صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

نوع من الوهم

خاض الرئيس بوش حرباً ما زال يبحث حتى الآن عن الدليل الذي يثبت الادعاءات والمسوغات التي قدمها لشعبه وللعالم من أجل شنها، وعلى رأس ما يبحث عنه مع شريكه توني بلير: "أسلحة الدمار الشامل العراقية؟! "فهل وقف أحد من قبل على حرب تخوضها دولة من دون أن تتأكد من أسبابها و مسوِّغاتها، وهل توقف أحد عند جريمة تُرتَكب أولاً ثم يتم البحث عن مسوغات وأدلة لارتكابها؟! إذا كان هذا يدخل في باب العجائبيات المثيرات من الأمور والقضايا فيجب ألا نذهب في هذا الاتجاه، ولا ينبغي أن يصرفنا ذلك عن حقيقة الأهداف المعروفة للحرب، التي يتم تمويهها في السياسة، والتفاخر بها في مجالات أخرى منها الإعلام. وحقيقة الوضع في مثل هذه الحرب أنها مطلب صهيوني ومصلحة أميركية: نفطية واستراتيجية، التقتا في مفصل نظام باء بغضب الكثيرين ففقد تعاطفهم وأضاع المصداقية.‏

وليس وجود خطأ في المعلومات أو تضخيمها هو الذي دفع بوش وبلير للحرب، فذاك قرار لا صلة لاتخاذه بما أشيع من ذرائع له. لأن تعمد مسؤول أعلى استخدام معلومات يدرك جيداً أنها مزورة، بعد الإعلان الرسمي في الأمم المتحدة عن كونها كذلك، ومن ثم توظيفها لخدمة الهدف المحدد مسبقاً: الحرب، يغري بالقول: " إن التزوير قد طلب، أو تم اعتماده أصلاً من دون اكتراث بإمكانية الكشف عنه ولا بأهمية أن يكشف، لأن الغاية تبرر الوسيلة، ولأن من يقوم بالفعل يعتقد أنه فوق كل من قد يشكك به وبفعله؛ كما أنه في نظر نفسه، ونظر من هم حوله يستدرجونه للفعل المطلوب "أرفع بكثير ممن قد يسألون ويغضبون، ومن يعرضهم للموت والمعاناة في سبيل تحقيق ما يعتقد أنه مصلحة "الشعب المختار، وتكليف إلهي، ونداء التاريخ، ومصلحة بلد هو فوق البلدان وشعبه فوق الشعوب باختيار " إلهي" ونزوع عنصري فائقين"؟!.‏

وإذا كان هذا مما ينبت على شوك اللسان سؤالاً يقول: كيف يمكن لشخص أو لعدد قليل جداً من الأشخاص أن يتسببوا بموت عشرات الآلاف من الناس، وتدمير العمران واستنزاف ثروات الشعوب، في حرب يصممون على خوضها وتهيئة الظروف لها وهم يدركون نتائجها المدمرة؟! وإنه سؤال لا بد من طرحه ونحن نواجه بوش وبلير وصدام حسين وسواهم في مراحل من التاريخ، وهم يخوضون حروباً يكون ضحيتها الأبرياء والحضارة وقيم الإنسان، لكي يتربعوا فوق الخراب والدمار والدم من بعد، ويأمروا بكتابة التاريخ الذي يرون بوصفهم منتصرين!!‏

يبدو لي أن البشرية تخرج من حالة غباء لتدخل في أخرى، بفعل أشخاص لا يتحلون بالمسؤولية ويتوهمون أنهم يحتكرون الحكمة، من دون معنى ومن دون فهم عميق لدروس التاريخ ومعاني الحكمة وتطلعات البشر.‏

هناك ساسة لا يفقدون قيمهم الروحية والخلُقية وهم في مناصبهم السياسية، بل قبل أن يصلوا إلى تلك المناصب، ومع ذلك يتحملون مسؤوليات في أوطانهم أو في العالم تبدو فضفاضة على ضمائرهم وعقولهم. وهناك أشخاص تضيع كل معاييرهم وقيمهم حين تستغرقهم المسؤوليات والمناصب السياسية، فيلحِقون بالعالم والحضارة البشرية والقيم الإنسانية أضراراً فادحة. وقد يتولون كتابة التاريخ من وجهة نظرهم بوصفهم منتصرين أو أقوياء، فيزورون الحقيقة ويظهرون أبطالاً؟! ويملون على البشر أن يصدقوا ذلك ويتداولوه ويتعلموه ويورثه كل جيل منهم للأجيال اللاحقة؟!‏

كان حجم الخطر على البشر واضحاً في حرب نتيجتها شبه محسومة لمصلحة القوة الأعظم، ومع ذلك تم التخطيط لاستخدام قوة تدمير في غاية الشدة، لا ترمي إلى تحقيق نصر سريع على العراق، بل إلى تدمير شامل واسع المدى للجيش والسلاح والدولة والبشر والبيئة وسلامة الإنسان، وهذا ما أكده أميركيون، ففي لقاء بتاريخ 19آذار 2003 مع البروفسور دوج روكيه المسؤول السابق في البنتاغون عن الأسلحة التي تستخدم اليورانيوم المنضَّب أشار إلى المخاطر الكبيرة التي تنتج عن استخدام هذا النوع من الأسلحة, وقال: "إن استخدامها يشكل جريمة ضد الله والبشرية"، ودعا إلى عدم استخدامها، وإلى تحريم ذلك الاستخدام.. ومع ذلك استخدمت على نطاق واسع، ومن دون أي اهتمام بما يشكل خرقاً فاضحاً وفادحاً لما هو إنساني وأخلاقي يستحق أن يُحتَرَم تماماً.‏

عجيب وضع البشر من هذه الزاوية، وعجيب أكثر سكوت الجماهير وانصياعها بل انسياقها كالماشية وراء من يقودونها، أو يسوقونها إلى الموت المادي والروحي معاً, من أجل أهداف وغايات ومصالح مريضة ومتهافتة: خُلُقياً وإنسانياً، وتحت شعارات عاطفية أو عدوانية أو مادية أو عنصرية، هي في معظمها تسلطية، لا تقرها الحكمة، ولا يقبلها الإنسان العاقل في الظروف الطبيعية.‏

ترى ما هو السر في أن الإنسان ضمن الجماعة، وتحت ضغط الشعارات، وبتأثير العاطفة يفقد الكثير من اتزانه وخصوصيته العقلية وحكمته ورؤيته الثاقبة ومعاييره الإنسانية العظيمة؟! هل هو التصرف الجمعي والفكر الجمعي يا تُرى، أم رسيس مواقف ومعطيات مغلوطة تراكمها الأيام والأيديولوجيا والسياسة والإعلام والخرافات عن الآخر؟!‏

علينا ألا نلوم السياسيين فقط ونلقي المسؤولية كلها عليهم، فهناك من يقدم لهم ما يغريهم بهذا الفعل أو ذاك. وفي مجال الحرب العدوانية على العراق لم يكن اليهود الصهاينة في واشنطن العاصمة، والكيان الصهيوني من خلفهم وراء التهييج والدفع بهذا الاتجاه، وربما وراء التسميم الإعلامي الذي يقدم للثور الهائج في الحلبة وشاحاً أحمر اللون، بل كان لمثقفين، ومن أصول عربية مواقف دافعة بشدة باتجاه حرب الصهيونية واليمين الأميركي المحافظ على العراق، وتهديد سورية ولبنان وإيران.. فتلك سلسلة عقول تعتقد أن لها الهيمنة على العقل والفكر والثقافة والحضارة، وتستمد من الفكر الصهيوني العنصري من جهة، ومن الفكر النازي من جهة أخرى دفقاً عنصرياً مستمراً يتجلى تياره اليوم بإنتاج ليو شتراوس وأتباعه. وهم لا يرمون بالحرب التي يروجون لها إلى التدمير المادي: تدمير السلاح والعمران ومقومات القوة المادية، وإنما إلى تدمير إرادة الأمة وقيمها وقواها الروحية، والقضاء على تمايزها وهويتها أيضاً.. " إنهم " لم يرغبوا في شن حرب على المصالح بل على القيم، حرب على رؤية أخلاقية"، من أجل "تغيير تلك الدينامية الثقافية والسياسية التي تنبتهم ـ أي المقاومين العرب ـ من الجذور" كما قال بيل كريستول. وقد جاء في استراتيجية الأمن القومي الأميركي بتاريخ 10/11/2002 الآتي:‏

"الحرب على الإرهاب ـ أي المقاومة والممانعة ضد أشكال التبعية والهيمنة والاختراق الأميركي ـ ليست صراع حضارات لكنها، رغم هذا تكشف عن صراع داخل حضارة، معركة من أجل مستقبل العالم الإسلامي. إنه صراع أفكار وهذا جانب يجب أن تتفوق فيه أميركا".‏

