صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

الموقف الفرنسي الجديد إلى أين؟!

يقول الخبراء العسكريون الأميركيون ومنهم "إسكواير" الذي أيد الحرب العدوانية على العراق ودافع عنها بحماسة كبيرة: "ستشكل حربنا المقبلة في الخليج منعطفاً تاريخياً، إنها اللحظة التي تُحكِم فيها واشنطن قبضتها على الأمن الاستراتيجي في عصر العولمة... والسبب الحقيقي وراء دعمي لحرب كهذه هو أنه سينتج عنها التزام عسكري أميركي طويل الأمد، سيجبر الولايات المتحدة أخيراً على التعامل مع الثغرة بكاملها كمصدر خطر استراتيجي." ويقصد بالثغرة البلدان التي لم تصبح تحت السيطرة المباشرة أو غير المباشرة للنظام العولَمي الذي تقوده وتشرف عليه الولايات المتحدة الأميركية.‏

وفي هذا القول إشارة إلى المدى الذي يمكن أن يبلغه التدخل الأميركي المباشر في شؤون المنطقة، والأبعاد الاستراتيجية للسياسة الأميركية، لا سيما في مجال السيطرة على الطاقة والثروة والتوجهات الثقافية والتربوية والقرار السياسي والأسواق الاستهلاكية والمال، والمواد الأولية في البلدان العربية والإسلامية فيما يسمّى الشرق الأوسط، وجعل الحليف العضوي لها في المنطقة الكيان الصهيوني: آمناً ومعترَفاً به ومطمئناً إلى مآل ما سرقه من العرب، وإلى نتائج ما ارتكبه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني خصوصاً وأبناء الأمة العربية عموماً، وجعله مسيطراً مزدهِراً ومهيمناً قبل كل شيء.‏

وإذا كان البرنامج الأميركي قد بدأ بتدمير أفغانستان واحتلالها، ثم بتدمير العراق واحتلاله، وبإعطاء الضوء الأخضر للمجرم شارون منذ 28 آذار 2000 حتى اليوم ليدمر مقاومة الشعب الفلسطيني ومقومات صموده وحياته، فقد أخذ القائمون عليه يشيرون بعد سقوط بغداد مباشرة بتهديد سورية، ووجهوا إليها قائمة مطالب صهيونية أميركية للتنفيذ؛ فبعد شهرين من سقوط بغداد وضع " سيناريو" تحركه القادم باتجاه طهران من دون أن يهمل سورية ولبنان والمقاومة الفلسطينية وبدأ يشير بإرسال قوة أميركية لتشارك مع شارون بتصفيتها إسباغاً " لشرعية المجتمع الدولي" على ذلك الفعل الإجرامي المستمر تحت سمع العالم وبصره؟!. والولايات المتحدة الأميركية تلجأ إلى عملية تحييد بعض الدول في المنطقة، وتجزيء الأهداف حتى تضمن عدم وقوف المستهدَفين الحاليين والمحتمَلين في صف واحد ضدها من جهة، وبقاء الكتلة البشرية الرافضة لهذا النوع من التدخل والعدوان تحت سيطرة أنظمة موالية لها وقامعة للشعوب من جهة أخرى، وتعمل على تعزيز سلطتها ضد شعبها هنا وإضعافها بتحريك الشعب ضدها هناك، علاقة سلطة هذا البلد أو ذاك بها ورضاها عن تعاونها معها. ولكي تقدم الولايات المتحدة نفسها قوة خارقة لا يرقى إلى قدرتها شك، فإنها تضرب وتدمر ثم تحشد وتهدد، وتوظف إعلامها والإعلام المتعاون معها لما تسميه إحداث:" الصدمة والترويع" وتخلق وضعاً نفسياً واجتماعياً قلقاً ومربكاً لكي تضع هدفها التالي أمام معادلة غاية في الصعوبة، فتجعله يوازن بين مقاومة الخضوع للأميركي، والتسليم بكل مطالبه قبل أن يأخذ منه ما يريد، ويلحق به دماراً وخسائر فادحة، ويضعه في دائرة الاحتلال. ومن يدخل في دائرة الاحتلال وتغزوه الجيوش الأميركية لتهديه الموت والدمار وتزرع في وطنه اليورانيوم المنضب، ليفتك بحياة شعبه ببطء إلى آلاف السنين يكون محظوظاً بنظر الخبير الاستراتيجي الأميركي إسكواير الذي يقول: " سقوط دولة ما من عربة العولمة وارد دائماً، وسقوط هذه الدولة يؤدي إلى حمام دم، وإلى إرسال القوات الأميركية إليها إذا كانت هذه الدولة محظوظة." وعلينا ونحن نطأ على شوك النظرة الشمولية والعقل الاستعلائي..أن نبحث عن معنى الحظ ومفهومه وربما اهتدينا إلى أنه يعني: وجود ثروات طبيعية على رأسها النفط في ذلك البلد، فالقوات الأميركية تُرسل للسيطرة على تلك الثروات.. وهذا نوع من الحظ بالمفهوم المادي النفعي البراغماتي فيما يبدو.. وهو يعيد رجع كلام الشاعر الإنكليزي رديارد كبلنغ الذي كان يرى أن استعمار إنكلترا لأي بلد منة حضارية على أهله؟! فالأميركيون بهذا المنطق يرون أن احتلالهم لأرض الآخرين منة من دولة كبيرة تملك زمام النظام الدولي لدولة صغيرة هي بيدق في ذلك النظام؟! إنه المنطق الإمبريالي العنصري المتعفن الذي يصدر إلينا اليوم مغلفاً بورق السوليفان ليقدم صيغة جديدة من صيغ استغلال الشعوب والسيطرة على مقدراتها.‏

لكن ذلك النهج الإمبريالي الأميركي فتح الطريق فيما يبدو أمام مرحلة جديدة من التنافس قد تؤدي إلى مواجهة من أجل المصالح بين قوى الاستعمار القديم وقوى الاستعمار الجديد، وبين الدول الصناعية المتقدمة ذاتها على الرغم من التنسيق وتبادل المنافع، وقد تضطر بعض الدول إلى دخول حلبة الصراع الساخن، ليس بدافع السيطرة والربح بل بهدف الدفاع عن النفس من خلال الدفاع عن المصالح الحيوية، ولا سيما في مجال الطاقة وتأمين الأسواق. وقد لا نكون مخطئين إذا نظرنا إلى غزو العراق واحتلاله على أنه بداية صحوة على ضخامة مخطط الإمبريالية الأميركية للسيطرة على العالم، وعلى الطاقة، وأن ذلك سيؤدي إلى حرب باردة على الأقل.‏

وفي هذا الإطار أقرأ التحرك الفرنسي الأخير الذي يأتي في إبَّان تصعيد التهديد الأميركي لإيران من جهة، ورغبة فرنسا وإيران في تبادل المصالح في لفتة تنطوي على إعلان موقف يرفض الخوف من هيجان الفيل الأميركي المجنون.‏

قد اعتقلت فرنسا من يسمون أنفسهم " مجاهدي خلق"، وهم بالوصف الإيراني:" منافقو خلق" لأنهم يحاربون الدولة في إيران لأنها إسلامية تقوم على الدين، وهم يرفضون دولة دينية لأنهم من الشيوعيين، ومع ذلك يسمون أنفسهم مجاهدين؟! وفرنسا تقوم بخطوة قد تكون منسقة مع إيران وقد لا تكون، ولكنها ترضي إيران ولا يمكن لإيران إلا أن تقدرها جيداً، ولا يمكن أن تعارض الولايات المتحدة الأميركية الفعل الفرنسي ذاك من دون أن تفقد شيئاً كبيراً من المصداقية والهيبة. وهي خطوة لمصلحة فرنسا على مدى أبعد من الرؤية القريبة.‏

لقد صنفت الإدارة الأميركية منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية منظمة إرهابية، ودعت دول العالم إلى التعامل معها وفق هذا التصنيف. وكانت تلك المنظمة تتعاون مع صدام حسين وتتعامل معه، وهذا وحده يجعلها تنظيماً خطراً من وجهة النظر الأميركية. ولكن بعد احتلال العراق، ومع بداية تخطيط الولايات المتحدة الأميركية لمرحلة تالية في مسلسل العدوان تستهدف إيران تحت عنوان محاربة الإرهاب أخذت تضع السيناريو الملائم لمحاصرة إيران والتدخل في شؤونها الداخلية، ومن ثم إجبارها على الدخول في الفلَك الأميركي طوعاً أو كرهاً، وتلبية مطالبها ومطالب حليفها الكيان الصهيوني، أو التعرض للعدوان.. ولذا قامت الولايات المتحدة الأميركية بحماية مجاهدي خلق وتقريبهم إليها، لأنهم يعادون النظام القائم في إيران، وشجعتهم على التحرك ضد إيران لتستخدمهم مخلباً لها.. وغضت الطرف عن موضوع تصنيفها لهم تنظيماً إرهابياً، ولم تتعرض لهم في أثناء هجماتها على العراق، على عكس ما قامت به مع منظمات أخرى في العراق صنفتها منظمات إرهابية مثل “أنصار الإسلام"، فقد قصفت القاذفات الأميركية جماعة أنصار الإسلام والجماعة الإسلامية في منطقة خرمان في شمال العراق يوم الجمعة 22 آذار / 2003 واستشهد 33 شخصاً عدا الجرحى والدمار الذي لحق بقواعد الإسلاميين في قصف قرية أحمد آوى، وانتقل أفراد الجماعة إلى الجبال القريبة من الحدود الإيرانية، وقامت قوات من "البشمرغا" الكردية من جماعة البرزاني و الطالباني بملاحقتهم ومهاجمة مواقعهم هناك مع القوات الأميركية حتى أبادتهم تقريباً.‏

وحين تحرك أتباع الولايات المتحدة الجدد ضد إيران، وخططوا للقيام بعمليات ضد سفاراتها في أوربا، استخدمت فرنسا تعميم التصنيف: " الإرهاب" الذي أجبرت الولايات المتحدة الأميركية حلفاءها وأصدقاءها على الأخذ به بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر /أيلول 2001 فقامت باعتقال عناصر "مجاهدي خلق" في باريس وضواحيها بوصفهم منظمة إرهابية تعد لتنفيذ أعمال إرهابية ضد سفارات الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أوروبا .. وجاء هذا ليخدم المصالح الفرنسية الإيرانية المتبادلة والمتعاظمة في ظل التهديد الأميركي لإيران، ووضعها لسيناريو التهديد والعدوان للسيطرة على قرار إيران ونفطها مستقبلاً، وإحكام القبضة على الخليج. وهذا الأمر وضع الإدارة الأميركية في حرج، فهي تريد أن تحمي مجاهدي خلق، وتوظفهم ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا تستطيع أن تطلب من الفرنسيين عدم تطبيق قرار تلاحقهم هي بشأن تطبيقه، وهو قرار يتعلق بما تسميه الولايات المتحدة المنظمات الإرهابية التي صنفت منها الكثير، وجعلت ذلك التصنيف تصنيفاً دولياً تطلب من الأمم المتحدة ومن الدول الأعضاء تطبيقه.‏

إن الولايات المتحدة الأميركية لا يخجلها المعيار المزدوج الذي تطبقه، وعندما تقتضي مصالحها تغيِّر التصنيف، لأنها تفعل ولا تكترث بالآخرين ومصالحهم.. ولكن فرنسا وجدت ذريعة تسد الطريق على ذرائع الولايات المتحدة الأميركية للتدخل في هذا الشأن، ووجدت في هذا الفعل مفتاحاً لتعميق العلاقة مع إيران، وأرسلت رسالة سياسية واضحة إلى الولايات المتحدة الأميركية بأنها سوف تدافع عن مصالحها في الخليج ولن تفرط بتلك المصالح.. ومن ثم فإن على الولايات المتحدة الأميركية أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار، وهي تخطط لمرحلة جديدة من مراحل سيطرتها على " الشرق الأوسط" وإحكام قبضتها على الخليج.‏

والسؤال: الموقف الفرنسي إلى أين بعد هذا الفعل: هل يصمد هذا الموقف الفرنسي طويلاً؟ وهل تذهب فرنسا إلى حد الوقوف الجدي مع إيران لضمان المصالح المتبادلة للدولتين؟ وهل فرنسا وحيدة "أوروبياً" في هذا الموقف أم أنها تنسق مع دول أخرى منها ألمانيا وبلجيكا؟ وهل تسارع للاستفادة من الظروف والمستجدات في الساحتين البريطانية والأميركية بعد التحرك البرلماني في كل من البلدين، لطرح موضوع تضليل كل من بوش وبلير للحكومتين والبرلمانين في البلدين بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية وشن حرب بسببها على العراق، بعد أن تبين أن تلك الأسلحة غير موجودة، وأن المعلومات صنِّعت وضخِّمت ووظِّفت للقيام بالعدوان واحتلال العراق بكل ما يختفي وراء ذلك، وبعد افتضاح التزوير والتضليل والأكاذيب التي ضخمت الخطر، وجعلت بلير وبوش يخوضان حرباً عدوانية خارج الشرعية الدولية؟؟ هل تتجاوز الولايات المتحدة عن ذلك في إطار السعي لفتح صفحة جديدة مع حلفائها الأطلسيين بعد الخلاف المشهود في مجلس الأمن حول موضوع الحرب؟؟ وأين العرب من هذا وهم بين مهدد ومحتل وتابع وخائف وموال ورافض ومقاوم..إلخ، أين العرب من حركة العالم التي لن تتوقف.. وهم أهل "الطاقة"، ومن يشارك في ذبح الناقة.. أقصد ناقة صالح التي تذبح كل يوم.. هل يعيدون حساباتهم على نحو عربي إسلامي استقلالي..أم..!؟‏

الأسئلة كثيرة والاحتمالات كثيرة، وكل شيء ممكن.. وما أظن فرنسا تتراجع عن موقفها، فكل ما لديها من حجج يشكل قوة.. ولكن يبقى المؤشر الذي يمكن أن نقرأه لاحقاً: إلى أين تسير علاقات الولايات المتحدة الأميركية والثلاثي الأوربي الذي تتزعمه فرنسا بعد نمو تعاون ومصالح حيوية على رأسها النفط، بين بعض الدول الأوربية وإيران ؟؟ وهل تبقى إيران وحدها في مثلث التعاون هذا، أم أن المثلث سيتسع ليصبح مربعاً ومثمناً؟! إن الأيام القادمة ستجيبنا عن هذا السؤال، وأنا أتمنى قيام تكتل مصالح، ووعي شامل بالخطر الأميركي، يضعفان السيطرة الأميركية على العالم، ويخففان من هيجان الوحش الأميركي الهمجي المجنون في الوطن العربي والعالم الإسلامي.‏

دمشق في 19/6/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |