|
فلنحذر حملة ضد حرية التعبير
في بيانات قمتي شرم الشيخ والعقبة يومي 3 و 4 حزيران 2003 توقفت عند بعض النقاط في البيانات التي ألقاها الزعماء، بعضها يعبر عن طبيعة التزام قائليها وبرامجهم، وبعضها الآخر شكل خروجاً على الكثير مما يراه الشعب العربي ثوابت وطنية وقومية. ولأن الزعماء عودونا على الاستهانة بإرادة الشعب، لا سيما عندما يكونون بحضرة إمبراطور يطلب منهم "احترام حقوق الإنسان والديموقراطية" ويرتاد أمامهم في فضاء " الحرية" المعزول بهوامش المصالح ومتونها عن كل ما يتصل بحقائق الواقع ومصالح الطيبين من الناس، ويصل إلى حدود النشوة المطلقة عندما يراهم يتجاوزون كل ذلك الوطني والقومي والإنساني لكي يرضوه ويسيروا في الطريق التي يرسمها.
عجبت، ولكن لم يعد لذلك أي معنى في هذه الأيام.. وأود أن أشارك من يشاء دهشتي وعجبي من بعض المواقف التي جاءت في تلك البيانات التي قيل إنها تؤسس لشرق أوسط جديد هلل لـه شمعون بيريس صباح الخامس من حزيران 2003 وذكّر الناس بأنه أول من بشر بذلك الشرق الأوسط، وهاهي عربة شارون بوش تسير في طريقه أخيراً واضعة جثة العرب في المقعد الخلفي للعربة وأصابع الجثة متدلية تحرث الطريق وتكتب في الرمال ما لا تريد أن يقرأه أحد.
* لم يميز بيان العرب في شرم الشيخ بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدان، ولم يشر بكلمة إلى مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال بوصفها حقاً مشروعاً من حقوقه حتى وهو يبدي الاستعداد المطلق للوقوف خلف حكومة " أبو مازن " وهي تدين " الإرهاب" وتعلن التزامها بالقضاء عليه. وهالني موقف رؤساء عرب يؤكدون في القمم العربية على التفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدان، ويدعمون مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، ولكنهم لا يتذكرون مواقفهم وقراراتهم تلك بحضور الإمبراطور، ويقولون غير ما قالوه سابقاً. وتوقفت عند فقرة في البيان العربي تقول:" نؤكد على مواقفنا من الإرهاب والعنف وسوف نستمر.. في رفض ثقافة التطرف والعنف في أي شكل ومن أي مصدر أو انطلاقاً من أي مكان بصرف النظر عن التبريرات والدوافع إدراكاً منا لمخاطرها كوباء يهدد الأمن والاستقرار في العالم أجمع..." وهي فقرة تلبي المطلب الصهيوني ـ الأميركي وتأخذ بحججه يوم كان يطالب بوقف الانتفاضة والمقاومة بوصفهما إرهاباً بصرف النظر عن الدوافع والتبريرات.. يومها كان العرب يتمسكون بحق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال، ويرون أن هذا الحق تدعمه رؤية ذات أبعاد قانونية ومعرفية وروحية، ويقولون إن العنف والتطرف اللذين يؤديان إلى المقاومة هما نتيجة من نتائج الاحتلال والظلم والقهر والإحباط.. أما اليوم فقد سارعوا إلى تبديل اللافتات والاقتناع بكل ما يقوله الأميركيون ترديداً لما يطلبه الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني ومقاومته والشعب اللبناني ومقاومته، وبشأن أي موقف عربي يقول بمقاومة العدوان والاحتلال وتأييد المقاومة العربية له. إنه موقف ضد القيم الإنسانية بوجه عام وليس ضد القيم والثوابت العربية فقط.. وعلى كل مخلص لقيم العدل والحق والخير والسلام أن يرفض التطرف المدمر، ولكن عليه أن يعمل ويدعو الناس لكي يعملوا كل ما بوسعهم من أجل مقاومة القهر والظلم وكل واقع يشكل بيئة ينمو فيها العنف والتطرف نتيجة للاحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين.. ولا يوجد في عالمنا اليوم أشد وطأة على القيم والسلام والعدل والحرية من الاحتلال الصهيوني والاحتلال الأميركي الزاحف على الأرض والإرادات والقرارات.. وهو يستهين بقيمنا وبحقوقنا وثقافتنا، فكيف نقتل إرادة الصمود لدينا ونقتل الوعي بالحقوق، ونتهم كل تحرك في هذا الاتجاه بأنه تطرف ويهدد السلام في العالم؟؟ ألا يهدد الكيان الصهيوني سلام منطقتنا ويقتلنا في بيوتنا منذ عقود، فلماذا لا ندين هذا النوع من الإرهاب وذلك النوع من ثقافة التطرف صراحة وبالاسم، كما فعل بوش بنا أمام العالم، وكما فعل شارون في العقبة بمقاومتنا ونضال شعبنا الفلسطيني أمام العالم أيضاً حينما وصفاهما بالإرهاب؟؟
** في موقف طريف ربط الرئيس أبو مازن في بيانه //العقبة 4 حزيران 2003// بين " إنهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967 والذي عانى فيه الفلسطينيون أشد المعاناة" و" عذابات اليهود على مدى التاريخ، وقد حان الوقت لإنهاء كل هذه المعاناة.."؟! ويحق لنا قبل أن نُتَّهَم بالتطرف وسواه من التهم الجاهزة أن نسأل: ما هي علاقة الشعب الفلسطيني ووضع حد لمعاناته من جراء الاحتلال الصهيوني بـ " عذابات اليهود على مدى التاريخ"؟ وهل كان الشعب الفلسطيني وبقية العرب سوى ضحايا للعنصرية الصهيونية من جهة وحماة لليهود قبل الاحتلال بقرون من جهة أخرى. ولماذا نتحمل نحن مسؤولية " عذابات" اليهود ولا يتحمل " عذاباتهم " المسؤولون عن ذلك، بافتراض أن ادعاءهم عن العذابات كله حقيقة؟؟ وما هي صلة "عذابات اليهود على مدى التاريخ" بهذا التاريخ الذي نحن فيه: "العقبة 2003؟! اللهم إلا إذا كان أبو مازن يقدم بشكل خفي اعترافاً تاريخياً بأن فلسطين هي " وطن تاريخي لليهود" كما يدعون، وأنهم عادوا إلى وطنهم الذي " أخذناه منهم" وتسبب ذلك لهم بالمعاناة والعذاب؟؟ وإذا كان أبو مازن يرمي إلى ذلك فإننا نرفض رأيه " بتطرف ثقافي ضخم" نستحق عليه غضب الرئيس بوش وبقية الرؤساء في شرم الشيخ والعقبة!؟ أما إذا كان يريد أن ينهي آلام اليهود على حساب الفلسطينيين الذين ينتَزَع منهم حق العودة كما تشير الدلائل لكي يتاح لليهود الذين يعانون من " عذابات" في العالم أن يعودوا إلى فلسطين حيث يصبون العذاب على الآخرين.. فذلك فتح في الرأي والرؤية نرفضه بالحماسة ذاتها أيضاً وبالاستعداد ذاته، لتلقي العقاب على حرية الرأي والتعبير بتطرف والوقوف إلى جانب الحق والعدل والتاريخ الصحيح، لا التاريخ المزيف الذي أشادته أساطير اليهود وجعلته القوة الأميركية العمياء حقائق قوة على الأرض يأخذ بها أبو مازن.
*** النقطة الثالثة التي أتوقف عندها، من بين كثير مما يستحق التوقف عنده في البيانات من نقاط، هي رؤية شارون لدولة فلسطينية " تعزز أمن إسرائيل ورفاهيتها كدولة يهودية"، وموافقة الرئيس بوش على هذا الأمر وتأكيده التزام الولايات المتحدة الأميركية، والتزامه الشخصي بقوة" بأمن إسرائيل كدولة يهودية مفعمة بالنشاط..". ومعنى هذا التأكيد على دولة يهودية نسف تام لحق العودة بصورته المادية.. أعني عودة فلسطينية فعلية ورفض التوطين، وهو تأكيد يتضمن أيضاً تهديداً لفلسطينيي عام 1948 الذين يقيمون في فلسطين المحتلة، إذ يرسل لهم ولسواهم رسالة تقول: أنهم يؤثرون على يهودية الدولة وصفائها، ويمكن أن يلقوا في يوم من الأيام مصيراً لا يعجبهم. إن هذا الأمر لم يعترض عليه أحد، وقد كان موضوع مناقشة قبل القمة ورفضه الفلسطينيون والعرب، ولكن شارون أكده في العقبة والتزم بوش بدعم هذا التوجه بقوة، وسكت الآخرون تماماً.
إن كل هذه المواقف والنقاط الجوهرية التي حرفت خريطة الطريق البائسة عن مخطط الرباعية لتصبح في العقبة وشرم الشيخ التزاماً بـ "رؤية الرئيس بوش التي قدمها في 24 حزيران 2002 لدولتين" بمفهومه ومفهوم الكيان الصهيوني لتينك الدولتين.. حيث تكون إحداهما الأساس " إسرائيل" والأخرى تعزز أمنها على المدى الطويل، وهي دولة ليس لها حدود أو سيادة تامة ولا جيش ولا حرمة دولة بالمعنى التام والشامل.. إن كل تلك النقاط، وما لم تشر إليه البيانات مثل قضية القدس وحق العودة والأراضي العربية المحتلة لدولتين عربيتين أخريين هما سورية ولبنان، كل ذلك يجعل من أي تفاؤل بنتائج قمتي شرم الشيخ والعقبة نوعاً من الوهم، ويفرض على كل من يعنيه ألا نقع تحت تأثير حروب أهلية عربية ـ عربية، سواء أكانت تلك الحروب بالسلاح تريق الدماء، أم بالمواقف والكلام والكتابة تسيل الحبر والكرامة، وتضعف الصف العربي أكثر مما هو ضعيف، يفرض عليه أن يتدبر الأمر ويفكر بالنتائج ويبحث عن طرق وأساليب لمواجهة هجمة غير معهودة على السيادة العربية، وعلى الاستقلال وعلى الثقافة والهوية ومقومات الشخصية والإسلام تحت ذرائع شتى.
إن الزحف الأميركي الصهيوني على وطننا وثقافتنا أصبح لـه أجنحة عربية ثابتة، بعد أن كان يتمتع بدعم هنا وهناك من اختراقات هنا وهناك.. وإذا كانت الجبهة الجديدة ستبدأ بالقضاء على المقاومة ومن يقف إلى جانبها ويراها خيار الأمة المقبول في وقت العدوان والاحتلال، فإن إعداداً كبيراً يتم لفتح حرب على الجبهة الثقافية العربية التي تأخذ بهذا التوجه.. وسيتم كل ذلك تحت ذرائع مقاومة الإرهاب والتطرف. إننا ضحايا الإرهاب والتطرف الصهيوني منذ عقود، وكانت الولايات المتحدة الأميركية وما زالت ترعى هذا الإرهاب وتدعمه بكل الوسائل، وهي لا تكتفي اليوم بنصرته وتثبيت تفوقه وهيمنته وحمايته وتجنيد من يحميه، بل تريد أن تقضي على الأمة وشخصيتها وعقيدتها ووعيها وخصوصيتها الثقافية باسم محاربة الإرهاب.
إننا ندين الإرهاب بكل أشكاله، ونخص بالإدانة إرهاب الدولة الصهيونية ومن يرعاه ويحميه ويسكت عن جرائمه، كما يسكت عن امتلاك تلك الدولة لأسلحة الدمار الشامل من كل الأنواع.. ولكننا نفرق بين الإرهاب والمقاومة، وندعم المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، ويأتي على رأس ذلك دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني البغيض.
ونؤكد لمن يريد أن يعرف ويسمع بأن دعوة الرئيس بوش في خطابه في العقبة للنظر إلى ما سماه " التحريض" في الكتاب والإعلام والسياسة" هي نوع من مصادرة حرية التعبير لا نستغربها من رئيس يقول " من ليس معي فهو ضدي". ونحن نختلف معه بعمق حول موضوع التحريض ومفهومه وما هو مقبول وما هو مرفوض مما يقع في دائرته.
لقد كان تحريضه على المقاومة الفلسطينية وعلى العراق في موضوع أسلحة الدمار الشامل التي لم يعثر عليها، وتحريضه أو تحريض عناصر كثيرة من إدارته وأعوانها على الإسلام والثقافة العربية والتيار القومي، مما هو مرفوض ولا يمكن الموافقة عليه. وإن أي تحريض ضد الاحتلال، بما في ذلك الاحتلال الصهيوني لفلسطين ولأراض عربية أخرى محتلة، والاحتلال الأميركي البريطاني للعراق، وضد أية قوة إمبريالية وقوة احتلال تتدخل في شؤون الآخرين تحت مسميات وذرائع شتى وهي لا تريد سوى مصالحها وخدمة استراتيجياتها العدوانية، إن ذلك النوع من التحريض هو من أجل الاستقلال والكرامة والحرية الحقيقية وحقوق الإنسان، وهو تحريض مطلوب، وهو واجب الكلمة وأصحاب الرأي والمفكرين والكتاب والأدباء والإعلاميين والساسة الشرفاء الذين لا تسكنهم ادعاءات التكليف الإلهي ونداءات التاريخ وأساطير يهوه وأتباعه.
إننا نحذر من حملة وحشية أميركية صهيونية، يشارك فيها أتباع وأعوان وعملاء ضد الثقافة وحرية التعبير والشخصية الثقافية العربية ومنظومات القيم الإسلامية، وكل القيم الروحية للشعوب وقيم الحضارة الإنسانية، يشنها من يعرفون قيمة برميل النفط، ولا يعرفون قيمة مخطوطة قديمة للقرآن الكريم، أو قيمة ملحمة غلغامش بالخط المسماري في متحف بغداد.. وندعو إلى مقاومة تلك الحملة بوصفها حملة الجهل والعنصرية والغطرسة والإمبريالية ضد الثقافة والحضارة وحرية الرأي وحرية التعبير.
دمشق في 5 حزيران 2003
|