صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

كي لا يموت الحق والكرامة فـي الناس

إذا قام الكيان الصهيوني باجتياح المدن والقرى الفلسطينية، وقتل واعتقل ودمر البيوت وشرّد الناس ووسع احتلاله واستيطانه، واخترق الهدنة وعطل " خريطة الطريق" وتصرف على هواه، فهو مبارك من المرجعيات السياسية الأميركية. وإذا اغتال مناضلين في بيروت، وحلق طيرانه فوقها، وفوق مدن لبنان وقراه، وخرق جدار الصوت مرهباً الناس، فهو يقوم بذلك دفاعاً عن النفس وخدمة السلام، وفعله ذاك مبارك من المرجعيات السياسية الأميركية العليا.‏

وإذا قامت الولايات المتحدة الأميركية بعدوان واسع النطاق دمرت فيه بلداً ذا سيادة، واحتلته ونهبت ثرواته، وسيطرت على مقدراته وهددت جيرانه، فذاك أيضاً دفاع عن النفس والمصالح، وعمل من أجل السلام؟!.‏

أما إذا دافع المستهدَفون بالعدوان والغزو والقتل والتدمير والاحتلال عن أنفسهم، وهم في أسرَّتهم أو بيوتهم أو مدنهم أو بلدانهم، فإن ما يقومون به إرهاب خطير يهدد السلام العالمي، ومصالح الولايات المتحدة الأميركية، وحلفاءها، ويقع خارج حدود الشرعية الدولية، وما يقبله المجتمع الدولي ويوافق عليه؟!‏

وإذا فكر شخص أو بلد بامتلاك سكين أو صناعة بندقية أو دراسة خواص اليورانيوم، فهو يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد العالم أو يفكر بامتلاكها، ولا بد من تدميره مع " أسلحته وأفكاره" في عقر داره بضربة استباقية، تبيحها السياسة الأميركية الصهيونية، أما إذا قامت الولايات المتحدة، والكيان الصهيوني بتطوير أي نوع، وامتلاك كل نوع من أسلحة الدمار الشامل، وبالكميات الهائلة، فذاك حق مشروع، وفعل مبارك، وجهد من أجل السلام.. لأنه يقرِّب "أبناء الله" وأحبابَه ومن اختارهم "شعبه" من دون الناس.. يقربهم منه ومن رضاه.. فالرب اليهودي "يهوه" لم يخلق بقية البشر إلا خدمة لأبنائه المقربين وشعبه المختار، ولم يجعل أولئك الخلق في صورة البشر إلا ليكونوا لائقين بخدمة شعبه اليهودي المختار!؟‏

كل الثقافات والأديان التي لا تسلم للصهاينة وأتباعهم من المحافظين الأميركيين الجدد، وأتباع المسيحية اليهودية بما يريدونه منها، وما يطلقونه عليها من أوصاف، وما يقومون به حيالها من تشويه، هي ثقافات وديانات معادية. و" من ليس معنا فهو ضدنا" حسب قاعدة الرئيس جورج W بوش التي انتزعها من سياقها الإنجيلي، وطبقها في سياسته، من دون مراعاة للأخلاق والقيم، قاعدة نافذة وسليمة وباقية، ولا يهم أنه أعطى لنفسه مكانة المسيح، ورأى أن على الناس أن يتبعوه، وإلا أطلق عليهم النار دفاعاً عن نفسه، وعن مصالح الولايات المتحدة الأميركية و" إسرائيل" وعن السلام العالمي الذي يحرص عليه حرصاً مذهلاً وقتَّالاً.. فذاك شأن أنبياء التوراة الذين يعجَب بهم أيما إعجاب ؟؟‏

هل رأى أحد في التاريخ عقلاً عنصرياً مسكوناً بالاستعلاء بهذا الانغلاق والأصولية السلبية؟ وهل صمد مثل هذا العقل للزمن، وبقي في التاريخ، ورسخ تقدماً حضارياً حقيقياً في العالم، وصنع سلاماً، ورسخه على أسس من العدل واحترام الإنسان والحقوق والبلدان والحضارات؟! هل رأى العالم تفكيراً عدوانياً إرهابياً مريضاً بالانحياز الأعمى، ومجانفاً للحقيقة والمنطق بهذا الحجم من الادعاء والعصمويّة والاستفزاز في التاريخ البشري كله يتحول إلى نظام للعالم!؟‏

الكذب عند هؤلاء مشروع، لأنه يأتي من أشخاص يرون أنهم "فوق الناس" ولا يعنيهم ما يقول الناس عنهم ما داموا يملكون القوة والمال والقدرة على الاغتيال، وتشويه الحقائق والوقائع، وتزوير التاريخ والمستندات؟‏

وليس غريباً أن يسترعي الانتباه وصول رئيسين أميركيين في دورتين انتخابيتين متتاليتين إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية كل منهما كذب بشكل فضائحي: الأول الرئيس بيل كلنتون الذي كذب تحت القسم في قضية مونيكا لوينسكي، والثاني جورج W بوش الذي كذب فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية، وضمَّن تقريره أو خطابه إلى الأمة، إشارة إلى وثائق أعلن في مجلس الأمن الدولي أنها مزورة، وهو يعلم أنها مزورة، ومع ذلك تذرع بها لشن العدوان، واستخدمها بعد الكشف عن أنها مزورة، وهي شراء العراق مادة اليورانيوم من النيجر. وقد مارس الرئيس بذلك خداعاً وتضليلاً مدروسين للرأي العام في بلاده، وفي العالم، ليخوض حرباً ذات أهداف معينة، بذرائع وادعاءات كاذبة.‏

هل تلك مجرد مصادفة؟ أنا أستبعد المصادفة إذا تواترت معطيات تجعل الاعتماد عليها في التفسير ضعيفاً. وإذا كان هذا الأمر يشير إلى شيء فإنه يشير إلى شيوع تربية عامة، ومنظومات قيم من نوع معين، وشيوع علاقات اجتماعية، وأساليب أداء فاسدة على رأسها أداء شركة " إينرون" الفاسدة التي جاءت بالرئيس جورج بوش إلى الحكم أصلاً؛ ذلك العمل الباطل الذي بني عليه باطل فأنتج باطلاً، وما زال ينتج غلاله البغيضة تلك، ويقدمها إلى العالم. إن الكذب قد غدا فيما يبدو ملح السياسة الأميركية التي فقدت مصداقيتها من جراء ذلك، ولم تعد تملك المسوغات الأخلاقية التي تجعل منها، ومن مسؤوليها قيمة تحترَم.‏

ولا يتوقف استخدام الخداع والتضليل عند حدود الرئاسات العليا، فهاهو الجنرال كولن باول يزعم أنه كان في الجيش الأميركي يدرب الشبان على العمل من أجل السلام، وليس على الحرب والقتل. وهو يقول في حديث إلى المشاركين في بذور السلام:”..فحين كنت في القوات المسلحة، دربت شباباً أميركيين في الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين من أعمارهم، وأعددتهم للسلام، للخدمة على حدود السلام كجنود، لحماية السلام، للدفاع عن السلام، وإذا ما اقتضت الحاجة، لخوض القتال في سبيل السلام إبان الحروب."؟! فهل يعقل أن ينطلي هذا على عقل بشر يدرك ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية في العالم من هيمنة وقرصنة وعدوان لتحافظ على مصالحها ولتحقق نفوذاً وهيمنة ومصالح؟! الواقع أن جنود باول قاتلوا وقتلوا دائماً من أجل المصالح الأميركية، ولفرض وضع على العالم فيه استسلام للأميركيين يسمى سلاماً، وليس من أجل السلام أبداً. ويتابع الوزير باول في حديثه إلى الشباب الذين تدربهم الولايات المتحدة ليكونوا قادة المنطقة الموالين لها، وللكيان الصهيوني في برنامج بذور السلام، البرنامج الذي أنشأه اليهودي الصهيوني جون والك أو والش بعد أوسلو خدمة للكيان الصهيوني، ويضم عرباً وإسرائيليين بالدرجة الأولى، فيقول باول:" أما نحن الموجودين هنا في وزارة الخارجية فلن نتوقف أبداً عن العمل لتحقيق السلام. وتتطلب قضية السلام أحيانا، كما شاهدنا في العراق وأفغانستان، استخدام السلاح لإحلال السلام. إلا أنه وبعد الانتهاء من استخدام السلاح، فإن واجبنا، التزامنا، هو على الدوام، إحلال السلام، ومنح الأمل للشعوب التي عانت خلال النزاع وعانت خلال الحرب." / كولن باول من خطاب لـه في 13/8/2003 / أي خداع يمارسه هذا الأميركي الذي يشغل منصب وزير الخارجية؟! ويا لـه من أمن وأمل يمنحهما الأميركيون الشعوب في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين..إلخ بعد سنوات من المعاناة؟؟ يا لـه من سلام وأمن وأمل يقدمه الأميركي الصهيوني للعالم اليوم، ويا لها من سياسة يتبعها أولئك للسيطرة على العالم، ونهب ثرواته، وخدمة مصالحهم، وتشويه ثقافات الشعوب وعقائدها وتاريخها، والوقائع التي تمر بها، من خلال الادعاء بأنهم يخدمون السلام والحضارة والتقدم؟!‏

علينا أن نتذكر أن أولئك من مدرسة واحدة مع شارون والقادة الصهاينة الآخرين، مدرسة "يهوه"، وأن الرئيس بوش يرى في شارون قدوة ومثلاً أعلى، ويراه رجل سلام، وربما نبياً من أنبياء اليهود.. فكل من يخوض في دم أبناء الأمم من اليهود هو نبي، وأتباع أنبياء اليهود في واشنطن اليوم هم أكثر من الهم على القلب؟! إن شارون يخوض في دم الأبرياء الفلسطينيين منذ سنوات طويلة، وهو يخوض فيه في كل يوم من أجل ما يسميه السلام، وهو يفعل ذلك " دفاعاً عن النفس " وفق المرجعية الأخلاقية للسياسة الأميركية، ويؤيده بوش وباول ورايس في أفعاله بشكل تام ودائم ومطلق وبلا أدنى شكوك.. ففعل نبي الإجرام، وملك الإرهاب اليهودي مقدس عند أتباعه ومريديه وحلفائه والمعجبين به!! وحين تقول المقاومة الفلسطينية مثلاً إنها قامت بالرد على العدوان والتصفيات والقتل والاجتياح الذي قام به الصهاينة بأمر من شارون مخترقين الهدنة، يقول باول: " هذه أعذار. ويستطيع كل شخص العثور على عذر لما يقوم به. يستطيع أي كان القول، حسناً، إنني أقوم بهذا بسبب ذاك... آن الأوان لوضع نهاية لاستخدام الإرهاب كطريقة لتحقيق هدف سياسي. إن هذا جزء من الحل بالنسبة للشرق الأوسط. وهو أيضاً جزء من الحملة العالمية ضد الإرهاب."/ من لقائه مع تلفزيون النيل المصري في 12 /8/2003‏

علينا أن نقرأ الأحداث والتصريحات والمواقف بدقة: باول على نهج معلمه: يقرأ المقاومة إرهاباً، ويدرجها في سلسلة الإرهاب العالمي، وفي مسلسل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، ويرى أن ملاحقتها ليست مشروعة فقط، وإنما هي مطلوبة، وتتحمل كل دولة في العالم مسؤولية في ذلك، وهو يُدخِل المقاومة الفلسطينية واللبنانية المشروعة في تعريف الإرهاب ودائرته من دون التلفّت إلى منطق آخر هو المنطق السليم الذي يراها حقاً مشروعاً لكل من احتلت أرضُه، ووقع عليه العدوان.. وشارون يدرج احتلاله في قائمة المتضررين من "الإرهاب" ويذهب إلى القول: إذا لم يقم الفلسطينيون بذلك ـ إي إذا لم يخوضوا الحرب الأهلية المطلوبة للقضاء على المقاومة الفلسطينية ـ فنحن نقوم به. وهو لم يتوقف عملياً عن القيام ببرنامج التصفيات والملاحقة وهدم البيوت وتوسيع المستوطنات، وخلق واقع جديد يؤدي إلى يهودية الدولة بالقتل، ومحو أثر الفلسطينيين وتهجيرهم وتسفيرهم، وخلق بؤر توطين جديدة لهم، منها ما هو في العراق بعد الاحتلال الأميركي البريطاني له؟!.. برنامج شارون مقدس، وهو جزء من الاستراتيجية العقائدية الأميركية الصهيونية، ولذلك لا ينبغي أن يعيقه عائق، أو يوقفه أي التزام من أي نوع بما في ذلك خريطة الطريق.. أما دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم "فخرق للهدنة وإرهاب مقيت" يستدعي أن يحشد العالم كله لمحاربته!. إنه منطق أفضل توصيف لتهافته وضعفه أن نسميه منطقاً أميركياً وكفى.. ومع ذلك فلم يسلم أحد من العرب من الانزلاق وراء هذا المنطق المزدوج المجافي للذوق والعقل والمنطق والقيم، فهناك من يقول به، وهناك من يروجه؟! ولله في خلقه شؤون.‏

وحين نقف على التهديدات لسورية ولبنان، والحملة ضد حزب الله، نجد المنطق الأميركي يزداد غطرسة صهيونية، وسفاهة شارونية. فأن يقتل الكيان الصهيوني المجاهد علي حسن صالح، ويخترق بطيرانه الأجواء اللبنانية من الجنوب إلى العاصمة إلى البقاع ويروع الناس.. فهو يمارس حقاً لـه يدخل في إطار الدفاع عن النفس، أما أن يدافع حزب الله عن عناصره، ويرد على استفزاز القوة المعادية، ويضربها في مواقع الاحتلال "مزارع شبعا" اللبنانية، فتلك أعمال إرهابية يتحمل مسؤوليتها هو ولبنان وسورية وإيران.. أي كل الذين يريد الكيان الصهيوني النيل منهم بالقوة الأميركية العمياء!! إن من يسكت على هذا المنطق ويروجه، ويحاول التستر على تهافته وعدوانيته وعنصريته شريك فيه، وفي كل ما ينتج عنه.. وما ينتج عنه خطير. وكل من يسكت على التهديد الأميركي والممارسات الإجرامية الصهيونية سوف يلحق به الدور، وهو عملياً يقضي على كل فرص السلام وعلى القيم والعلاقات الدولية ويؤسس للطغيان الأميركي الصهيوني الذي يتطلع للسيطرة على العالم. إن الخوف من المجرم يجعله يتمادى في الإجرام، وهذا بالضبط هو الشأن الأميركي الصهيوني اليوم الذي يقوم بالابتزاز والتهديد لفرض ما يريد من مفاهيم وقيم ومصطلحات وآراء ومواقف وثقافة وسياسة ومصالح بذرائع واهية تماماً، وبمنطق متهافت لا يبلغ ذروة تهافته سوى الذين يروجون لـه أو يسكتون عنه خوفاً أو طمعاً.‏

ماذا يطلب باول من سورية بعد عدوان شارون على الفلسطينيين، واجتياح مخيم عسكر في نابلس، واغتيال عناصر قيادية من حماس، ومحمد السدر من الجهاد الإسلامي في الخليل، وعلي حسن صالح من حزب الله في بيروت؟ يريد أن تنفذ كل ما يدعيه شارون، وما يطلبه الكيان الصهيوني، وتقتضيه المصلحة الأميركية التي تعزز الإرهاب الصهيوني وترعاه، وتمارس العدوان، وتقوم بالاحتلال في العراق وأفغانستان، وتريد من الآخرين أن يغطوا أفعالها، وأن يدفعوا تكاليف جرائمها لتتفرغ هي للنهب وتعزيز سلطاتها وهيمنتها على الواقعين تحت الاحتلال والسيطرة والنفوذ، والخائفين من العدوان والسيطرة والنفوذ؟!  لقد حدد الوزير كولن باول في حديثه لتلفزيون النيل المصري بعض المطلوب فقال: ".. إننا نعرف أن حماس ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطيني وغيرهما تخطط لمثل هذه الأعمال في دمشق. ولعلها أصبحت تقوم بذلك بشكل أكثر هدوءاً قليلاً مما كان عليه الوضع في الماضي، ولعلها لم تعد في نفس مبنى المكاتب الذي كانت تشغله، ولكنها ما زالت هناك، وهي تلحق الضرر بفرص السلام.‏

وعليه، فإننا نريد تسوية شاملة، وإن كانت سورية تريد تسوية شاملة فينبغي عليها أن تبدأ في مساعدتنا من خلال طرد مثل هذا النوع من الأفراد، مثل هذا النوع من المنظمات، من دمشق.‏

إن أي عدم استقرار على الحدود الشمالية لا يؤدي إلى شيء سوى جعل الوضع أسوأ بكثير، وإلى خلق الظروف التي من شأنها أن تلحق ضرراً أكبر بفرص تحقيق السلام.. ومن ثم، فكما قلنا لسورية وإيران وغيرهما، توقفوا عن دعم عمليات حزب الله، توقفوا عن لعب دور محطات توقف للأسلحة قبل استئناف نقلها إلى حزب الله، وقوموا باحتواء، وكبح، ووضع حد، لنشاط حزب الله في جنوب لبنان الذي يعرض جهودنا الرامية إلى تحقيق السلام للخطر، ويعرض الناس في شمال إسرائيل للخطر.". ‏

إن كولن باول يريد من سورية: أن تصنف المقاومة المشروعة إرهاباً، وأن تطرد المقاومة الفلسطينية بعد اتهامها بالإرهاب، وأن تجرد حزب الله من سلاحه، وأن تقف حارساً عند حدود الاحتلال الصهيوني تحميه وتبارك توسعه وجرائمه، وتهلل لعدوانه عليها عندما يحين وقته ؟! أي منطق لصناع "الحضارة والسلام والتقدم" بالمفهوم الأميركي الصهيوني لذلك كله.. أي برنامج لقطاع الطرق العنصريين.. أنبياء العصر الكذبة، علينا أن نقبله وننتظره ونباركه؟! ويراد لنا أن نتلاءم مع منطق العصر، ونقبل ما يريده المحتل والعنصري والكذاب، ونصفق لـه، ونسلمه رقابنا وبلداننا؟!‏

ويسألنا الذين يستغربون رفضنا لهذا المنطق والمطلب: ماذا لديكم حتى ترفضوا أن تكون برامجكم أميركية؟ ولماذا تتأخر سورية عن ضبط ساعتها على ساعة واشنطن؟! وعجبت ممن يقولون ومما يطلبون، إنهم يقولون عملياً: لماذا لا تستسلمون "لإسرائيل"؟ ما هي مصادر قوتكم وعلى أي شيء تعوّلون؟‏

وأقول: إن قوتنا تنبع من أننا على حق، وأننا نعتز بشعبنا وتماسكه، وأننا نريد أن نحافظ على كرامتنا، وأننا الموقع الأخير الذي تسقط بسقوطه الأمة العربية صاحبة التاريخ الذي ينبغي ألا يسقط أبداً. وأننا نعول على شعبنا، وعلى مواقف بقايا العرب، والعالم من الشرفاء الذين يرون الحق ويعرفونه وينصرونه. ونريد أن نقول للعنصريين والمتغطرسين بوضوح: إن التاريخ لم ينته ولن ينتهي، وإن إرادة الشعوب يجب ألا تموت، وإن أجيال أمتنا العربية يجب أن تعرف الحق وتدافع عنه، وتتمسك به وبالقيم التي تقيمه في الحياة والناس، وأن يبقى في ذاكرتها ما يشرفها أن تتمسك به وتدافع عنه، وما يحيي فيها القوة والأمل والقدرة على التضحية وصنع النصر والتحرير.. لا نملك قوة توازي قوة الولايات المتحدة الأميركية وحليفها الصهيوني.. ولا نطلب الحرب ونريد أن نبعدها عن بلدنا وشعبنا.. ولكن ليس بالموت من دون موت.. ونرفض الاستسلام والهزيمة والتسليم للعدو بكل ما يريد مما يكوِّن حقنا وهويتنا وكرامتنا ومصالحنا وسيادتنا.. باختصار شديد هذا نحن، وهذا ما لدينا.. ولن نخاف من القرصان، ولن نموت من الرعب ونخلي أرضنا وديارنا للوحش الصهيوني الأميركي لمجرد أنه وحش.. سوف نتشبث بحقنا، وندافع عن أنفسنا، ونقدم أنموذجاً مشرفاً للأجيال القادمة.. حتى لا تموت الكرامة في الناس، ولا يموت الحق بينهم.‏

دمشق في 15/8/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |