|
أقول لصاحبي
أقول لصاحبي في عتمة الوقت التي ضمتنا في قَرَن: لا تكتئب.. الدنيا بخير، الشمس مشرقة، والحياة في تجدد، وما زال هناك أشخاص لهم مواقف ومبادئ وضمائر، تحكمهم المصلحة العليا للناس والأوطان، ويستندون في أدائهم إلى القيم السامية والمعايير السليمة التي يرضاها الله ويتطلع إليها الناس، يتقون الله ويأخذون بقولـه: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، ولا ينشدون فيما يفعلون سوى وجهه تعالى، يتقدمون في الدروب وهم ينوؤون تحت ثقل أحمالهم، أقدامهم في النار وعيونهم تتطلع إلى سماء عامرة بالأمل والوعد والخلاص، يتمسكون بالحق ويصبرون على الشدة ويقولون لمن يُصَعِّر لهم خده كبراً ويضغط عليهم ليتبعوه ويعظموه ولكنهم " من نَبْعَةٍ صمٌ مكاسرُها"، يقولون لمن يحاصرهم ويطاولهم قول ابن الزبير:
ولا ألين لغير الحق أسألُه * * * * * حتى يلين لضرس الماضغِ الحجرُ
هناك أشخاص يضحون بأنفسهم وبمستقبلهم ومستقبل أبنائهم ويقضون معظم حياتهم في السجون والمعتقلات والمعاناة من أجل نصرة الحق والعدل.. وهناك من يدفع دمه ثمناً لموقفه، ومن يتحمل عن الأمة عبئاً كبيراً من دون أن ينتظر كلمة طيبة أو مشاركة لـه في تحمل العبء الذي ينهكه.. ومن يعمل آناء الليل وأطراف النهار بصمت ليكون لـه سهم في خدمة الناس والوطن، ولكي يرضي ضميره ويرضي الله قبل أن يرضي الناس. فلمَ لا نرى هذا النوع من البشر ولا ننظر لهذا الجانب من الحياة؟!
فينظر لي نظرة مقتول عفَّرَه الزمن بالكآبة وسربله بالدم، وهو يتلفّع بصفرة المفؤود المكْبود: لا خير في الناس.. لا خير فيهم، ألا ترى من يأكل لحم أخيه حياً وميتاً، ويقبض ثمن من يدافع عنه ويسلِمُه للأعداء، ويأخذ حقه وحق سواه، وينهب الوطن ولا يرى في الآخرين سوى حقول استثمار، ومن ينتزع من الآخرين أملاكهم وأحلامهم وأرواحهم وآمالهم لكي يتاجر بذلك كله أو يتحكم بذلك كله؟!, ومن يمتص الدم ويفسد الحياة، ويلوِّث كل ما هو نظيف، ويزري بالشرف والقيم والتضحية والشهادة، وينتعل الحقيقة، ويعوم في بحر من الأكاذيب، يروج منطقاً يزري بالعقل والمنطق، وينتسب لقوة الشر ويتحالف معها، لينتصر على أهله ووطنه وأمته، ويقبض ثمن ذلك ملء معدته ووجهه عاراً يراه ذهباً وديناراً؟!
لم أجد مدخلاً مشتركاً بيني وبين صاحبي، كلما قلت قال، وكلما سألت رشقني بسؤال، وكلما أشرق في مقلتي أمل أطفأه بمنطق لا أستطيع لـه رداً.. فحياتنا فيها من هذا وذاك، ولكن الغثاء يطمس ما عداه، ويكاد يشكل ثقلاً عند كثيرين ممن يعنيهم الوقت والمادة، ولا يعني لهم ما عداهما شيئاً يُذكر.
عجبت منه ومن نفسي معاً وانزويت في ركن من أركان العمران، ليس بيتاً ولا مكتباً ولا حديقة ولا مقبرة.. إنه كل ذلك حين يتجمع في رؤية للمكان والزمان يقدمها بعض الناس لكل الناس مما يجعل المدى الواسع مغلقاً.
