صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

إلى المثقفين العرب

شقة الخلاف تتسع بين المثقفين العرب، ومخاطر ذلك تتفاقم، ويصل تراشقهم بالاتهامات إلى الشارع، فينخر وجدان بعض الناس ويستولي على ذاكرتهم، ويصبح وجه الأمة وصورة مستقبلها، ويميت ما ينبغي أن يبقى حياً في النفوس، ويحيي فيها ما ينبغي أن يموت من ضغائن وعداوات وفتَن وسلوك وأحكام ومواقف. ولا شك في أن هناك تطرفاً في المواقف والأحكام والكلام يجعل بعض الواقفين على ضفة من الانتماء العربي يرون الآخرين خارج حدود ذلك الانتماء. وأخذَت أمراضٌ وأعراضُ نزعات ونزاعات واتجاهات قديمة مما كنا نظن أنه هزِم مع التحرر من الاستعمار تظهر وتستشري وتأخذ مكانها في ملامح ثقافة المستقبل ومستقبل الثقافة. مما يشير إلى أن تجدد المد الاستعماري ـ الإمبريالي في أنحاء من الوطن العربي على شكل احتلال مباشر أو هيمنة، أخذ يعصف بالثقافة كما يعصف بالجغرافية، وينشئ لدى كل طرف من أطراف الخصام تاريخاً يتعارض مع ما استقر في الوجدان العربي من التاريخ، ومن قناعة ورغبة مؤكدتين لدى كثيرين في ضرورة مجاوزة سلبيات في ذلك التاريخ لا بد من تجاوزها، للانتقال إلى فضاء رؤية يفتح أفق الأمل، ويبدأ منه الإبحار نحو مستقبل عربي أفضل.‏

ولأن كل فعل يولد رد فعل بالضرورة، ويتساوى الفعل ورد الفعل في قوانين المادة، وقد لا يتساويان في علاقات البشر بعضهم ببعض، لأن بعض الأفعال أو الردود عليها تكون معززة بقوة دفع خارجي وإعلامي وتنظيمي تفوق الفعل، وتطغى عليه كثيراً في بعض الأحيان، وتأتي مشحونة برصيد من الأحداث والمشاعر والأيديولوجيات يجعلها أشد اتساعاً وتأثيراً من الفعل ذاته في حالات كثيرة، فإننا نجد أنفسنا هذه الأيام أمام ما يشبه كرة ثلج تكبر وتتسخ وهي تتدحرج بسرعة فائقة، وتسحق تحتها الكثير مما لا يستحق أن يسحَق في أثناء تدحرجها.‏

ومما لا شك فيه أن علاقاتنا ومعاييرنا وأحكامنا ورؤانا وقيمنا ومقومات قوتنا ومعظم مصالحنا تتأثر سلبياً أو تتضرر كثيراً من جراء ذلك، وتكون النتيجة: ضعفاً في مواجهتنا للواقع الذي نعيشه ونعاني منه وفيه ونرغب في تغييره، وتآكلاً في الإرادة والقدرة أمام التحديات التي تطرح نفسها علينا، وانحناء لموجات العدوان والتهديد المستمرة التي تستهدف أمتنا وهويتنا وثقافتنا وعقيدتنا وجغرافية وطننا وسيادة دولنا وثرواتنا وأسواقنا ومصالحنا. ويستفيد عدونا من أخطائنا وتشتت مواقفنا ويتلطَّى وراء قسوة البعض منا وبطشه أو قصوره أو فساده، وخلف من يرتمون في أحضانه ويعيشون تبعيته، وارتباطاً به على نحو معروف ومكشوف.‏

ونظراً لاستمرار التدهور والتهديد والتحدي والخطر، واستفحال أمر المحتل والمعادي واستثماره لهذا الوضع أبشع استثمار في تعزيز احتلاله وهيمنته التامة على الوطن العربي من جهة، والعمل على إعادة تكوينه وفق خططه وتقسيمه إلى كتل متصارعة تسعى إلى الانتصار بعضها على بعض اعتماداً على ما يقدمه الأجنبي من دعم شرطه الأول الموالاة لـه، وتنفيذ ما يريد، والاستمرار في التناحر لينفذ في ظل ذلك استراتيجيته ومشاريعه التوسعية.‏

وهذا الوضع يستدعي من المثقفين العرب، أصحاب الهمة والغيرة والرؤية والمسؤولية من دون استثناء الخروج بالثقافة العربية والمثقفين من هذه الدوامة المهلكة، والعمل على إخراج الأمة منها. وتلك مسؤولية تاريخية تقع على عاتقنا جميعاً في هذه الظروف الاستثنائية، من حيث مخاطرها ونتائجها وانسحابها على مستقبل الأمة والثقافة.‏

وتمهيداً، لذلك لا بد من أن نَجْسُر الهوة ما بين ضفتي المواقف المتنافرة المتناحرة، ونلتمس مخرجاً يؤدي إلى وحدة الهدف إن لم تتحقق وحدة الصف.‏

أعرف أن هناك من يقول بالفرز على ضفتي المواقف لأن الوضع لا يحتمل غير ذلك، وتجارب الماضي تفيد بضرورة القيام به، وتلك دعوة على ما فيها من معطيات، وما تقدمه من مسوّغات تؤدي إلى استمرار الصراع واحتدامه، وتشتت قوى الثقافة وتضادها مما يحرم الأمة من طاقة وعي تحتاج إلى أن يرفد بعضه بعضاً ليصبح تيار الوعي المنقِذ المسؤول قوياً ومؤثراً.‏

والسؤال الملح يقول: هل نستطيع التوجه نحو هدف مشترك لنا جميعاً انطلاقاً من هدف مشترك نعمل من أجله، تأسيساً على أن الاختلاف والصراع ينشآان من حرص المختلفين المتصارعين على الأمة ومصالحها، وتتضاد وجهات نظرهم بشأن الوسائل والأدوات والسبل الواجب اتباعها للخروج بها من المآزق التي هي فيها، وأن ذلك الحرص يجُبُّ، أو ينبغي أن يجُبَّ، الاتهام بالخيانة والعمالة والرجعية والتعصب والتطرف.. إلخ، ويغير المناخ الذي تنمو فيه وجهات النظر، لأنه لا بد لكل منهم من أن يقبل الآخر بوصفه شريكاً نظيفاً ومخلصاً، وصاحب رؤية مختلفة عن رؤيته لكيفية الوصول إلى الهدف المشترك، ولكنه في الوقت نفسه ليس مغلقاً ولا منغلقاً على رؤية الأمور،‏

لا يحيد عنها ولو تبين لـه خطأ رؤيته لها؟! أم أن الهدف المشترك غير محدد بعد، وربما غير موجود، وهناك اختلاف عليه أصلاً، مما يضع نصب عيني كل طرف من الأطراف هدفاً قد لا توافق عليه الأطراف الأخرى؟! وفي هذه الحالة تكون الطامة أكبر، وساحة الثقافة في دوامة صراع أطول وأعنف وأشد بؤساً وأقل نفعاً! وهذا يفاقم المخاطر القائمة والمحتملة، ويضيق هامش الأمل، ويلقي على أهل الثقافة مسؤولية أكبر لأنه يضعهم أمام احتمال أن يكونوا هم أساساً في الأزمة إن لم يكونوا أساسها، وأنهم السبب في عدم سير الأمة في الطريق السليمة المؤدية إلى النهضة والتحرير والتضامن والتكامل وسلامة الرؤية، أو على الأقل يجعلهم يتحملون قسطاً وافراً من المسؤولية عن ضياع الأمة لعدم التقائهم على هدف، وعدم اهتدائهم -هم - حتى الآن إلى طريق من طرق العمل لتحقيق الهدف، ولخلاص الأمة مما هي فيه.‏

من الواضح أنه إذا كانت الجغرافية السياسية للوطن العربي محكومة بخطوط "استراتيجية" واهية وملغَّمة بنزوع قطْري أناني متورم، فإن الثقافة العربية ينبغي أن تكون نازع صواعق الألغام، والسياج الذي يحمي هذه الجغرافية من التمزق والتناثر في الفضاء الدولي، وعليها أن تدفع الأنظمة نحو الإصلاح، ووضع استراتيجية قومية متينة وشاملة، تحمي الكل بقوة الأجزاء المنضوية فيه، ويحتمي بها الجزء من أي خطر يتهدده مهما كان مصدره؛ أما إذا كانت الثقافة هي حقول الألغام وهي الخطوط الواهية في ذلك النسيج والسياج، كما يريد بعض المثقفين العرب أن يراها وأن يجعلها وأن يقدمها اليوم، فإنها ستكون مدخلاً للاختراق المعادي الشامل والتخلف العربي الكامل لأنها تصيب الأمة في مقتلها. والذين يفعلون ذلك ينقضون بنيان قوتها، وإمكانية أن تصبح جبهة فاعلة تصحح وتحمي وتنقذ وتحرر، وتحاور الآخر باقتدار، وتشارك في التغيير وجلاء الصورة، ورد الاتهام، وتدقيق الوقائع والمصطلحات والمفاهيم والأحكام، لكي تكون العلاقات والمواقف والتوجهات صحيحة وسليمة، كما تشارك في صنع الحضارة الإنسانية، ووضع الأمة العربية في المكانة التي تليق بها تاريخياً من تلك الحضارة. وهم يرمون بفعلهم ذاك وتصورهم إلى جعل الصلات التاريخية بين الأقطار العربية من جهة، وبين الأمة العربية والأمم الأخرى من جهة ثانية، والمقاومات الراهنة كلها وما أنجزته وما يمكن أن تنجزه، أوهى من خيوط العنكبوت. وأصحاب تلك المواقف والرؤى ينمون التشدد في التطرف الذي يؤدي إلى النتائج الفاجعة، سواء أكان ذلك إيغالاً في التبعية والامحاء والانهزام في صور الهروب إلى الأمام، أم انغلاقاً وتقوقعاً وجموداً على أرضية التصلب ورفض المرونة البناءة. وكل من يقف على ضفة من ضفتي التطرف يشارك عملياً، أراد ذلك أم لم يرده، في تحقيق هدف العدو، لأنه يضعف: " الأمة " فيمكّن العدو من الوصول إلى هدفه. وهو بذلك ينتقل من شريك في الهدف لـه رؤية مختلفة عن غيره في الوصول إليه إلى صاحب هدف مغاير، لا يشاركه الآخرون فيه، ولا يشاركهم هو في هدفهم، ويريد أن يبلغ هدفه بالوسائل التي يراها مناسبة، بصرف النظر عن حكم الآخرين ورؤاهم وآرائهم ومواقفهم وقدراتهم.. إلخ، وهو في هذه الحالة: لا يقبل الحوار ولا يقبِل عليه إلا بمقدار ما يجعله يروج لوجهة نظره ويضعف غيره، بصرف النظر عن المصلحة العليا للوطن والناس، وبصرف النظر عن الوسائل والأدوات والأساليب وكل ما يسمى خُلُقاً وقيماً ومعايير وحقوقاً وواجبات.‏

ولا أشير هنا إلى فئة تشغل حيزاً بين جلدنا ولحمنا، وتجافي تاريخها معنا وتاريخنا معها، تريد بالعروبة شراً وترى أن مصلحتها تصب في تفجير جسور التواصل ومناخ التحاور وفرص اللقاء، لأنها اختارت أن تشن حرباً على الأمة العربية في توقيت تراه ملائماً فتآخت مع أعدائها، في حين كانت في حرم الأخوة التاريخية مع الأمة العربية على مدى التاريخ، فتلك حالة وضعها مختلف، ولا أتعرض لها هنا، وليس هذا مجال تناول شؤونها، وما تخلفه لذاتها ولغيرها من شجون.‏

ما أريد أن أركز حديثي فيه ودعوتي إليه: هدف مشترك للثقافة العربية يعمل عليه كل من يشده الانتماء والإخلاص والوفاء، ويقتنع بضرورة بلوغ ذلك الهدف لكن بالطريقة التي يراها ملائمة، ويتحاور مع الآخرين من موقع:‏

ـ الشريك في الهدف الذي يعمل على الوصول إليه بأسلوب يراه صالحاً، ويعلي الهدف على التعصب لأي أسلوب وينفتح على المجدي والمؤثر والسليم من الأفعال والأقوال.‏

ـ والشريك في الهدف الذي يدافع عنه بمواجهة المعادين أو الراغبين في المعرفة من غير الشركاء في الهدف ذاته وفي العمل من أجل الوصول إليه.‏

في الحوار مع غير الشركاء، هناك وحدة موقف، ووحدة صف، وتعدد في أساليب الخطاب، لإيصال مضمون متفق عليه يرد على العدو، ويزيد عدد الأصدقاء بالمنطق المستند إلى الحجة والبرهان والعلم؛ وفي الحوار مع الشركاء رغبة صادقة في التفاهم والتواصل في إطار الاختلاف على أساليب تحقيق الهدف وليس على الهدف ذاته.‏

تعالوا نفتح صفحة جديدة بين أهل الثقافة نتخلص فيها من الأحكام المسبقة والمتاريس الراسخة والاتهامات الجاهزة والكلمات القاسية أياً كانت، وندخل بحسن نية وشعور بالمسؤولية، وتصميم كبير ينميه الخطر الأكبر المحدق بنا جميعاً.. ندخل ساحة المواجهة الثقافية من أجل الأمة والنهضة والمستقبل في الميادين كلها: الداخلية والخارجية، القطرية والقومية.. وليس هذا بعزيز علينا، ولا هو أكبر من تطلعاتنا وطموحاتنا وقدراتنا وآمالنا.‏

فأمتنا تتعرض لنهش الغرباء في جسدها، ونهش بعض أبنائها لذلك الجسد، ودائرة الشقاق تزداد وتتسع، ويزداد بسببها الشقاء والضعف وتآكل الأمل والإرادة، وليس لنا منقذ مما نحن فيه سوى أنفسنا، وما نقدمه للأمة بأنفسنا، بدلاً من الاستغراق في شقاء الشقاق. إنها دعوة للمثقفين العرب جميعاً للخروج من هذه الدوامة القاتلة وإخراج الأمة منها.‏

وإذا دعيت إلى الخير فاستجب، وإذا دعيت إلى الشر فكن في مستوى ترفّع الخيّرين عن إتيان الشر وعن السير في دروبه، فذلك ما تقتضيه الحكمة.‏

والله من وراء القصد.‏

***‏

** أثبت هنا للتذكير نصاً مرجعياً كنا ارتضيناه واتفقنا عليه منذ أحد عشر عاماً في عمَّان هو ميثاق المثقفين العرب، لعل الذكرى تنفع المؤمنين.‏

ميثاق للمثقفين العرب:‏

[[ نحن المثقفين العرب، الموقعين على هذا الميثاق، استشعاراً منا للمسؤولية التاريخية حيال الأمة العربية وقضاياها وأجيالها، وللدور الذي ينبغي أن نقوم به، عربياً، وعالمياً، بمواجهة التحديات التي يفرضها علينا العصر، والاستقطاب الدولي الوحيد الطرف، والتقدم العلمي والتقني، والإستراتيجية الصهيونية ـ الإمبريالية القائمة على القوة والقهر ومحو الآخر أو فرض التبعية عليه؛ نعلن وقوفنا بقوة وحزم، موحدين متماسكين، حول الثوابت المبدئية والتوجهات النضالية التالية:‏

1 ـ الصراع العربي الصهيوني، صراع وجود مع وجود، ولم يكن يوما ولن يكون أبداً نزاعاً على حدود، بين العرب والكيان الصهيوني الدخيل المفروض عليهم؛ ويتحدد موقف المثقفين من السياسات والتيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية في ضوء موقفها من ذلك الصراع ونظرتها إليه، وينسحب هذا الرأي والموقف على كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني وكيانه في فلسطين المحتلة، وعلى دعاة التطبيع ورموزه وممارسيه والمروجين له.‏

2 ـ الحرية والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة للمواطنين، تلك التي لا تنفصل عنها حرية التعبير ولا تقوم إلاّ باحترامها، وكذلك الممارسة الديمقراطية السليمة في حدود وعي نوعي بخصوصية الواقع والبيئة والمجتمع والمرحلة التاريخية والاجتماعية للأمة العربية، كلها قضايا رئيسة نُجْمِعُ على التمسك بها والدفاع عنها، والتعامل بمسؤولية وإدراك شديدين معها، ونعلن احترامنا للتعدد في إطار الوحدة الثقافية القومية للأمة، واحترامنا لحق الاختلاف كحق طبيعي لجميع المواطنين على أرضية احترام الأنا من دون تضخيم، واحترام الآخر من دون تقزيم، والاعتراف المتبادل بينهما، على أرضية الشراكة التامة الأصلية في الهوية والانتماء والمواطنة والمسؤولية وصنع القرار وصوغ صورة المستقبل والتماسه؛ وتقرير المصير المشترك للوطن والأمة والدفاع عنهما.‏

3 ـ الثقافة العربية ـ الإسلامية، بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها وتراثها وموروثها، وكذلك ما في اللغة العربية من حمل معرفي وقيم متنوعة عبر التاريخ، وما لها من فرادة وأصالة وتميز وما فيها من أصول، وما تعنيه وتستثيره في النفوس من قيم ومشاعر، هي بمجملها حدود وطننا الذي نتجذر في أرضه، ونحافظ فيه على هويتنا، وننمي فيه، بوعي معرفي عصري، خصوصيتنا، ونمارس انطلاقاً من ذلك مثاقفة مع الآخر باعتزاز وثقة وانفتاح، رافضين كل قطرية وإقليمية وطائفية تقزّمنا أو تقسّمنا أو تشوه نظرتنا ومواقفنا؛ وكلّ قوقعة وفهم مشوهين أو محكومين بموقف مسبق من تراثنا وانطلاقتنا الحضارية، ولا نضع في هذا المجال العروبة في مقابل الإسلام أو الإسلام مقابل العروبة، فهما يتكاملان ولا ينفصلان، وننظر إلى كل تنازع في هذا الاتجاه على أنه تنازع ضارّ ومفتعل ومدمر ويخدم مخططات تعادي أمتنا وثقافتنا، ويرمي إلى فرض التبعية والضعف علينا.‏

ولا يعني التركيز على الثقافة العربية ـ الإسلامية، عدم الاعتراف بقيمة الجذر الثقافي العربي قبل الإسلام وأهمية ذلك الجذر، الذي يمتد عميقاً ويؤسس للمعرفة البشرية، ولا التغاضي عن إمكانية حضوره والتواصل معه على نحو ما، كما لا يعني التقليل من أهمية الإضافات التي قدمها ويقدمها العرب من معتنقي الرسالات السماوية الأخرى، فكل ذلك إرث ثقافي عربي نعتزّ به ونتواصل معه وننميّه، ونستشعر حضوره عندما نذكر الثقافة العربية الإسلامية.‏

4 ـ نحن مع المثاقفة التي تقوم على أساس من الثقة والاقتدار، بأوسع صيغها وأعمق تلك الصيغ وأشملها، ولا نرى في القوقعة أي خير، كما لا نرى خيراً في تبعية من أي نوع، لا سيما التبعية الثقافية؛ ولذا فإننا نرفض سياسات الانغلاق، كما نرفض أشكال الإلحاق والغزو والمحو الثقافي، ونتصدى لها، وندعو إلى وضع الخطط والإمكانات اللازمة لذلك، بدءاً من تحصين الوعي المعرفي الذاتي وتعزيز الأمن الثقافي القومي على جميع المستويات.‏

كما نرفض / عربياً / تبعية الثقافة للسياسة، وكل صيغ الإلحاق وصوره في هذا المجال، ونعترف في الوقت ذاته بأهمية تواصل الثقافة والسياسة، وبضرورة ذلك التفاعل والتواصل، وبمسؤولية كل من الثقافة والسياسة عن الوعي والمصير الفردي والجمعي، الوطني والقومي، وبمسؤوليتهما أيضاً عن مستوى الحضور الحيوي للأمة وتقدمها الحضاري، ومقدار استشعار أفرادها للسعادة والكرامة.‏

ونؤكد أهمية احترام العلاقة السليمة بين السياسي والثقافي، ومدى تحول الثقافي ـ لا سيما عربياً والآن ـ إلى تابع للخلافية السياسية العربية القطرية، حيث تتفاقم مخاطر الصيغة التجزيئية التعويقية الراهنة عربياً على الحاضر والمستقبل والمصير العربي كله، من جرَّاء ظهور القطرية وحضورها كصيغة اعتراضية على القومية، معوّقة لها بل نافية لتاثيرها ولضرورتها.‏

5 ـ نؤمن بأن الخلاص، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يكون قومياً أو لا يكون. وأن جهودنا سوف تنصب على إعلاء شأن أي فعل أو قرار عربي يأخذ ذلك بعين الاعتبار ويعمل من أجله. وأن حكمنا على أي توجه في هذا المجال يتم على ضوء انسجام ذلك التوجه مع المصلحة العربية العليا، التي تعلو، معيارياً وعملياً وخلقياً، على المصلحة القطرية الضيقة، من دون أن تنفيها كلياً.‏

6 ـ نؤمن بأن تقدم المجتمع العربي منوط بتقدم البنَى الفردية والاجتماعية والمدنية فيه، تربوياً وتعليمياً وعلمياً، وأن بناء الفرد والمؤسسات بناء سليماً ـ علمياً ـ متوازناً، يتيح فرصاً أكثر للخروج من حالة الإحباط والضياع، وانتهاك الحقوق والحريات، وضمور القيمة الخلقية والشعور بالمسؤولية وعدم احترام الفرد والقانون والمصلحة العامة والآخر الشريك، التي نعاني منها.‏

ولذلك فإننا نرى في الطغيانية ـ “الدكتاتورية" ـ حالة سياسية متخلفة لا تتلاءم مع القيم العربية والتعاليم الإسلامية، ولا تتفق مع روح العصر وتطلعات العرب للمستقبل، وتشكل أهم معوّق من معوّقات التقدّم الاجتماعي والعلمي والروحي والاقتصادي في الوطن العربي. ولذا فإننا نعلن وقوفنا ضد "الديكتاتورية" وأشكال الحكم الاستبدادي أينما وجدت، وندعو إلى العمل من أجل الوصول إلى صيغ سياسية عربية تقوم على المساواة والعدالة وتكرّسهما، وتستند إلى أوسع مشاركة جماهيرية في صنع القرار السياسي واتخاذه، والإشراف على تنفيذه والمحاسبة على ذلك التنفيذ، وعلى أساس مساهمة الأفراد بموضوعية وحرية وفعالية: روحية وقومية واجتماعية في ممارسة حقوقهم المدنية وأداء واجباتهم كمواطنين متساوين تماماً، بما لا يعطل الشرائع والتشريعات، وبما يحقق سيادة القانون، وسلامة الوطن، وإيجابية المواطن، وصحة مناخ العيش والإنتاج والإبداع، وبما يحد من انهيار القيم وانتشار الفساد في العلاقات الاجتماعية والأوضاع العامة، متحاشين العنف ما أمكن ذلك.‏

إن المثقفين العرب إذ يتمسكون بهذه الثوابت التي تشكل المشترك العتيد الأولى بالرعاية والاعتبار فيما بينهم، يؤكدون عزمهم على تعزيز مكانة الثقافة ودورها، وتحرير ساحتها وتحصين استقلالها ورؤيتها وإرادتها، خدمة للأمة وخدمة للثقافة، وحرصاً على مناخ ثقافي قومي واجتماعي سليم، تنمو فيه القيمة في ظل الفعل المنقذ، وينمو فيه الشعور بالمسؤولية على أرضية الانتماء القومي والإنساني وفي ظلال الحرية والتكافؤ، كما يؤكدون عزمهم على وضع نقاط الاتفاق تلك فوق كل خلاف فيما بينهم، والنظر إليها كثوابت مبدئية ـ قيمية ـ قومية ـ نضالية، وجعلها أساساً لمعيار يحكم مواقفهم وتعاملهم، ويحتكَم إليه في تقويم الأفعال والسياسات والمواقف والتوجهات والأشخاص. ]]‏

دمشق في 1/8/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |