|
تذكّروا يا أولي الألباب
بينما الهدنة التي أعلنتها المقاومة الفلسطينية المشروعة مستمرة ومستقرة ولا يوجد لها خرق ولا تهديد بخرق، والحدود اللبنانية مع شمال فلسطين المحتلة هادئة، وحزب الله لا يقوم بأيّ عمليات مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني لمزارع شبعا؛ واللقاءات بين أبي مازن ونظرائه الصهاينة تسير وفق الخطة التي ترسمها الإدارة الأميركية بالتنسيق التام والاتفاق المسبق مع الكيان الصهيوني، ومخطط إثارة الفتنة بين الفلسطينيين بعضهم مع بعض، وصولاً إلى حرب أهلية بينهم يطلبها الأميركيون والصهاينة، ويؤسسون لها ليتم التمهيد لتنفيذ خريطة الطريق، موضوع على نار هادئة في واشنطن وتل أبيب.. بينما يتم ذلك كله، يجدد الرئيس الأميركي جورج بوش تهديده لسورية وإيران عشية انعقاد مجلس الأمن الدولي، لبحث موضوع العراق وزيارة أبي مازن وشارون لواشنطن، ويطالب الدولتين بالكف عما يسميه "رعاية الإرهاب"، إي دعم المقاومة، وإعاقة تنفيذ خريطة الطريق؟! ويكرر بطريقة لا تليق برئيس أعظم دولة مزاعم شارون التي وردت في خطاب وزير خارجيته سلفان شالوم أمام لجنة الشؤون الأميركية ـ الإسرائيلية " إيباك" في نيويورك يوم الاثنين 21 تموز 2003 حيث دعا شالوم إلى تنفيذ تهديد ضد سورية وإيران لأنهما تعيقان عملية السلام وتشكلان خطراً على أمن المنطقة، وزعم أن إيران، تهدد أمن المنطقة والعالم بصاروخ شهاب 3!.. متناسياً تهديد الكيان الصهيوني المستمر لأمن المنطقة والدول العربية والإسلامية منذ عقود من الزمن بما يملكه من أسلحة نووية وصواريخ بالستية وغواصات نووية.. إلخ وما يقوم به من عدوان واجتياح واحتلال مستمر وتهديد للدول العربية وإيران، و"لعملية السلام"؟!.
وإذا كان منطق شارون ـ شالوم معروفاً ومتوقعاً، لأنه من طبيعة الصهيوني العنصري أن يكذب ويفتري ويشوه الحقائق والوقائع والتاريخ، وتلك سمة صهيونية عالمية معروفة؛ فإن ذلك يظل مستهجناً من رئيس دولة عظمى يدعي " أنه يستند إلى "تكليف إلهي"، وأن "التاريخ يناديه" لينشر الحرية والحضارة والديموقراطية في العالم... إلخ وليس الخوف والتدمير والقتل والرعب والنهب على الطريقة الأميركية، والفوضى في العلاقات الدولية؟!.
لماذا يتوعد الرئيس بوش سورية من جديد في هذا التوقيت، ويهددها بالعقوبات وبما هو أكثر من العقوبات؟ ولماذا تحرك عناصر الحركة الصهيونية التي تكاد تسيطر على عقله وإرادته وإدارته وعلى مجلسي الكونغرس في بلاده، لماذا تحرك ما أصبح يعرَف بقانون محاسبة سورية الآن؟!
الأسباب وراء ذلك تكمن في بؤس الموقع والموقف اللذين وضع نفسه وبلاده وشريكه بلير فيهما، وهو على عتبة الانتخابات، على الرغم من لحظات التنفس التي يأخذها الآن بعد مقتل عدي وقصي صدام حسين في الموصل يوم الثلاثاء 2/7/2003. يبدو أن وراء تحرك الرئيس أهدافاً ترمي إلى تحقيق أمور، منها :
1 ـ الإخفاقات المتلاحقة لـه ولمنتدبه السامي بول بريمر، ولقوة الاحتلال الأميركية ـ البريطانية في العراق، سواء أكانت تلك الإخفاقات في مجالات الأمن، أم في تأمين الخدمات الضرورية للناس، أم في كسب الشارع العراقي، وموافقته على مجلس الحكم المعيَّن، أم في وقف المقاومة العراقية المتنامية للاحتلال، وتخفيف ما تلحقه من خسائر بشرية يومية بالقوات الأميركية.
2 ـ نجاح إيران في إنتاج صاروخ شهاب 3 الذي يصل مداه إلى 1300كم، ونشره في قواتها المسلحة، مما يمكنها من الدفاع عن نفسها بصورة أفضل.
3 ـ إخفاق إدارة الرئيس بوش في إقناع الدول العربية بزج قوة في العراق، لتساهم في حمل عبء عن الاحتلال الأميركي، وتسويغ ممارساته واستمراره. والانزعاج الأميركي من الدور السوري الذي لا يؤيد ذلك الاحتلال والتدخل لتسويغه، بل يطالب بوضع حد لـه، وبأن يتولى العراقيون شؤون بلادهم بحرية، بعيداً عن التدخل الأجنبي، وبسط سلطة الأمم المتحدة على الموقف هناك، قبل أن يتم أي تدخل عربي أو دولي، وجعل المحتل يتحمل مسؤوليات فعله، وتكاليف ذلك الفعل الذي كان خارج القوانين والإرادة الدولية، وتركه يستخلص الدروس والعبر من ذلك في أرض الواقع. إذ يبدو أن توجهه ذاك لن يتوقف عند حد، فما زال التدخل في شؤون الآخرين، والتهديد والعدوان سياسة معتمدة لدى الإدارة الأميركية، فهي تهدد دولاً وبلداناً كثيرة في العالم، وتريد أن تتدخل لتفرض ما تريد على من تشاء. وهذا توجه خطير في السياسة والعلاقات الدولية، ولا بد من مواجهته، وجعل الخارجين على القانون يعودون إلى الحظيرة الدولية، ويحترمون القوانين والمؤسسات التي يريدونها غطاء لهم في حالات، ويتنكرون لوجودها كلياً في حالات أخرى.
4 ـ الإخفاق الأميركي ـ البريطاني التام في الكشف عن أسلحة الدمار الشامل التي كانت، في العلن، السبب الرئيس لشن الحرب العدوانية على العراق 20 آذار/ مارس 2003. وبداية تكشّّف خيوط المؤامرة المدبرة لتدمير ذلك البلد واحتلاله. وانكشاف مدى الخداع والتضليل الكبيرين اللذين تما على طريق تحقيق ذلك الهدف، لا سيما بعد مقتل أو انتحار خبير الأسلحة البريطاني ديفيد كيلي، والعثور على جثته في غابة غربي لندن يوم الجمعة 18 تموز 2003. وها هو اليهودي الصهيوني الأميركي ريتشارد بيرل، أحد أكبر دعاة الحرب، وأقوى الدافعين باتجاهها بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية يقول في 23 /7/2003 رداً على سؤال حول المدة التي يستغرقها البحث عن تلك الأسلحة:" آمل أن يستغرق ذلك أقل من 200 سنة"! أما اليهودي الصهيوني الأميركي الآخر بول ولفوويتز نائب وزير الدفاع رامسفيلد، وصاحب النفوذ في اتخاذ قرار الحرب، فيقول في التاريخ ذاته ومن بغداد:”.. لست مهتماً بأسلحة الدمار الشامل.. لم آت إلى العراق للبحث عنها"! لكنه شن الحرب بذريعة التخلص منها وتحت ستار وجودها وتهديدها أمن المنطقة، والولايات المتحدة الأميركية والعالم كله!.
5 ـ لقاء الرئيس بوش في البيت الأبيض مع أبي مازن وشارون على التوالي، الجمعة الماضي والثلاثاء القادم، ورغبة الرئيس الأميركي بتسويق الأول واستمرار دعم الثاني في مسيرته الاستيطانية العدوانية، وتحميل الآخرين مسؤولية أفعال الصهاينة ونواياهم ونتائج ذلك، وهم الذين لا يريدون من خريطة الطريق سوى تدمير الشعب الفلسطيني ومقاومته، ووقف الانتفاضة، وزج العرب في دائرة الخلاف والضعف والتبعية بقوة أكبر.