راح شيء منه يسأل أسئلة يتطاير منها الشرر ليحرق ما تبقى منه ومني، قال: كيف يكون الوطن فرداً، أو عشيرة، أو في أحسن الأحوال عشيرتين، أو طبقتين تتنافسان على نهبه وظلمه وقهره والسيطرة على الناس فيه؟ لماذا تضيق الأرض والحياة والرؤية لتصبح هذا لنوع من الأفراد والعشائر والطبقات والعلاقات والمشاعر والناس والأوطان؟؟ قلت عن أي وطن تتكلم؟! لم يجبني، وتابع إطلاق شرر الأسئلة ونحن نحترق: كيف يكون الوطن مطية لأشخاص يخدمون أنفسهم وأعداء الوطن بتبني ثقافتهم وأفكارهم ومنطقهم وعقائدهم ومشاريعهم وبرامجهم ومصالحهم، ولا يرون أنهم في تلك الحالة أقرب إلى خيانة الحقيقة والقيم والمعايير والمفاهيم والحقائق التي رسختها الحياة، وليس خيانة أوطانهم وشعوبهم فقط؟! ومع ذلك تراهم لا يخجلون ولا يتورعون عن الدفع باتجاه هواهم وموالاتهم ومصالحهم الخاصة بمنطق يخجل منه التاريخ والقانون والتشريع والشرائع وشرفاء الناس، والأدهى الأمرّ من ذلك أنهم يبيعونك قيماً ووطنية وأخلاقاً ومُثلاً، ويطلبون إليك أن تناصرهم وتؤيدهم وتواليهم، لأنهم الأوصياء على الحقوق والحريات والعدالة والشعوب والأوطان..إلخ، وترى إلى الكلمات تتدفق في أوداجهم تعرف طريقاً إلى اللسان ولا تملك منطقاً يشكل البيان ؟؟ فتحار وتتحول مع من تدلق عليه تفاؤلك إلى سؤال: كيف يمكن أن يصبح شخص على هذا الحال، ويتنكر لكل ما يكون العقل والوجدان والمنطق والحقيقة؟!
ويتابع صنوي الأسئلة المشتعلة، يقول: كيف يأكلني جاري ولا أستطيع أن أقول لـه: أنا إنسان لا تأكلني فإن في لحمي "زَنَخ" البشر الذين أنت منهم؟! .. إنه لا يسمعني ولا يراني ولا يعرفني ولا يهمه مني سوى ما يأخذه مني وما يلحقه بي من أذى.
استجمعت شيئاً من ثقة يمدني بها استقراء التاريخ وتجارب الأمم والماضي الذي أنتمي إليه، فقلت لـه: أنا لا أوافق على أن تكون بهذا المستوى من الإحباط، لم نصل إلى حال يجعلك بهذا الحال.
قال: المد القومي يتراجع، والفكر القومي يتراجع، والهوية العربية مهددة والشخصية العربية تتآكل، والصف العربي ممزق، وزمن الطوائف يعود، والشعوبية تعود، والبُغاث في أرضنا تستنسر؟ والناس يتهربون من انتمائهم، ويتساقطون في فخ ينصُبُه لهم أعداؤهم ويزينه أتباع للأعداء وعملاء لهم.. الوطنية صارت نوعاً من غباء في نظر بعضهم، والنظافة قلة ذكاء وانعدام شطارة و..إلخ
قلت: الفكر القومي شكل النهضة في زمن التخلف والأمية، ونما في ظروف صعبة، وواجه التتريك والاستعمار، وصنع التحرير والاستقلال، وشكل حلقة لا يمكن أن تنسى أو يستغنى عنها في تجديد النهضة والصحوة والوعي.. لقد لحق به الترهل، و"تَعَمْشَق" على شجرته الانتهازيون وطلاب الحكم والسلطة والمال و"الجاه"، وحولوه من مناحي النضال إلى بعض ما فيه ابتذال، ومن الهدف النبيل في الأغلب الأعم إلى السيئ في أحوال تذكر فتذم؛ فصار قطرية ضيقة، وعشائرية بائسة، وطائفية مقيتة، وأحزاباً يأكل بعضها بعضاً، ويأكل كثيرون من أتباعها بمبادئهم وأثدائهم، ويظلم بعضهم بعضاً، ويتآمر بعضهم على بعض.. ورب ضارة نافعة.. سيذهب الترهل و"يتفقَّع" الزبد، وتنحسر الانتهازية، ويذهب المتسلطون، ويبقى المناضلون المؤمنون بأمتهم وبحقها في الحياة.. وينتصر المؤمنون بربهم وبحقهم وحق سواهم في الحياة.
لقد نما التيار القومي وتنظيماته في جو من سرية التنظيم ووصل إلى علنية المواجهة والحكم والتحرير، فلم لا يعود يوماً أقوى مما كان، وأنظف مما كان، وأوعى مما كان، وأشمل مما كان؟! لم تمت الأمة ولم يمت المؤمنون بها، وعلى الذين يريدون أن يوهمونا بأن عهد العروبة والإسلام قد انتهى أن يتذكروا جيداً أننا موجودون، وأننا سوف نستفيد من أخطاء الذين وضعوا العروبة في حرب مع الإسلام، والإسلام في حرب مع العروبة، فأضعفوا كلاً من العروبة والإسلام اللذين لا تناقض بينهما حين نأخذ بالقومية والدين، أليس الله سبحانه هو القائل:" وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"؟! فلماذا يراد لنا أن ننسى الحكمة الإلهية ونعارضها، ولم لا نأخذ بحقيقة أن العروبة جسد والإسلام روح، ولا حياة لجسد من دون روح، ولا وجود لروح إلا في جسد؟! إن على من يريد أن ينهي هذه الحقائق، أو يجعلها متضادة ليستريح وليحقق على حساب العروبة والإسلام أهدافاً صهيونية أو إمبريالية أو تنظيمية أو قومية مريضة أن يتذكر جيداً أننا موجودون، وأننا سنبقى، وأننا نقاوم، وأننا قادمون.
قال صاحبي وقد لمعت في عينة بارقةٌ لم أستطع لها ترجمة ولا تفسيرا ولا تحديدا: المقاومة انتهت، وحلت محلها الهدنة، أي أنه قُضي على الانتفاضة والمقاومة، وأصبح منطق أوسلو والتفريط والتطبيع..إلخ وما هو أدنى من ذلك وأسوأ هو المنطق السائد في الشارع الفلسطيني.. والشارع العربي في سبات لا تعرف أهو صامت أم ميت؟ وهو يعطي ظهره لما يجري ويكتفي بالنظر.
قلت: الهدنة مرحلة أنظر إليها على أنها استراحة المحارب، هكذا ينبغي أن تكون. وعلينا أن نبقيها في وجداننا ونجعلها برنامجنا العربي العام وليس برنامج الفلسطيني المقاوم وحده، لأن العدو الصهيوني صاحب مشروع استعماري ـ استيطاني، ولن نرتاح في وطننا ونتخلص من بؤسنا الروحي والمادي ما دام بين ظهرانينا.. وإذا لم نقاتله فسوف يقاتلنا.. هذه الأرض لنا نحن العرب، ولا تتسع للعنصرية الصهيونية وحلفائها، ولمن يقفون ضد العنصرية والاحتلال والاستعمار بأشكاله، ويرفضون الذل والعبودية والتبعية.. إن الهدنة مرحلة من مراحل الصراع، ومفتاح إعادة النظر في أمور كثيرة، واستجماع الرأي والقوة والإرادة، لأن الحق الذي يُغتَصب من أمة لا يتنازل عنه أو يفرط فيه أو يبيعه: جيل أو نظام أو حاكم مهما علا شأنه ودام حكمه.
لا تصدقوا سلاماً مع الصهيونية، ولا كرامة مع الاحتلال، ولا حرية مع الإمبريالية الأميركية التي تحاول أن تقدم نفسها محررة وراعية للديمقراطية وحقوق الإنسان.. وهي تقتل وتغطي القتلة الصهاينة، وتنهب، وتدمر، وتفتري، وتقدم نفسها سلطة قاهرة فوق الناس، ونظاماً صالحاً لكل الناس، وحضارة تجبُّ الحضارات، وتتصادم معها لتمحوها بقوة الهمجية والسلاح.. هذا مغاير لكل منطق تمدنا به الحياة والتاريخ والعقل.. وهو منطق أميركي ـ صهيوني مدخول بالعنصرية البغيضة، والقوة العمياء المتغطرسة، والاستعلاء الفارغ من كل مضمون.
قال وهو يطلق ضحكة قصيرة صفراء مبتورة يختلط فيها الخوف بالبكاء بالغضب: بوش وبلير يذرعان العالم بالطول والعرض من دون رادع من أي نوع، وها هي إفريقية على أبواب المحنة أو الامتحان..
قلت: اشتدي أزمة تنفرجي، هذا أوان الشَّد فاشتدي زِيَم.. لن نفقد الأمل بانتصار الحق، وانتصار الحرية، وانتصار الشعوب، وتوقف القوة الغاشمة عند حد.. العالم يصحو، وحتى الشعوب التي قادها الرجلان إلى الحرب بدأت تصحو وتفكر وتناقش وتسأل. يكفي هذا الثنائي وما يلاحقها من اتهام بالكذب والخداع حتى في بلديهما، ويكفيهما ما ألحقاه بمصداقية بلديهما ونظاميهما من ضرر، ويكفي أن الأشراف والمناضلين وذوي المكانة الخلقية يتهربون من لقاء السيد بوش، ويصفونه بأنه لا يفكر تفكيراً سليماً. بوش قوة عمياء، وقدرة على الافتراء لا تُجارَى، يكرر أقوالاً ثبت بالدليل القاطع أنها تستند إلى وثائق مزورة من صنع أجهزته، أو أجهزة حليفه بلير، أو من صُنع حليفهما الذي زج بهما في خضم ما استطاباه وتلهفا عليه: العدوان والاحتلال والاستغلال والاستعمار. بوش يخادع ويستند إلى بلير وبلير يخادع ويستند إلى بوش.. وفرية "أسلحة الدمار الشامل العراقية التي تهدد الأمن الأميركي وأمن العالم، واستيراد العراق لليورانيوم من النيجر"! خير دليل على التزييف والكذب والخداع. لقد أخذ العالم يستيقظ على مدى المكر والتضليل اللذين قام بهما الرجلان اللذان جرتهما الصهيونية إلى مغطسها العنصري الدموي، وجرَّا العالم إلى علاقات جديدة مربكة ومهلكة على المدى البعيد، قوامها الخداع وعدم الثقة والقوة العمياء والمصالح المادية والنظرة الاستعلائية التي تنم عن عنصرية مقيتة وتنشرها في العالم، وتقدم أكاذيب تتعالى على الحقائق.. كما تتعالى على الحضارات والثقافات والعقائد والشعوب، ولكنها بالمقابل توقظها على النزوع الإمبريالي الجديد.
ويحق لنا أن نسأل بعد الحرب التدميرية التي طالت أفغانستان والعراق، ويُلَوَّح بها لدول وشعوب وحضارات: هل بوش تاجر نفط، أم تاجر سلاح أم تاجر دم؟! يصعب علي التمييز، ولكنني أجنح نسبياً في الوصول إلى إجابة مقبولة حين أجد أن مثلَه الأعلى هو شارون..
قد شهد التاريخ سقوط هؤلاء، وسقوط سواهم من طغاة العالم ومن كانوا من حكمائه، ولكنه يحفظ لكل شخص موقعاً وصفات ومكانة وقيمة.
دمشق في 10/7/2003
|