صمود و انهيار مسارات التفاوض العربية – الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد (الجزء الخامس) - مقالات ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2004

تحية للشهيد "أبو شنب"

صباح الخميس 21 آب 2003 استشهد المهندس إسماعيل أبو شنب، " 53 سنة"، أحد القادة السياسيين المؤسسين في حركة حماس، نتيجة عدوان آثم شنَّته مروحيات الاحتلال الصهيوني مدعمة بطائرات إف 16 قامت بإطلاق ستة صواريخ استهدفت سيارته قرب وكالة غوث اللاجئين، في حي صبرا بمدينة غزة، واستشهد معه اثنان من مرافقيه. وكانت قوة الاحتلال قد عززت وجودها في المدن الفلسطينية بعد علمية استشهادية تمت في القدس الغربية في تمام الساعة التاسعة من مساء الثلاثاء 19 آب 2003 عند شارع 1 قرب فندق الزيتون، وقتل فيها عشرون من المحتلين الصهاينة المتشددين، وجرح ما يزيد عن مئة منهم. وقام بالعملية طالب ماجستير فلسطيني، هو رائد عبد الحميد مسك "29 سنة" انتقاماً منه للشهيد محمد سدر، ورفاقه من عناصر حماس والجهاد الإسلامي وفتح الذين اغتالتهم قوة الاحتلال في الأسبوع الماضي. ورأت فصائل المقاومة، وبعض السياسيين والمراقبين أن الصواريخ التي وجهت للشهيد أبو شنب كانت الرصاصة الأخيرة ضد الهدنة والجهود الدولية.‏

وعملياً لم يتوقف الكيان الصهيوني عن تدمير الهدنة التي أعلنتها الفصائل بالاتفاق مع السلطة الفلسطينية في 29 حزيران الماضي، ولم يكف عن التهديد والتصعيد منذ " قبوله خريطة الطريق"، ولم يكن لديه سوى الخداع والمناورة في كل ما يتصل بها وبالعملية السلمية، وقام بكل ما من شأنه أن يظهر الفلسطينيين: سلطة ومقاومة، وحزب الله واللبنانيين والسوريين وجامعة الدول العربية وإيران..إلخ بمظهر المسؤولين عن عدم تنفيذ الخريطة الفخ، وعن التوتر والتصعيد اللذين يقوم بهما في المنطقة، وعن الاختراقات المتكررة للهدنة من جانبه. وفي العمق لم يتوقف حليفه الأميركي عن تحريض السلطة على قتال المقاومة، ولا عن دعم الكيان الصهيوني وتحريضه، سواء أكان ذلك بالمواقف أم بالمال والتصريحات للقيام بكل ما من شأنه أن يوصل المنطقة إلى أوضاع متفجرة، ويجعل الفلسطينيين يقتتلون فيما بينهم ويصفي بعضهم بعضاً، لأن ذلك هو المطلب الأساس للحليفين، وهو غاية خريطة الطريق ونهايتها.. وإذا كان ذلك لم يقع حتى الآن، فلوعيٍ مسؤول في الجانب الفلسطيني، سلطة ومقاومة يستحق التحية ونسأل الله أن يستمر.‏

وإذا دققنا في خريطة الطريق نجد أن شرطها الأساس كان إنهاء الانتفاضة، وتدمير المقاومة بالقوة وتكليف السلطة الفلسطينية القيام بذلك.. وإلا..؟! وعندما توصلت السلطة والمقاومة إلى الهدنة لم يكن تعليق الصهاينة والأميركيين إيجابياً، وذكَّروا بضرورة اجتثاث، "استئصال" المقاومة.. استئصالها، فقد قال الرئيس جورج بوش في 21 حزيران 2003 "لقد أبلغني أحد بالتقرير، وأنا في طريقي إلى هنا. سأصدق التقارير عـن (هذه الهدنة) حينما أراها، في ضوء تاريخ الإرهابيين في الشرق الأوسط. والامتحان الحقيقي لحماس والمنظمات الإرهابية هو التفكيك الكامل لشبكاتها الإرهابية".‏

وقال وزير خارجيته كولن باول في مقابلة مع شبكة إن بي سي التلفزيونية يوم 30 حزيران/يونيو "..إلا أن وقف إطلاق النار لن يكون كافياً. وعلينا في النهاية أن نصل إلى نقطة تستأصل فيها قدرات الإرهابيين القائمة حاليا لدى هذه المنظمات.".‏

لم تكن هناك نية صادقة على الإطلاق في التوجه نحو حلول منصفة من أي نوع لقضية الشعب الفلسطيني العادلة، وموضوع الصراع العربي الصهيوني بعد عقود من المعاناة الشديدة، على الرغم من إطلاق المبادرات والتصريحات والحملات الإعلامية.. ولم يكن ذلك سوى خداع غربي صهيوني كشفت عنه الممارسات وتكشف عنه الأيام يوماً بعد يوم، والأحداث حدثاً بعد حدث.‏

فلم ينفذ الكيان الصهيوني شيئاً من التزاماته حيال "خريطة الطريق" التي جاءت مقدمة للعودة إلى اتفاق أوسلو من وجهة نظر البعض، وثبت أنها البديل الأشد بؤساً لاتفاق بائس أصلاً، وأنها خدعة وتأسيس لفتنة دموية. ولم يفعل العدو الصهيوني شيئاً بعد الهدنة التي التزمت بها الفصائل مدة شهر ونصف تقريباً سوى العمل على تدميرها، وتحميل الفلسطينيين وغيرهم مسؤولية ذلك التدمير؟!‏

لم تكن خريطة الطريق حلاً ولم يقصد بها الحل، وإنما كانت في الحقيقة فخاً وفتنة كما أشرت، لقد كانت مجرد جزرة عفنة علقها الأميركي بخيط الخداع أمام عيون بعض العرب الذين اتفق معهم سراً على المساهمة في تقديم تسهيلات و" مشاركة" في حربه العدوانية على العراق، وأبرزها في الإعلام للاستهلاك أمام رأي عام يتلهى بأي شيء يقدمه لـه الإعلام المسيطَر عليه صهيوـ أميركياً. ولكي يقدَّم هذا الموضوع بصورة خداع مناسب أخرجت الإدارة الأميركية من جراب الحاوي الذي تحمله: " المجموعة الرباعية" وجعلتها تشارك في صياغة خريطة الطريق أو " رؤية الرئيس بوش" التي تضمنها خطابه في 24 حزيران 2002، وكلفتها بأن تروج لتلك الخريطة وتسوِّقها؛ ثم جُمِّدَ دور الرباعية بشكل تام إثر الإعلان عن الخطة الذي جاء بعد سقوط بغداد في 9 نيسان 2003 لأن اللعبة قد انتهت، ولأن الكيان الصهيوني اشترط ألا يكون لأحد غير الولايات المتحدة أي دور فيها. وكان ذلك في أصل اللعبة التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين الأميركي والصهيوني حصراً، حتى في تفاصيل صوغ خطاب الرئيس بوش المسمى خطاب الرؤية. وإذا كان بيان الرباعية لم يخرج عن حدود ما كانت قد رسمته رؤية الرئيس بوش في خطاب الرابع والعشرين من حزيران 2002، فمن الضروري أن نؤكد على أن ذلك الخطاب الذي كان أصلاً لسان حال شارون، أو على الأصح كان ورقته التي أعدها بمعرفته ثلاثة صهاينة هم: العميد موشي كبلينسكي، ورئيس الموساد إفراييم هاليفي، والمبعوث الشخصي لشارون أرييه غنغار، الذين تعاونوا مع نظراء لهم في الإدارة الأميركية ومع "إيباك" حتى جاءت النتيجة على هذا القدر من التطابق؛ وقامت هذه المجموعة كما يقول الصهيوني دان مرغليت، ببلورة كل التفاصيل فيما أصبح يعرف لديهم بـ "القائمة"، التي أُنضِجَت بالتعاون مع الإدارة الأميركية في أثناء / وبعد انتهاء/ زيارة شارون السادسة لواشنطن. و " القائمة " هي النص الذي أصبح يحمل اسم خطاب بوش أو خطاب الرؤية؟! وما أخفي في الأدراج من "القائمة" يتم تنفيذه الآن بأشكال مختلفة من خلال حلفاء الطرفين وأصدقائهم، واللجان التي تعمل لخدمة مصالحهم تحت غطاء دولي أو "مستقل"، ومن خلال مبعوثين للإشراف على تنفيذ الخطة يسميهم الرئيس بوش اختصروا باليهودي الصهيوني جون وولف المكلف بالإشراف على التنفيذ بدلاً من إشراف الرباعية التي غابت.‏

وحسب الاتفاق الخفي، قدم شارون في تظاهرة إعلامية كبيرة قبل موعد الإعلان عن خريطة الطريق اعتراضاً تضمن أكثر من مئة نقطة مما جاء فيها، فقيل أمام الرباعية والعرب: إن الخريطة لن تعدَّل؟ وقيل لشارون وحكومته ومجموعات الضغط الصهيونية: إن الإدارة الأميركية ستعالج كل ما من شأنه أن يزعج "إسرائيل" في أثناء تنفيذ الخطة"؟!‏

وهكذا كان.. ففي الخطوة الأولى استبعد الأميركيون الرباعية من الإشراف والمشاركة، ووضع الرئيس الأميركي الصهيوني جون وولف مشرفاً على التنفيذ، وقال بيهودية الدولة في خطابه في العَقَبَة، مما يعني عملياً إلغاء حق العودة ورفع سيف التهجير " الترانسفير" فوق رقاب الفلسطينيين الذين لم يخرجوا من أرضهم عام 1948، وبعد ذلك أصدر مجلسا الكونغرس قراراً يتعلق بالقدس عاصمة أبدية غير مقسمة للكيان الصهيوني، وأباح لشارون ملاحقة عناصر حماس والجهاد وفتح، وتصفيتهم، وتدمير ما يشاء من البيوت والأحياء والبنى الحيوية والحياتية بحجة القضاء على ما يسميه " الانفجاري الموقوت" أو " الإرهاب الموقوت "، أي المقاوم ضد الاحتلال المدرج على قوائم التصفية الصهيونية. ووضع رئيس حكومة فلسطينية مهمته الأولى تنفيذ ما جاء في خريطة الطريق وعلى رأس ما ينفذه منها، وقبل الخطو الأول على تلك الطريق: القضاء على الانتفاضة وتصفية المقاومة واجتثاثها " استئصالها" وفق كلام باول، وسحب السلاح من فصائلها، وتدمير البنى والهياكل العائدة لها بشكل تام. ووضع لهذه الخطة ثلاثة من المتنفذين المدعومين وصفهم الصهاينةُ بانهم: الرأس والقلب والعضلات، حسب المؤهلات والمهام.‏

واستجاب الفلسطينيون لرغبة " المجتمع الدولي"، ناضلوا واجتهدوا فكانت هناك هدنة مدتها ثلاثة أشهر يجري في ظلها تنفيذ بعض الخطوات المرسومة في الخريطة من دون اللجوء إلى " الحرب الأهلية التي يطلبها شارون ويباركها بوش.. ولكن ذلك كان يصطدم بالتصعيد الصهيوني الذي يطلب دم الفلسطيني بيد الفلسطيني، ولم يتوقف الصهيوني عن القتل والملاحقة والتدمير من دون أن يرتفع من " المجتمع الدولي" صوت يحتج على ذلك.‏

وبعد مضي شهر ونصف تقريباً على الهدنة بدأ شارون وبطانته الحديث عن صواريخ القسام التي " تقلق إسرائيل"؟! يا للعجب ؟؟ صواريخ يصنعها حدادون يصل مداها إلى ثلاثة كم في أحسن الأحوال تقلق الكيان الصهيوني الذي يملك رابع ترسانة سلاح في العالم، وأقوى جيش عدواني في المنطقة؟! وهو قلق من الخطر الداهم الذي تشكله صواريخ القسام ـ تذكروا أسلحة الدمار الشامل العراقية التي يتم استخدامها خلال خمس وأربعين دقيقة، وهي تهدد الولايات المتحدة والمنطقة والعالم كله ! ـ وبدأ المسؤولون في الكيان الصهيوني يستعجلون عناصر السلطة للقيام بالحرب " على الإرهاب"؟! أي بالحرب الأهلية المطلوبة، ويقومون بكل ما من شأنه جعل الفصائل الفلسطينية التي دخلت في الهدنة باتفاق مع السلطة تنقضها، ليحملوها والسلطة مسؤولية ذلك النقض.‏