6 ـ ويأتي إطلاق الرئيس بوش لتهديده عشية انعقاد مجلس الأمن الدولي لبحث موضوع العراق، ودعوة ممثلين من مجلس الحكم في العراق لحضور الجلسة. وقد حضر ثلاثة من أعضائه اجتماع المجلس، وبدأ الباجه جي في كلمته أمام المجلس رحلة اكتساب الشرعية بقوله: " هذه هي السلطة المؤقتة التي قال بها القرار 1483 " والمجلس معين من سلطة الاحتلال التي يمثلها بول بريمر، وليس منتخباً بحرية من الشعب العراقي، وتوجد اعتراضات معلنة على مدى تمثيله للشعب العراقي.
وهجوم الرئيس بوش يرمي إلى كم الأفواه، ومنع أي صوت من الاعتراض على ما تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تمنحه من شرعية للمجلس حتى قبل تشكيل حكومة عراقية، تتولى هي هذا الشأن وفق العرف والقانون الدوليين.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية تحاول أن تستتر بواجهة عراقية وقوة دولية، تساهمان معها في حمل أعباء الاحتلال، وفي استتباب الأمن، وتوفران على الأميركيين الأعداد المتصاعدة من القتلى والجرحى بين الجنود، وتجعل دول العالم تبدأ التبرع لإعادة إعمار العراق؛ بينما تتفرغ هي والكيان الصهيوني حليفها الأقرب، لأخذ التعهدات ونهب الثروات والسيطرة على النفط، وإقامة القواعد العسكرية الدائمة في العراق، وشراء العقارات..إلخ. وقد " سمحت وزارة المالية الإسرائيلية ـ وزارة نتنياهو ـ في 21 تموز 2003 للشركات الإسرائيلية بالتجارة مع العراق الذي لا يزال اسمه مدرجاً حتى الآن على لائحة الدول التي تعيش حالة حرب مع الدولة العبرية، وبات بإمكان الشركات الإسرائيلية من الآن فصاعداً أن تستثمر وتصدر وتستورد بصورة قانونية بضائع من العراق وإليه، دون أن تخشى أي عقوبات قضائية."
ولأن سورية عضو في مجلس الأمن الدولي، وقد تحاول أن تضع الأمور في نصابها، وتحث الدول على المطالبة بأن تنسحب قوة الاحتلال من العراق أولاً وفق برنامج محدد، فإنه لا بد من محاصرتها وتهديدها ووضعها في الشباك قبل أن تسبح في هذا المحيط، لأن سباحتها تزعج السياسة الأميركية.
والسؤال: هل ينجح الرئيس بوش واليمين المحافظ في الولايات المتحدة الأميركية، والعناصر الصهيونية التي تُعْرَف في واشنطن باسم معسكر "صقور الدجاج"، هل ينجح هذا التيار مرة أخرى في تضليل الأميركيين والعالم، وشد انتباههم بعيداً عن حقائق الأمور والممارسات المشينة للاحتلال الصهيوني في فلسطين، والأميركي في العراق، وعن المطالبة بإنهاء الاحتلال وبمنح دور أكبر للأمم المتحدة وما يُسمى: "المجتمع الدولي"، ذاك الذي تخرجه الولايات المتحدة من الجراب عندما تريد وتخفيه فيه عندما تريد؟!.. هل ينجح في شن حرب عدوانية جديدة من أجل الكيان الصهيوني والمشروع الإمبريالي الأميركي ـ الصهيوني؟!
إنه سؤال غاية في الجدية والأهمية والإلحاح الآن، حيث نعرف من قراءتنا للحوادث، منذ تسلم بوش وشارون السلطة، أن اللقاء بينهما يثمر دماً وعدواناً وخراباً واتهامات، فالأول معجب بالثاني إلى درجة الهوس، والثاني مجرم عريق وإرهابي عتيق، و"من يتبع البوم يدله على الخراب" كما يقول المثل.. وقد وقفنا على بعض ثمار ذاك التعاون والتنسيق والإعجاب " البوشي" بشارون " رجل السلام منذ مخيم جنين إلى تدمير العراق"!. إن الرغبة الأميركية ـ الصهيونية " الصادقة " في دعم أبي مازن لا تأخذ طريقها الصحيح: بإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من السجون الصهيونية، ووقف بناء الجدار الأمني الذي يقضم الكثير مما تبقى من أرض الضفة، وتفكيك المستوطنات، والانسحاب من القرى والمدن الفلسطينية المحتلة، ورفع الحصار والمعاناة عن الشعب الفلسطيني..إلخ، وإنما تأخذ سبل التحريض على المقاومة والانتفاضة والمطالبة بتدميرهما، وشن حرب من نوع ما على كل من يؤيدهما ويدعمهما بوصفهما حقاً مشروعاً للشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال منذ عقود من الزمن، وضد من يرفض التوصيف الصهيوني ـ الأميركي لهما على أنهما " إرهاب"، وتغذية الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية. وجعل بعض الفلسطينيين يتلهفون على حروب وأدوار جديدة من خلال توجيههم لتبني الضغط على آخرين، وتهديد دول يريد الصهاينة في الطرفين الأميركي والإسرائيلي أن يلحقوا بها الأذى ويجعلوها: تخاف، وتستسلم، وتعترف بالكيان الصهيوني، وتتنازل لـه عن أرضها ودورها الإقليمي وحقوقها التاريخية ومبادئها وثوابتها؟!.
إن الصهاينة لا يتوجهون نحو التخلص من طوفان العنصرية الغامر لعقولهم ومشاعرهم وسلوكهم، وهم يتحدثون عن فلسطينيين " ملطخة أيديهم بدماء اليهود" ولا يرون أيديهم القذرة، وينسون أن كل الصهاينة واليهود الذين يسيرون في ركابهم ملطخة أيديهم بدماء الشعب الفلسطيني وأطفاله، مما لا يذكره أحد من " العادلين!" بسبب العنصرية المتراكمة، والسياسة والإعلام المنحازين، والخوف من القوة الأميركية العمياء التي تناصر الصهيونية العنصرية وممارساتها الإجرامية الكريهة ومشروعها الإمبريالي من دون تدقيق؟!
وما زالت الاستراتيجية الصهيونية قائمة على التوسع والعدوان، وخدمة المشروع الصهيوني وفق المرحليات الممكنة، وهي تعطل، وسوف تعطل كل حل يمكن أن ينصف الفلسطينيين، ويبقيهم في أرضهم، ويعطيهم دولة ذات سيادة تامة قادرة على حماية سكانها ومصالحها وأرضها وشعبها ومقدساتها. وعلينا ألا نستمر في ابتلاع الأوهام، والسير منومين في طرق بوش ـ شارون أو غيرهما، من المسؤولين الأميركيين الذين أثبت التاريخ أنهم خلف مشروع واحد هو المشروع الإمبريالي الصهيوني المناقض تماماً، والمضاد تماماً لكل مشاريعنا النهضوية ـ الحيوية.
وأسوق للتأمل والتدبر بعضاً من آخر مشاريع قوانين الكنيست الصهيونية ليتوقف عندها من يهمه أن يعرف إلى أين يتجه التيار:
"في ختام مداولات مطولة حول خريطة الطريق، اتخذت الكنيست قراراً بشأن الأراضي المحتلة عام 1967، وجاء في الصيغة التي أعدها جدعون ساعر: "تقرر الكنيست أن حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل هو حق قومي، تاريخي أبدي لا جدال فيه، والكنيست تقرر أن أراضي يهودا والسامرة وغزة ليست أراض محتلة، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي، ولا وفق الاتفاقات السياسية التي وقعت عليها إسرائيل. والكنيست تشد على أيادي المستوطنين في يهودا والسامرة وغزة، وتدعو حكومة إسرائيل لمواصلة تطوير المستوطنات، أيضا وفق الخطوط الأساسية للحكومة. والكنيست تدعو الحكومة للإصرار في أي مفاوضات في المستقبل على الخطوط الحمراء، وبينها سيادة إسرائيل في القدس عاصمة إسرائيل الكاملة والموحدة التي لن تقسم أبداً، والمحافظة على مناطق أمنية تشمل أحزمة أمنية غربية على طول خط التماس، وحزاماً أمنياً شرقياً في غور الأردن، والمعارضة المطلقة لدخول لاجئين فلسطينيين إلى داخل إسرائيل، وتفكيك البنى التحتية للإرهاب، ووقف التحريض كشرط لأي مفاوضات على اتفاقات سياسية".
لقد صوتت الكنيست إلى جانب القرار بأغلبية ستة وعشرين مقابل ثمانية. وبين من أيدوا القرار وزيران كانا في القاعة، عوزي لانداو وجدعون عزرا.
هآرتس 18/7/2003 عوزي بنزيمان".
فتذكروا وتفكروا يا أولي الألباب.
دمشق في 25/7/2003
|