ويقول بعض " أبناء جلدتنا: " من المروجين لهذا النوع من الحروب والهيمنة والتصفيات الفكرية والحضارية إن القومية والدين هما سبب تخلف العرب"؟! وفي نمط آخر ضمن مدخل نفسي مموه يقول ثانٍ: "..وهذا الإحباط التلقائي هو نتاج ثقافة ينبغي لها أن تتحمل كامل المسؤولية عن الجراح التي سببتها لنفسها: فلا مبرر هناك لتكريس المزيد من الطاعة والإذعان في المنطقة. ". ونسأل: من الذي يساهم في صنع الطغاة، ويريد مزيداً من الطاعة؟! إنهم بالدرجة الأولى الأميركيون والاستعماريون الذين صنعوهم وحموهم، وهم الذين يستخدمونهم ضد شعوبهم ثم يلفظونهم لفظ النواة بعد أن يستنفدوا أدوارهم الداخلية أو الإقليمية. و غالباً ما يتم ذلك الإنهاء بمذبحة أو مذابح للشعب الذي يدفع الثمن عن الجميع، ويضيف مثقف كان في يوم ما عربياً: ".. وينبغي أن تكون الدوافع وراء المحاولة الأميركية في العراق وفي المناطق العربية المجاورة أبعد من مدى إسقاط نظام صدام حسين، ونزع أسلحته المميتة وتفكيكها، بل أن تتجاوز ذلك إلى تحديث العالم العربي وإدخاله في العصر الراهن". وكأن الوطن العربي بحاجة إلى قرن جديد من الوصاية الاستعمارية الصهيونية عليه، والنهب المستمر والمتجدد لثرواته، وهدر دماء أبنائه.. قرن تعيَّن لـه فيه الثقافة والتربية والمناهج والقيم والمفاهيم والرئاسات والحكومات والسياسات والمسارات والاختيارات!. إن هذا الذي نرفضه بشدة لا يعني مطلقاً أن نرضى عن حالنا، وألا نحمل أنفسنا القسط الوافر من المسؤولية عما يجري لنا وفي وطننا.. فالوطن العربي لا يحتاج إلى التحديث والتطوير والتقدم واحترام الحقوق والحريات وتنمية الوعي وحس المسؤولية..إلخ فقط، بل يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك وأوسع وأشمل في كل مجال من مجالات الحياة والعمل، ولكن المداخل الاستراتيجية إلى ذلك ينبغي أن تكون وطنية وقومية وتحريرية تحررية بالدرجة الأولى، وعلى رأس ذلك يأتي مدخل التخلص من الاحتلال والتبعية والنفوذ الاستعماري والهيمنة على السياسات والعقول والإعلام والثقافة والتربية والاقتصاد.. إلخ، وتنطلق من تربته الروحية والثقافية والوطنية والقومية، إننا لسنا بحاجة إلى المستعمرين والمستغلين والنهابين والعنصريين والمحتلين والمحتالين ومن يزعمون أنهم " ينشرون الديموقراطية مع اليورانيوم المنضب"، وهم يحتاجون إلى فهم الديموقراطية وتطبيقها في أفقيها القانوني والإنساني: في الهيئات الدولية، والقانون الدولي، والعلاقات بين الدول والشعوب، وفي المصالح الحيوية للبشر.. كل البشر، وفي البيئة التي يعيش فيها الناس، وبين الأفراد في بلدانهم.‏

إن معظم مصائب شعبنا، ومعوقات تقدمه من الاستعمار، ومن أنظمة ما زالت تابعة لـه أو مرتبطة به أو محمية منه، وهي من غرسه المقيت، ومما تحرص عليه، وتغطي عيوبه الصهيونيةُ الأبشع من النازية والإمبريالية الأميركية، وغرسهما ومقاييسهما وتوصيفاتهما وتحالفاتهما وتدخلهما المباشر وغير المباشر في هذا الشأن أو ذاك من الشؤون الداخلية لأقطارنا، وما تصدرانه عن الوطن العربي من أكاذيب.‏

إن المحتل يزرع الفتنة والفرقة، ويختار من يتعامل معه ويرضى عنه على أساس أنه أداة بيده لتحريك الفتنة، وإراقة الدم وطأطأة الرؤوس، وقبول الهزيمة والتفريط والتنازل عن الحقوق والثوابت والهوية والعقيدة والانتماء، وتهجين العقل والوجدان معاً. فلننظر إلى ما يقدره العدو الصهيوني ومن ثم حليفه الأميركي في أبي مازن وبعض الشخصيات الفلسطينية ـ ولا يعني نقلنا لما يذكره أننا بالضرورة نأخذ بأحكامه، إنما نرمي إلى تقديم بعض معاييره ورؤاه وتقويمه للأشخاص لنعرف العدو ولنتنبه لما يفعله بنا ليشيع الفرقة والفتنة، ويغري من يغريهم بوسائله. يقدم الصحفي الصهيوني بن كسبيت في مقال لـه /معاريف 11/7/2003 المواصفات المميزة للرجال الذين تدعمهم تل أبيب، ومن ثم يأتمر العالم بأمرها ويدعمهم، وهذا مقتطَف من المواصفات التي أوردها نقلاً عن مصادر أمنية قال:" وذهب مصدر أمني رفيع المستوى هذا الأسبوع بعيداً وقال: ثمة لدى أبي مازن إمكانية للتنازل عن حق العودة. إننا نفحص سلوكه، صياغاته، طريقته في التفكير وأفعاله على الأرض. نحن مقتنعون أن الرجل براغماتي، وأن الاستنتاجات التي يتوصل إليها أصيلة، وتأثيره إيجابي." وأضاف في المقال ذاته: " ..والمساعدان الأقربان لأبي مازن هما من خريجي الجامعات الأرقى في أميركا، يتحدثان الإنكليزية بطلاقة، ويلبسان جيداً، ويعرفان مطاعم السوشي على ساحل تل أبيب. وهما النقيض التام لحفنة المقاتلين التي تحيط بعرفات في المقاطعة."‏

فنتأمل هذه الأقوال وخلفياتها ومراميها..إلخ، وقال الصهيوني عوزي بنزيمان: " .. وفي نظر رئيس الأركان الإسرائيلي، إن إحلال أبي مازن في موقع عرفات في القيادة الفلسطينية يمثل درَّة التاج الإسرائيلي في الرد على الانتفاضة العنيفة التي نشبت في أيلول عام 2000 ".‏

هذا هو منطق العدو.. هكذا يفكر ويدبر.. وحليفه الأميركي لا يكتفي بالضغط من أجل تحقيق ما يريد في هذه المجالات، بل يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك، ليس في وطن العرب فقط بل في العالم. ومن المفيد أن نقرأ ما جاء في رسالة لمنظمة مؤتمر الأمن والتعاون الأوربي في 19/6/2003 ".. من واجب الحكومات أن تتأكد من خلو الكتب المدرسية والتصريحات والمنشورات الرسمية والبرامج التلفزيونية العامة من معاداة السامية". ولم يكن هذا موجهاً للأوربيين ليغيروا مفاهيم ثقافتهم، بل من أجل أن يضغطوا على العرب والمسلمين بغية تطبيق هذه الرؤية، خدمة للمشروع الصهيوني الذي لا يتم لـه البقاء والانتشار إلا بتدمير القوى، وتخريب القيم، وتدمير الخصوصيات الثقافية والمفاهيم المتصلة بالهوية والعقيدة والعروبة في وطن العرب والمسلمين.‏

وكان الرئيس بوش قد عدّ أن التحريض على مقاومة الاحتلال الصهيوني نوعاً من الإرهاب، وذلك في خطابه في قمة العقبة 5/6/2003 حيث دعا إلى وقف "التحريض في الكتابة والإعلام والسياسة.".‏

وهو بهذا لا يوافق الكيان الصهيوني فقط، وإنما يرفعه فوق السياسات والشبهات والثقافات والاجتهادات، ويدعو العالم لإعادة النظر في ثقافته ومناهجه لكي لا يكون فيها ما يزعج اليهود؟!‏

إن عمق التحالف الأميركي الإسرائيلي، والسيطرة الصهيونية على القرار الأميركي، يجعلان من كل توجه عربي لكسب ود الولايات المتحدة الأميركية في علاقات تفاهم يعطي توازناً من نوع ما مع الكيان الصهيوني، أو يجعلها تنحاز لجهة العدالة والنزاهة في الصراع، نوع من الوهم، وعلينا ألا نستمر في ابتلاع الوهم.‏

دمشق في 17/7/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |