إن نظرة متأنية نلقيها على التربية الاجتماعية والرسمية، في البيت والمدرسة والجامعة والشارع، وعلى نوع والمعرفة التي يتم التعلق بها، وعلى مناهج التعليم المتاحة، وأساليب التدريس، ومدى استفادة الشباب منها من جهة، وعلى قيم الشباب واهتماماتهم وتطلعاتهم التي يصنعها أو يشارك في صنعها على الأرجح: إعلام وافد وآخر راكد أو راقد في التبعية والتخلف من جهة أخرى، تجعلنا في حالة من القلق والأرق، وتضاعف همومنا الناشئة عن تردي الحاضر الذي يلقي ظلالاً قاتمة على المستقبل، مما يصنعه شباب تخلوا عن همة الشباب واهتماماته القومية والوطنية العالية.
فالشباب يحمل الهوية ويجدد الهمة وينمي الأصالة بالتواصل مع التراث، ويكاد ذلك كله يصبح موضع تساؤل جدي في بعض الأوساط من حيث الجدوى، ولا يخوض الشباب معترك هذا التساؤل على أرضية المعرفة الواعية بما لديه والتمسك بمن هو، وامتلاك القدرة على إصدار حكم واختيار قائمين على معيار سليم بعد معرفة واقتدار، وإنما ينطلق في أكثر الحالات من اتهام جاهز يروّج لـه بأشكال مختلفة على أرضية مقولة تزعم أن الحداثة الضرورية لدخول العصر وللتقدم تتنافى مع الأصالة والتراث ومقومات الهوية ومنها اللغة والعقيدة والتقاليد، وأنها تستدعي قطيعة من نوع ما، وتجدداً يبدأ بالتنكر للذات.
وكأن التحديث والاحتفاء بالعلم والعمل به، يتنافى مع الجنس العربي واللغة العربية بما حملت، ومع الإيمان وما يوجبه ويوحي به، ومع الأخلاق والأعراف الاجتماعية والسلوك المحكوم بقيم العروبة والإسلام!!
والكثير من شبابنا، اليوم ينصرف عن جهاد النفس، والعلم المحض، والعمل المجهد، وتحمل مسؤولية القضايا الكبرى والتضحية على طريقها إلى المتعة السهلة والاهتمام السطحي والاستغراق في "نِعَم" مجتمع استهلاكي مستورد وقيمه ومواصفاته وما يرفعه ذلك المجتمع من معايير، وهو في ذلك يعيش التباساً يزيد درجة الإحباط وضعف الرؤية وسطحية الاهتمام.
ذلك أنه إذا كانت الحياة لا تعاش إلا مرة واحدة فقط، وعلى الشخص ألا يضيع فرص عمره وحظوظه من النجاح والسعادة، فإن ذلك بالذات يقتضي التدقيق في نوع الفرص ومعاني النجاح والسعادة وكل ما ينبغي أن يقتنصه الأسوياء ويسعون إليه، وإن تلك السعادة ينبغي ألا تتنافى مع المكانة المرموقة للفرد والمجتمع والأمة بين الناس، ولا مع الكرامة الشخصية التي لا تنفصل عن كرامة الأمة والوطن، ولا عن الحرية المسؤولة التي تجعل الحر الحق هو الذي يحرره الوعي المعرفي وامتلاك القوة بشمول معناها، وهو ذاك الذي يتخلص من عبودية الجسد والشهوة وسوء الخلق، ليكون حراً بالمعرفة وبالعبودية لله وحده وليس لعبيده.. وهو الذي لا يقبل وطناً محتلاً أو يرتع فيه المفسدون وينخره الفساد، ويرفض أن يعش حالة من العمَه والعته تجعله يرى في الإمبريالية الأميركية وحليفها الصهيوني قوة محررة، أو تصنع التحرير باحتلال أرض الآخرين وإرادتهم وجعلها تحت وصاية من يحتاج إلى ترشيد وتحرير من البغضاء والكراهية والجهل.
وأناس في أمة لا يملكون أن يحرروا اقتصادهم وقرارهم وسيادتهم وعقولهم، لا يحققون الحرية بمجرد استهلاك إنتاج الأقوياء المستغلين وتقليدهم في أشكال الملبس والمأكل والسلوك، واستقدامهم بشكل مباشر أو غير مباشر لإنتاج الحرية والديموقراطية والنهضة في ظل الاحتلال، وفقدان الأمن والإرادة والاستقرار، ولا يكون ذلك بالسير في طريق الانتحار المعنوي والمادي على المدى البعيد بالعيش في وهم امتلاك منتَج القوة بالقوة الشرائية، ومجد "التحرير" بالاحتلال، واتباع سلوك يؤدي إلى الانحلال في إطار وهم ممارسة الحرية والتحرر من كل قيد وعرف وتقليد وقيمة؟!.
وشبابنا الذي ورث خيباتنا وإحباطنا، وحصد الزؤان الذي بذره جيل أو أجيال سابقة منها جيلنا، يغرَق ويغرِق ما تبقى لـه، ولنا من أمل إذا اعتقد أن خلاصه يكمن في الخروج على ما تبقى من التزامات يرتبها الانتماء لواقع الأمة القاسي، الذي ينتج ما يعاني منه الجميع من إحباط وضعف، وفي التحلل من كل تبعات القضايا وإرث الماضي، والانطلاق من رؤية محدودة منقوصة تصور لـه أن كل ما دعا إليه الذين لم يحققوا انتصاراً عربياً تاماً، وتقدماً علمياً شاملاً، ويقظة معرفية منقذة يجب التخلص منه وهجره وتدميره، ليكون هناك من بعد تقدم، وتكون حياة بلا أزمات خانقة وبلا منغصات عيش.. ويكون هناك ازدهار.. وصولاً إلى دخول عصر المتقدمين الأقوياء.. والانتماء إليهم بالتبعية والتقليد الأعمى، والتنازل عن كل ما يطلبون التنازل عنه من الحق والأرض والكرامة إلى الهوية والعقيدة ومنظومات القيم! فالمعارك التي لم تحسم والصراع المستمر، ومعترك التحرير والتحرر والتقدم العلمي والاجتماعي، التي خاضتها أجيال سابقة ولم تصل إلى نصر ونجاح تامين، وخلفت كل هذا الرصيد من الألم المر والأمل المهيض الجناح؛ خاضتها تلك الأجيال في ظل ظروف صعبة جداً من الفقر والتخلف والأمية والاستعمار المباشر، وفقدان القدرة واختلال التوازن الذي يعود لأسباب ومعطيات بعيدة الغور في التاريخ.
والنظر المنصف يستطيع أن يرى كم حققت الأجيال من تقدم، بعد بذل الجهد ومتابعة الجهاد إذا وقف على حجم التآمر والتواطؤ من جهة، وعلى حجم الإنجازات ومداها من جهة أخرى، مع مراعاة تزايد السكان، وازدياد حجم التآمر أو التواطؤ، وحجم الهم الذي راكمته أحكام أقرب إلى الطغيانية، رعتها جهات استعمارية لأغراض وأهداف واضحة، في ظل معطى علم حقق القوة، وقوة تمكنت بالعلم وفرضت حقائقها، فهيأ ذلك لأصحابها تقدماً حسب متوالية هندسية، في حين نتقدم -إن تقدمنا - حسب متوالية عددية.
وشبابنا الذي يقع في كل دقيقة من دقائق يومه تحت تأثير الضخ الإعلامي المعادي أو التابع بشكل لـه، والمتأثر بمقولاته بشكل ما، ذاك الذي يشوهنا ويشهّر بنا، ويشهِر في وجهنا اليوم أعتى سلاح يوجه ضد الثقافة والهوية والثقة بالنفس وبالمستقبل.. بالماضي والحاضر، يحتاج في معركة استعادة الثقة والانتماء، إلى إعلام يوازن الكفة ويرد على مقولات الترويج لمشروع العدو، والتخريب الذي يستهدف العقل والروح، ويحتاج إلى ثقافة تصل باقتدار إلى مواقع الحوار، والصراع عن طريق وسائل الإعلام، ليدخل معترك المنافسة باقتدار تام، من حيث شكل الأداء ومضمونه ومستواه.. من حيث فنيته وتشويقه وموضوعاته والتقنيات التي تحمله وتوصله بعد أن توفر لـه مستوى مميزاً من الإبداع والأداء والإنتاج، كما يحتاج إلى نوع المعرفة التي يقدمها، والقيم التي يرفعها والمعايير التي يطبقها، والعلاقات الحضارية التي يدعو إليها .
إن مستقبل الأمة رهن بما يحققه شبابها من وعي وثقة، وما يكتسبه على أرضية ذلك من علم ومعرفة بالذات والآخر، ليكون راغباً في خوض صراع، وقادراً على الفوز فيه، أو مالكاً لمعطى الأمل من أجل الفوز فيه. فكيف يتسنى لـه ذلك من دون اقتناع تام بتحويل جهده من المتعة السهلة والاستمتاع الهابط بما يقدمه مجتمع الاستهلاك ومغريات الغريزة والشهوة واللذة المادية العابرة إلى جهاد النفس وإجهادها، في ميدان اكتساب العلم والمعرفة، وتحويل العلم إلى تقانة عالية في الإنجاز والإنتاج، وامتلاك القوة على أرضية العلم والإيمان والعمل بهما، والتضحية من أجل الحق والحرية والتحرير، والمكانة المحترمة بين الناس، ليضمن حضوراً فاعلاً في ميادين التقدم جميعاً يكفل لـه الخروج من وضع التخلف والتردي إلى وضع منقذ، يزيد من خصوبة الروح ويعزز قدراتها على تذوق المتعة، وتتسع معه دائرة الأمل بتحقق كل ما يجعل الإنسان حراً وكريماً وعزيزاً ومنغرساً في تربة وطنه وتربة ثقافته، وقادراً على تحقيق حضور متألق بين الأمم، وتقديم البديل الذي من شأنه أن يجعله فذاً في الاستمتاع بموقع مميز وهوية متمايزة في مجتمع تتوازن حاجاته المادية والمعنوية فيتوازن هو فيه روحاً وجسداً، وينعكس ذلك متعة فذة هي الأخرى لدى الفرد الذي يأكل مما ينتج، ويحمي ما يبني، ويصون ما يعتقد، ويجد للذة الجسد وقعاً في الروح وللذة الروح استجابة من الجسد.
إن شبابنا مدعو للتأمل فيما يلقى عليه من أسئلة وتبعات، مثل ما نحن مدعوون إلى التفكير بما ينقذه مما يعاني منه، ليكون لنا قوة وليكون لنا المستقبل المشرق. وذلك لا يُنال إلا على جسر من التعب، ينذر الشباب نفسه لـه ليحقق لـه ولأمته ما يريد وما تريد.
تلك مهام صعبة وشبابنا لها.
ورحم الله من قال:
وإذا كانت النفوس كباراً * * * * * تعبت في مرادها الأجسام
دمشق في 30/1/2003
|