صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

الجامعة العربية ضرورة

هناك بقية نفَس في الجامعة العربية، فقد رفض اجتماع وزراء الخارجية العرب في الأسبوع الماضي الخضوع لمطلب أميركي صريح قدَّمه وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى عمرو موسى الأمين العام للجامعة بضرورة الاعتراف بمجلس الحكم الذي عينه جيري بريمر ممثلاً شرعياً للعراق يحتل مكانه رسمياً في الجامعة، وإلا فهي "ازدواجية المعايير" حسب قول سدنة المعايير المزدوجة في العالم؟! مقارِناً وضع العراق اليوم بوضع فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني، وشتان ما بين الأمرين؟! كما رفض الاجتماع العتيد إرسال قوة عربية إلى العراق تشارك الاحتلال الأميركي البريطاني المسؤولية عن الأمن، وتساهم في تثبيت الاحتلال ومنحه غطاء شرعياً عربياً. وأعلن الوزراء موقفاً سلبياً واضحاً من الكيان الصهيوني ومن عبثه بالشعب الفلسطيني وحقوقه ودماء أبنائه وممتلكاته، وبما يسمى خريطة الطريق وعملية السلام، والالتزامات المتوقع تنفيذها بموجب ذلك، واستمرار ذلك الكيان في الخداع والتضليل وقضم الأرض وإقامة سور ينهي الدولة الفلسطينية المنتظرة والسلام معاً فـ "مع سور كهذا، تستحيل إقامة دولة فلسطينية" كما قال الرئيس الأميركي نفسه.‏

هذا الموقف الرسمي العربي قد لا يصمد طويلاً، وإن كنا نتمنى لـه أن يصمد ويتعزز، وقد يؤول الجهد المبذول حالياً من أجل تعزيز موقع الجامعة وقراراتها، والخروج بها من المأزق الذي وجدت نفسها فيه منذ الحرب العدوانية الأميركية ـ البريطانية على العراق، قد يؤول ذلك الجهد إلى الإخفاق، لأن الولايات المتحدة الأميركية بدأت مرحلة جديدة من الضغط على بعض الدول العربية للقبول بتمثيل مجلس الحكم المحلي للعراق، وبكل ما أعلنت الجامعة العربية عدم القبول به من دون انتظار لقرار جماعي عربي. ونحن نعرف مدى هشاشة مواقف بعض الدول العربية عندما يتعلق الأمر بمطالب أميركية، ومدى رغبتها.. حتى لا نقول هرولتها، في الاستجابة للمطالب الأميركية المهْلِكة والمربكة على الخصوص. ومن شأن خرق لاتفاق الوزراء العرب، إذا ما حدث الآن، في أي من القرارات المشار إليها، أن يؤدي إلى تهافت شديد في الموقف العربي كله، يصاحبه وينتج عنه خلاف يضع مواقف بعض الدول في طرفين متناقضين يتعالى منهما الصراخ والاتهام كما شهدنا وسمعنا منذ أشهر مضت، ومن ثم قد ينتهج كل قطر سياسة متعارضة مع سياسة القطر الآخر في هذا الشأن مستنداً إلى إغراء استخدام حق "السيادة " وما يرافقه من " نفْخَة" فارغة، تلك السيادة القُطْريّة التي طالما استخدمت ضد المصلحة العليا للأمة من منظور ضيق، ولكنها لم تجعل أياً من أقطار الوطن العربي التي استخدمتها سيداً بالمفهوم العالمي الدقيق للكلمة، بل على العكس من ذلك سلبته وسلبت الأمة كلها السيادة الفعلية والكرامة وأورثتهما الضعف وكلفتهما الكثير.‏

وإذا ما أضيف خلاف جديد إلى الخلافات العربية الكثيرة المعلنة والمستورة، في هذا الوقت الذي نحتاج فيه إلى الحد الأدنى من وحدة الموقف خلف هدف موحد، فإن مأزقاً كبيراً سوف يضاف إلى مآزق الجامعة الكثيرة، وضعفاً عربياً عارماً سوف ينداح في نفوس كثيرة، ومساحات واسعة من وطننا. ولن يكون هذا في مصلحة الأمة، ولا في مصلحة أي من أقطارها وأنظمتها وحكامها وقضاياها.‏

نحن بحاجة ماسة اليوم إلى أن نستشعر حضور الجامعة العربية في موقف قوي متماسك، وبحاجة إلى أن يتوافر الحد الأدنى من التضامن العربي على الصعيد السياسي خصوصاً بعد أن قتلت السياسة العربية فينا الكثير مما يجب أن يعيش وينمو ويكبر.. وبحاجة أشد إلى شيء من الثقة والأمل بعد الزحف المحموم " لثقافة وإعلام وسياسة" هدّامة على القيم والأفكار والتوجهات والصلات والآمال العربية.‏

لا شك في أن الشعب العربي ينتعش حين تُتَّخَذُ خطوة عملية من شأنها أن تضع الجامعة العربية على طريق العمل الجاد الفعال، ولن يتم ذلك ما دام كل قطر يتصرف على هواه، وينقض البنيان الذي ساهم في إقامته في حرم الجامعة، ويستطيع التنصل من أي قرار لا يرى فيه مصلحة قطريّة لـه على الرغم من أن كل خدمة للمصالح العربية العليا تنطوي على مصلحة قطرية على المدى البعيد فقوة الكل هي قوة للجزء حكماً. ولن تتم خدمة تلك الرؤية ما دامت بعض الأقطار تشكل على نحو ما حصان طروادة في البيت العربي لمصالح وسياسات واستراتيجيات أجنبية معادية كلياً لمبادئ الاستقلال والسيادة والكرامة فضلاً عن معاداتها للمصالح العربية، ولما هو أبعد من المظهر المادي لتلك المصالح بكثير.‏

إن جامعة الدول العربية بحاجة ماسّة لأن تستعيد شيئاً من ثقة الشعب بها، واحترام الدول الأعضاء لها، والمهابة والمكانة في المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية.. وليس ذلك عسيراً إذا صدقت النية، وصحت العزيمة، وكفّت بعض السياسات العربية عن وضع الألغام في المواقف والمناقشات والسياسات، ورفضت أن تكون مطية لآخر من خارج التاريخ والجغرافية والعقيدة، ولم تستجب لمن يريدونها ألغاماً في الجامعة وفي الحياة العربية، وإذا كان الاختيار الأول لكل نظام ومسؤول عربي هو وضع المصلحة العربية العليا فوق المصالح القطرية الضيقة بما لا يلغي المصلحة القطرية كلياً.‏