في أثناء الوقت الذي مرَّ بين إعلان الخريطة، وإعلان الهدنة، والقضاء عليها باستشهاد القائد السياسي "إسماعيل أبو شنب"، لم يتوقف الاستيطان الذي كان شرطاً من شروط البدايات في التنفيذ بل ازداد عدد المستعمرات، ولم تتوقف ملاحقة قوة الاحتلال لقيادات المقاومة وعناصرها وتصفيتهم وهدم البيوت، ولم يتوقف بناء السور الذي يقضي عملياً على الخريطة ومرجعياتها ويقضم الأرض الفلسطينية ويحاصر الفلسطينيين، ويفتت ما بقي من تواصل بين مدنهم وقراهم وبينهم وبين القدس عاصمتهم التاريخية، ولم يتوقف التهديد الصهيوني والتحريض الأميركي على إشعال الفتنة بذرائع شتى. وبعد الزيارة التي قام بها أبو مازن إلى واشنطن، وزيارة شارون التي تلتها مباشرة، عاد شارون من لقائه الثامن مع الرئيس بوش حاملاً هدية ذات دلالة استراتيجية عقائدية، وإشارات تكتيكية خفية هي خريطة " إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وفيها مدينة بابل؛ إحدى مدن العراق المحتل، وذات الصلة التاريخية بالذاكرة اليهودية، وبدأ شارون على الفور ملاحقة دموية لعناصر قيادية في المقاومة وتصفيتها، وأخذ يجتاح المدن والقرى من جديد، ويناور بفعل ينقضه آخر.. وكان الصوت في فلسطين المحتلة بين الصهاينة يعلو: إن الهدنة قاربت على الانتصاف، ولم تقم السلطة بعد بتصفية حماس والجهاد الإسلامي وعناصر فتح وفصائل المقاومة الأخرى، وإن بوش استمع إلى الصوت الفلسطيني، وقد يستمع إليه مرة أخرى.. "ولذلك سوف نتحرك نحن لأنهم لم يتحركوا وقبل أن تنتهي الهدنة"؟!‏

أكثر من سبعة عشر خرقاً للهدنة، وأكثر من إحدى عشرة نقطة استيطانية جديدة أقامها المحتلون، وعشرات الشهداء والجرحى ومئات المعتقلين، وعشرات البيوت المدمرة، ومئات الهكتارات المستولى عليها، والكثير من التصريحات الصهيونية الاستفزازية والتهديدات صدرت عن شارون ووزيري خارجيته وحربه، وعن رموز في حزبه وأحزاب أصولية صهيونية أخرى، كلها تريد أن تقوض الهدنة، وتحمِّل الفصائل والسلطة وعرفات وحزب الله ولبنان وسورية وإيران مسؤولية ذلك.. وأخذ سيل من الفجور السياسي والإعلامي يغمر الحقائق، ولم يتحرك أحد ليقول كلمة ذات معنى ومصداقية.. حتى في معظم أجهزة الإعلام العربي يزحفون على بطونهم وراء الافتراء الصهيوني ـ الأميركي، ولا يريدون رؤية الحقائق من وجهة نظر موضوعية محايدة، ولا نقول عربية موالية للوطن والشهادة والحرية والتحرير والتاريخ والعقيدة؟!‏

لم يتحرك العرب بمواجهة ذلك، ولم تتحرك الأمم المتحدة ومجلس الأمن وبقية أطراف الرباعية، ولم يخرج "المجتمع الدولي" من جراب الحاوي الأميركي.. ولم. ولم .. ولم..‏

شارون وحده مسموع الصوت، يسيل من شدقيه الدم الفلسطيني، ويتابع خطته لتدمير كل فرص التفاوض والتفاهم بين الفلسطينيين من دون عوائق أو اعتراضات أو إدانات أو روادع.. إنه رجل "السلام"؟!‏

وبعد أن طفح الكيل، وقامت الفصائل الفلسطينية بالدفاع عن نفسها بالرد على عمليات القتل والملاحقة والاجتياح والتدمير، وإحراق الأسرى الفلسطينيين في معسكرات اعتقالهم.. أخذت الأصوات " الحكيمة" تتدفق وعظاً وعقلاً وحرصاً على " السلام والهدنة وخريطة الطريق.. والشعب الفلسطيني".. و"اليهود الأبرياء"؟! يا لبؤس هذا العالم المسكون بالرعب الأميركي والإرهاب الصهيوني، ومنطق القوة، وتزوير الوجدان برزم المال.. عرب يرطنون بإدانة المقاومة والاستشهاديين بعد الجريمة البشعة ضد " أبو شنب " في غزة ويحملونها المسؤولية، وينضم إلى الحملة بعض أهل البيت الفلسطيني للأسف من دون التذكير بحقائق ما كان من عدوان العدو، وخرقه للهدنة مما استدعى الرد عليه، حيث يقول قائل حسب وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" "..إن ما جرى في القدس يوم أمس من تفجير أحمق هو إرهاب بكل المقاييس" وقد نسي ما لحق ويلحق بالمدنيين الفلسطينيين من إبادة منظمة ومستمرة يقوم بها الإرهاب الصهيوني، وتستدعي من المستهدفين أن يدافعوا عن أنفسهم وأطفالهم وأسرهم وأملاكهم.. ولا نقول أوطانهم ومقدساتهم.. حتى لا تكبر القضية، وتصبح فوق همم أهل الهمم في الأمة..‏

.. كولن باول في مؤتمر صحفي لـه مع كوفي عنان يوم الخميس 21 آب 2003 بعد ساعات من اغتيال الكيان الصهيوني للشهيد "إسماعيل أبو شنب" قال: "على المجتمع الدولي أن يضغط على حماس لتوقف هجماتها على إسرائيل"؟ ولم يذكر اغتيال "إسماعيل أبو شنب" ولا عدوان الكيان الصهيوني السابق على عناصر من الجهاد وحماس وفتح في نابلس وطولكرم والخليل.. لم يراهم ولا يمكن أن يراهم، فهو لا يرى إلا من خلال منظور محدد مسبقاً، منظور ليس لـه علاقة بالواقع والوقائع..‏

عالم يدين الفلسطيني، ولا يرى جريمة الصهيوني، واستمرار احتلاله وعدوانه.. وفيض من الغثاء يطفح في الشوارع العربية يختلط فيه الصالح بالطالح من الرأي والقول والفعل والمشاعر والأحكام؟!‏

ونسأل: متى نكون نحن العرب مع الحق ولا أقول مع أنفسنا؟! متى نكون مع التحرير الذي هو أساس الحرية والديمقراطية والنهضة والرؤية السليمة والحكم السليم، بدلاً من الاندلاق كلاماً برطانة يمليها المحتل والمختل وصاحب القوة الهمجية والارتباطات الرديَّة؟ متى نكون بشراً نميِّز الأمور ونزنها بمسؤولية ودقة، وننصر من يقع تحت سيف الظلم بدلاً من أن نطالبه بالخنوع والتسليم والقبول بالذل، وبالسكوت عند الذبح حتى لا ... حتى ماذا؟! وهل يبقى من الحياة ما يستحق التعلق به بعد ذهاب الأرض والكرامة والحرية، وهدر الدم وكل قيم الحياة ومقوماتها؟! ألا نجد في العرب الذين يحاربون بسيوف الغرب نصيراً للحق في أرض العرب، وهم يعلنون أنهم أنصار الحرية والحق في العالم؟! أليست المقاومة الفلسطينية في موقع الدفاع عن النفس، وهي المستهدفة في كل لحظة سواء التزمت بالهدنة أم لم تلتزم؟ أليس المطلوب علناً " استئصالها" حسب كلام ممثل الرئيس بوش، وحسب خريطة شارون المرعية التنفيذ أكثر من الخرائط والخطط كلها؟!‏

فلنستيقظ لأن النوم طال واستطال ونبت في جنباته الخطر الداهم، وأصبح الدفاع عن النفس واجب الحي. ولننصر المظلوم من أهلنا بعد أن خذله الناس وخذلـه ذووه طويلاً وأصبح نصره قضية إنسانية عامة بكل المقاييس، وليس قضية قومية، لمن يكرهون انتماءهم العربي، ويقاومون المنتمين العرب عملاً بالوصفة الأميركية:" تبرؤوا من أنفسكم تشفوا وتتعافوا" ونفتح لكم باب الانتماء "للمجتمع الدولي"؟؟.‏

رحم الله الشهيد " أبوشنب" والشهيد "مسك" وجميع الشهداء، والنصر لقضيتهم .. قضية المقاومة وقضيتنا، بعون الله.‏

دمشق في 22/8/2003‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |