|
ديناصور بعقل فراشة
قال شاعرنا العربي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان * * * * * هو أولًٌ وهي المحل الثاني
فهل نُدرِج في هذا المقام توجه المقاومة الفلسطينية بفصائلها اليوم، وهي تدلُف إلى هدنة مدتها ثلاثة أشهر مع العدو الصهيوني، يؤول بعدها الأمر إلى بحث وتقويم جديدين في ضوء ما ينتج عن تطبيق خريطة الطريق، أم أن الهدنة طريق للاسترخاء يتم خلالها طمأنة المقاومة وتليينها وتخديرها وتنويمها، ومن ثم تفتيتها وفق برنامج موضوع ينادي بتطبيقه الأميركيون والصهاينة منذ سنين، ويريدون أن يركبوا لـه خيلاً فلسطينية وعربية.. وإلا فقدرتهم على التدمير معهودة، والعراق درس ماثل يلوحون به للجميع..؟!
نحن أمام وضع وموقف يطرحان سؤالاً قديماً جديداً.. هو سؤال الاحتلال والعدوان والاستعمار الاستيطاني وفرض الهيمنة والتبعية، وممالأة القوة لتجنب شرها، أو للخروج باتفاق معها يخفف الخسائر المتوقعة نتيجة هيجانها، ويضع لبعض أطماعها الشريرة حداً. ولكن هل من جدوى لذلك كله؟.. وهل من قراءة واعية للاستفادة من ذلك كله، ولو بعد حين، تجعلنا نضع الملح في جرحنا ونصبر لنتعلم كيف نُجرح ولا نصبر على الضيم بعد ذلك؟؟ فكم جربنا هذا السم دواء ولم ندرك بعد أن السم يستَطَبُّ لـه ولا يستطَبّ به إلا في نوادر الظروف والحالات.. فهل هذه هي نوادر الظروف والحالات يا ترى؟ أم أن كل ما يمر بنا هو نوادر ظروف وحالات.. وأن هذه هي حالنا الدائمة أو شبه الدائمة منذ عقود من الزمن؟!.
إن وضعنا العربي مشخَّص جيداً، والأمور واضحة وضوح الشمس، والمجرَّب لا يُجرب، والعدو معروف، وخططه معروفة أيضاً، ومشروعه الإمبريالي لن يتزعزع ويندحر إلا بالقوة.. ولكنا من ضعف إلى ضعف.. سواء أجربنا القوة أم ذهبنا إلى مدى قتل القوة العربية المجرَّبة والتآمر عليها بدلاً من مدها بأسباب البقاء والنمو؟! أعنى المقاومة التي حررت وصمدت وأبقت الحق قائماً في الذاكرة والوجدان وأمام الناس.
لا أشك لحظة واحدة، ولا أظن أن غيري أيضاً يشك، في أن العدو الصهيوني يتطلع إلى تدمير كل فرص "السلام" ليستكمل مشروعه الاستيطاني، ويبتلع فلسطين كلها، وينهي أشكال الصمود والمقاومة في فلسطين كلها.. وإذا لعب لعبة" السلام" فليسبر مدى استعدادنا للتنازل وليصل إلى مصالح ويحقق مكاسب يستأنف بعدها مشروعه على أرضية أوسع وأمتن، ومعرفة بنا أعمق وأشمل، وعلى حقائق من اعتراف العرب به وبحقه فيما سرق واغتصب، وبوجود لـه بيننا بوصفه دولة تحكم رؤية المنطقة وتتحكم بها. وهو يريد أن يستثمر فرصه المتاحة الآن إلى أقصى مدى في ظل انتصار الولايات المتحدة وحربها على ما تسميه الإرهاب.. أعني:
1 ـ امتلاكه قوة لا يمتلكها العرب عامة والفلسطينيون خاصة.
2 ـ نمو مناخ يبدي العرب فيه ضعفاً بيِّناً راسخاً متزايداً، ولا يمرون بمجرد حالة ضعف عابرة يمكن أن تبين بسرعة، فيجتمع صفهم بقوة على رأي وموقف فيهما أمل ورؤية واضحة وشاملة للمستقبل، ولمسالك الخروج من مستنقعات الحاضر وأزماته.
3 ـ وضع دولي فيه الأميركي سيد القوة، يثور ويفور ويتنمَّر ويتهوَّر غيرة على اليهودية والصهيونية العالمية وخدمة لأوهامها، وصدوراً عن المسيحية اليهودية وأحلامها الملتصقة بتلك الأوهام، يصدق فيه الوصف الإيراني للولايات المتحدة الأميركية على لسان الرفسنجاني: "حجم ديناصور بعقل عصفور"، وهي تناصر الكيان الصهيوني ومشروعه الكبير إلى المدى الذي تخوض نيابة عنه ومعه حروبه العدوانية على العرب والمسلمين كافة، وتسدد نفقات عدوانه واستيطانه في فلسطين، ولا ترى الأمور إلا من خلال تعصبه الأعمى، ومصلحته الضيقة، وعنصريته المشينة، وممارساته التي فاقت ممارسات النازية وحشية ودموية. وهي تقرِّب إليه من تأمر الصهيونية بتقريبه وتبعد من تقول بإبعاده.. وقد شكل معها ثنائياً هو: الشر المطلق والقوة الغاشمة، اللذان يبسطان أجنحتهما في العالم.
بالأمس تابع العدو الصهيوني مسلسل الاغتيالات للقيادات الفلسطينية خارقاً الهدنة الوليدة، ولم ينسحب بعد إعلانها بالمعنى الدقيق الذي يعنيه الانسحاب من غزة وبيت لحم، وإنما بقي محاصِراً طريق صلاح الدين متحكِّماً بها، ومحيطاً ببيت لحم ما سكاً بخوانيقها. ووضع المدنيين الفلسطينيين أكوام لحم على المعابر من دون احترام لأبسط حقوق الإنسان أو مراعاة لها، ومن دون تقدير للوضع الاستثنائي الذي تقتضيه حالات المرض وتقدم السن والأوضاع الاستثنائية التي يمر بها رجال ونساء وأطفال. وفي الوقت ذاته قام الرئيس الأميركي بتذكير " رئيس "الحكومة الفلسطينية" محمود عباس بما ينبغي أن يقوم به ضد حماس " عدو السلام" على حد تعبيره. فماذا نقرأ في هذا سوى مؤامرة محبوكة جيداً من أطراف عدة ترمي إلى تهيئة الظروف لتدمير الهدنة بأيدي من أعلنوها بعد إيصالهم إلى درجة الكفر بكل ما قدموه وما يمكن أن يقدموه على طريق " سلام" تقوم استراتيجية العدو على رفضه وتدمير فرَصه، ويريد باستفزازه وعدوانه وتحريضه أن يوصلهم إلى تدمير فرصه بأيديهم، ويحمِّلهم من بعد مسؤولية ذلك، ويقتلهم باسمه بوصفهم "أعداء السلام" كما يردد الرئيس بوش ووزيره كولن باول في تصريحاتهما عندما يتعلق الأمر بالمقاومة الفلسطينية عامة وحماس خاصة؟!
إن المطلوب أن يصل المسؤولون الفلسطينيون في السلطة خلال الأسابيع الثلاثة التي تلي الهدنة إلى القيام بما يدفعهم الأميركيون والصهاينة إلى القيام به، بوصفه الشرط الأول والحل الوحيد الممكن والمقبول للاستمرار في تقديم العرض الذي يرشح بؤساً: أي " خريطة الطريق"، وهو تصفية عناصر المقاومة، وتجريدها من السلاح، وتفكيك بنيتها التحتية، ومحاكمة عناصرها بوصفهم إرهابيين.. والحجة لديهم قائمة ومنتزَعة من أفواه فلسطينية وعربية اتهمت المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالإرهاب وتعهدت بمقاومة الإرهاب.. وكانت في يوم من الأيام قد اضطرت إلى القول بما تقول به الجماهير العربية: " إن المقاومة أنبل ظاهرة في الحياة العربية المعاصرة.". ولا ندري لماذا تغيب الجماهير العربية اليوم، وتترك المقاومة والانتفاضة تواجهان قدرهما وكأنهما معزولتان منبوذتان؟! هل وصل الداء الأميركي الصهيوني إلى القلوب والحناجر يا ترى فأسكتها لا سمح الله؟!
أين نحن الآن بالضبط؟! هل نحن أمام رأي مقدَّمٍ على الشجاعة أم أمام شجاعة مقدَّمَة على الرأي، أم أمام قوة تجبرنا على أن نلغي الرأي والشجاعة من حياتنا وقاموسنا اللغوي؟! إن كل الدلائل تشير إلى استمرار النهج الأميركي الصهيوني العدواني المعروف والمتمثل في النظر إلى المقاومة في فلسطين وفي جنوب لبنان بوصفها إرهاباً ينبغي القضاء عليه كلياً، وفي التعامل مع الشعب العراقي الواقع تحت الاحتلال بشدة فائقة بعد أن بدأ يتململ ويواجه الاحتلال بمقاومة تتصاعد، والتعامل مع تلك المقاومة بوصفها إرهاباً أيضاً، والنظر إلى كل دولة لا تنفذ ما يريده الكيان الصهيوني وقادته من مجرمي الحرب ورموز الإرهاب ومن يتواطؤون معهم في الولايات المتحدة، على أنها: ترعى الإرهاب، وخارجة على القانون، ولا تلبي طلبات "المجتمع الدولي". وأولئك تصلهم طلبات الصهاينة تهديدات علنية بلسان أميركي: سورية مثال، وإيران مثال.. ولن تنقصنا الأمثلة إذا ما تقصينا ذلك بعقل مفتوح ومنطق صارم، من دون أن نتوه في التيارات التي تدفعنا إليها الزَّفَّة الإعلامية التي تقيمها أجهزة عربية ذات رؤية غربية، وأجهزة غربية ذات رؤية وهوى صهيونيين.
وإذا كنت مع الهدنة لكي نفوت على العدو وحليفه وأتباعهما وأعوانهما من العرب فرصة استمرار مسلسل إبادة الشعب الفلسطيني وتدمير مقومات صموده ووجوده، فإنني لست مع أن نسلم بأن العدو ينحى "منحى السلام"، وتهمه المسوغات ليقوم بما هو استراتيجي بنظره، فذرائعه جاهزة ولا يعنيه في شيء أن يفتري ويكذب، فتلك مدرسة غدت معروفة ومكشوفة. ولا أرى أن خريطة الطريق يمكن أن تقود إلى حل عادل أو شامل أو مقنع من أي نوع.
إن المقاومة حق وواجب، وقد تكون بحاجة لاستراحة المحارب، ولكن بقاء جذوتها والإيمان بضرورتها واحتضانها واحتضان أهدافها واجب أبناء الأمة ومن أبسط حقوقها عليهم. ونحن مع المقاومة فيما ترى وتفعل على ألا تضل الهدف أو تتنازل عنه، فمن يده في النار ليس كمن يده في الماء، ومن حقها علينا أن نقف إلى جانبها مؤيدين لها ومتماهين معها. وحين نكون مع رؤية لهدنة ترمي إلى سد الذرائع وسبر الأغوار، فينبغي أن يكون واضحاً أننا لا نقيم ذلك مقام الاعتقاد ولا نبني عليه استراتيجية كاملة، لأن العدو لا يحتاج إلى ذرائع حقيقة بل هو يفتق ما رُتِق منها، لأنه يبحث عن سبل وأدوات وظروف ملائمة للقضاء على المقاومة وليس عن ذرائع ليقوم بذلك.
ونحن مع أن تلتقط المقاومة أنفاسها، وأن تستجمع قواها وتعيد حساباتها، على أن ندرك وتدرك في كل لحظة أنها مستهدفة، وأن العدو وحليفه الأميركي وأعوانه أو أتباعه من الفلسطينيين والعرب يتربصون بها الدوائر، ويتحينون لها الفرص.. إنها مستهدفة الوجود مهما عملت ومهما قدمت ومهما قالت.. هذه هي رؤية الرئيس بوش ورؤية المجرم شارون، ومن أيَّدَهما وردَّد كلامهما وسار على نهجهما في شرم الشيخ والعَقَبَة والبحر الميت، وفي غير ذلك من المواقع والأماكن والمحافل مما هو معلَن أو مستور.. لأن المؤامرة ـ وأكرر: المؤامرة لمن ينفون وجودها كلياً ـ على قضية فلسطين وعلى من يقول بحق للأمة العربية في الوجود والاستقلال والهوية والتضامن والاتحاد وحتى الحلم بالوحدة.. مجرد الحلم بها وبمستقبل أفضل.. إن المؤامرة تتركز في القضاء على الأمل ومقومات القوة في الأمة، وعلى رأس ذلك تأتي المقاومة التي هي أشرف وأنبل ما بقي من العرب في عصر التهافت وهذا الزمن الرديء.
كل قوة عربية قائمة أو ممكنة أو واعدة هي مستهدفة، سواء أكانت روحية أم مادية، فكرية أم قتالية، علمية تقنية أم اقتصادية، بشرية أم تتصل بالثروة الطبيعية ومصادر الطاقة.. حتى الأمل والثقة بالنفس وبالمستقبل أمور مستهدفة. فالعدو الأميركي الصهيوني يريد القضاء على كل مقومات القوة والصمود والممانعة في الأمة العربية والعقل العربي.. ولا سيما بعد إخفاقه المتجدد في العراق.
لا نعلق آمالاً على قيام أكثر من نظام عربي بتقديم دعم علني للانتفاضة والمقاومة في فلسطين وجنوب لبنان.. ولكن لا نريد ولا نتوقع أن يتم استمرار المقاومة في فلسطين وجنوب لبنان من دون دعم شعبي عربي معلن على الأقل.. ولذلك ندعو لتجديد العهد للمقاومة بتقديم الدعم، كل أشكال الدعم، رغم إعلان بعض العرب والأوربيين والأميركيين بأنهم سوف يقطعون الدعم عنها ويقدمونه لمن يعمل على تصفيتها.
فهل نستطيع أن نرفع الصوت بذلك في أوساط ثقافية وشعبية ترفض أن ترى في دعم المقاومة ضد الاحتلال دعماً للإرهاب، وترفض أن يعد تمسكها بأهداف الحرية وتحرير الأرض المحتلة من العدو الصهيوني تحريضاً على العنف يريد الرئيس بوش أن يمنعه ويحاسب عليه حيثما صدر؛ في الكتابة والإعلام والسياسة، وفي ذلك مصادرة صريحة لحرية التعبير؟! أما تحريضه وتحريض حلفائه المتدفق كالسيل ضد الآخرين وحقوقهم وحرياتهم وعقائدهم وثقافتهم فذلك يأتي من أعلى، وبتكليف "إلهي"، وتلبية "لنداء التاريخ"؟؟ ولا يجوز لأحد أن يعترض طريقه أو أن يتعرض لـه.. مثله مثل الأميركي الذي يرتكب جرائم حرب في العالم: "لا تجوز محاكمته أمام محكمة العدل الدولية التي أحدثتها الأمم المتحدة"؟! وترفض الولايات المتحدة أن تنصاع لأحكامها وتجمع تحالفاً ينصاع لها ويرفض أن تنصاع الولايات المتحدة لها؟! وتقدم المساعدات لمن يعقد اتفاقيات ثنائية معها هدفها الخروج على القانون الدولي في هذا المجال؟!
عجيب أمر هذه الدولة المتناقضة بكل المقاييس، التي تملك أكثر من مقياس لكل حالة تقاس؟ فهي في حربها العدوانية على العراق مثلاً دولة خارجة على القانون بكل المقاييس، ولكنها أخضعت الآخرين لمقاييسها ولمقاييس الأمم المتحدة عندما احتاجت إليها. وهي تقوم، وفق المقاييس التي خرجت عليها، بتصنيف دول على أنها خارجة على القانون؟!. وحدِّث عن مثل هذه الأنماط في السلوك والحكم والتقدير والعمل ولا حرج.. فأنت أمام ديناصور بعقل عصفور أو بعقل فراشة.
وأنت أمام رئيس أميركي يتمتع بصبر كبير، حسب وصف فلايشر، فيما يتعلق بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، ولم يكن بهذا الصبر عندما كان هياجه لا يفتر لشن حرب على العراق قبل أن "يستخدم تلك الأسلحة خلال خمس وأربعين دقيقة من قراره باستخدامها"؟ وهي الأسلحة التي لم يعثر عليها بعد.. ولكن لا بد أن يتم العثور على أدلة عليها في يوم ما .. فالرئيس ليس في عجلة من أمره.؟! بينما لم يكن يتمتع بأية درجة من درجات الصبر ليستكمل المفتشون مهمتهم في العراق، بل كان يعلن يومياً أن الوقت يمضي وصبره ينفد، فيما يتعلق باستعجال شن الحرب العدوانية على العراق؟؟ سبحان الله! فلنتأمل في صبر ينفد في حالة التشوق للدم والدمار والقتل، وصبر لا ينفد وأشخاص لا يستحثهم شيء عندما يتعلق الأمر بتقديم دليل يدعم الحق والعدل ويسوِّغ شن الحروب؟! وفي حالة أشخاص يعطون شارون الوقت الذي يريد والضوء الذي يريد والقوة التي يريد للقضاء على الشعب الفلسطيني ومقاومته ومقومات وجوده، ولا يعطون المقاومة وفصائلها أياماً معدودة للاتصال والتشاور والوصول إلى قرار.
إنهم بكل بساطة تماسيح عندما يتعلق الأمر بتقديم دليل على شرعية ما يفعلون، ولهم نزق عجيب عندما يتعلق الأمر بتنفيذ مخطط يفضي إلى الدم والدمار والموت خدمة لأهدافهم العدوانية ومصالحهم المادية!.. أي بشر هؤلاء، وأي عالم يكون لنا في ظل هيمنتهم على شؤون الناس ومصالحهم؟! وكيف نكون مع قوة البطش العمياء وصلف مصاص الدماء؟ ويزداد العجب منهم عندما ينصِّبون أنفسهم سَدَنَة للعدالة والحرية والديموقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان! عالم مقلوب يقوده أشخاص لا يحق لهم أن يكونوا مجرد بيادق فيه.
دمشق في 4/7/2003
|