ويحق لنا بعد مرور عقود من تأسيس الجامعة، وكم كبير من التجارب والمآزق والكوارث التي ما زلنا نعيش انعكاساتها، ونعاني من نتائجها السلبية وندفع تكاليفها الباهظة، يحق لنا أن نتساءل: لماذا لا نطور ميثاق الجامعة العربية، وهياكلها التنظيمية والإدارية وأساليب أدائها؟! لماذا لا نقدّم لها الدعم المالي الكافي لكي تقوم بواجبها من دون إفراط أو تقتير؟! ما الذي يضيرنا إذا كانت جامعتنا قوية وقراراتها ملزمة للأعضاء حين تتخذ بالأكثرية المطلقة للأعضاء؟! وما الذي يعيق الجامعة أو يمنعها من توسيع دائرة المشاركة الشعبية:" المهنية التخصصية" في صنع القرار عن طريق تكوين هيئات استشارية تمثل النقابات المهنية والاتحادات والهيئات العلمية ذات الصفة القومية، فتكون تلك مرجعاً استشارياً من جهة، وأداة مساعدة على تنفيذ ما يتخذ من قرارات، وشرح ما يتم تبنيه من توجهات من جهة أخرى!؟ وما الذي يمنع من إنشاء مجلس أمة على المستوى القومي، أي " برلمان" عربي بالمعنى الدقيق والشامل للكلمة، يكون التمثيل فيه على أساس عدد السكان في كل قطر، وليس على أساس تمثيل كل قطر بعدد متساوٍ من الممثلين؟! أليس ذلك أقرب إلى الشعب ثم إلى المنطق والواقع والديموقراطية والشعب؟! ولماذا لا تكون بعض قرارات القمم العربية، بعد استكمال هذه الأطر والهياكل العامة، ذات صفة تشريعية تتبناها الأقطار وتصدرها قوانين ملزمة، أو يكون لها قوة القانون العربي العام؟! هل ما زلنا نزحف على ضفاف التشريع، ولنا من التجارب التاريخية والحضارية والقانونية على الخصوص ما يمتد في الزمن من شريعة حمورابي إلى كل ما أخذ ويؤخَذ من القرآن والسنة من تشريع أصبح في صلب تكوين التشريعات والقوانين المرعية التنفيذ في العالم؟! ولماذا لا تنشأ في إطار مؤسسة القمة، أو الجامعة محكمة عدل عربية نحتكِم إليها في حل خلافاتنا قبل أن نلجأ بالمستعصي منها إلى المحافل الدولية وننشر غسيلنا هناك؟ ولماذا لا تكون هناك قوة تدخل سريع عربية تعمل في نطاق الجامعة، وبأمر من القمة العربية عند الضرورة.. وضروراتنا كثيرة فيما يبدو؟! ألا تستحق قضايانا وحقوقنا وحرياتنا وعلاقاتنا وأرواح الناس من أبناء أمتنا، والممارسات المرفوضة من بعض أنظمتنا، والتحديات المطروحة علينا، والأزمات والخلافات التي نمر بها، وأشكال الاحتلال والتدخل والتهديد.. إلخ.. ألا تستدعي وتستحق وجود موقف موحد، وعمل عربي مشترك واسع يشمل مجالات الحياة والعلم والإنتاج لكي نؤسس انطلاقاً من ذلك وفي ظله لوضع عربي أفضل، ونهضة عربية أشمل، ولو بعد قرن من الآن؟ وكيف يمكن أن نصل إلى أي شيء مشترك إذا لم نبدأ الخطو على تلك الطريق بإيمان وإخلاص وثقة، وإذا لم نبذل ما يستحقه ذلك من تضحية وجهد وعمل يستند إلى العلم والعقل، ومعطيات الواقع وضروراته تلك التي تفرض نفسها علينا في كل حين؟! هل نخشى أن يغضب الصهاينة والأميركيون والغربيون منا وعلينا؟ حسناً إنهم يفعلون ذلك وأكثر، ويمارس الأميركيون على وجه التخصيص: التهديد والوعيد والإغراء والابتزاز لتشكيل تكتلات دولية تشاركهم العدوان والاحتلال والنهب، أو تشكل ستاراً، أو مظلة دولية لما يقومون به عدوان، وتدخل في شؤون الآخرين، ومن أعمال خارج القانون الدولي، والكثير من ذلك موجه ضدنا؟! ألا يجوز لنا أن نقوم بشيء مما تقوم به معظم شعوب الأرض، لنحمي بواسطته أنفسنا وحقوقنا وأرضنا وشعبنا ومصالحنا وأقطارنا وبعض قيمنا وكرامتنا؟! إنهم يريدوننا ضعفاء وأتباعاً ومنهكين، والعربي الطيب عندهم هو العربي الميت.. فهل نكره أنفسنا وحياتنا إلى الحد الذي يهون معه ألمنا ووجودنا في نظر أنفسنا؟! وإذا أصر أعداؤنا على الاعتراض والغضب مما قد نقوم به مما هو حق ومشروع فليعترضوا وليغضبوا.. فنحن في حالتي رضاهم وغضبهم بين المطرقة والسندان، ومشروع فعل عدواني قادم. فلنقم بشيء يمنحنا القوة والمنعة، ولعل في ما قد نفترعه من جديد الفعل إنقاذاً وأملاً.‏

وعلى كل حال ينبغي ألا نسجن أنفسنا في سجن الروع والرعب والإفلاس من دون الناس.. ولنا في السؤال الاستنكاري الآتي حق ومصلحة حيث نتساءل: هل انتهينا وانتهى عالمنا إلى نهاية بائسة تقوم على التسليم بأن يحكمه، ويتحكَّم به أميركي محكوم بقرار صهيوني يرى العالم من خلال الحقد والعنصرية والأساطير التوراتية والسياسية، والمشاريع الإمبريالية والصهيونية التوسعية.. ويريد أن ينهي الثقافة والعقيدة والقوة والهوية في وطن العرب والمسلمين ليستولي على مقاليد الأمور والعقول فيه؟! حقا سيكون ذلك هو بؤس العالم كله، وليس بؤساً لعالمنا نحن العرب والمسلمين فقط.‏

إن الأشرار لن يتوقفوا عند أي حد ما لم توقفهم قوة عند حد.. وليس عيباً أن نؤسس للقوة بمعناها الشامل في كل مجال، وأن نحقق التعاون والتنسيق والتكامل على كل صعيد، وأن يتم ذلك ابتداء من العمل العربي الجاد في إطار الجامعة العربية.. بيتنا المشترك؛ وإلا نفَّذ الإرهابي شمعون بيريس بأيدي البعض منا مطلب الصهيونية الذي عبر عنه بعد توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم حين وصف الجامعة العربية بأنها جامعة "الكراهية" ونادى بتدميرها وإقامة جامعة شرق أوسطية بدلاً منها يكون الكيان الصهيوني مؤسساً فيها؟! هل وصل الأمر بنا إلى حدود الأخذ بكل ما يقوله الصهاينة والمتصهينون وأتباعهم وعملاؤهم وكأن ذلك قدراً محتوماً علينا؟؟ لا أظن ذلك، وأرفضه، وأدعو إلى رفضه.‏

نعم إنهم يعملون من أجل تحقيق أفكارهم الهدامة ونحن نيام أو شبه نيام، وأن هناك من يعمل معهم من داخل البيت العربي لتنفيذ أفكار هدامة بالخطورة ذاتها أو أشد.. ولن نحتاج إلى الشواهد والأدلة على ذلك إذ يكفي أن ننظر حولنا.. ألا نرى إلى مؤسسات وشخصيات إعلامية وثقافية وسياسية تنهش لحم الأمة كل يوم وتشوه صورة الثقافة والسياسة والشهادة والمقاومة والنضال ضد الاستعمار.. وتقدم الحياة العربية للعربي وكأن كل ما فيها.. من الإنسان إلى البنيان.. ومن التاريخ إلى الجغرافية.. ومن اللغة إلى منظومات القيم والعقيدة.. كأنها سُبّة بوجه الحياة والحضارة والوجود، وينبغي أن تدمَّر ويدمَّر حاملوها من دون أدنى أسف أو تردد ليبنى على أنقاض ذلك عالم بوش وشارون وبلير وأتباعهم وصنائعهم وعملائهم من "سلالات قرضاي أو سلاسله الأميركية" الذين أخذوا يفرّخون في كل زاوية من أرض العرب، ويبدعون في التشويه، ويتطاولون على كل قمة وقيمة وثقافة ونظافة وسياسة وتضحية في وطن العرب.. يقلبون المفاهيم والمعايير، ويسيئون إلى الحقيقة والشرف والحياة ذاتها على أي شكل ولون كانت الحياة وقيمها ومقوماتها، ويشكلون ظاهرة فساد روحي وخلقي يتقزّم إلى جانبها خطر الفساد الإداري والمالي والسياسي المدمر الكريه، وهم لا يستحون مما يفعلون، بل هم لا يعرفون الحياء ولا يريدون أن يعرف حدوده أحد.‏

إننا في الزمن الصعب.. في الزمن الرديء.. في زمن تواطؤ مخجل للصهيونية والإمبريالية والشعوبية والفساد على الأمة العربية.. ولكنا لم نبلغ درجة اليأس، ولن نبلغها بعون الله.. ولا بد من عمل يغيّر ما بنا وما حولنا.‏

وعلى الصعيد القومي نرى أن تعزيز الجامعة العربية، وتطوير ميثاقها، وتوسيع دورها، وتحسين أدائها ضرورة في هذا الزمن رغم ما نعرفه من تاريخها، وقد يكون ذلك أحد المداخل إلى وضع سياسي عربي أفضل.‏

والله ولي التوفيق.‏

دمشق في 8/8/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |