|
ولا يقنطن أحد من رحمة الله
الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر2001.. نعم هذا هو اليوم الذي شاهد العالم فيه رمز العظمة في نيويورك يحترق ويتهاوى، وذكراه هي ما يشغل الناس هذه الأيام. أما استخلاص الدروس العميقة والبعيدة مما حدث، وتلك مسؤولية الأطراف المعنية والتجمعات الدولية جميعاً، فأمر يبدو مستبعداً، فالولايات المتحدة الأميركية تتابع الحشد والحرب والتهديد والتوسع ونسج العلاقات المريضة، وعدوها المفتَرَض يعمل على مواجهة حملة العدوان بما أمكنه من القوة والحيلة والصمود، وحليفها الصهيوني يعمل في هذا الظل العالي من الغطرسة ليفرض مسيرة دموية على الشعب الفلسطيني. لست معنياً بالحديث اليوم عن الحادي عشر من سبتمبر، ولا عن عظمة واشنطن التي تترجم عن نفسها احتلالاً ودماً ودماراً وتهديداً للآخرين وهيمنة على شؤونهم، وتشويهاً للحقائق والوقائع، وتستخدم التضليل والخداع لجر الأمم إلى شراكها، ومنها المشاركة في احتلال العراق، وتسويغ ذلك الفعل الذي عارضته أمم ولم تجرؤ على إدانته!؟
أنا معني اليوم بألم شعبي الذي لم يتوقف دم بنيه عن التدفق في الدروب والساحات، وتحت أنقاض البيوت، والعمارات المدمرة، والبيَّارات المجرَّفة، ليصنع ربيع الحرية والأمن والسلام في ربوع أرض القدس والمسيح والمعراج.. أرض المحبة والسلام، شعبي الذي يُسحَق ساعة بعد ساعة، ويقوم من رماده مرة تلو أخرى، ويعاني الأمرّين تحت سمع العالم وبصره من دون أن تتحرك لنجدته ضمائر تبدو مهاجرة أو مهجورة؟!.. أنا معنيّ بمقاومة شعبي للاحتلال، وصبره على المحنة، وبطولة أبنائه، وصموده الأسطوري بوجه العنصرية، وآلة الدمار والحقد البغيض الذي يفيض به الاحتلال الصهيوني في فلسطين.. معنيّ بما يجري في غزة ورفَح والقدس والرمْلَة ونابلس والخليل وطولكرم، والمخيمات التي تشهد وحشية الصهيونية، وهمجية من يدَّعون أنهم ينصرون الحق، ويدافعون عن الحرية، ويعملون من أجل الديموقراطية والتقدم البشري؟!.. كذب.. ما أقبح الكذب.. والكذابون هم، ويا سوء ما يزرعون في نفوس الكبار والصغار مما يسكت عنه رسميون وشبه رسميين، ومعنيون من العرب، ولن تنساه أجيال أمة العرب.. يزرعون ما سوف يحصد الجميع زؤانه المر.. ولكن.. ما العمل والعدو يقتحم علينا أرضنا وبيوتنا وأجسادنا؟!.
أنا لست معنياً بانهيار رمز العظمة اليوم، ولا بالأكاذيب والخدع التي كانت وراء العدوان على العراق، والتي تدبر للعدوان على غيره، ولا بالتهديد المستمر لدول في المنطقة تحت ستار من التضليل والخدع والأكاذيب من صنف ما عرفه العالم عن الثلاثي الشرير، وقاد ويقود إلى تدمير العراق وأفغانستان وفلسطين.. فالعدو عدو، ولن يقدم لك ما يطمئنك أو يحميك أو ينقذك.. بل معني أنا بسؤال مر يتعلق بأمتي ومواقفها، بشعبي العربي وصمته الرهيب وسلبيته القتَّالة، بثقافتي وموقفها والاستهداف الذي تتعرض لـه حتى من بعض أبنائها، بالتزوير والتشويه اللذين تمارسهما أطراف، وتقبلهما أطراف وتسكت عنهما أطراف.. معني بألف سؤال وسؤال حول أمة تحولت إلى أشلاء ولا نسمع لها صوتاً، ولا نلمس لها حراكاً رغم فظاعة ما يجري لها ولأبنائها وعمرانها وقضاياها وخطورة ما ينتظرها!؟
في هذه الأيام تغرق الولايات المتحدة الأميركية في وحول العراق، ومع ذلك يتعاظم نفوذها في المنطقة، وتصنع حقائق على الأرض تشكل بمجملها براهين على هيمنتها الواسعة، وسيطرتها على مفاصل القرار السياسي العربي!؟ وفي هذه الأيام ينكشف عجز الأمة عن القيام بأي فعل منقذ إلى حد يدعو إلى الذعر، حيث يتابع المرء بذهول ما تبنيه سياسات وما تنقضه بين عشية وضحاها من مواقف وآراء وتوجهات وقرارات، والمروع أنها تنقض ما يملي عليها العدو الصهيوني أن تنقضه مما أبرمته رداً على عدوانه، وممارساته العنصرية، واستهانته بقراراتها ومواقفها، وتنقض ما تبرم من قرارات أملاها موقف عربي سليم من العدوان والغزو والاحتلال منفذة ما تأمر به واشنطن التي تحتل العراق، ومواقع القرار السياسي والاقتصادي في الكثير من البلدان العربية، وهم يدعون إلى التحرير والحرية والسيادة.. إلخ؟!. لقد نقضت معمار الجامعة الذي هو مجرد هيكل ورقي يمحو في الليل ما يكتبه صناع " الحبر ـ ورق " في النهار، فعلت ذلك حين نقضت قرار لجنة المتابعة حول مجلس الحكم الذي عينه المحتلون، معززة الحضور الأميركي في اجتماعات الجامعة، وتشاء المصادفات أن يأتي ذلك بعد تصريحات متضاربة لممثل الاحتلال في العراق من جهة، وناطقين باسم الجامعة العربية من جهة أخرى، أسفرت عن انتصار أهل المجلس على أهل الجامعة؟! وعلينا أن نتذكر جيداً، بعد أن اتخذ قرار الجامعة بشأن شغل مقعد العراق، ما ذكَّرنا به أحمد الجلبي في لقاء لـه "متلفز"، حيث قال مستهتراً من طرف خفي بالرأي الرسمي العربي اعتماداً على الوعد الأميركي القوي: "تذكروا أن القوات الأميركية أتت إلى العراق من بلدان عربية وليس من الخارج"!؟ وهاهي قرارات للجامعة تأتي من خلال بعض الأقطار العربية وليس من الخارج، وهاهي الجامعة تشارك في تدمير المقاومة الفلسطينية بالصمت، أو تسكت على تدميرها بقرارات من " الباطن" يشير إليها بوضوح استقبال ممثلي شارون وفتح مكاتب وإعادة فتحها للعدو في عواصم عربية قبل أن يبرد دم الشهداء وتدفن جثماناتهم، وقبل أن يتوقف العدو عن القصف والقتل والتدمير والملاحقة؟!
سيقول قائل إننا نحرّض، وهذا لا يرضى عنه الأميركيون، وأننا نحرّض وهذا لن يوقف الصهاينة عن القتل، وأننا نحرّض وهذا سيغرق الفلسطينيين في المزيد من الدم والدمار، ولن ينقذهم ولن يخفف عنهم.. وإننا نحرّض وهذا قد يدفع بعض الفلسطينيين إلى الفعل الذي يجر عليهم فعل التدمير والاجتياح والاحتلال والقتل الذي لا يدفع غوائله عنهم أحد، وبذلك نورطهم ولا نخدمهم ونعطل الحلول السلمية ولا ندفعها إلى الأمام؟! كل هذا يمكن فهمه، وتفهم ما يقف خلفه من رأي ورؤية، ولكنه يسقط ويتناثر مثل ريش الطائر عند عتبة مشروعية الدفاع عن النفس بمواجهة القوة الهمجية التي تريد دمك، ولا يحكمها قانون ولا خلق ولا ميثاق ولا اتفاق، ولا تريد أن تتوقف عند حد قبل إبادة الإرادة والجسد وعمران البلد، مما يجعلك مضطراً إلى القول: " مادام القتل مستمراً وقادماً نحوي أياً كنت و أياً كان موقفي فليكن لدمي ثمن.. ومن العار أن تموت جبانا"؟!
أمريكا يتعزز وجودها وحضورها وتأثيرها في كل موقع، حتى في مساحات تفجُّر الدم العربي في غزة والضفة وفلسطين المحتلة منذ عام 1948 وهي تعزز مواقع حليفها الصهيوني باستمرار، وتدفعه إلى القتل والاستيطان بسكوتها عنه وإدانتها كل فعل يقوم به سواه.
ومنذ خطابات زعماء عرب أمام الرئيس بوش في شرم الشيخ والعقبة، أو قسمهم على نحو ما أمامه، تتلاحق عمليات القتل والتصفية وهدم البيوت وتجريف التربة واغتيال القيادات والمدنيين والأطفال في فلسطين، ويستمر الاستيطان وبناء السور وقضم الأرض وتهديد المسجد الأقصى، ويتراكم، الصمت العربي على ذلك، ويرين فوقه الماء ويكثر الرغاء.
ولم لا يكون ذلك كذلك، وقد قدّم قادة عرب باسم أمتهم ضمانات، وأقسموا ما يشبه اليمين أمام الرئيس الأميركي على أن يعملوا ويدعموا كل من يعمل على إنهاء المقاومة الفلسطينية التي سموها "إرهاباً"، وأن يعملوا مع كل من يعمل على تدمير بنيتها وبنية مؤسساتها والقضاء عليها تماماً، وأن يقطعوا عنها الدعم ويجففوا منابع تمويلها، وفي النتيجة هم يسكتون عن ملاحقة عناصرها وتصفيتهم، ولا يعترضون على أشكال الاجتياح والاعتقال والحصار والتضييق والملاحقة بطائرات الأباتشي والـ ف 16 والدبابات.. فمن يوافق على الغاية لا يسأل عن الوسيلة ؟!
في يوم الأربعاء 10 أيلول/ سبتمبر 2003 لاح الثوب الأبيض للطبيب الجراح محمود الزهار من بين ركام منزله في حي صبرة في غزة، أو خرج ما كان يمكن أن يكون لـه كفناً من بين الأنقاض ليصيح صوتُه بالناس: ارفعوا أصواتكم بالتكبير، وانتشلوا الجثث ولا تستسلموا؟! كان ابنه البكر الطبيب خالد " 26 سنة" بين الأنقاض، وتطايرت جثة حارسه الشخصي شحدة الديري في كل مكان، ووجد جزء منها في الشارع الآخر المجاور لمنزله فوق سطح مسجد الرحمة بغزة، وجُرحت زوجُه وابنتُه فيمن جرح وهم بالعشرات.. فمن من العرب قال: لا، بصوت لـه هزيم الرعد وصدق الوعد محتجاً بحميّة على هذه الجريمة النكراء، ولو بتصريح، أو بفعل ذي معنى ينبع من موقف مبدئي، ويعبر عن انتماء عربي؟!
نعم لقد جاء الهجوم على بيت الدكتور محمود الزهار بعد عمليتين استشهاديتين تمّتا في فلسطين المحتلة: الأولى في محطة حافلات لنقل الجنود تقع قرب قاعدة " تسفرين" على طريق تل أبيب جنوب الرملة، والثانية في مقهى بالقدس، وقتل فيهما أربعة عشر من الصهاينة وجُرِح عشرات.. ولكنهما كانتا رداً على محاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، والشيخ إسماعيل هنية، وعلى اغتيال أكثر من أحد عشر عنصراً قيادياً في صفوف حماس، وسقوط عشرات الجرحى من الأطفال والمدنيين الفلسطينيين، وهدم الكثير من البيوت، وتجريف بساتين الزيتون التي تشكل المقوم الرئيس لعيش الفلسطيني في وطنه.. فهل الدم لا يساوي الدم ولا يستدعي الدم ولا يستحقّه؟! وهل الفلسطيني لا قيمة لـه والصهيوني يساوي الأمم؟! ما هذا السخف الذي يعشش في عقول اليهود والأميركيين، ومن مالأهم وسار في دروبهم الممتلئة بأوحال العنصرية والكراهية تجاه الآخرين؟!.
والسؤال موجه إلى الأمم وإلى العرب من بين الأمم: إلى متى يبقى المستودع البشري الفلسطيني ينزف بشكل جزئي ويستهدَف ويستَنزَف بصورة كلية بين صمت العرب، وإدانة الغرب، والمشاهدة اليومية البليدة للأمم؟! إلى متى تبقى هذه الازدواجية الكريهة في المعايير والمواقف، وردود الأفعال التي دخلت إلى الممارسة الرسمية العربية بكل أسف من باب واسع؟! الصهيوني يلاحق الفلسطيني الذي يرفض الاحتلال والاستسلام والذل، والأميركي يلاحقه أيضاً ويشترط على الفلسطيني الرسمي أن يلاحقه ويحاربه ويستأصله، وإن لم يفعل فلن يصبح مقبولاً وأهلاً " للثقة"؟! قالت كونداليزا رايس مستشار الرئيس بوش: "... نأمل أن يواصل المجلس التشريعي الفلسطيني التصرف بأسلوب يخول رئيس الوزراء سلطة محاربة الإرهاب." وهي تقصد المقاومة كما هو معروف ومعهود من تشويه الأميركيين للمفاهيم والمصطلحات والحقائق.
ويفعل كثير من العرب فعلاً مشابهاً، مع بعض الفروق التي لا تؤثر في النتيجة: فبعضهم يفعل ما يطلبه الأميركيون لمصلحة الصهاينة، وهو يردد شعارات مشوبة بحماس مغاير أو مضاد لما يفعله، وبعضهم يفعل ما يطلب إليه فعله ولا يبدي علامات الرضا، وبعضهم يضع على وجهه قناع " البقرة الضاحكة" ويمضي مع تيار الفعل المطلوب من دون أن تُعرف لـه ملامح؟
وينصاع الأوربي لما يطلبه الأميركي واليهودي مبتلعاً كل ما يدعيه ويتخمنا به من حديث عن القيم الإنسانية والحضارة والمبادئ وحقوق الإنسان والمساواة والحرية والتحرير..إلخ، فعند قدمي اليهودي يخر الأوربي ساجداً يرتجف وينفذ ما يطلبه منه، وقد يغمز من طرف خفي كأنه يقول: لست راضياً من الداخل عما أفعل .. ولكن؟!.. لماذا يا ترى؟؟ هل ذلك خوف من " تهمة معادة السامية"، أم هو تواطؤ مستتر، وشراكة في مشروع إمبريالي كبير يأخذ كل فريق منه بطرف وفق خطة مرسومة؟! أم هو رسيس من الحقد التاريخي الذي يحمله الغرب للعرب والمسلمين؟؟ أم .. ماذا.. ماذا؟!
على من يرفضون نظرية المؤامرة كلياً أن يفسروا لنا معنى هذا الخضوع اللذيذ، والرفض الذليل والاستجابة المتمنّعَة؟! هل هو خوف؟! نرجو أن يكون ذلك خوفاً وليس تواطؤاً كي يُعطَى الأوربي وسام الطاعة الصهيوني عن جدارة..!
لقد أشادت رايس بقرار الاتحاد الأوروبي إعلان حماس "منظمة إرهابية" وتجميد أموالها، وقالت: "إن تلك خطوة هامة للشعب الفلسطيني، فهو لن ينال دولة عن طريق حماس، كما لن تحقق لـه دولة قيادةٌ لا تتمتع بسلطة."
وأضافت:"علينا أن نركز هنا على ضرورة مكافحة الإرهاب، وعلى ضرورة خلق قيادة فلسطينية قادرة على إنجاز المهمة."؟! فتدبروا تلك المطالب الاستراتيجية التي لا ترمي إلا إلى إشعال الفتنة، وتريد من الفلسطيني أن يخوض حرباً أهلية ضد أخيه الذي يموت من أجل الشعب والقضية!
عالم يبعث على الغثيان.. عالم من الأكاذيب المدوية تزينها القوة بكل ما يجعلها مقبولة ومرفوعة إلى مرتبة الحقائق الجديرة بالاعتبار!.. من قال إن عالماً كهذا يمكن أن يرتفع بالسوية الخُلقية والحضارية للبشر، وأنه يحافظ على الحقوق والحريات، ويقيم ديموقراطية سليمة لا تزيفها رؤوس الأموال على نمط ما شهدناه مع شركة الطاقة الأميركية العملاقة، شركة " إنرون" التي جاءت بالرئيس بوش إلى الحكم!
من قال إن الفضائل يمكن أن تنمو وتزدهر في مثل هذا المناخ؟ ومن قال إن القيم القومية والوطنية والإنسانية يمكن أن تعيش في مثل هذه البيئة؟! ومن قال إن هذا النوع من العلاقات والمعايير والأحكام يمكن أن توصل الناس إلى الأمن والسلام والسعادة والازدهار؟! لا تصدقوا.. الكذب لا يصنع السعادة، والعنصرية لا تشجع على المساواة، والفساد السياسي بأنواعه يقود إلى فساد في كل مقومات الحياة وأنواع السلوك وقيم التعامل والعمل.. لا تصدقوا.. الدم البشري المسفوك.. الدم المظلوم.. لا يصنع فرحاً ولا يُنبت محبة ولا يؤثّل أمناً، والظلم لا يسيِّج العدل ويقيم لـه قوائم في المجتمع البشري.. وكل قوة تقوم على القهر والظلم والغرور والبطش والهمجية لا بد أن تُقهَر وتزول.. نعم لا بد من أن تُقهر وتزول.
ولكن.. آه ما أمرَّ هذه الـ .. ولكن، ولكن.. كم من الوقت والتضحيات والأرواح يمكن أن تُهدَر حتى تسقط قوة ظالمة واستبداد مريع يرفع شعارات الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان ورفاه الشعوب؟!.
النصر على الشر آت يا بشر.. النصر آت يا بني أمي.. النصر آت يا إخوتي في فلسطين.. النصر آت يا شيخ ياسين.. يا أبا خالد الزهار.. يا أبطال المقاومة الفلسطينية النبيلة في كل مكان، فلا يقنطن أحد من رحمة الله.. ولينصرن الله من ينصره.
دمشق في 11/9/2003
|